رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أخبار

رواية‮ "‬الديستوبيا‮" ‬في الجامعة الأمريكية مجتمع متخيل‮ ‬يفوق الواقع بشاعة


عائشة المراغي
3/4/2017 8:51:03 AM

استضافت القاعة الشرقية بالجامعة الأمريكية الأسبوع الماضي ندوة بعنوان‮ "‬رواية الديستوبيا‮" ‬نظمها قسم الحضارات العربية والإسلامية بالجامعة بالتعاون مع مؤسسة بايارد دودج،‮ ‬ضمن برنامج الموسم الثقافي العربي؛ شارك فيها الكتاب‮: ‬محمد ربيع مؤلف رواية‮ "‬عطارد‮"‬،‮ ‬ونائل الطوخي مؤلف رواية‮ "‬نساء الكرنتينا‮". ‬وكان من المقرر أن تحضر بسمة عبد العزيز صاحبة رواية‮ "‬الطابور‮" ‬لكنها لم تتمكن من ذلك بسبب تعرضها لحادث،‮ ‬حسبما أشارت دينا حشمت في بداية إدارتها للقاء‮.‬

في مقدمتها؛ عرّفت دينا مصطلح‮ "‬الديستوبيا‮" ‬بأنه مجتمع متخيل‮ ‬يفوق الواقع بشاعة،‮ ‬تستلهم روايته من الواقع أكثر عناصره سوادا،‮ ‬لتحولها إلي ركائز عالم مخيل لا مكان فيه للأمل‮. ‬ثم منحت الحضور نبذة تعريفية عن كل من الروايات الثلات،‮ ‬فقالت عن الطابور‮: "‬تستمد بسمة روايتها من الواقع الذي عشناه‮  ‬ولازلنا‮  ‬بعد ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير‮ ‬2011‮ ‬ووقائعه المرعبة،‮ ‬وتستلهم أماكن أحداثها من أفقنا المغلق،‮ ‬لتعيد سردها في قالب‮ ‬يمتاز بالفانتازيا،‮ ‬تنقلنا إلي زمن مستقبلي أو‮ ‬غير محدد وتجعلنا نستعيد فصولا من كوابيسنا اليومية وهزائمنا الصغيرة،‮ ‬ومن معاركنا البائسة للحفاظ علي إنسانيتنا‮".‬
أما عطارد فتدور أحداثها في القاهرة عام‮ ‬2025،‮ ‬حيث‮ ‬يقود ضابط الشرطة والقناص‮ "‬عطارد‮" ‬فرق المقاومة أمام‮ ‬غزو فرسان مالطا لمصر واحتلالهم نصف القاهرة،‮ ‬في خضم معارك تدور داخل مدينة تحولت ساحاتها ودهاليزها إلي أماكن مزقها الدم والدخان‮. ‬تتابع دينا‮: "‬يحوّل ربيع في الرواية معالم المدينة المألوفة كالبرج وماسبيرو والعتبة،‮ ‬إلي محطات عالم كابوسي‮ ‬يدفع فيها العنف إلي مستويات قاسية ومؤلمة‮".‬
وعن نساء الكرنتينا قالت‮: "‬القتل فيها حدث اعتيادي،‮ ‬يفرض نفسه علي حياة البطلة إنجي،‮ ‬قبل أن تنتقل من القاهرة إلي الإسكندرية بحي الكرنتينا،‮ ‬حيث تكوّن مع زوجها عصابة لتجارة السلاح تتوارثها بعد ذلك الأجيال،‮ ‬من ابنهما حمادة إلي الحفيدتين‮ ‬يارا ولارا‮. ‬في الرواية اتخذ الكابوس شكلا هزليا،‮ ‬حيث‮ ‬يرسم الطوخي عالما‮ ‬يتحول فيه القتل والعنف إلي قيمة عادية مهيمنة،‮ ‬فرغم البعد الفانتازي في تحديد الزمن إلا أن الرواية لها جوانب شديدة الواقعية‮".‬
أكد محمد ربيع في حديثه أن محيط الكاتب هو الذي‮ ‬يلهمه لتناول قضية أو حدث ما،‮ ‬وهو ما حدث معه في‮ "‬عطارد‮"‬،‮ ‬التي تكونت بعض مشاهدها في مخيلته عام‮ ‬2012‮ ‬بعد حديث دار بينه وبين نائل الطوخي،‮ ‬ولذلك‮ ‬يعتقد أن نائل هو صاحب البذرة الأولي للرواية،‮ ‬بينما جاءت البداية الحقيقية في‮ ‬2013‭.‬‮ ‬يستطرد ربيع‮: "‬مع مرور الوقت أثناء الكتابة كانت كمية الأمل تقل والإحباطات والهزائم تزيد،‮ ‬حتي وصلت إلي التسع شهور الأخيرة الذين كانوا سيئين للغاية،‮ ‬لكن بعد‮ ‬5‮ ‬شهور من إنهائي للرواية وصدورها بدأت أعود لطبيعتي،‮ ‬لكني مازلت أجد في التفاؤل سذاجة،‮ ‬بل أظن أن المتفائلين‮ ‬يريدون كيد من حولهم‮". ‬
لم‮ ‬يكن‮ ‬يعرف صاحب‮ "‬عطارد‮" ‬أنها ستنتمي للديستوبيا،‮ ‬فالمؤلف لا‮ ‬يدرك حين‮ ‬يكتب ما تصنيف روايته،‮ ‬وإنما‮ ‬يظهر ذلك بعد انتهائه منها وعرضها علي الناس‮. ‬وقد حدث معه ذلك بعد عام ونصف‮  ‬ــ المدة التي استغرقتها كتابة الرواية ــ‮  ‬منذ بدأها بالمقطع الأخير إلي أن انتهي منها بمشهد قصر البارون‮. ‬
