رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

في ذكراه الثامنة‮:‬مكتبة يوسف أبو ريّة

وأعماله الكاملة‮ ‬في قبضة النسيان‮!‬


إيمان علي
3/4/2017 1:19:14 PM

كأنّ‮ ‬هاجس الشُهرة والتحقّق الذي لازم الكاتب الراحل وظلّ‮ ‬يشغل تفكيره وطموحه وبحثه فترة التكوين وبدايات الكتابة؛لم يزل يحتفظ بطيفه المُحيّر،‮ ‬كسؤال عصيّ‮ ‬لم يجد الإجابة بعد‮.‬
بدأ هذا العام بذكري مزدوجة لميلاد ورحيل الكاتب الروائيّ‮ ‬يوسف أبو ريّة‮ (‬2‮ ‬يناير‮ ‬1955‮ - ‬12‮ ‬يناير‮ ‬2009‮)‬،وسط تجاهل مُعتاد‮. ‬لكن أبو ريّة تحديداً،‮ ‬يبدو وكأنه مرّ‮ ‬كطيف رهيف فوق سحابة القاهرة الأدبيّة الملبّدة؛ لم تتحمّله ولم يتحمّلها‮. ‬فلا يكاد يُذكر علي الصفحات الثقافية إلاّ‮ ‬عنوانا لجائزة منسيّة باسمه،‮ ‬يمنحها اتحاد الكتّاب والأدباء من ريع مبلغ‮ ‬أودعته أرملته الطبيبة فريدة أبو رية بُعيد رحيله‮. ‬وها هو‮ "‬التجاهل‮" ‬أيضا يتضاعف أكثر مع صمت أصدقاء ورفاق الماضي،‮ ‬الذين كانوا عُزوة أبو ريّة في القاهرة وخلاّن مجلسه،‮ ‬وضيوفٌا دائمين علي بيته مثلما كان هو في بيوتهم‮. ‬يغيب اسمه وعناوين أعماله التي أخلص لها بين اقتراحات الأدباء في الاستفتاءات المعهودة‮. ‬يظل طبيعيّا وسط هذا كله؛تجاهل قطاعات الدولة الثقافية وإهمالها.وفي النهاية؛ يبقي ما يؤرّق زوجته أمران،‮ ‬مصير مكتبته وإصدار أعماله الكاملة‮.‬
‮"‬ورغم الرحلة التي قطعتُها لم أزل أعيش نقصا في الشهرة كماتخيّلتها في مقتبل العمر‮." ‬يكتب يوسف أبو ريّة في مقالة بعنوان‮ "‬شُهرة الفنان‮"‬،‮ ‬يُطالعني مخطوطها بين أوراقه بلا تاريخ مدوّن.منذ وقت مُبكّر؛انشغل صاحب‮ "‬ليلة عُرس‮" ‬بـ"صراع المهمّشين‮". ‬وجنّد أدواته الإبداعية في الكتابة عن هذا المعني‮. ‬وعن نفسه؛ حمله تأثّره في الصبا بطه حسين وتوفيق الحكيم علي التشبّه بهم في المَلبس والهيئة‮. ‬حتي أنه استخدام‮ "‬البيريه‮" ‬لفترة في شبابه‮. ‬بين أكثر من ألبوم،‮ ‬تَهتدي إلي صور‮ "‬البيريه‮" ‬وهو في باحة حديقة متواضعة‮. ‬شاب أسمر‮ ‬يرتدي‮ "‬طربوش‮" ‬ونظارة سوداء في لقطة أخري‮. ‬يكتب خلف إحدي الصور‮ "‬أديب كبير لكنه مُبصر‮!". ‬سيستخدم أبو ريّة هذه الصور بعد ذلك في مقالته تلك عن الشُهرة‮. ‬
كان الولع في البداية يتلبّسه،‮ ‬تلميذ مدرسة ههيا الثانوية المشتركة المُتفوّق.يكتب الشعر بين زملائه‮. ‬ويبرع في حصص الرسم.