رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

مصر في‮ «‬حضرة المحترم‮»‬ و‮ »‬الباقي من الزمن سـاعة‮« ‬


د.محمد عبدالحليم‮ ‬غنيم
12/17/2016 10:19:52 AM

بقطع النظر عن قيمة نجيب محفوظ الأدبية وعن كثرة عدد رواياته بالنسبة لأي كاتب مصري أو عربي،‮ ‬فإنه منذ أن أصدر كتابه الأول‮- ‬والعجيب أنه كان عن مصر‮  " ‬مصر القديمة‮ " ‬لجيمس بيكي الذي ترجمه محفوظ عن الإنجليزية إلي آخر ما كتب من أحلام فترة النقاهة ومصر الحاضر والماضي والمستقبل ماثلة في كل رواياته،‮ ‬ولذلك‮ ‬يستحق هذا العنوان دراسة واسعة عميقة لا‮ ‬يتسع لها البحث هنا،‮ ‬فقد صور مصر بأكثر من طريقة في هذه الأعمال،‮ ‬فمرة نجد مصر ممثلة في شخصية نسائية ومرة في صورة رجل ومرة عبر الروح والتقاليد المصرية وغيرها من الأشكال والرموز‮.‬

سأكتفي هنا بالإشارة إلي عملين يمثلان اتجاهين مختلفين في إبراز صورة مصر،‮ ‬الأول‮ : ‬رواية حضرة المحترم حيث تبرز صورة مصر عبر سمة مميزة للشخصية المصرية ألا وهي احترام الوظيفة وتقديسها وذلك من خلال دراسة رواية‮ "‬حضرة المحترم‮". ‬والثاني صورة مصر عبر شخصية نسائية وهي الصورة المتكررة في معظم أعمال نجيب محفوظ بدءا من رواياته التاريخية إلي روايتنا التي نتوقف عندها اليوم"الباقي من الزمن ساعة‮".‬
ربما كانت شخصيات مثل حميدة في زقاق المدق وزهرة في ميرامار تغري بالدراسة،‮ ‬ولكن نظرا لكثرة الدراسات التي تناولت هاتين الروايتين آثرت أن أقف عند رواية‮ "‬الباقي من الزمن ساعة‮" ‬ربما لأنها تعد الحلقة المكملة للثلاثية‮. ‬فهذه الرواية مع الثلاثية يُعدان معادلا فنيا أو روائيا لتاريخ مصر الحديث منذ ثورة‮ ‬1919‮ ‬إلي منتصف الثمانينات من القرن الماضي ولا نبالغ‮ ‬إن قلنا إلي الآن‮.‬
‮(‬أ‮ )‬حضرة المحترم‮ ( ‬جلال الوظيفة‮ ) : ‬
نشر نجيب محفوظ رواية حضرة المحترم عام‮ ‬1975‮ ‬بعد أن أحيل إلي المعاش،‮ ‬وقد صب فيها خبرته كموظف بدأ السلم الوظيفي من أوله وارتقي فيه إلي نهايته،‮ ‬لقد حول نجيب محفوظ خبرته الوظيفية إلي نموذج فني تمثل في شخصية الموظف المصري عثمان بيومي،‮ ‬عاكسا به جانبا مهما من جوانب الشخصية المصرية في عمقها التاريخي وبعدها الآني في ذات الوقت،‮ ‬فما زالت الوظيفة أحد أبرز التطلعات التي يرنو إليها الفرد في مصر‮.‬
