رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

المسلمون‮.. ‬عدو العالم

الرجل الأبيض‮ ‬يبدأ رحلة مطاردة الإرهاب


ياسر عبد الحافظ
3/4/2017 10:14:32 AM

لم‮ ‬يأت ترامب من الفراغ،‮ ‬والقرار الذي اتخذه بمنع دخول مواطني سبع دول إسلامية إلي أمريكا وإن عارضه الكثيرون داخل بلاده وحول العالم،‮ ‬يستند إلي مخاوف حقيقية من المسلمين تنامت في الفترة الأخيرة،‮ ‬ومع ضغط شعبي لا‮ ‬يستهان به بدأت تأخذ شكل سياسات ملموسة اندفاعا وراء اعتقاد ومفهوم بأمريكا ودول أوروبية عن المسلمين،‮ ‬دينهم وثقافتهم وطريقة تفكيرهم،‮ ‬بأن المرادف له‮: ‬العنف والكراهية‮.‬
يمكن اعتبار هذه النتيجة التي وصل إليها الغرب في علاقته بالمسلمين تتويجا لقصة نجاح وفشل،‮ ‬علو نغمة اليمين المتطرف الذي‮ ‬ينسب الإرهاب إلي المسلمين،‮ ‬والتراخي الإسلامي في معالجة قضايا داخلية مستفحلة تتعلق بالحريات،‮ ‬والعدالة،‮ ‬وتجديد الدين،‮ ‬وصياغة مفاهيم حضارية مع العالم،‮ ‬ما ساهم في التأكيد علي صورة شخصية المسلم الغالبة في الدراما الغربية،‮ ‬ذلك الشخص الذي إن لم‮ ‬يتجه إلي التطرف فهو علي الأقل‮ ‬غير قادر علي التأقلم مع قيم الحضارة‮.‬
‮ ‬مؤخرا بدأت السينمات إذاعة أحدث أفلام هوليود بعنوان‮:  ‬Patriots day والفيلم الذي قام بإخراجه بيتر بيرج،‮ ‬ومن بطولة مارك والبيرج،‮ ‬ويحكي قصة التفجير الإرهابي الذي جري في مدينة بوسطن الأمريكية خلال الماراثون السنوي عام‮ ‬2013،‮ ‬ومن ثم البحث ومطاردة الفاعلين الذين‮ ‬يكشف الفيلم شخصياتهم من اللحظات الأولي‮.‬
مدينة هادئة مسالمة بمشاكل‮ ‬يومية عادية‮ ‬يشوه نقاءها أخان مسلمان لا‮ ‬يهتم العمل كثيرا في البحث عن الدوافع وراء ما فعلاه،‮ ‬لتبقي شخصياتهما طوال الفيلم أمام المشاهد مثيرة لأكبر قدر من الاشمئزاز،‮ ‬فالعنف الذي‮ ‬يقدمان عليه‮ ‬يبدو مجانيا تماما،‮ ‬ليس ذلك فقط،‮ ‬بل إنه جزء أصيل من الشخصية،‮ ‬خلال الفيلم‮ ‬يعدان القنابل أمام زوجة الأخ الأكبر تلك التي نبقي مترددين أمام صمتها إن كان‮ ‬يعني تشجيعا أم خوفا،‮ ‬لكن هذا الصمت في كل الأحوال لن‮ ‬يكون مبررا علي الإطلاق خاصة أن ذلك العنف‮ ‬يغلي في البيت مع قدور الطعام وأمام أعين طفلة صغيرة لا‮ ‬يتجاوز عمرها العامين‮.‬
مشكلة الفيلم التي تجعلك تتأني في إطلاق الحكم عليه بأنه‮ "‬واحد من أكثر الأفلام حقارة في تاريخ السينما الأمريكية‮" ‬أن التفاصيل المستند إليها جرت بالفعل،‮ ‬التحقيقات كشفت فيما بعد أن الأخ الأكبر والذي قام بالتخطيط للجريمة الإرهابية تامرلان تسارنايف كان‮ ‬يتدرب علي العملية بالفعل في منزله وسط رايات الجهاد السوداء،‮ ‬وأخيه الأصغر جوهر انساق له ولم تتمكن بعض القيم الإنسانية البسيطة التي‮ ‬يعتقد فيها من منعه مواصلة طريق أخيه حتي إلقاء القبض عليه ومن ثم انتظار مصيره في السجن حاليا،‮ ‬وكما نفهم من المتابعات الإعلامية فإن وقف قرار حكم إعدامه بالحقنة السامة‮ ‬يتوقف فقط علي القناعة بأن هناك مازالت داخل ذلك الجسد روح إنسانية ما سلبتها لفترة إرادة أخيه‮.  ‬
