رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

في ملتقى القاهرة الثاني للنقد الأدبي‮: ‬الثورة على الهامش‮!‬


إسراء النمر
5/13/2017 9:52:11 AM

علي مدار ثلاثة أيام‮ - ‬من‮ ‬8‮ ‬إلي‮ ‬10‮ ‬مايو‮ - ‬عُقد ملتقي القاهرة الدولي للنقد الأدبي،‮ ‬أو بالأحري تم إحياؤه بعد‮ ‬غياب سبع سنوات،‮ ‬فهذه هي الدورة الثانية له والتي تأخرت كثيراً‮ ‬نتيجة لأسباب مبهمة،‮ ‬ليس من بينها بالطبع تكاسل النقاد،‮ ‬أو قلة عددهم،‮ ‬لكن بإمكاننا تخمين أن هذه الأسباب لها علاقة وثيقة بما مرت به البلد بعد ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير من اضطرابات جعلت الرؤية مشوشة‮  ‬لدي الذين يكتبون بصفة عامة،‮ ‬إذ كانت الدورة الأولي في‮ ‬2010،‮ ‬أي قبل الثورة بعام أو أقل،‮ ‬لذا كان طبيعياً‮ - ‬هكذا رأيت‮ - ‬أن تتضمن هذه الدورة التي جاءت تحت عنوان‮ (‬الحوار مع النص‮) ‬أبحاثاً‮ ‬تقول شيئاً‮ ‬عن الثورة،‮ ‬وإن كان بكثير من المواربة،‮ ‬بل بعدم القصد أصلاً،‮ ‬إذ وصل عدد الأبحاث التي شاركت من مختلف البلدان العربية إلي‮ ‬66،‮ ‬تناولت أغلبها قضايا متشابهة،‮ ‬من بينهم ثلاثة فقط تحدثت عن الثورة،‮ ‬لكن من بعيد،‮ ‬من بعيد جداً‮.‬
وقبل ذكر أي تفاصيل عن هذه الأبحاث،‮ ‬التي عرضها أصحابها بشكل موجز لضيق وقت الملتقي،‮ ‬والتي لن نستطيع عرضها كلها لضيق المساحة،‮ ‬أود الإشارة إلي شيئين مهمين،‮ ‬أولهما أن هذه الدورة حملت اسم عبد القادر القط‮ (‬1916‮-‬2002‮) ‬وهو من كبار أساتذة النقد الأدبي في النصف الثاني من القرن العشرين،‮ ‬والذي تم اختياره احتفاءً‮ ‬بمرور مائة عام علي مولده،‮ ‬ورغم ذلك لم يتم تناول أي من أعماله النقدية أو الأدبية خلال الملتقي إلا في بحثين يتيمين هما‮ (‬نقد الدراما التليفزيونية عند عبد القادر القط‮) ‬للناقد عبد الرحيم الكردي،‮ ‬و(الحوار مع نص عبد القادر القط الشعري‮/ ‬التناص الأسطوري في قصيدته‮ "‬مثّال‮" ‬نموذجاً‮) ‬للناقد حافظ المغربي‮. ‬ثانيهما أن الأبحاث بدت وكأنها عشوائية،‮ ‬لا تجمعها وحدة محددة،‮ ‬حتي لو علي مستوي الجلسات،‮ ‬لكنها رغم ذلك تحركت في ستة محاور،‮ ‬هي‮: ‬الحوار مع النص الشعري،‮ ‬والحوار مع النص السردي،‮ ‬والحوار مع النص النقدي،‮ ‬والحوار مع الدراما،‮ ‬والحوار مع النص الإعلامي،‮ ‬والحوار مع التجليات الأخري للنص‮.‬
