رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

نحو مشروع قومي‮ ‬ صروح تذكارية وإبداعية للشهداء


عز الدين نجيب‮ ‬
12/24/2016 11:11:07 AM

قلوب الشعب تدمي مع سقوط كل شهيد علي أيدي الإرهاب في سيناء أو في القاهرة والجيزة وعند كمائن الشرطة ومواقعها‮.. ‬تضاعف الألم مؤخراً‮ ‬مع سقوط شهداء الكنيسة البطرسية بالعباسية في اعتداء بشع علي المصلين‮.. ‬يتحول الألم إلي شحنة من الغضب وطاقة من التحدي والإصرار الشعبي علي رفض الإرهاب وأغراضه الدنيئة‮.. ‬يعبِّر أهالي الشهداء في المدن والقري والنجوع عن ذلك في مواكب الدفن والعزاء‮.. ‬ويعلنون استعدادهم للفداء للوطن بمزيد من الشهداء‮.. ‬يصبح الشهيد في ضمير الجماعة المصرية رمزا حياً‮ ‬قد‮ ‬يتجسَّد في إطلاق اسمه علي مدرسة أو شارع أو ساحة لتخليد ذكراه‮. ‬
غير أن السنين تمضي‮.. ‬وأجيال جديدة تنشأ‮.. ‬لا تعرف شيئاً‮ ‬عن الشهيد الذي اتخذت المدرسة أو الشارع أو الميدان من اسمه عنواناً‮.. ‬هكذا‮ ‬يفقد جلاله وقدسيته‮.. ‬ويصبح مجرد اسم لا‮ ‬ينتبه التلاميذ أو العابرون إلي ما‮ ‬يمثله حتي‮ ‬يصبح عنواناً‮ ‬فارغاً‮ ‬من المعني‮.. ‬هذا لو كان اسمه قد أطلق علي أي شئ أصلاً‮ ! ‬
ماذا لو تبنينا مشروعاً‮ ‬قومياً‮ ‬لإقامة نُصُب تذكاري للشهداء في القرية أو المدينة أو الحي الذي‮ ‬ينتمي إليه الشهيد‮ - ‬أو الشهداء‮ - ‬في شكل تمثال أو منحوتة جدارية أو تكوين رمزي لتخليدهم،‮ ‬ولجعل ذكراهم حية في وجدان الناس ما بقي الرمز قائماً‮ ‬في مكانه،‮ ‬يخاطب أعينهم وأرواحهم علي مر الأيام والأجيال،‮ ‬ويضفي الجلال والقداسة والسمو الروحاني ومعاني البطولة في رحابه ؟‮!‬
لكننا ــ‮  ‬للأسف ــ لم نسمع عن إقامة أي صرح للشهداء في أي مكان‮... ‬تلك ثقافة‮ ‬غَرُبت عن حياتنا ومجتمعنا،‮ ‬بل حتي عن مسئولي الثقافة في بلادنا منذ انتصار أكتوبر‮ ‬1973،‮ ‬بالرغم من وجود مبادرات من بعض الفنانين لم تجد من‮ ‬يحتضنها ويقوم بتنفيذها علي أرض الواقع‮.. ‬غربت هذه الثقافة مع‮ ‬غروب الحس الجمالي واتساع الفجوة بين الفن والمواطن،‮ ‬حيث ابتلعته ضرورات الحياة ولقمة العيش،‮ ‬فيما استقالت الدولة من مسئوليتها عن تنمية هذا الذوق،‮ ‬بعد أن ظلت تقوم بها طوال عقد الستينيات حتي منتصف السبعينيات،‮ ‬ثم اكتملت القطيعة بين الفن والمجتمع مع ظهور الفتاوي المنحرفة بتحريم الفن،‮ ‬واعتبار الرسم والنحت ردَّة إلي الشرك بالله بعبادة الصور والأصنام‮ ! ‬
علينا أن نسعي ــ علي الأقل ــ لإحياء ثقافة النُصب التذكاري،‮ ‬فهو ــ فوق رمزيته النبيلة ــ خطوة نحو اجتياز القطيعة بين الفن والناس،‮ ‬إذ‮ ‬يحمل في طياته من القيم الجمالية ما‮ ‬يؤسس ذائقة فنية ما أحوجنا إلي وجودها،‮ ‬سيما لو قام علي تصميم ابتكاري مثير للخيال والفكر،‮ ‬حافل بالمتعة البصرية،‮ ‬بعلاقاته التشكيلية وإيحاءاته الرمزية،‮ ‬مثلما نري في النصب التذكاري للشهداء بمدينة نصر للفنان الكبير سامي رافع،‮ ‬الذي أنجز بعد فوزه في مسابقة لتخليد الشهداء عام‮ ‬1975‮ ‬واستلهم فيه شكل الهرم كمعني حضاري للخلود‮ ‬يتحدي الزمن،‮ ‬وجعل من جدرانه الشاهقة سجلا لأسماء الشهداء،‮ ‬في رؤية جمالية تحقق التلاحم بين المعني والمبني والرمز‮. ‬
ومثله نجد تمثال النحات العظيم جمال السجيني‮ "‬العبور‮" ‬المقام حاليا أمام محطة قطارات بني سويف،‮ ‬وقد جسَّد فيه الفنان الجندي المنتصر كسهم‮ ‬يندفع فوق قارب‮ ‬يشق الأمواج نحو التحرر والمستقبل،‮ ‬مستدعياً‮ ‬من مجد التاريخ رموزاً‮ ‬وأشكالاً‮ ‬ترصع جانبي القارب وزيَّ‮ ‬الشهيد‮. ‬