إن شخصية عثمان بيومي،‮ ‬تمثل في الواقع نموذجا لشخصية المصري منذ الفراعنة إلي الآن،‮ ‬في حرصه علي الوظيفة والنظر إليها باحترام وتقدير يصلان إلي درجة التقديس،‮ ‬وقد كان المؤلف‮ / ‬الراوي واعيا بذلك،‮ ‬فنقرأ علي لسان الراوي من خلال الصوت الداخلي لعثمان بيومي‮: "‬وقال لنفسه أيضا إن الموظف مضمون‮ ‬غامض لم يفهم علي وجهه الصحيح بعد‮. ‬الوظيفة في تاريخ مصر مؤسسة مقدسة والموظف المصري أقدم موظف في تاريخ الحضارة إن لم يكن المثل الأعلي في البلدان الأخري محاربا أوسياسيا أو تاجرا أو رجل صناعة أو بحارا فهو في مصر الموظف وإن أول تعاليم أخلاقية حفظها التاريخ كانت وصايا من‮ "‬أب‮" ‬موظف متقاعد إلي ابن موظف ناشئ‮. ‬وفرعون نفسه لم يكن إلا موظفا معينا من قبل الآلهة في السماء ليحكم الوادي من خلال طقوس دينية وتعاليم إدارية ومالية وتنظيمية‮. ‬ووادينا وادي فلاحين طيبين يحنون الهامات نحو أرض طيبة ولكن رءوسهم ترتفع لدي انتظامهم في سلك الوظائف.حينذاك يتطلعون إلي فوق‮. ‬إلي سلم الدرجات المتصاعد حتي أعتاب الآلهة في السماء‮. ‬الوظيفة خدمة للناس وحق للكفاءة وواجب للضمير الحي وكبرياء للذات البشرية وعبادة الله خالق الكفاءة والضمير والكبرياء‮ (‬1‮)‬
وهذه الفقرة علي طولها لا تمثل أفكار عثمان بيومي بطل الرواية فحسب لكنها تتقاطع مع أفكار المؤلف الحقيقي نجيب محفوظ‮ ‬،‮ ‬الذي كان أول إنتاجه الثقافي ترجمة جيمس بيكي عن مصر القديمة،‮ ‬حيث يصور الكتاب شكل الحياة في مصر الفرعونية،‮ ‬وإذا عدنا للفقرة فإن الرسالة فيها واضحة وهي أن الوظيفة من أبرز سمات الشخصية المصرية،‮ ‬إنها مرتبطة بالسلوك الفردي والنظام الإداري للدولة،‮ ‬بل وبناء الدولة القائم علي تقديس الحاكم،‮ ‬ولما كان الحاكم موظفا فالوظيفة مقدسة أيضا‮. ‬إن الوظيفة تأخذ بعدا أسطوريا،‮ ‬وهو ما حاول أن ينقله نجيب محفوظ لنا عبر مفردات البناء السردي‮. ‬
والرواية في جانبها الظاهري تمثل رحلة صعود شخصية عثمان بيومي ذي الأصل الوضيع في سلم الحياة والوظيفة معا،‮ ‬ولكنها رحلة قائمة علي المفارقة ففي الوقت الذي يرقي فيه عثمان وظيفيا مقتربا من أعتاب الإله،‮ ‬الذي خطف منه نظرة في اليوم الأول من تسلمه العمل ينزل فيه إلي أسفل الدرجات في السلم الاجتماعي،‮ ‬فقرار ترقيته إلي درجة المدير العام يأتيه وهو راقد بين الحياة والموت،‮ ‬بل وهو أقرب إلي الموت،‮ ‬فالطبيب يحذره من العودة إلي الوظيفة،‮ ‬فيجادله ولكنه في النهاية يرضخ،‮ ‬ويطلب من راضية زوجته الجديدة أن ينقل للعلاج في المستشفي بعيدا عن المنزل الذي كان قد بدأ يشعر فيه بالغربة منذ أن سمع العمة تحاور راضية وتصفها بالطمع وتقول لها لا فائدة،‮ ‬وهي عبارة تنطبق علي عثمان مثلما تنطبق علي راضية‮. ‬وهكذا يعيش عثمان بيومي وحيدا في المستشفي منتظرا نهايته،‮ ‬وإن لم يتخل عن معتقداته الخاصة في الوظيفة وقداستها‮.‬
