رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

كيف يرقص شعراء قصيدة النثر‮:‬أزمة الشعر وأزمة النقد في كتاب


د‮. ‬سمير مُندي
3/4/2017 11:56:49 AM

لاقت قصيدة النثر منذ بداياتها نفورًا ورفضًا علي أكثر من مستوي‮. ‬سواء علي مستوي الشعراء من الأجيال السابقة،‮ ‬أو علي مستوي النقاد،‮ ‬أو حتي علي مستوي القراء أو المتلقين‮. ‬وقد اختلفت أسباب هذا النفور وتعددت بحسب كل مستوي من هذه المستويات الثلاث‮. ‬فمن شعراء لا يتقبلون أفول زمن قصيدتهم وبزوغ‮ ‬نجم قصيدة أخري،‮ ‬إلي نقاد يفتقرون إلي‮ «أورجانون‮»‬ ‬أو آلة قراءة القصيدة الجديدة واستيعابها نظريًا،‮ ‬إلي قراء تفصلهم عنها ذائقة تجنح إلي المُوَّقع ويأسرها التكرار‮. ‬ولعل هذا الرفض هو السمة الغالبة علي الخيال الأدبي والنقدي كلما كان عليه أن يتعرض لصدمة التجديد والتغيير‮. ‬فمنذ أزعج أبو تمام ذائقة النقاد والمتذوقين بقصائده المغرقة في الغموض واستعاراته التي خرجت علي كل قياس فأثار زوبعة من التساؤلات حول أشعاره،‮ ‬ومنذ نالت قصيدة التفعيلة نصيبها من الهجوم حتي اضطر مبدعوها إلي الدفاع عنها وعن أنفسهم،‮ ‬ومنذ أنكر العقادأن تكون للقصة مثل حظ الشعر فأخذ ينازع نجيب محفوظ علي مكانة الشعر ومكانة القص،‮ ‬وصولاً‮ ‬إلي ما تَلقاه شعراء قصيدة النثر من هجوم شنه مجددوا الأمس‮ (‬حجازي ونازك الملائكة‮) ‬علي مجددي اليوم‮. ‬أقول،‮ ‬منذ هذا كله وسواه،مما لا يجوز أن أحصيه في هذا السياق،‮ ‬وخيالنا الأدبي والنقدي بمستوياته المتعددة يرفض الانصياعلقانون التجديد الحتمي‮. ‬

ولكن إذا كان لنا أن نتقبل‮- ‬ولو علي مضض‮- ‬نفور جمهور القراء من التجديد عمومًا ومن قصيدة النثر خصوصًا،‮ ‬فكيف يمكننا أن نستسيغ‮ ‬نفور النقاد مع ما يُفترض فيهم من انتظار حذر أمام الظاهرة الأدبية حتي تكشف عن نفسها فتستجيب لأسئلة الناقد أو القاريء؟ وذلك في علاقة أظنها يجب أن تقوم علي الفهم بمعناه التأويلي‮. ‬ومثلما يطرح الناقد أسئلته علي النص بغرض افتتاحه وسؤاله؛ فإن النص‮  ‬بدوره‮  ‬يُساءل أدوات النقد بالمعني الذي يجعل من القراءة فرصة لاختبار عمق المفاهيم وأصالتها وحمولتها المعرفية وقدرتها علي سبر أغوار النص‮. ‬بل إن النص قد ينهض‮  ‬في حالات معرفية متعددة‮  ‬بدور المُلهم الذي يُلهم النقد أدواته فيصوغ‮ ‬له مفاهميه ويسن له قوانينه‮. ‬كذلك فعلت نصوص السيرة الذاتية عندما أتاحت لفليب لوجان أن يُساءلها ويستقي منها أدوات قراءة هذا النص الجديد‮. ‬وإذن فالعلاقة بين النقد وموضوعه علاقة تأثير وتأثر‮. ‬وبالتالي فكل مُساءلة لخطاب أدبي أو شعري لابد أن تقترن بمُساءلة لخطاب النقد الذي افتتحها وحاول مساءلتها‮. ‬ولابد أن مراجعة من هذا النوع ضرورية من أجل صون النقد بعيدًا عن الجمود،‮ ‬ومن أجل صياغة وجهة نظر جديدة تعيد مُساءلة النص من منظور جديد‮.  ‬