وسبقهما تمثال النحات الرائد محمود مختار‮ "‬نهضة مصر‮"‬،‮ ‬تجسيداً‮ ‬لنهوض الأمة وامتلاك إرادتها للحرية والنهضة،‮ ‬ونعرف كيف تضامن الشعب بكل فئاته لإقامته منحوتاً‮ ‬في الصخر خلال عشرينيات القرن الماضي،‮ ‬بعد أن فاز عنه بالجائزة الذهبية في صالون باريس‮ ‬1920،‮ ‬ولا‮ ‬يزال ملهما لأجيال المصريين في موقعه الحالي أمام جامعة القاهرة‮. ‬
وهناك الكثير ــ‮ ‬غير هذه الأمثلة الثلاثة ــ من الأعمال الصرحية والرموز الخالدة مثل تماثيل سعد زغلول وطلعت حرب ومحمد فريد وعبد المنعم رياض بالقاهرة وسعد زغلول بالاسكندرية وأحمد عرابي بالزقازيق،‮ ‬وأعمال النحت الصرحية والتصوير الجداري التي‮ ‬يضمها متحف بانوراما‮ ‬6‮ ‬أكتوبر بطريق صلاح سالم،‮ ‬وجميعها صارت أيقونات في ذاكرة ووجدان المصريين،‮ ‬إذ وهب الفن لها الخلود فاستعصي مبدعوها علي النسيان‮. ‬
إن هذه الصروح الميدانية وغيرها من أعمال جدارية‮ ‬،‮ ‬أقيمت في حقب كان مسئولوها وقادة الرأي فيها‮ ‬يؤمنون بدور الفن في النهوض بوعي الشعب وتخليد رموزه الوطنية،‮ ‬فوق دوره في بناء وتنمية الذوق الجمالي،‮ ‬باعتباره جزءا لا‮ ‬يتجزأ من عناصر بناء الإنسان،‮ ‬وبضرورة الفن في التنمية الثقافية والمجتمعية‮. ‬
إن في مراسم العديد من النحاتين المعاصرين أعمالاً‮ ‬كثيرة من مختلف الأجيال،‮ ‬منفذة بشتي الأساليب والخامات،‮ ‬تمثل رموزاً‮ ‬للاستشهاد والإرادة الوطنية والنهضة،‮ ‬وغير ذلك من المعاني الإنسانية،‮ ‬في إنتظار من‮ ‬يطلب تنفيذها بأحجام مكبرة في مواقع مختلفة،‮ ‬أو‮ ‬يطلب من مبدعيها أعمالا جديدة برؤية كل فنان،‮ ‬كنُصُب تذكارية لتخليد الشهداء في أي مكان‮. ‬
وكان حَرِياً‮ ‬بوزارة الثقافة أن تتبني هذا المشروع القومي لتخليد الشهداء،‮ ‬بأن تقيم تمثالاً‮ ‬تذكارياً‮ ‬في كل قرية أو مدينة أو حي سكني قدم شهيداً‮ ‬أو أكثر من أبنائه،‮ ‬بحيث‮ ‬يتوسط حديقة أو ساحة أو حوضاً‮ ‬للظهور،‮ ‬توضع تحته لوحة تعريفية تسجل تاريخه أو تاريخهم وما فعلوه،‮ ‬ولا أظن أن أحد الأهالي سوف‮ ‬يجرؤ علي انتهاك حرمته وقداسته،‮ ‬ولو فعل فسيجد من‮ ‬يهب لحمايته،‮ ‬كرمز مقدس للشهيد،‮ ‬مثلما‮ ‬يهب لحماية مقام أحد الأولياء‮.. ‬لكن الوزارة‮ ‬غير منشغلة بمثل هذا المشروع،‮ ‬فهناك ما هو أهم بالنسبة لها،‮ ‬من إقامة المهرجانات أو المعارض التي لا‮ ‬يقبل عليها أحد في أماكنها المنعزلة عن الجمهور،‮ ‬ولا‮ ‬يضيرها أن تظل أغلب المتاحف الفنية مغلقة منذ سنوات بعيدة أمام الجمهور بغير سبب معلوم‮ !‬
لذا أناشد الرئيس السيسي ــ القائد الأعلي للقوات المسلحة ــ أن‮ ‬يقوم بإطلاق هذه المبادرة،‮ ‬بإقامة الصروح التذكارية للشهداء،‮ ‬من جنود مصر الأبرار ومن المصريين عامة،‮ ‬في جميع المدن والأحياء والقري علي أرض الوطن،‮ ‬فضلا عن إقامة صرح لشهداء الكنيسة البطرسية الذين اغتالتهم‮ ‬يد الإرهاب‮.‬
ولعل ذلك‮ ‬يأخذني إلي ميدان التحرير،‮ ‬الذي هُدمت منصته التاريخية بغير سبب مفهوم،‮ ‬وكانت مخصصة أصلاً‮ ‬كقاعدة لتمثال ميداني،‮ ‬وأظنه‮ - ‬بوضعه الحالي ــ ميدانا لا‮ ‬يليق بتاريخه ورمزيته وبما سقط فيه من شهداء وثوار‮.. ‬إن علي الدولة واجباً‮ ‬وطنياً‮ ‬بإقامة نصب تذكاري في منتصفه للشهداء أو للنهضة،‮ ‬يتم بالتزامن مع النُصُب الأصغر حجماً‮ ‬للشهداء اللاحقين في أنحاء البلاد‮.. ‬وليس ذلك ترفاً‮ ‬في ظل ما نمر به من ظروف صعبة‮ (‬كما قد‮ ‬يقول قائل‮).. ‬بل أراه‮ ‬ضرورة معنوية تساوي ضرورة الخبز والحرية‮.‬

تعليقات القرّاء