‮ "‬وظل علي إيمانه الراسخ بمعتقداته المقدسة بالحياة الشاقة المقدسة بالجهاد والعذاب بالأمل البعيد المتعالي‮. ‬وقال إن العجز أحيانا عن بلوغه لا يزعزع الثقة به،‮ ‬ولا المرض ولا الموت نفسه ما دام أن الإصرار علي المضي نحوه هو المسئول عن وجود النيل والمعني في الحياة‮. ‬وكره كلمات التشجيع الجوفاء،‮ ‬وسلم بأن تقلده للوظيفة الجديدة حلم،‮ ‬كما سلم بأن نهوضه لإنجاب الذرية حلم آخر ومع ذلك فمن يعلم ؟ وما يحز في نفسه أن كل شيء يمضي في سبيله دون مبالاة منه‮.‬
‮ " ‬التعيين والترقي والإحالة إلي المعاش الحب والزواج وحتي الطلاق،‮ ‬شعارات السياسة وشعاراتها المحمومة تعاقب الليل والنهار‮.. ‬وها هي نداءات الباعة تنذر باقتراب الشتاء‮.‬
ولعله من محاسن الصدف أن القبر الجديد قد حاز رضاه تحت ضوء الشمس‮ "(‬2‮).‬
هذه آخر فقرة في الرواية‮ ‬،‮ ‬نداءات الباعة تنذر باقتراب الشتاء والقبر تحت الشمس،‮ ‬لقد انتهت رحلة عثمان بيومي،‮ ‬ولكن تبقي الحياة ماضية في مصر مثل النيل،‮ ‬ومثل تعاقب الليل والنهار وتبقي الوظيفة مرتبطة بهذه المظاهر الكونية،‮ ‬ولذلك يبقي بصيص أمل لدي عثمان في تقلد الوظيفة أو إنجاب الذرية كما يشير السؤال في الفقرة السابقة‮: ‬ومع ذلك فمن يعلم ؟ علي الرغم من انغماس الرواية في مفردات الحياة اليومية والوظيفة المحيطة بعثمان بيومي في الحارة والمنزل ومبني الوزارة فإن نجيب محفوظ استخدم للتعبير عن ذلك لغة فخمة تتضمن مفردات أقرب إلي لغة الطقوس والمعابد،‮ ‬وفي ذلك نوع من المفارقة اللغوية القريبة من المجاز حيث تتسع الدلالة‮. ‬ففقرة البداية تتخللها ألفاظ‮: ‬لا نهائية،‮ ‬انبهار سحري،‮ ‬التقوي،‮ ‬الابتهال،‮ ‬الطاعة،‮ ‬وغيرها‮ ‬،‮ ‬إنها لغة تبث الرهبة والقداسة،‮ ‬وكان عثمان بيومي في محراب وليس في مكتب موظف كبير،‮ ‬ويحسن أن نقرأ هذه الفقرة‮:‬