نأتي للثورة،‮ ‬الثورة التي يبدو أنها ستظل دائماً‮ ‬علي الهامش‮. ‬لم تتحدث الأبحاث‮ - ‬بالطبع‮ - ‬عنها بشكل مباشر،‮ ‬لأنها في النهاية أبحاث أدبية،‮ ‬لكن ما أقصده هو أن الأبحاث لم تتطرق إلي الأعمال الأدبية المغايرة التي ظهرت بعد الثورة والتي تأثرت بها بطبيعة الحال،‮ ‬ولم تحلل الظواهر التي طرأت علي الثقافة خلال هذه السنوات،‮ ‬ولم تتطرق حتي إلي ظهور طرق مغايرة في الكتابة السردية أو الشعرية،‮ ‬ربما لأن الملتقي لم يهدف إلي ذلك،‮ ‬لكن هذا يؤكد ما نعتقده دوماً‮ ‬أن النقاد يعيشون في جزر منعزلة‮. ‬بحث واحد وحيد الذي ناقش التغير الذي طرأ علي الرواية بعد الثورة،‮ ‬وهو بحث الناقدة إيمان سند الذي جاء بعنوان‮ (‬رواية الثورة المصرية‮.. ‬من اليوتوبيا إلي الديستوبيا‮)‬،‮ ‬إذ قدمت فيه نموذجين لليوتوبيا والديستوبيا هما‮: ‬رواية‮ (‬باب الخروج‮) ‬لعز الدين شكري فشير،‮ ‬ورواية‮ (‬عطارد‮) ‬لمحمد ربيع،‮ ‬حيث قامت بتحليلهما في ضوء نقد النص السردي،‮ ‬ومدي قرب أو بعد كل منهما في ضوء المتغيرات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تؤثر في العملية الإبداعية‮. ‬
تقول‮: "‬نعرف جميعاً‮ ‬ما هي اليوتوبيا،‮ ‬إنها المدينة الفاضلة التي طالما طمح إليها الفلاسفة،‮ ‬أما الديستوبيا فهي نقيضها تماماً،‮ ‬والتي تعني المدينة الفاسدة،‮ ‬فهي مجتمع خيالي،‮ ‬يعيش فيه الناس في رعب حيث لا تتم معاملتهم بطريقة عادلة أو إنسانية‮. ‬لذا نجد أن أدب الديستوبيا يتنبأ بما هو أسوأ،‮ ‬حيث يقوم الكاتب بتقديم نسخة مكانية خيالية يرسمها بمهارة لعالم‮ ‬غير موجود بالفعل،‮ ‬ويتوقع الكوارث التي من الممكن أن تحدث له،‮ ‬ويصورها كما لو كانت حقيقية‮. ‬وكانت ثورة‮ ‬25‮ ‬يناير محركاً‮ ‬لظهور هذا النوع من الروايات في مصر‮ (‬النوعين معاً‮) ‬فما كُتب أثناء اشتعال الثورة وحلم التغيير ومصر الجميلة التي تخلع ثوباً‮ ‬بشعاً‮ ‬لترتدي أفضل منه كانت تمثل تحقق حلم اليوتوبيا،‮ ‬وما كُتب بعد ضياع الثورة وعدم تحقق أهدافها خرج مأسوياً‮ ‬يمثل الديستوبيا‮. ‬كما كانت لرؤية كل جيل،‮ ‬ومدي انخراطه في الثورة والإيمان بها ونظرته إليها تأثير علي اختيار المؤلف لأي نوع من النوعين في عمله الأدبي‮".‬
هذا بالنسبة للروايات،‮ ‬لكن ماذا عن الشعر،‮ ‬هل حقيقة شعر الثورة لا يشبهها؟
كان هذا هو السؤال الذي بني عليه الناقد سعد أبو الرضا بحثه‮ (‬حوار الشعر والثورة‮) ‬الذي اتخذ نماذج من شعر الثورة،‮ ‬مثل قصيدة‮ (‬إلي جبار طغي‮) ‬لفاروق جويدة،‮ ‬و(في الخامس والعشرين وقف البحر علي قدميه‮) ‬لأحمد فضل شبلول،‮ ‬و(من أوراق‮ ‬25‮ ‬يناير‮) ‬لأيمن صادق،‮ ‬و(كل الطرق‮  ‬تؤدي إلي ميدان التحرير‮) ‬لأحمد تيمور،‮ ‬إذ يري أن الدلالة اللغوية للفعل‮ (‬ثار‮) ‬التي