يعقد المسابقات الأدبيّة والعلمية في الإذاعة المدرسية ويُعدّها‮. ‬في قريته النائية الفقيرة يتسلّل إلي مكتبة المدرسة أو يستعير الكتب من مكتبة دار الكتب بالزقازيق‮ - ‬التي تم هدمها بعد ذلك بفترة وانتقلت الكتب إلي مكتبة عامة أخري‮ - ‬مأخوذا بروّاد الثقافة والمفكّرين في مصر فكانوا سبيله للترقّي وإشباع النهم،‮ ‬وبطلائع الكتّاب والمبدعين فكانوا قدوته‮. ‬وبدلا من أن يتملّكه كأيّ‮ ‬مُراهق تقليد نجوم الكرة والتمثيل والمطربين،‮ ‬اتّجه لنجوم الأدب والثقافة‮. ‬في بيته دولاب كامل،‮ ‬يحتفظ بكرّاسات القراءة والملخّصات‮. ‬الشعر العربي القديم،‮ ‬والمعلّقات،‮ ‬وتأليف الشعر والقصص الرومانسي‮. ‬ومقتطفات من سير طه حسين والعقّاد وغيرهما‮. ‬في صندوق يحوي مخطوطات لقصص وأعمال بعضها نشر كاملا وبعضها كان مصيره مقتطفا هنا وهناك اقتبسه وضمّه في أعمال أخري‮. ‬بعض المخطوطات مغلّفة بـ"اسكتش ملوّن‮" ‬رسمه أبو رية كغلاف للعمل‮. ‬تحكي الدكتورة فريدة أبو ريّة عن حبيبها وابن عمّها أيضا أنه نزل أوّل مرة خلسة من والده إلي القاهرة من أجل اللحاق بجنازة طه حسين‮ "‬حبّه الأوّل وغرامه‮" ‬تُعلّق أبو ريّة‮. ‬في النهاية؛ يهتدي صاحب‮ "‬صمت الطواحين‮"‬،‮ ‬بعد صراع طويل من مُجاهدة النفس كما يكتب،‮ ‬إلي أن‮ "‬شُهرة الفنان‮" ‬لا تتحقّق إلابالالتفات لأدبه وكتابته ومشروعه،‮ ‬ومن هنا بدا حرصه علي النشر المنتظم باعتباره السبيل الوحيدة للتحقّق والاعتراف بمُنجزه ككاتب وتثبيت أقدامه أمام تيّار العاصمة الجارف‮. ‬
مع العام الثامن لرحيله،‮ ‬تزداد وطأة التجاهل لاسم يوسف أبو ريّة ومشروعه،‮ ‬كأنّ‮ ‬كل مُحاولاته لكسر التهميش‮ (‬واقعيا وإبداعيا‮) ‬لم تَفلح‮. ‬ولم ينجح معها في التخلّص من سُلطة النسيان و"الشلّة‮" ‬في الوسط‮. ‬حتي في محنة مرضه الطويل،‮ ‬آثر الصمت والاكتفاء،‮ ‬وإخفاء الأمر،‮ ‬لكنه لم يتوقّف مرّة عن الكتابة‮. ‬تسحب د‮. ‬فريدة كتاب‮ "‬بنوك وباشاوات‮" ‬ترجمة عبد العظيم أنيس وتُشير إلي مكان ما توقّف في القراءة لآخر مرّة في حياته،‮ ‬وكان لا يقوي في أيامه الأخيرة علي مُجاهدة القراءة،‮ ‬فتوّلت هي المهمّة‮. ‬وكانت أكثر فترات حياته سكينة،‮ ‬ليست عندما يهدأ عنه الألم،‮ ‬إنما لحظة يخلدان إلي السرير علي ضوء‮ "‬الأبجورة‮"‬،‮ ‬تقرأ له وتظل تقرأ وتقرأ حتي يمضي وقتٌ‮ ‬طويل فيشير بيده أن يكفي هذه الليلة‮. ‬السؤال الحائر عن‮ "‬مكانة يوسف أبو ريّة‮" ‬تسأله هذه المرّة أرملته بنبرة لا تُخفي الحسرة‮:"‬هل ما كتبه أبو ريّة لم يكن مهما إلي هذا الحد؟ هل أخطأ في تقديره لإبداعه والتزامه به؟ أنا لا أفهم في الأدب والإبداع،‮ ‬هل أبو ريّة‮ ‬غير جدير بوفاء الأصدقاء علي الأقل،‮ ‬مثلما ظلّ‮ ‬هو وفيّا لرفاقه؟‮!".‬
‮"‬الريفي‮" ‬المأخوذ بالحُلم
في ديباجة التقدّم لمشروع التفرّغ،‮ ‬يكتب يوسف أبو ريّة عن مشروع رواية تُسجّل تحوّلات جيل العقد السبعيني الذي طوّحت به أرجوحة القرية‮ - ‬المدينة‮. ‬هذه التحوّلات يُسمّيها يوسف بـ"عذابات التمزّق‮". ‬ينتقل الريفي إلي مدينة السبعينات،‮ ‬وهي مدينة متمرّدة،‮ ‬متأرجحا بين الاحتفاء بحداثة التغيير والحنين إلي العوالم الأولي‮.‬