‮ "‬انفتح الباب فتراءت الحجرة مترامية لا نهائية،‮ ‬تراءت دنيا من المعاني والمثيرات لا مكانا محددا منطويا في شتي التفاصيل،‮ ‬آمن بأنها تلتهم القادمين وتذيبهم،‮ ‬لذلك اشتعل وجدانه وغرق في انبهار سحري‮. ‬فقد أول ما فقد تركيزه،‮ ‬نسي ما تاقت النفس لرؤيته‮ ‬،‮ ‬الأرض والجدران والسقف حتي الإله القابع وراء المكتب الفخم‮. ‬وتلقي صدمة كهربائية موحية خلاقة‮ ‬غرست في صميم قلبه‮... ‬وتلبية لإغراء لا يقاوم خطف نظرة من الإله القابع وراء المكتب ثم خفض البصر متحليا بكل ما يملك من خشوع‮ " (‬3‮).‬
إن حضرة المحترم رواية لا تبرز صورة مصر عبر رؤية فلسفية عميقة لإحدي سمات الشخصية المصرية ألا وهي ‮ ‬حب الوظيفة،‮ ‬إن الوظيفة ليست مجرد عمل‮ ‬يقوم به الفرد ليأخذ عليه أجرا‮ ‬يقتات به‮ ‬،‮ ‬إنها نظام مرتبط ببناء الفرد والدولة معا،‮ ‬فإذا انهار الفرد انهارت الوظيفة وانهيار الوظيفة‮ ‬يؤدي إلي انهيار الدولة‮ ‬،‮ ‬ففشل عثمان بيومي في الوصول إلي درجة المدير العام‮ ‬،‮ ‬وجه العملة المقابلة لفشله في حياته الأسرية حيث لا زوجة مخلصة ولا ذرية قادمة‮. ‬
ولذلك‮ ‬يمكننا القول إن البطولة الحقيقية في الرواية ليست لعثمان بيومي ولكن للوظيفة‮ ‬،‮ ‬ومن ثم فعنوان الراوية عنوان مراوغ‮ ‬فالمحترم الوظيفة وليس عثمان بيومي الموظف،‮ ‬فهومحترم طالما كان علي رأس وظيفته،‮ ‬أما خارج الوظيفة فقد سلب منه هذا الاحترام،‮ ‬إن صورة مصر هنا لا تنعكس من خلال شخصية عثمان بقدر ما تنعكس من مفهوم‮ "‬الوظيفة‮".‬
‮(‬ب‮) ‬الباقي من الزمن ساعة‮..(‬سنية الخضراء‮) : ‬
كتب نجيب محفوظ هذه الرواية بعد رواية أمام العرش وظهرت في كتاب لأول مرة عام‮ ‬1984،‮ ‬بعد وفاة السادات بثلاث سنوات،‮ ‬وهي تعد من أعمال نجيب السياسية التي تهتم بنقد الثورة مثلها في ذلك مثل اللص والكلاب وميرامار ومعظم أعمال السبعينات،‮ ‬إلا أن ثمة تشابها واضحا بين هذه الراوية والثلاثية المشهورة،‮ ‬وقد رصد مصطفي عبد الغني هذا التشابه ودعاه ارتباطا‮ " ‬الواقع أن هذين العملين الثلاثية والباقي من الزمن ساعة ـيرتبط كل منهما بالآخر ارتباطا حميما لأسباب كثيرة‮:‬
‮- ‬إن كليهما‮ ‬يحاول استخدام خط الزمن استخداما مطردا إلي الأمام‮.‬
‮- ‬كلاهما‮ ‬يستخدم الحوادث التاريخية كأرضية تؤكد حركة الحكي الفني وتطوره‮.‬
‮- ‬كلاهما‮ ‬يتخللهما خطان‮: ‬الخط الخارجي‮ / ‬التاريخ والخط الداخلي‮ / ‬الدراما‮.‬
‮- ‬وكلاهما لذلك‮ ‬يمضي في توازٍ‮ ‬الخط الخارجي بالخط الداخلي فالأحداث تمضي تباعا مع أعمار الشخصيات وقضاياهم‮.‬
