رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

حكايات وأساطير‮ ‬رواها الفنان عبلة في أفق


مني عبد الكريم
12/17/2016 9:50:06 AM

‮"‬البداية كانت في الهند‮.. ‬والهند عالم كبير مملوء بالبشر والألوان والحكايات والأساطير‮ " .. ‬بهذه الكلمات وصف الفنان محمد عبلة الإرهاصات الأولي التي ظلت تنمو وتتبلور حتي انتهت إلي معرضه الأخير الذي استضافته قاعة أفق بمتحف محمود خليل وحرمه تحت عنوان‮ "‬علي طريق الحرير‮" ‬والذي ضم ما يقرب من‮ ‬75عملا فنيا قدمها بخامات متنوعة‮.. ‬ولكن الرحلة أخذت الفنان لأبعد من الهند‮.. ‬إلي العديد من الدول والحضارات التي قامت وتأثرت بطريق الحرير وهو الاسم الذي أطلق علي مجموعة من الطرق التي كانت تسلكها القوافل قديماً‮ ‬رابطة الصين مع العالم الخارجي وكان لها دور حضاري كبير‮  ‬من خلال التأثير المتبادل بين الحضارة الصينية والحضارات القديمة كالهندية والفارسية والعربية‮.‬
ولا تتوقف أهمية طريق الحرير علي تاريخه وحسب بل يعود الحديث مجددا عن أهميته مع التفكير في إحياء هذا الطريق مجددا،‮ ‬يعلق الفنان محمد عبلة قائلا‮: "‬كان طريق الحرير الذي امتد من أقصي الشرق إلي أقصي الغرب فرصة للإنسانية لكي تنقل المعارف والاختراعات والديانات واللغات،‮ ‬وبسببه عرفت البشرية السيوف وروضت الخيول وأقامت القلاع والحصون واخترعت العربات التي تجرها الدواب واخترعت النقود والورق والطباعة،‮ ‬عرف الناس قيمة أشياء كثيرة‮ ... ‬واختلطت الحكايات بالحقائق بالصور في داخلي أثناء تلك الرحلة من القراءة إلي الرسم تحت تأثير هذا الزخم متقمصاً‮ ‬روح الرسام من عصر الحكايات تارة وخطاط تارة أخري وصانع ورق وفنان موزايك وصانع ألوان‮ ... ‬فقد كانت رحلة خاصة‮."‬
وعبلة مشغول كذلك بالأساطير والحكايات،‮ ‬وربما كان هذا المعرض هو أيضا مواصلة للحكي لريم الصغيرة حفيدته،‮ ‬حيث يقول‮: ‬مع ميلاد حفيدتي تمنيت أن أحكي لها كما كنت أفعل مع أبيها فأقمت معرضا في العام الماضي أسميته‮ "‬حكايات لريم‮" ‬في قاعة مشربية‮ .. ‬وحاولت بقصاصات الورق أن أرسم لها حكايات بسيطة تقترب من خيال الظل‮ .. ‬ودون تخطيط مسبق وجدتني وقد تورطت في عالم الحكايات،‮ ‬وأخذت في جمع الكتب عن الأساطير والقصص الخرافية‮ .. ‬وقرأت حكايات الصين والهند وإيران وجورجيا وكازاخستان وبلاد العرب‮.. ‬والحكايات تنتقل من بلد لآخر محملة بروح جديدة وإضافات مبتكرة‮.‬
الحكايات في عالم عبلة مثيرة ومليئة بالتفاصيل،‮ ‬الأمر الذي علق عليه الشاعر والكاتب جمال القصاص قائلا‮:  ‬تبلغ‮ ‬الحكاية ذروتها درامياً‮ ‬وفنياً‮ ‬وروحياً‮ ‬حيت يتوحد الفنان معها‮ ... ‬وفي بحثه عن الجمال عايش الفنان محمد عبلة الحكاية،‮ ‬تشرب أنفاسها في كل الأماكن حتي أصبح المكان نفسه حكاية،‮ ‬لعب بكل إيقاعاته البصرية أدواراً‮ ‬فارقة في أعماله وتجربته الفنية والروحية‮ ... ‬قدم عبلة في هذا المعرض درساً‮ ‬في التعامل مع اللون والخامة وكيف يُثري كلاهما الآخر ويفيض عليه بحيوية وتلقائية‮ ... ‬وبرأيي هذا المعرض محطة مهمة في تجربته الفنية بكل نزقها وتمردها الدائم ومغامراتها في البحث عن روح ودماء جديدة في الفن‮.‬