من هنا ومن هذا المنطلق يبدأ سيد السيسي،‮ ‬كتابه‮ »‬‬ما بعد قصيدة النثر‮: ‬نحو خطاب جديد للشعرية العربية‮» ‬الصادر حديثًا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر،‮ ‬بوضع الخطاب الناقد لقصيدة النثر العربية موضع المساءلة،‮ ‬مثلما يضع القصيدة المثيرة للجدل موضع المراجعة‮. ‬في المستوي الأول ينقلب النقد علي نفسه في عملية تستهدف مراجعة أدواته واختبار سلامتها وقدرتها علي التصدي لموضوعها‮. ‬أما في المستوي الثاني فتنصب المساءلة علي رؤية القصيدة لنفسها من خلال استضافة رؤية الشعراء أنفسهم لعالم قصيدتهم وتصورهم للخيارات التي كتبوا من خلالها‮. ‬لاسيما وأن المرجع الذي يوظفه سيد السيسي في إعادة قراءة القصيدة المثيرة للجدل‮  ‬وإن لم يكن المرجع الأوحد‮  ‬هو نفسه المصدر الذي استقي منه شعراء مجلة‮ »‬‬شعر‮» ‬رؤيتهم لقصيدة النثر‮. ‬وأعني به كتاب‮ »‬‬قصيدة النثر‮: ‬من بودلير حتي الوقت الراهن‮» ‬لسوزان برنار‮. ‬أقول ليس هو المرجع الوحيد لا بالنسبة إلي المؤلف الذي استدعي أجهزة نقدية متنوعة وغنية؛ ولا بالنسبة إلي شعراء قصيدة النثر الذين اختلفت منظوراتهم وتنوعت باختلاف الأجيال والتجارب‮. ‬وبين هذا وذاك استطاع سيد السيسي أن يتجاوز المزالق التي تردي فيها النقد أثناء تصديه لقصيدة النثر،‮ ‬كما استطاع أن يوظف مفاهيم جديدة انطوت علي حمولة معرفية مكنت النصوص من الحضور أمام وعينا،‮ ‬مثلما مكنتنا من إقامة علاقة تفاهم وتعاطف مع القصيدة الجديدة‮.‬
ولنترك الغموض الآن ونحاول أن نفصل ما قلناه‮. ‬يبدأ السيسي كتابه بمحاولة تشخيص أمراض النقد الذي حاول قراءة قصيدة النثر‮  ‬منذ البداية‮  ‬من خلال أدوات صِيغت وتشكلت في الإطار النقدي الذي استوعب قصيدة التفعيلة وحاول قراءة انتاجها الشعري‮. ‬لاسيما وأن أدوات هذا النقد اكتفت بجماليات فقيرة مقطوعة الصلة بالحقول الجمالية والمعرفية المجاورة لها،‮ ‬التي كان من الممكن أن تستفيد بها في قراءة القصيدة الجديدة‮. ‬وما‮  ‬إن يدرك السيسي قصور هذه النظرة حتي يبدأ في نقل المفاهيم والأدوات من إطارها البلاغي الضيق،‮ ‬الذي دارت في مداراته نظرًا وممارسة عقودًا طويلة،‮ ‬إلي إطار أكثر عمقًا واتساعًا‮. ‬وتأتي‮ »‬‬اللغة‮» ‬علي رأس هذه الأدوات التي حاول السيسي أن يضعها في إطار مختلف عن الإطار الذي حصرتها فيه النظرة النقدية السائدة‮. ‬يرصد السيسي السياقات المختلفة التي تم من خلالها المواضعة علي لغة خاصة بالشعر تتسم بالفخامة والبهاء والجلال ابتدءًا من القصيدة العربية القديمة،‮ ‬مرورًا بشعر الإحيائيين،فالبصمات التي تركتها الموجة الرومانسية‮- ‬بدورها‮ - ‬علي هذه اللغة،‮ ‬ثم الدور الذي لعبته قصيدة التفعيلة في نقل هذه اللغة إلي مستوي أكثر بساطة،‮ ‬وصولاً‮ ‬إلي لغة قصيدة النثر التي مارست‮ »‬‬عنفًا