‮- ‬وكلاهما‮ ‬يبدأ بتمهيد بثورة،‮ ‬بينما تبدأ الثلاثية برواية بين القصرين بين عامي‮ ‬1917‮ ‬و‮ ‬1919،‮ ‬ويليها كل من قصر الشوق والسكرية بين عامي‮ ‬1924‮ ‬و‮ ‬1934،‮ ‬فإن الرواية الأخري‮ "‬الباقي من الزمن ساعة‮" ‬تبدأ بعام‮ ‬1936‮ ( ‬أي الانتهاء الفعلي بأثر ثورة‮ ‬19‮) ‬وتضع تمهيدا حتي بداية الخمسينات بين عامي‮ ‬1936‮ ‬و1952،‮ ‬ثم تمضي الأحداث بعد ذلك لتحدد الستينات والسبعينات مجالا لها‮.‬
ـ وكلاهما بعد ذلك‮ ‬يرتبط ارتباطا عضويا،‮ ‬فالزمن في الثلاثية هو زمن ثورة‮ ‬1919‮ ‬وهو في الأخري زمن ثورة‮ ‬1952،‮ ‬فكلاهما الثورتان أحدثتا تغييرا حتميا في البنية المصرية‮.‬
‮- ‬وكلاهما أخيرا‮ ‬يرتبط بالزمن ارتباطا فنيا خالصا،‮ ‬فالواقعية تمضي في كليهما خلال تقاليدها في هذا السياق‮ " (‬4‮).‬
ولا نريد أن نتمادي في عقد المقارنة بين العملين مع تسليمنا التام بوجود هذا الارتباط،‮ ‬بيد أنه‮ ‬يمكن إضافة إلي ما سبق القول إن الروايتين تنتميان إلي ما‮ ‬يمكن تسميته برواية الأجيال،‮ ‬طبعا مع الاختلاف في الأسلوب بين العملين،‮ ‬فإذا كانت الثلاثية تجنح إلي الإطناب والاهتمام بالتفاصيل والحرص علي تصوير المكان فإن الباقي من الزمن ساعة تميل إلي الإيجاز والتكثيف وسرعة الإيقاع وكثرة الأحداث‮.‬
لكن ثمة اختلافا بين العملين أراه مرتبطا بموضوعنا صورة مصر،‮ ‬هو‮ ‬غلبة الرؤية السياسية علي الرواية،‮ ‬ولنقل بعبارة أخري الاهتمام بالأحداث الخارجية‮ / ‬المتخيل الواقعي‮. ‬فعلي الرغم من ازدحام الرواية بالشخصيات والأحداث فإن الحدث الخارجي كان هو الأبرز،‮ ‬ولعل هذا ما جعلنا نري في شخصية‮ "‬سنية المهدي‮" ‬التي تفتح وتختتم بها الرواية معادلا موضوعيا لمصر،‮ ‬أو رمزا لمصر وذلك لأسباب كثيرة‮.‬
السبب الأول‮ ‬يتعلق ببناء الرواية وأحداثها،‮ ‬كما قلت هذه رواية أجيال،‮ ‬فعبر مائتي صفحة نلتقي بثلاثة أجيال‮ ‬يمثلون جميع طوائف الشعب المصري بانتماءاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثورية إذا جاز القول‮. ‬فحامد برهان وزوجته سنية المهدي‮ ‬يمثلان جيل ثورة‮ ‬1919،‮ ‬وأولادهما محمد ومنير وكوثر‮ ‬يمثلون الجيل الثاني الذي ولد في أعقاب الثورة وعاني ما بعد ذلك بعد وفاة الزعيم وقيام الحرب العالمية الثانية،‮ ‬ثم عاني بعد ذلك من ثورة‮ ‬يوليو أو العكس‮. ‬والجيل الثالث الذي ولد بعد ثورة‮ ‬1952،‮ ‬فهو جيل الثورة بحق ولكنه عاني أيضا تراجعها بعد نكسة‮ ‬1967‮ ‬وإن ثمل قليلا بنصر أكتوبر،‮ ‬ولكنه سرعان ما اكتوي بنار الانفتاح الاقتصادي‮.‬