علي العكس من الشخصيات الأخري في الفيلم التي تنتمي لأعراق مختلفة لا‮ ‬يتحدث المسلمون الإرهابيون كثيرا،‮ ‬الحوارات بينهم مبتورة،‮ ‬مساحة الصمت‮ ‬غالبة،‮ ‬وطاقة العنف مسيطرة علي أي شئ آخر،‮ ‬طوال الوقت‮ ‬يتسرب لك الإحساس بأن الرسالة الواضحة جدا للفيلم هي أن المسلم مثل القنبلة التي‮ ‬يقوم بصنعها في منزله ليفجر بها أبرياء بعضهم أصدقاء له،‮ ‬لا‮ ‬يتعايش مع من حوله ولا‮ ‬يهتم بالقيم والمبادئ الإنسانية،‮ ‬مرتكزا علي مفاهيم مشوهة وغير مكتملة،‮ ‬ببساطة‮ ‬يمكن تقريبه إلي صورة الهمجي القديم الذي لا‮ ‬يعرف الرب الحقيقي لأنه لا‮ ‬يعرف المسيحية،‮ ‬ولا‮ ‬يفهم الحضارة الإنسانية لأنه لم‮ ‬يتعلم القيم الغربية‮.‬
بعد التفجيرين الذين نفذهما الأخان المسلمان،‮ ‬تبدو المدينة مصدومة وعاجزة عن الفهم،‮ ‬يقع التفجير خلال الماراثون السنوي،‮ ‬ليس مجرد نشاط رياضي،‮ ‬بقدر ما هو احتفال بالحياة،‮ ‬والنتيجة التي تترتب علي هذا الفعل الشرير مقتل ثلاثة،‮ ‬وإصابة‮ ‬280‮ ‬من المتفرجين والعدائين،‮ ‬بعضهم فقد أطرافا من جسده،‮ ‬هؤلاء الذين‮ ‬يتتبع الفيلم قصتهم،‮ ‬كيف‮ ‬يستجمعون شجاعتهم في مواجهة الشر،‮ ‬ليعودوا لممارسة حياتهم من جديد بتصميم علي عدم الانهزام‮.‬
الأخان المسلمان أحدهما هو العقل المنفذ،‮ ‬القائد،‮ ‬الشر الخالص،‮ ‬لا دوافع تحركه كما‮ ‬يبدو لنا سوي الغضب والعنف،‮ ‬يسيطر بالكامل علي أخيه الأصغر،‮ ‬يقمعه علي الدوام،‮ ‬عندما‮ ‬يتردد قائلا إنه‮ ‬يفكر في أصدقائهما،‮ ‬يطلب منه الأخ الأكبر إبعاد هذا عن ذهنه،‮ ‬يعاند قليلا ويسأل‮: ‬وماذا عن مارتن لوثر كنج؟ فيرد‮ "‬تامرلان‮" ‬بأن هذا لم‮ ‬يكن مسلما وإنما فاسق وكافر،‮ ‬لا تبدو الإجابة كافية للأخ الأصغر‮ "‬جوهر‮" ‬لأنه مثلما‮ ‬يؤكد لأخيه فإنه أيضا‮ "‬فاسق‮" ‬وهي إشارة ربما سيتم تفسيرها في نهاية الفيلم عندما‮ ‬يكشف المحققون أن جهاز الكمبيوتر الخاص به‮ ‬يحوي مواد‮ "‬بورنو‮" ‬أكثر مما كان‮ ‬يشاهدها بن لادن‮. ‬ينتهي الحوار المبتور من الأصل بين الأخوين إلي التأكيد علي تنفيذ التفجير،‮ ‬لم‮ ‬يقل الأخ الأكبر لأخيه شيئا مقنعا،‮ ‬والثاني بدوره لم‮ ‬يصر علي النقاش أو السؤال عن حجة جيدة‮.. ‬كائنات تسير وراء‮ ‬غرائزها ولا تتقن استخدام عقولها‮.   ‬
زوجة الأخ الأكبر أمريكية أعلنت إسلامها وارتدت الحجاب،‮ ‬هي الأخري وعلي منوال الأخ الأصغر تعرضت شخصيتها للتشوه التام،‮ ‬للدرجة التي تقبل معها أن‮ ‬يتحول بيتها إلي مصنع للإرهاب،‮ ‬أما لماذا،‮ ‬فالإجابة سترد في نهاية الفيلم من خلال جملة منسوبة لها بأن هناك الكثير من السوريين‮ ‬يقتلون،‮ ‬لكن ذلك لا‮ ‬يبدو مقنعا،‮ ‬المحققة التي ترتدي هي الأخري حجابا،‮ ‬وتعرف الكثير عن الإسلام،‮ ‬تذكرها بأنها ولدت علي هذه الأرض،‮ ‬ووسط حياة مثالية،‮ ‬تذكرها بأصدقائها وبأهلها،‮ ‬تحاول إعادتها إلي لحظة إنسانية لتستخلص منها معلومة إن كانت هناك قنابل أخري،‮ ‬غير أن المواطنة الأمريكية،‮ ‬التي كانت إنسانة طبيعية‮ ‬يوما ما ثم تحولت إلي الإسلام،‮ ‬لم تعد تعرف أو تؤمن سوي أن المرأة تابعة للرجل،‮ ‬وأنها بدون طاعته لن‮ ‬يكون لها مكان في الجنة‮.. ‬يأتي الإسلام،‮ ‬أو المسلمون لا فارق هنا،‮ ‬لينهي مسيرة طويلة خاضتها المرأة في الغرب لانتزاع حقوقها،‮ ‬يردها الإسلام ببساطة إلي أزمنة مخيفة لم تعد ماثلة في ذاكرة الغرب‮.  ‬