متعمدًا علي اللغة أو باللغة ضد العالم،‮ ‬أو بالأحري ضد ما كان يُنظر له بجلال حقيقي أو زائف في العالم،‮ ‬أو يمكن أن نقول بلغة أخري إن الشاعر إذ يمارس جلدًا لعالم كامل من القيم التي لا ترقي للاتسام بأي جلال من ناحية،‮ ‬ولذات شعرية كلبية تجلد نفسها وتجلد عالمًا لم تعد تحمل له إلا الامتهان والسخط‮». ‬مثل هذا السخط أو بالأحري مثل هذه الرغبة الوجودية الأصيلة لدي شعراء قصيدة النثر في رفع‮ ‬غلالة السحر عن اللغة تقترن بممارسة حسية للعالم ترفع السحر عن ممارساته وتجاربه ومخزونه البصري واللغوي‮. ‬وبالتالي فليس من الغريب أبدًا أن تتسرب مفردات وتعبيرات بل وصور إلي قصيدة النثر تعد من وجهة نظر الذائقة التقليدية مبتذلة وصادمة‮.  ‬
إن مثل هذه النقلة اللغوية التي حملت إلي اللغة علاقة أصيلة‮ ‬غير مسبوقة بين شاعر قصيدة النثر وكل ما هو موجود تحت يد وبصر الشاعر؛ ارتبطت بالضرورة بنقلة أخري تساويها في العمق،‮ ‬وأعني بها النقلة الخيالية التي جعلت‮  ‬في رأي المؤلف‮  ‬من مفاهيم البلاغة القديمة عقبة في سبيل فهم الصورة الشعرية الجديدة‮. ‬لذلك سعي السيسي إلي تأسيس رؤية جديدة للصورة للفنية أو‮ »‬‬التصور‮» ‬أو‮ »‬‬الخيال‮». ‬مثل هذا التأسيس تطلب من المؤلف تفنيد الموقف البلاغي القديم والاستعانة بكل ما توظفه الشعرية الحديثة من مُتخيل بصري‮ (‬الصورة السينمائية‮- ‬الفن التشكيلي‮) ‬وحسي‮ (‬الشم‮- ‬اللمس‮- ‬التذوق‮) ‬ولفظي بطبيعة الحال‮. ‬لاسيما وأن قصيدة النثر‮- ‬في بداياتها الغربية‮ - ‬قد نمت في أحضان الفن التشكيلي‮. ‬يقول سيد السيسي في سياق توضيحه لأسباب اختياره لمصطلح الخيال وتفضيله علي مصطلحات أخري‮ »‬‬ومن جانب آخر نجد أن مصطلح الخيال أكثر‮ ‬غني وفائدة في سياق ديناميكية الصورة الأدبية،‮ ‬لأنه لا يحد من فعالية عملية التخيل عند المتلقي كما يحدث في الفنون البصرية الأخري‮. ‬ولنقارن لا محدودية عمل الخيال في الصورة الأدبية بمحدودية عمله في الفنون البصرية،‮ ‬يكفي أن نشير إلي تجسيد الفنون البصرية للصورة الأدبية‮. ‬ففنون الرسم والنحت والسينما وحتي فنون الجرافيك الحديثة التي أحدثت ثورة في القدرة التخيلية للفنون البصرية قد دأبت علي محاولة تجسيد الخيال في الأعمال الأدبية في تشكيلات بصرية مرئية‮. ‬ولكنها ومع كل جهدها الخلاق في صنع تجسيد ابتكاري للخيال الأدبي فإنها تحد من فاعلية عمل مخيلة متلقي الأدب وحريته في ابتكاره الخاص‮». ‬إن ما استطاع أن يدركه المؤلف ويعيد توظيفه هو ببساطة إدراك الصورة الشعرية بوصفها بنية‮. ‬أو كما يقول بول ريكور استعارية النص،‮ ‬لا بوصفه كلمة،‮ ‬ولا بوصفه جملة أو حتي مجموعة من الجمل‮. ‬إنما الاستعارية الكلية التي بمقتضاها يغدو النص نفسه استعارة‮. ‬وليس القصد من وراء ذلك‮  ‬حسبما أتصور‮  ‬أن يفقد المتلقي علاقته بالتفاصيل‮. ‬إنما المقصود أن تتحرك العين بين الجزئي والكلي كي تتمكن من تذوق القصيدة التي تأبي إلا أن تكون نثريتها علي‮ ‬غرار نثرية الحياة وفوضويتها وتبعثرها‮. ‬وللقاريء أن يعود إلي الكتاب كي يستأنس بتحليلات المؤلف لشعراء قصيدة النثر بأجيالها المختلفة؛ إذ لا سبيل لعرضها في هذا السياق الضيق‮.‬