إن الحديث عن فترة تاريخية تمتد من عام‮ ‬1936‮ ‬إلي أواخر السبعينات أي ما‮ ‬يربو علي أربعين عاما في حد ذاته‮ ‬يستدعي مصر بوصفها متخيلا واقعيا وروائيا علي السواء‮.‬
أما السبب الثاني الذي‮ ‬يجعلنا نعد سنية المهدي رمزا لمصر اهتمامها بتاريخها الشخصي وفخرها به وثباتها في وجه المحن،‮ ‬فعلي مدي أربعين عاما هي زمن الأحداث الداخلية للرواية تبقي سنية المهدي متماسكة تشارك في الأحداث وتلقي بالتعليقات الحكيمة‮.‬
والسبب الثالث ونكتفي به حرص سنية المهدي علي عدم بيع المنزل الذي ورثته عن أبيها في حلوان،‮ ‬وحرصها طوال الأحداث علي السعي لتجديد البيت،‮ ‬وكأن البيت نفسه رمز لمصر المكان‮.‬
هذه أسباب ثلاثة رأينا أنها كفيلة أن تثبت البعد الرمزي لشخصية سنية المهدي،‮ ‬ولكن علي المستوي الفني ثمة لمحات كثيرة تؤكد هذا البعد الرمزي أولها جملة البداية أو مفتتحها‮ "‬للصورة التذكارية تعود كلما نبض قلبها بالحنين،‮ ‬حجرة المعيشة تزدان جدرانها الخضراء بثلاث لوحات في أُطر مموهة بالذهب البسملة في الصدر،‮ ‬الشهادة الابتدائية القديمة بالجناح الأيمن،‮ ‬صورة الرحلة التذكارية بالجناح الأيسر،‮ ‬نسيت أشياء وأشياء ولكنها لم تنس عام‮ ‬1936‮ ‬تاريخ الصورة،‮ ‬ففي ذلك التاريخ كتب الخلود للحظة زمانية من تاريخ أسرتها‮... ‬ولم‮ ‬يظهر فيها أثر للزمن،‮ ‬غير أن الزمن لم‮ ‬يتوقف لحظة واحدة خارج الصورة،‮ ‬ومن ضمن ما قضي به ألا‮ ‬يبقي في بيت الأسرة اليوم إلا مالكته سنية المهدي وكبري ذريتها كوثر‮" (‬5‮).‬
إن اللوحات الثلاث تمثل جوانب أساسية في شخصية سنية أو مصر والإيمان والثقافة والانتماء حيث الصورة المذكورة هنا كما‮ ‬يفصلها المؤلف صورتها مع زوجها حامد برهان وأبنائها الثلاثة كوثر ومحمد ومنيرة،‮ ‬وكون الصورة لم‮ ‬يظهر فيها أثر للزمن إشارة واضحة إلي عمق الانتماء وثباته في حين أن الزمن لم‮ ‬يتوقف لحظة واحدة خارج الصورة،‮ ‬ولما كانت الفقرة السابقة فقرة المفتتح فإن المؤلف‮ ‬يجعلها تقنية فنية لها تأثيرها في بناء النص ومحتواه،‮ ‬فعدم تأثير الزمن علي الصورة إشارة ذكية إلي عدم تأثير الزمن علي سنية المهدي خلال الأحداث التي زلزلت كيان معظم الشخصيات في الرواية،‮ ‬فسنية ثبتت أمام محنة زواج حامد برهان من ميرفت الجارة الجديدة التي قطنت العمارة المنشأة بعد الحرب العالمية الثانية في مواجهة بيت سنية،‮ ‬علي حين‮ ‬يبدو أثر الأحداث علي أبنائها الثلاثة قويا،‮ ‬فمحمد‮ ‬يخرج من السجن فاقدا عينا ورجلا ومنيرة تطلق من سليمان بهجت،‮ ‬وكوثر‮ ‬يموت زوجها وتعود لتقيم في البيت مع سنية‮.‬