شخوص أبو ريّة جاهلة في الأغلب بحقيقة ما يحدث،‮ ‬تُحاول حرق المراحل علي عجل،‮ ‬لتحصيل ما فات،‮ ‬ومالم تمنحه لها حياة القُري الفقيرة من كل مصدر ثقافي‮. ‬كتب أبو ريّة رواية تُحاول التعبير عن مصادر القلق الذي يمتد من ماضي الشخصيات إلي راهنها‮. ‬حاول التأريخ إبداعيا لبدايات التحوّل وأسباب الأزمة‮. ‬كان هو نفسه يعيش الأزمة،‮ ‬وبطلا لها‮.‬
‮"‬الشُهرة الزائفة هي شُهرة الصورة‮. ‬تومض مثل‮ "‬فلاش‮" ‬كاميرا،‮ ‬ثم لا شيء‮." ‬يكتب أبو رية في دفاتره التي نستعرضها في منزله الصغير وغُرفته‮. "‬الشُهرة الحقيقية تأتي بالعمل الجاد،‮ ‬وتراكم الإنجاز،‮ ‬من المفترض للفنان المراهنة علي ما هو خالد وليس علي ما هو مؤقت وزائل‮.". ‬هل أخطأ صاحب‮ "‬الريفي‮" ‬في تقديره؟‮!‬
تبحث د‮. ‬أبو ريّة عن سبيل لإهداء مكتبة زوجها الكاتب الراحل،‮ ‬التي تحتلّ‮ ‬غرفة نومه،‮ ‬وجزء من البلكون‮. ‬وفيها يُخصص جزءا كبيرا للشعر،‮ ‬والباقي لكتب الفكر والأبحاث والدراسات والروايات‮. ‬موسوعة المسيري وألف ليلة وليلة في طبعتها الأولي،‮ ‬وموسوعات قيّمة أخري‮. ‬تخشي د‮. ‬فريدة إرسالها إلي مكتبة البلد‮ "‬ههيا الشرقية‮" ‬التي شهدت مولد أبو ريّة،‮ ‬خوفا علي مصير الكتب لأنّ‮ ‬قُرّاء القرية نادرون وأغلبهم لن يُقدّر قيمة الكتب‮. ‬تُفكّر في قصر ثقافة الزقازيق،‮ ‬لكنّها تفتقد السبيل والمعاونة علي إتمام إجراءات مثل هذه‮. ‬أسأل عن إمكانية التبرّع بالكتب لمكتبة الإسكندرية‮!‬
نظرة أخيرة
نبصر قطعة‮ "‬الكومود‮" ‬إلي جوار السرير‮. ‬وفوقها تتراص قصص أبو ريّة ورواياته التي أصدرها طيلة حياته وآخرها‮ "‬ليالي البانجو‮". ‬روايته الأخيرة التي صدرت بعد رحيله عن دار الشروق‮. ‬وهي النُسخ المُهداة من‮ "‬عاشق الحيّ‮" ‬إلي زوجته وحبيبة الصبا‮."‬كتبناها معا،‮ ‬في الحياة وعلي الورق،‮ ‬قصيدتي في مديحك‮". ‬ونحن نستعرض ما كتبه في الإهداءات‮ - ‬كانت كرسائل قصيرة رهيفة جدا،‮ ‬يتركها إلي جوارها في الليل فتكون أوّل ما تقع عليه عيناها في الصباح‮ - ‬تسبق ضحكة كلامها عن إصراره تأجيل زواجهما حتي صدور‮ "‬الضُحي العالي‮" ‬1985،‮ ‬مجموعته القصصية الأولي.كان يخشي أن يشغله الزواج عن الكتابة‮. ‬فانتظر حتي يبدأ حياته الجديدة كزوج مطمئنا كـ"كاتب مُتحقّق‮"‬،‮ ‬مُتورّط بالفعل في الحركة الإبداعية،وقد نُشر له كتاب بالقاهرة‮. ‬تُقاوم دكتورة فريدة بكاء مكتوما فتُباغتها دمعات شفّافة تزيد تدحرجها علي خدّها من خجلها،‮ ‬قبل أن تُتابع في قلق‮: "‬أتمنّي إيجاد فُرصة لطبع أعمال أبو ريّة في مجلّد كامل،‮ ‬ومنها رواية للأطفال لم تُنشر بعد عنوانها‮ "‬أحلام عنترة‮". ‬أن أتمكّن من هذا قبل أن ألحق بيوسف‮. ‬أدباءٌ‮ ‬كثيرون شهدوا هذه الخطوة في حياتهم،‮ ‬سأشعر أني ارتحت أخيرا وأدّيت شيئا ذا قيمة ليوسف ويحفظ إبداعه‮".‬



تعليقات القرّاء