‮> > >‬
علي أن رفض قصيدة النثر لمعتمد العروض الخليلي كليةً‮ ‬كان الاختبار الحقيقي الذي وجدت نفسها في مواجهته‮. ‬فمن ناحية يكتسب العروض الخليلي لدي البعض ما يشبه القدسية النصية التي لا يُستحب الخروج عليها‮. ‬ومن ناحية أخري فالشعر‮  ‬من وجهة النظر هذه‮  ‬لا يكون شعرًا بدون الإيقاع‮. ‬من هنا كان لزامًا عليها أن تطرح بدائل أخري في الإطار الذي ارتضته لنفسها‮. ‬وفي هذا السياق يبلور السيسي عددًا من المفاهيم التي تمكن من خلالها من تفسير هذه البدائل‮. ‬لعل أهمها‮  ‬بعد إيقاع النص والإيقاع البصري‮- ‬الرقص التعبيري باعتباره رقصة قصيدة النثر الارتجالية‮. ‬ولأترك الكلام هنا للمؤلف يقول‮: ‬علينا أن‮ »‬‬نبدأ من الرغبة الحرة والمتحررة في مشاركتها إيقاعها الخاص أو لنقل في مراقصتها فإذا ما رَغِبتَ‮ ‬في المشاركة في رقصة جديدة لم تألفها من قبل فإن هذا لا يمكن أن يتحقق إذا ما ظللت مصرًا علي تطبيق الحركات التي ألفتها من رقصات أخري‮..‬ينبغي أن تكون أكثر انفتاحًا وتحررًا لتقبل واستيعاب حركات الرقصة الجديدة‮«
كان ذلك‮  ‬كما رأينا‮  ‬هو ما يمثل في أعراف النقد مساءلة للخطاب النقدي الذي حاول التعليق علي قصيدة النثر‮. ‬مثلما كان‮  ‬بالمثل‮  ‬اقتراحًا لخطاب نقدي جديد يستفيد من حقول نقدية ومعرفية مجاورة متعددة‮. ‬لكن ماذا عن رؤية الكتاب لقصيدة النثر نفسها؟ كيف نظر المؤلف إلي أطيافها وأجيالها المتعددة والمختلفة فيما بينها من حيث خيارات الكتابة والخيارات المعرفية التي نظر من خلالها كل جيل لقصيدته؟ بدايةً‮ ‬لابد أن نشير إلي أن المؤلف قد قرن مباشرة بين تجربة قصيدة النثر في الغرب وبين مثليتها في الشرق‮. ‬سواء من حيث التجربة الشعرية أو من حيث التجربة النقدية التي تمثلت في جهد سوزان برنار‮. ‬صحيح أن الاستبصارات النقدية التي صاغتها برنار لم تستطع النفاذ إلي التفسيرات النقدية التي ساقها نقاد وشعراء؛ إما بغرض تشريع قصيدة النثر وإما بغرض إسقاطها من المتن الشعري العربي،‮ ‬ولكن المؤلف قد صارحنا‮ - ‬ربما أكثر من مرة‮ - ‬أن جماعة مجلة‮ »‬‬شعر‮» (‬أدونيس،‮ ‬أنسي الحاج،‮ ‬إبراهيم شكر الله،‮ ‬يوسف الخال،‮ ‬عبد الواحد لؤلؤة‮) ‬قد استثمروا استبصارات سوزان برنار حول قصيدة النثر وإن لم يعلنوا ذلك‮. ‬والفرق أن كتاب برنار جاء تعليقًا علي تراث شعري يسبقنا بما يقارب القرن من الزمان‮. ‬علي حين أن تجربة قصيدة النثر قد بدأت علي يد جماعة مجلة»‬شعر‮» ‬في ستينات القرن الماضي كما يشير المؤلف‮. ‬فما مدي تأثير هذا الكتاب إبداعًا علي قصيدة النثر العربية؟ وما مدي تأثيره علي الصياغات النقدية التي حاول من خلالها بعض الشعراء‮ - ‬مثل أدونيس وأنسي الحاج‮  ‬أن يفسروا قصيدتهم لجمهور القراء؟ لن نعثر علي إجابات مباشرة علي أسئلة من هذا القبيل،‮ ‬ربما لأن الكتاب مشغول بنزع أوهام القراءات النقدية السابقة لقصيدة النثر في مقابل إرساء دعائم قراءة جديدة‮. ‬مهما كان فقد استطاع المؤلف أن يضعنا أمام الصور التي رأي شاعر قصيدة النثر نفسه من خلالها.هنا تبرز صورة الشاعر‮ »‬‬الرائي‮» ‬كما نجدها عند أدونيس والخال،‮ ‬وصورة الشاعر‮ »‬‬الرجيم‮» ‬كما عند أنسي الحاج وصولاً‮ ‬إلي النزعة‮ »‬‬الكلبية‮» ‬كما نجدها عند شعراء التسعينات‮. ‬تتواشج هذه المرايا،‮ ‬سواء التي يري فيها الشعراء أنفسهم أوالتي يراهم من خلالها المؤلف،‮ ‬مع ثورة لغوية تصل صورة الشاعر الرائي بالصوفي الذي يُبصر بعين المُكاشفة ما لا يُبصره أهل البصر من أبناء قومه‮. ‬بخلاف شاعر التسعينات الذي يسعي جاهدًا من أجل وصل فوضي عالمه وتنافره بتنافر لغوي مماثل‮. ‬ولا يهم بعد ذلك أن تقفز إلي اللغة تعبيرات يلتقطها الشاعر من هنا وهناك حاملة مِزاجه المتقلب ووساسه اليومية‮. ‬في هذا الإطار يحلل سيد السيسي استثمار شعراء قصيدة النثر للهجة العامية،‮ ‬كما يحلل أثر العولمة علي القصيدة الجديدة‮.‬
يبقي أن نشير إلي بعض الأسئلة التي يمكن أن تثور أثناء قراءة الكتاب‮. ‬لقد ناقش السيسي عددًا من المفاهيم المهمة المتعلقة بمشكلات التسمية في قصيدة النثر،‮ ‬ولفت نظرنا إلي أن مصطلح قصيدة النثر‮  ‬بتعريفاته المتواترة في الغرب‮- ‬ينطبق من حيث طريقة الكتابة علي قصيدة الشعر الحر‮. ‬واقترح المؤلف بعد تحليل استوفي كل جوانب المصطلح أن نستبدل مصطلح القصيدة الحرة بقصيدة النثر‮. ‬ومع اختلافي مع التسمية المُقترحة للأسباب التي سأوضحها بعد قليل؛ فإن الكتاب لم يستخدم المفهوم الذي اقترحه هو نفسه أثناء التحليل‮. ‬فماذا عن محاولة تطبيق المفهوم المُقترح؟ والسؤال الثاني يتصل باختصاص قصيدة النثر بالكتابية بخلاف موجات الشعر السابقة عليها‮. ‬فإذا كان المقصود بالكتابية أن قصيدة النثر تُقرأ ولا تُنشد في المحافل أو الندوات؛ فإن ذلك ليس صحيحًا إلي النهاية،‮ ‬لأن الكثير من شعراء قصيدة النثر يقرأون نصوصهم وينشدونها هنا وهناك‮. ‬وإذا كان المقصود أن الأصل في تلقيها يعود إلي القراءة البصرية التي تتم بمجرد المسح البصري للورقة؛ فإن ذلك لم ولن يكون مقصورًا علي قصيدة النثر دون‮ ‬غيرها‮. ‬وفي كل الحالات يصعب أن نجزم بشكل قاطع أن قصيدة النثر كتابية في مقابل شفاهية‮ ‬غيرها‮.‬