ملمح آخر‮ ‬يشير إلي البعد الرمزي في شخصية سنية المهدي وهو ولعها باللون الأخضر وهوإشارة واضحة إلي مصر الزراعية،‮ ‬مصر النيل والخضرة وتجدد الحياة‮: "‬ولكن بيت المهدية‮ ‬يتميز بطلائه الأخضر وهوطلاء أغلب حجراته ذوات الأسقف العالية،‮ ‬وهو لون أغطية المقاعد بحجرة المعيشة والإصرار‮ ‬يعكس ولع المرأة به ويشير أيضا إلي ولهها بالبيت نفسه الذي وثقت بينهما محبة خلقت للأبناء والأحفاد مشكلة تعذر حلها في حينها‮ " (‬6‮). ‬
وهي طوال الرواية حريصة علي تجديد البيت،‮ ‬فبعد زواج حامد برهان من ميرفت وتركه البيت،‮ ‬أتيح لها فراغ‮ ‬لم تعهده من قبل فتعلق اهتمامها بالبيت وشعرت أكثر من أي وقت مضي بأنه ليس علي ما‮ ‬يرام،‮ ‬إن‮ ‬يطعن في القدم دون رعاية ولا عناية،‮ ‬ها هي تتجول بين الحجرات والحديقة تنظر وتتفحص،‮ ‬بهتت الألوان،‮ ‬تقشرت الأركان تشقق خشب الأرضية وفقد مرونته،‮ ‬ذبلت الحديقة وملأتها الوحشة وتراكمت في أجزاء منها الأوراق الجافة‮ " (‬7‮)‬
وإشارات أخري‮ ‬غير هذه الإشارة في الصفحات‮ ‬37،‮ ‬42،‮ ‬49،‮ ‬51،‮ ‬66،‮ ‬166،‮ ‬188‮ . ‬من الرواية ولعل أهمها حلمها بتجديد البيت قبيل ذهاب الجيش إلي اليمن،‮ ‬حيث‮ ‬يوظف نجيب محفوظ الحلم توظيفا فنيا،‮ ‬فالبيت‮ ‬يتجدد ولكن البستاني‮ ‬ينسي زراعة شجرة الحناء،‮ ‬وهي رؤيا كما أشار الراوي،‮ ‬تنبأت فيها سنية بفشل المهمة‮:‬
‮" ‬وتجلت رؤيا سنية فرأت البيت القديم‮ ‬يضيء بجرة ذهبية رممت أركانه وجددت أبوابه وسلاليمه ووافاه أثاث جديد،‮ ‬أما‮ ‬غرف النوم فحافظت علي شرقيتها،‮ ‬ولكن العصرية شملت حجرات الاستقبال والسفرة،‮ ‬وبعثت الحديقة من جديد فاخضرت أرضها وانتشرت فوقها أشجار البرتقال والليمون والمانجو‮.. ‬ولمحت حامد برهان‮ ‬يقوم بعمل البستاني مستردا صحته وبدانته،‮ ‬سعدت جدا،‮ ‬لكنها سألت البستاني بعتاب‮:‬
‮ ‬لمَ‮ ‬لمْ‮ ‬تزرع شجرة حناء ؟‮ "(‬8‮).‬
فالبستاني لم‮ ‬يزرع شجرة الحناء،‮ ‬وفي ذلك إشارة واضحة إلي فشل المهمة‮.‬
لمحات أخري تؤكد البعد الرمزي في شخصية سنية المهدي نراها بوضوح في تعليقاتها علي الحوارات الدائرة بين أفراد العائلة من وقت إلي آخر،‮ ‬من ذلك الحوار التالي بينها وبين كوثر بعد تأميم القناة وقيام فرنسا وإنجلترا وإسرائيل بالعدوان علي مصر‮. ‬