كل تلك القراءات والمشاهدات التي تراكمت في وجدان الفنان تجسدت بوضوح في لوحات هذا المعرض حيث طبقات من الألوان والكولاج التي امتزجت معا،‮ ‬وهو ما يعلق عليه عبلة قائلا‮ :  ‬حاولت أن أستخدم تكنيكا يعكس روح الحضارات القديمة،‮ ‬حيث أرسم علي الماء باستخدام الإيبرو،‮ ‬ثم أطبعه علي الورق قبل أن أعيد صياغته باستخدام الكولاج،‮ ‬في استلهام هذه المرحلة‮ ..‬ويستطرد الفنان حين بدأت العمل منذ عامين‮  ‬لم أكن أعرف إلي أين ستقودني النهاية‮ ‬،‮ ‬تطورت طريقة الرسم‮.. ‬بحثت عن الخامات التي كانوا يرسمون عليها في تلك الحضارات‮ .. ‬علي ورق الأرز وورق الحرير‮  ‬وغيرها‮.. ‬وبدأت أحصل علي ورق من الصين واليابان والهند وأجرب عليها‮ .. ‬حتي طريقة‮  ‬التلوين نفسها المعروفة باسم الإيبرو أو الرسم علي الماء وجدت أن لها علاقة بطريقة التجليد القديمة وعرفت أنه فن مصري أساسا اسمه‮ "‬رمش العين‮" ‬لأن الحرفيين كانوا يضعون الألوان ثم يحركونها بأداة تشبه المشط،‮ ‬ولذا عرف باسم‮ "‬رمش العين‮" ‬وحين أخذه الأتراك أطلقوا عليه إيبروا وهي الترجمة التركية للاسم المصري‮ .‬
ومن لوحة لأخري كانت الحكايات تختلف،‮ ‬ففي واحدة من اللوحات التي عرفت أن اسمها‮ "‬مدينة النحاس‮" ‬امتزج الخط العربي بالأعمدة المتكسرة،‮ ‬وقد استلهمها الفنان من حكاية قديمة‮  ‬تروي أن أحد الفرسان حين دخل إحدي المدن وجد كل الأشياء والأشخاص قد تحولت لتماثيل حتي الشجر،‮ ‬وقد ربط الفنان دلالة هذه اللوحة بالواقع اليوم،‮ ‬فحضارتنا الآن متصلبة جدا تشبه تلك الأعمدة المتكسرة،‮ ‬ذلك الجمود قد يقودها للانهيار،‮ ‬أما الخطوط العربية فهي تجسد فعل الحكي‮.‬
اختار عبلة ألا يضع أسماء للوحات تاركا الخيال للمتلقي،‮ ‬حتي بورتريهاته التي قدمها واحتلت جدارية كاملة جاءت بلا ملامح،‮ ‬وهي كما يذكر الفنان شخصيات من عالم الحكايات هي الأميرة والفارس والخادمة‮ .. ‬الملامح أيضا تركها الفنان لخيال المتلقي‮ .. ‬أما تلك المجموعة التي خصصها عبلة للزهور فقد رمز بها للأمل،‮ ‬فالحديقة وردت كثيرا في الحكايات،‮ ‬حكاية الوردة الزرقاء التي طلبها الملك مهرا لابنته وغيرها كثيرا،‮  ‬تلك الزهرية التي ارتكن إلي جدارها الخارجي سلم ما هي إلا رمز للطموح والأمل‮ .. ‬في لوحة من اللوحات تخيلت أنني أكتشف العالم في ذلك القارب الصغير الذي توسط اللوحة العملاقة بين السماء والبحر‮.. ‬ولازالت اللوحة عالقة بخيالي حتي الآن
في رأيي خرجت حكايات عبلة في هذا المعرض متنوعة وثرية ومختلفة‮.. ‬وللحكاية بقية‮ ‬يرويها الفن من فنان لآخر ومن عمل فني‮ ‬لعمل آخر‮.‬    

تعليقات القرّاء