الفيلم لا‮ ‬يحذر فقط من المسلمين،‮ ‬إنما أيضا من التأثير السلبي للإسلام،‮ ‬هذا ما‮ ‬يكون عليه من‮ ‬يتبعونه،‮ ‬والرسالة تتأكد مع استبعاد الفيلم لأي خطاب آخر عنه،‮ ‬عندما تدور المناقشات لاتخاذ قرار الإعلان عن أسماء المشتبه فيهم‮ ‬يأتي ذكر المنظمات الإسلامية التي ستستنكر محاولة إلصاق التهمة بالمسلمين،‮ ‬لتبدو ليست أكثر من منظمات سياسية ضاغطة تعوق وقف هذا العنف‮. ‬المحققة التي ترتدي الحجاب والتي‮ ‬يأتي ظهورها بمثابة الأمل في أن صناع العمل‮ ‬ينوون تقديم نموذجا معتدلا سرعان ما تخلع حجابها بعد الخروج من‮ ‬غرفة التحقيق لتعلن أن زوجة الإرهابي لن تتكلم،‮ ‬جزء مبتسر من خطاب لأوباما‮ ‬يقول فيه إن شمس الإسلام قد‮ ‬غربت،‮ ‬دون أن نفهم علي وجه الدقة ما المقصود،‮ ‬لكنه‮ ‬يضاف إلي السياق والمعني العام للعمل‮.  ‬
تتحد المدينة بأكملها،‮ ‬تُفرض حالة الطوارئ ويلزم المواطنون بيوتهم لحين الإيقاع بالهاربين الذين‮ ‬يتم التوصل إلي شخصياتهما سريعا،‮ ‬الأخان في رحلة هروب‮ ‬يائسة في محاولة تنفيذ الجزء الثاني من جريمتهما بالتوجه إلي نيويورك لتنفيذ عملية تفجير هناك،‮ ‬المطاردة تذكرنا علي الفور بكل الأفلام التي أنتجتها آلة هوليود ضد من تصنفهم‮ "‬العدو‮".. ‬لا جديد،‮ ‬الرجل الأبيض في مواجهة عدو وحشي لا‮ ‬يتمتع بأي قيم،‮ ‬لا‮ ‬يسعي إلا للدمار،‮ ‬ولا بد من وقفه بأي ثمن،‮ ‬يشارك الجميع في تلك الحرب‮.. ‬الأسود والأبيض والآسيوي،‮ ‬الكل معا بإيمان أنها معركة الخير ضد الشر،‮ ‬حتي‮ ‬يتم قتل الأخ الأكبر في المواجهة،‮ ‬واستسلام الأخ الأصغر بعد حصاره كحيوان ضارٍ‮.‬
استند الفيلم إلي واقعة حقيقية ليطلق أحكاما عامة،‮ ‬ليرسم صورة بالغة السوء عن الإسلام والمسلمين،‮ ‬كلهم سواء،‮ ‬من أتي من الشيشان أو من بلاد العرب،‮ ‬الشعور الوحيد الذي تخرج به من الفيلم هو الرغبة في تجنب هذا‮ (‬النوع‮) ‬من البشر،‮ ‬هذا إن لم تقرر القيام بفعل ما تجاه شرهم‮.‬
من السهل بالطبع إدانة الفيلم وصناعه،‮ ‬وإدانة الخطاب الغربي الذي بدأ‮ ‬يتشكل الآن عبر أوروبا وأمريكا،‮ ‬لكن تبقي المشكلة الأكبر‮.. ‬نحن لن نجرؤ أبدا علي النظر إلي أنفسنا وإلي ما أصبحنا عليه،‮ ‬لا نملك هذا الوعي الذي‮ ‬يجعلنا نخرج من ذاتنا قليلا ونقف بجوار أي مواطن في العالم لنتأمل أفعالنا ونراها من منظوره،‮ ‬كل تلك الديكتاتوريات والفساد والقمع والقتل والتعذيب،‮ ‬وبجانبها الخطاب الذي نكرره كالآلات في المؤتمرات والندوات والبيانات‮.. ‬الإسلام دين الرحمة،‮ ‬يحترم حقوق المرأة،‮ ‬ويسعي للحوار مع الآخر‮.. ‬هل‮ ‬يتكرم أحد ويقول لأصحاب هذا الخطاب أنه لم‮ ‬يعد كافيا،‮ ‬أننا وصلنا إلي نهاية المطاف وصدر القرار بالفعل‮.. ‬المسلمون‮  ‬أعداء‮ ‬البشرية للفترة القادمة‮. ‬

تعليقات القرّاء