‮ "‬وتابع محمد وألفت الإذاعات الأجنبية حتي قال الرجل‮:‬
ـ انتهت حركة المجرمين ولكن ما أفدح الثمن‮ !‬
وقالت سنية لكوثر‮:‬
ـ أُذني سعيدة وقلبي كئيب‮ !‬
فقالت كوثر مدفوعة بالخوف الذي ركبها‮:‬
ـ البلد خرب‮ ‬يا ماما‮ ‬
فأشارت سنية إلي فوق مبتسمة‮:‬
ـ لكنه موجود‮ " (‬9‮).‬
وعندما‮ ‬يختلف محمد ومنيرة حول عبد الناصر،‮ ‬حيث‮ ‬يرفضه الأول وتدافع عنه الثانية،‮ ‬تقول سنية‮:‬
‮ ‬ومن‮ ‬يعمل مثقال ذرة خيرا‮ ‬يره ومن‮ ‬يعمل مثقال ذرة شرا‮ ‬يره،‮ ‬صدق الله العظيم‮ "(‬10‮).‬
وعندما‮ ‬يعاتبها أمين لأنها ترفض بيع البيت فيقول لها ألا‮ ‬يحزنك ألمنا‮ ‬يا جدتي ترد في انفعال‮: ‬
‮ " - ‬كيف‮. ‬إنكم تعيشون في خواطري وأحلامي وإن تجاهلتم وجودي لا فرق بين من‮ ‬يقيم منكم في القاهرة أو ألمانيا‮ " ‬فهي مصر الأم التي تحتضن الجميع علي اختلاف ميولهم وأماكن تواجدهم‮. ‬
يبقي أخيرا أنها الشخصية الوحيدة من شخصيات الرواية التي بقيت محتفظة بقوتها وثباتها وعندما‮ ‬يكاد الفنجان‮ ‬يسقط من‮ ‬يد أم سيد بسبب الرعد ويتساءل محمد ضاحكا متي‮ ‬يا أم سيد تزول العقبات ؟‮ ‬يكون رد سنية الحاسم ونهاية الرواية‮ :‬
‮" - ‬عندما‮ ‬يتوقف الرعد‮ " (‬11‮).‬
لقد أراد نجيب محفوظ لسنية المهدي رمزا لمصر لكي تكون شاهدة أحداث مصر السياسية عبر نصف قرن تقريبا من الزمان،‮ ‬حدث فيها ثورتان حقيقيتان كان لهما تأثيرهما القوي في تاريخ مصر السياسي والاجتماعي‮ ‬،‮ ‬ثورتا‮ ‬1919‮ ‬و1952،‮ ‬وقد وظفت الشخصية الرمز توظيفا فنيا راقيا،‮ ‬فجاء شفافا وغير مباشر‮.‬
الهوامش‮ : ‬
1ـ نجيب محفوظ،‮ ‬حضرة المحترم،‮ ‬مكتبة مصر،‮ ‬القاهرة‮ ‬1975،‮ ‬ص143،‮ ‬144‮ .‬
2ـ نجيب محفوظ،‮ ‬المصدر نفسه،‮ ‬ص205‮ .‬
3ـ نجيب محفوظ،‮ ‬المصدر نفسه،‮ ‬ص3‮ .‬
4ـ مصطفي عبد الغني،‮ ‬الزمن في رواية الباقي من الزمن ساعة،‮ ‬مجلة القاهرة ع90،‮ ‬الهيئة المصرية العامة للكتاب،القاهرة‮ ‬1988،‮ ‬ص31‮ .‬
5ـ نجيب محفوظ،‮ ‬الباقي من الزمن ساعة‮ ‬،‮ ‬مكتبة مصر،‮ ‬القاهرة‮ ‬1984،‮ ‬ص‮ ‬5‮ ‬،‮ ‬6‮ .‬
6ـ نجيب محفوظ،‮ ‬المصدر نفسه،‮ ‬ص7‮ .‬
7ـ نجيب محفوظ،‮ ‬المصدر نفسه،‮ ‬ص33‭.‬‮ .‬
8ـ نجيب محفوظ،‮ ‬المصدر نفسه،‮ ‬ص‮ ‬66،‮ ‬67‮ .‬
9ـ نجيب محفوظ،‮ ‬المصدر نفسه،‮ ‬ص57‮ .‬
10ـ نجيب محفوظ،‮ ‬المصدر نفسه،‮ ‬ص‮ ‬154‮ .‬
11ـ نجيب محفوظ،‮ ‬المصدر نفسه،‮ ‬ص‮ ‬169‮ .‬