علي كل حال فإن هذه الأسئلة أو‮ ‬غيرها مما لا يتسع له السياق لا تقدح في أهمية الكتاب نظرًا وتطبيقًا سواء من خلال المنهجية المسنودة بالمراجع والأدلة العلمية،‮ ‬أو من خلال القدرة علي الكشف عن عِوار المصطلحات السابقة والكشف عن آليات أخري عمَّقت من زوايا النظر إلي القصيدة موضع التحليل‮.‬
‮> > >‬
وليس من الممكن أوالمقبول‮- ‬بالطبع‮ - ‬أن ندعي أننا استطعنا أن نحيط بأبعاد المستويات النظرية والتحليلية التي يعرضها الكتاب‮. ‬ومن الأفضل أن نتحدث عن حوار حاولنا أن نجريه مع موضوع الكتاب‮. ‬وذلك علي اعتبار أن الكتاب ينطق بقدر ما نستطيع أن نطرح عليه من أسئلة‮. ‬ولقد ساورتني بعض الأسئلة طوال مطالعتي للكتاب‮. ‬فإذا كان النقاد قد حاولوا أن يبحثوا عن شعرية قصيدة النثر من خلال قوانين كانت تجتهدأي قصيدة النثر‮ - ‬في الخروج عليها‮. ‬ولنقل أن تهمتها الأساسية أنها كانت في نظر البعض‮  ‬مجرد نثر؛ فإن قصيدة النثر قد شاركت في هذا الخلط طالما أنها أصرت-واعية أو‮ ‬غير واعية‮- ‬أن تربط نفسها بالشعر من خلال حضور معناه في عنوانها‮ (‬قصيدة النثر‮). ‬إذ أن هذه الكلمة نفسها‮  ‬قصيدة‮  ‬تحمل في تراثنا حمولات جمالية ومعرفية تصلها فورًا بشعرٍ‮ ‬يُنشد فتطرب له الآذان‮. ‬فلماذا لا تتنازل القصيدة الجديدة عن معني الشعر في عنوانها لتخلص إلي نفسها فتجرب ما شاء لها التجريب؟ ولماذا لا تختار‮  ‬مثلاً‮  ‬كلمة‮ »‬‬أغاني‮» ‬أو‮ »‬‬أغنيات‮» ‬بدلاً‮ ‬من كلمة‮ »‬‬قصيدة‮». ‬إذا أن الأغنية تتجاوب‮  ‬كما أشار سيد السيسي‮  ‬مع الرقص بوصفه إيقاع قصيدة النثر بما تحمله بين طياتها من معني الاحتفال بالذات وبعالمها الخاص؟ بل إن هذه الكلمة لها من تراث الاستخدام الشعري ما يسندها ويؤهلها لأن تكون بديلاً‮ ‬مشروعًا لكلمة‮ »‬‬قصيدة‮». ‬ألم يطلق الشاعر محمود حسن إسماعيل اسم»‬أغاني الكوخ‮» ‬علي أحد دواوينه؟ ألم تتردد في أشعار صلاح عبد الصبور كلمة أغنية وأغنيات المرة بعد المرة؟ ألم تحمل قصائد ديوانه‮ »‬‬أحلام الفارس القديم‮» ‬اسم‮ »‬‬أغنية‮» ‬مرات ومرات،‮ ‬مثل‮ (‬أغنية الشتاء‮  ‬أغنية القاهرة‮- ‬أغنية إلي الله‮..‬إلخ)؟ بل إن أحمد يماني أبرز شعراء قصيدة النثر‮-  ‬كتب في ديوانه‮ (‬تحت شجرة العائلة‮) ‬قصيدة باسم‮ (‬أغنيات‮). ‬وإذن فلمَّ‮ ‬الإصرار علي لفظ قصيدة؟ ومن ناحية أخري لماذا نصر علي أن نضع قصيدة النثر تحت مظلة النوع الشعري؟ لعل قصيدة النثر ليست شعرًا بالفعل‮. ‬أو لعلها خرجت من إطار هذا النوع الذي نسميه شعرًا إلي إطار نوع آخر جديد لا هو بالشعر ولا هو بالنثر‮. ‬لعلها بين هذا وذاك‮. ‬مهما كان فلماذا نصر أن نحسبها علي نوع الشعر؟‮. ‬إنها‮  ‬كما أري‮  ‬من جنس الأدب وهذا وحده يكفي‮. ‬إن هناك‮  ‬كما أري‮  ‬نوعًا من الأسطورية التي تغلف رؤيتنا للمفاهيم والمصطلحات بوصفها أصل ثابت قار في الماضي لا يمكن زحزحته‮. ‬في رأيي ليس هناك جوهر ثابت؛ إنما فحسب‮ - ‬أنساق من تراكيب‮ ‬غامضة وصفات متغيرة‮.‬




تعليقات القرّاء