تتضمن الهياج،‮ ‬يمكن أن تكون أكثر دلالة وتصويراً‮ ‬في الشعر،‮ ‬والتي جسدت فعلياً‮ ‬انفعالات الشعراء،‮ ‬مضيفاً‮: "‬حتي إن شاعراً‮ ‬في قامة أحمد عبد المعطي حجازي الذي انقطع عن الشعر مدة طويلة عاد بقوته ليكتب عن الثورة مستلهما بيت أبي القاسم الشابي‮: ‬إذا الشعب يوماً‮ ‬أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر،‮ ‬ليقول‮: ‬إذا الشعب يوماً‮ ‬أراد الحياة فلابد من أن يقوم العبيد،‮ ‬وليس في ذلك أي تبعية وإنما هي استجابة شاعر أصيل لماضيه وحاضره‮»‬.‬
لم يتناول البحث نماذج من الشعراء الشباب،‮ ‬أو نماذج من شعر العامية الذي كان الأكثر تأثيراً‮ ‬في الميدان،‮ ‬ربما لأن الباحث كان منحازاً‮ ‬لأبناء جيله،‮ ‬ولشكل الشعر الذي يحبه،‮ ‬وإلي قناعة ترفض الاعتراف بأن الشباب هم الذين قاموا بالثورة،‮ ‬اتضح ذلك في قوله‮: "‬إذا كانت حيوية الشباب وقوته قد تماهت مع الثورة ومتغيراتها حتي أصبحا شيئاً‮ ‬واحداً،‮ ‬لكن الفريد حقاً‮ ‬أن تصبح الثورة ثورة الشعب كله،‮ ‬شيباً‮ ‬وشباباً‮ ‬وأطفالاً‮ ‬ورجالاً‮ ‬ونساءً،‮ ‬من ثم يصبح الشعر شعر الشعب كله يتسع لماضيه وحاضره ومستقبله،‮ ‬أمجاداً،‮ ‬وتاريخاً،‮ ‬وبطولات وآمالاً،‮ ‬وتأتي الصياغات والأبنية اللغوية والصور الشعرية كاشفة عن كل ذلك باستخدامها كثيراً‮ ‬من التقنيات الفنية التي تنتمي إلي السيناريو والمونتاج السينمائي أو الدراما أو صور البلاغة العربية‮".‬
لكن الناقد شوكت نبيل المصري،‮ ‬عوض ذلك،‮ ‬ببناء بحثه علي شعر عماد أبو صالح،‮ ‬والذي جاء بعنوان‮ (‬الشعرية المضادة‮.. ‬قراءة في ديوان كان نائماً‮ ‬حين قامت الثورة‮)‬،‮ ‬يقوم فيه بتتبع ثلاثة مناطق‮ - ‬عبر محاور‮ - ‬تولّد الشعرية في الديوان،‮ ‬الذي يعد السابع في مسيرة الشاعر الذي يخطو نحو عقد عمره الخامس بمنجز شعري‮ "‬له من الفرادة والاختلاف بين مجايليه جميعاً‮ ‬ما يمكنه من استحقاق مكانة خاصة بينهم ليس فقط علي المستوي المصري وإنما المستوي العربي أيضاً‮ ‬علي أقل تقدير‮"‬،‮ ‬والبحث يتبني في مدخله مناقشة مفهوم الشعرية داخل المقولات المنهجية المختلفة،‮ ‬وتحدد مقاصدها منها في مجري مقاربتها لنص شعري ينتمي إلي‮ "‬قصيدة النثر‮"‬،‮ ‬كما أن الدراسة تستهدف في تأسيسها النظري المبسط توضيح مجموعة من المغايرات الجمالية والدلالية التي قصد إليها شعراء هذه القصيدة في رؤاهم التجديدية،‮ ‬سواء‮ ‬اختلف أو اتفق علي هذه المغايرات النقاد‮.‬