ولأن معظم أدب الديستوبيا سواء روايات أو أفلام تحتل فيها المدينة مركز متصدر بين عناصرها،‮ ‬وتعد مكونا أساسيا فيها،‮ ‬فقد كانت القاهرة كذلك بالنسبة لربيع،‮ ‬وركّز فيها علي القبح المعماري الموجود ــ من وجهة نظره ــ في مبانيها المملوكة للسلطة‮. ‬يقول‮: "‬اكتشفت أن الفرد لا‮ ‬ينسحق أمام تلك المباني وحده،‮ ‬وإنما هو والمبني الخاص به المتمثل في منزله الصغير‮". ‬وقد اختار ربيع جزءا من الرواية لقراءته‮ ‬يدور في برج القاهرة خلال الفترة التي عاشها أحمد عطارد به قبل نزوله إلي المدينة‮. ‬
اعتمد ربيع في تحضيره لكتابة الرواية علي مشاهدة عدد من الأفلام الأجنبية،‮ ‬الجيدة ومتوسطة القيمة،‮ ‬بالإضافة لإطلاعه علي جزء كبير من أعمال دانتي،‮ ‬بينما كان الرفيق الدائم له أثناء الكتابة هو‮ "‬سفر الجامعة‮" ‬في التوراه‮. ‬إلي جانب عدد من أصدقائه الضباط،‮ ‬يتابع‮: "‬كان المرشد لي ضابط من أصدقائي علي الانترنت،‮ ‬بالإضافة إلي توجهي بالتساؤل لعدد من الأمناء والضباط حول تصورهم لما حدث لهم في ثورة‮ ‬يناير‮. ‬وكانت الإجابة التي توصلوا لها؛ أنهم لم‮ ‬يتمتعوا بالقدر الكاف من الصرامة والقوة التي تمكنهم من التصدي للثورة‮".‬
من جانبه؛ أوضح نائل الطوخي أنه بدأ بكتابة‮ "‬نساء الكرنتينا‮" ‬في أواخر‮ ‬2009،‮ ‬أي أنها ليست وليدة الثورة،‮ ‬فالغالبية العظمي جاءت قبلها،‮ ‬حيث حركته عوامل كثيرة أحاطت به حينها،‮ ‬والتي مثلت الزخم الذي تسبب في حدوث الثورة،‮ ‬لكنه انتهي من الرواية بعدها،‮ ‬فهناك فصلين كاملين كتبوا بعد اندلاعها‮. ‬يقول‮: "‬لم أقصد في الرواية تحريك الواقع أو التحذير منه،‮ ‬لأنني أحببت تلك الكارنتينا،‮ ‬حيث كان عليّ‮ ‬أن أتعامل ببعض الحب مع الناس الذين‮ ‬يتعايشون مع الديستوبيا وليس مجرد المشاهدة أو التعاطف‮". ‬
لم‮ ‬يكن‮ "‬نساء الكرنتينا‮" ‬هو الاسم الأول للرواية،‮ ‬وإنما سبقه‮ "‬مذابح الكرنتينا‮"‬،‮ ‬لكنه تراجع عنه بعدما نبهه أصدقائه لصعوبته وثقله،‮ ‬ووجد أن العنوان الحالي هو الأنسب والأكثر توافقا مع الرواية التي تنتهي بانتقال السلطة للبنات،‮ ‬فالنساء عنصر مميز جدا في الرواية‮. ‬وحينما اختار جزءا لقراءته أثناء الندوة كان الخاص بالحفيدتين لارا ويارا عندما تنزلان للنفق أول مرة لاكتشاف مجد العائلة‮.‬
لم‮ ‬يعرف الطوخي مصطلح الديستوبيا إلا بعد صدور الرواية بعام أو اثنين‮. ‬أما قبلها فقرأ كتاب‮ "‬رجال ريا وسكينة‮" ‬لصلاح عيسي باستمتاع كبير،‮ ‬الذي ألهمه باختيار الإسكندرية لتكون محل الأحداث،‮ ‬يوضح‮: "‬المكان ليس مكونا أساسيا في الرواية،‮ ‬لكني كنت في حاجة‮  ‬لمدينة‮ ‬يهرب إليها الأبطال بعيدا عن القاهرة،‮ ‬وكانت الوحيدة الأخري التي أعرفها بشكل كبير هي الإسكندرية‮. ‬لكني أردت تناولها برؤية مختلفة بعيدا عن البحر والكورنيش،‮ ‬فتجولت بها لأتعرف عليها ولكي أتجاوب مع النقص المعرفي بالمدن الذي جعلني مقيدا بها‮". ‬
عن مزجه في الكتابة بين العامية والفصحي،‮ ‬يقول نائل الطوخي‮: "‬بدأت الكتابة بتلك اللغة منذ الرواية التي سبقت نساء الكارنتينا في‮ ‬2006،‮ ‬ثم بشكل أكبر في مدونتي‮. ‬لأن اللهجات‮  ‬في رأيي‮  ‬ليس بينها تناقض،‮ ‬فكلها عربية،‮ ‬وإنما فقط تتطور لأن اللغة شيء حي‮. ‬الإشكالية فقط أن قواعد اللغة وضعت من مرجع واحد وهو القرآن،‮ ‬بينما الناس‮ ‬يتحدثون العربية من قبل نزوله‮. ‬فثنائية الفصحي والعامية مصطنعة بهدف تكريس سلطة الفصحي‮. ‬لذا أحاول دائما البحث عن تراكيب جديدة سلسة‮".‬



تعليقات القرّاء