يبدو أن النقاد يعرفون فيما بينهم أنهم لا تجمعهم قاعدة واحدة،‮ ‬وأن لكل منهم نقده الخاص،‮ ‬وهو الذي يدفع أغلبهم إلي التقوقع والتحجر،‮ ‬بل إلي النأي بنفسه بعيداً‮ ‬عما يحدث في الثقافة‮. ‬وقد جاء بحث الناقد محمود الضبع محللاً‮ ‬لـ‮ (‬النقد العربي والواقع الثقافي‮)‬،‮ ‬إذ تكلم عن أن النقد بمفهومه العام ثقافة،‮ ‬والوعي بها فارق بين الهدم والبناء،‮ ‬وحتي علي المستوي الفردي،‮ ‬فإن من يمتلك القدرة علي الوقوف أمام ذاته،‮ ‬وتحليلها تحليلاً‮ ‬سليماً‮ ‬مستنداً‮ ‬علي أسس علمية،‮ ‬فإنه يستطيع أن يمتلك نفسه ويمتلك الآخرين في آن وهذه العملية في ذاتها هي مجمل مفهوم النقد عموماً‮.. ‬فالنقد تحليل،‮ ‬والنقد تمييز،‮ ‬والنقد هدم وبناء،‮ ‬والنقد تقويم،‮ ‬والنقد رؤية حضارية‮.‬
يضيف محمود الضبع‮: " ‬يبدو الأمر محيراً‮ ‬ونحن بصدد مناقشة الثقافة العربية،‮ ‬فهذا النقد بمفهومه الواسع تكمن إشكاليته دوماً‮ ‬في الوعي به،‮ ‬ودوماً‮ ‬كانت الشخصية العربية تنحو نحو رؤية الجانب الإيجابي في الأمر،‮ ‬ليس بمفهوم التفاؤل ولكن بمفهوم الرغبة في الاستحسان،‮ ‬وليس هذا بمستغرب علي أمة تقدس المديح والثناء،‮ ‬ويفعل المديح فيها فعل السحر الذي لا تستطيعه أشد المخترعات العلمية والتقنية فعله‮. ‬من هنا،‮ ‬فإن كثيراً‮ ‬من مفاهيم النقد العلمي المؤسس ربما تغيب تماماً‮ ‬عن القائمة مع الوعي النقدي العربي،‮ ‬ولكنها تتحقق علي أكمل ما يكون مع فروع بعينها من الثقافة العربية وإن كانت في إجمالها تمثل دوما جهوداً‮ ‬فردية،‮ ‬ووعياً‮ ‬فردياً‮ ‬لم يستطع إلا في أزمنة قليلة أن يكون نهجاً‮ ‬عاماً‮ ‬لجماعات بعينها،‮ ‬وهو ما تحقق مثلاً‮ ‬مع النقد الأدبي،‮ ‬وبخاصة الشعر والنثر،‮ ‬فالأمة العربية بطبعها أمة كلامية،‮ ‬تسحر بالمنظوم من القول،‮ ‬وتطرب للغة وإيقاعها،‮ ‬ونظمها وبنائها،‮ ‬ومن ثم تكون العلوم جميعها التي يمكن أن تنشأ حول هذه اللغة ومستويات استخدامها،‮ ‬هي الأكثر تأثيراً‮ ‬في الوعي الثقافي والنقدي لها‮".‬
أما الناقد السيد فضل فقد تحدث عن الانطباع الأول الذي قد يدفع أي ناقد إلي الكتابة عن عمل محدد،‮ ‬أو النفور منه تماماً،‮ ‬وذلك في بحثه‮ (‬الانطباع ولغة العواطف‮) ‬حيث أعد قراءة في نماذج من نقد الرواد مثل طه حسين والعقاد ونعيمة ومندور والنويهي وشوقي ضيف وغيرهم‮. ‬يقول‮: "‬أجاد الانطباع التنكر لفترة طويلة في لغة النقد القديم،‮ ‬وفي أحاديث متصلة عن القواعد والمعايير والحدود حتي إذا جاء الرواد في بداية النهضة الحديثة أضفوا علي الحديث بثقافتهم ومكانتهم ودورهم التاريخي الشيء الكثير‮. ‬كانوا يبحثون عن فهم خاص للشعر وقد اعتمدوا خلال ذلك علي اعتداد شديد بدورهم وملكاتهم،‮ ‬والاعتداد باب من أبواب الانطباع دخله الرواد ممتلئين بالثقة فيما يفعلون،‮ ‬فالعقاد يصرح بأن‮: ‬إحساسنا بشيء من الأشياء هو الذي يخلق فيه اللذة ويبعث فيه الروح ويجعله معني شعرياً‮ ‬تهتز له النفس‮. ‬نفهم إذن أن إحساس القارئ الناقد خلقاً‮ ‬يحيل المعني إلي معني شعري،‮ ‬وحين يتحدث العقاد عن شاعره المفضل وهو موصوف عنده في مواضع كثيرة بالصديق يقول‮: ‬أما الشاعر الذي نقرأه ولا نصادفه فقد يجيد ويفضل‮ ‬غيره في الإجادة،‮ ‬ولكنه‮ ‬غريب نلقاه كما نلقي كل‮ ‬غريب‮.‬
أما طه حسين،‮ ‬فيردد كلمة المحبة كثيراً‮ ‬وموقفه من الشعر في حالات ليست بالقليلة موقفه من إنسان يحبه أو يمقته،‮ ‬يقول عن المتنبي وقد قصد دراسة شعره‮: "‬وليس مع المتنبي مع هذا من أحب الشعراء إليّ‮ ‬وأثرهم عندي،‮ ‬ولعله بعيد كل البعد من أن يبلغ‮ ‬من نفسي منزلة الحب والإيثار‮". ‬بهذه الكيفية يلتقي مع العقاد عند حد تأخر الشعر إذا لم يفلح الناقد في أن يجد فيه ما يطربه ويهزه يقول طه حسين عن شعر بشّار مثلاً‮: "‬ومهما يكن لبشار من الأشعار الجياد البارعة فأنا لا أحبه ولا أميل إليه‮". ‬في قراءة طه حسين للشعر تقف عاطفته حكماً‮ ‬علي النص وقيمته،‮ ‬وقد لاحظ كثيرون من نقاده‮  ‬أن النص عنده لا يحيا حياة مستقلة بعيداً‮ ‬عن عاطفته وقد يقال ذوقه،‮ ‬وردوا ذلك إلي إلحاحه علي الذاتية ونفوره من الموضوعية واعتقاده في أنها قد تدمر الأدب ومن ثم كان لنقد النص عنده لذه فنية كبري تفوق اللذة الأولي عند منشئه،‮ ‬وإيماناً‮ ‬منه بأن الناقد أديب كما أن النقد أدب‮.‬
يستشهد السيد فضل بميخائيل نعيمه أيضاً‮ ‬الذي وصف في‮ "‬الغربال‮" ‬الناقد الانطباعي من طبقة الرواد قائداً‮ ‬يضفي علي الأشياء من سحره ونفسه جودة ورداءة،‮ ‬وهو وصف يدلنا علي نتيجته الطبيعية ونعني إسقاط ما لا يرضينا من باب الشعر،‮ ‬وقد كان ما لا يرضي تبعاً‮ ‬لذلك كثيراً،‮ ‬يقول ميخائيل نعيمة عن الناقد الجديد إنه لا يعدم أناساً‮ ‬ينضوون تحت لوائه ويعملون بمشيئته فيستحبون ما يحب ويستقبحون ما يقبح وهو وراء منضدته سلطان تأتمر بأمره وتتمذهب بمذهبه وتتحلي بحلاه وتتذوق بذوقه ألوف من الناس إذا طرق سبيلاً‮ ‬سلكوه،‮ ‬وإذا صب نقمته علي صنم حطموه وإذا أقام لهم إلهاً‮ ‬عبدوه ونحروا له وسبحوه‮.‬
مثل هذا الناقد كان شيئاً‮ ‬طبيعياً‮ ‬ألا يري في الشعر العربي ما يروقه قديمه وحديثه،‮ ‬لا يبقي‮ ‬غرباله إلا علي عدد محدود من المقطوعات قالها من يرضي عنه وعن عدد من قصائد الشعر يهتز لها لأن لها في نفسه صدي‮. ‬