رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

‮ ‬ريحٌ‮ ‬تسرق ظلها‮:‬ إعادة تركيب العالم بالكلمات‮!‬


د‮. ‬محمد مشبال
5/13/2017 9:58:27 AM

إذا كان كل متكلم‮ ‬يقدم من خلال كلامه صورة عن ذاته سواء بطريقة واعية أو بطريقة‮ ‬غير واعية،‮ ‬وبناء عليه كان تقديم الذات أحد المكونات المنصهرة في الخطابات؛‮  ‬فإن الشاعر لا‮ ‬يشذ عن هذا المبدأ،‮ ‬حتي وإن كانت الأنا في نصوصه لا تحيل إليه بصفته مؤلف هذه النصوص أو الكائن الحقيقي أو الشاعر الذي نعرف حياته أو‮ ‬يمكن أن نعرفها؛ أي باعتبار هذه الأنا ضميرا متكلما فارغا أو مطلقا‮ ‬يحيل علي أي ذات؛ ففي النهاية‮ ‬يتعامل القارئ مع هذه الذات باعتبارها هوية خِطابية سواء أكانت تحيل إلي تجربة كائن حقيقي‮ ‬يوجد خارج النص‮ (‬هو مؤلف الديوان‮) ‬أو إلي كائن تخيلي صنعته علامات النص‮.  ‬
سأقارب نصوص ديوان‮ "‬ريح تسرق ظلها‮" ‬للشاعرة عائشة بلحاج انطلاقا من تصور‮ ‬يقوم علي أن الشاعر‮ ‬يبني في خطابه صورة لذاته،‮ ‬وأنه‮ ‬يتوق بهذه‮  ‬الصورة إلي‮  ‬إثبات وجوده في العالم،‮ ‬وهو مضطرٌّ‮ ‬في هذا التَّوق لكي‮ ‬يخوض مقاومة ضد كل العوائق التي تسعي إلي تقليص‮  ‬وجوده وإضعاف حضوره‮. ‬ثمة صراعٌ‮ ‬بين الأنا والآخر‮ ‬،‮ ‬بين ذات طامحة وبين آخر‮  ‬كابت وقامع‮. ‬
قراءتي التي لا تدّعي الشمول،‮ ‬تحاول إظهار كيف قدّمت الشاعرة هويتها في نصوصها،‮ ‬من خلال توظيف خيال شعري‮ ‬يمتح لغته وصوره وعلاماته من الطبيعة والموسيقي والسينما والتشكيل والشعر وغيرها من النصوص الثقافية التي تفاعلت معها‮. ‬ولكن‮ ‬ينبغي أن ندرك أن إثبات الذات في الخطاب الشعري هو‮ ‬غيره في الخطابات التداولية العملية؛ إنه من قبيل إثبات القيم الإنسانية التي‮ ‬يسعي الشعر المطلق إلي ترسيخها في وعينا،‮ ‬ولا صلة له بتحصيل مكاسب عملية.فالذات في الشعر لا تسعي إلي إقناعنا بصفاتها،‮ ‬ولكنها تسعي إلي تبصير وعينا بهذه الصفات،‮ ‬وتعميق إدراكنا بوضع الذات في العالم الذي نعيش فيه‮.‬
صورة الذات‮: ‬
في نصوص الديوان،‮ ‬الصادر عن منشورات بيت الشعر بالمغرب‮ ‬2017،‮ ‬نزعة لتقديم الذات في صورة قوية تمتح صفاتها وأفعالها‮  ‬من انصهارها في الطبيعة،‮ ‬علي نحو ما تقدمها في صورة الضعف؛ إذ نستطيع أن نقول إن صورة الذات في الديوان تترجّح بين التحدّي والمقاومة،‮ ‬وبين الوهن والانكسار؛ فهي تارة ريشة في مهب الريح وتارة كائن خارق تكفي نظرة منه لتجرف السيول‮. ‬
يستطيع القارئ أن‮ ‬يجمّع صورة هذه الذات في السمات الآتية‮:‬
1‭.‬ذات نادمة‮.‬
ذات تعاني الندم الذي بلغ‮ ‬مبلغا كبيرا حتي إن الشاعرة جسدته في أشياء ملموسة‮ (‬النهر والممحاة‮):‬
‮"‬وجهي الغارق في نهر الندم
وجهي المتعلق
بكلمة‮ "‬حب‮"‬
المتدلية من فم كمان‮.‬
سأحمله مثل شهادة مزورة
بالفرح‮(‬17‮)‬
وقولها أيضا‮:‬
‮"‬أمحو أسمائي كلها
بممحاة
من
ندم‮."(‬29‮)‬
2‭.‬ذات مفرغة‮.‬
للفراغ‮ ‬دلالات متعددة في الديوان؛ فهو من جهة أحد أبعاد صورة الذات التي انكسرت أحلامها،‮ ‬وسمة من السمات المحددة لهويتها؛ إذ تعلن صراحة أنها ذات تشكلّت في الفراغ‮:‬
‮"‬أنا
فكرة
خلقها الفراغ‮."(‬46‮)‬
ولكن علينا أن ندرك من جهة أخري أنّ‮ ‬الفراغ‮ ‬ليس سمة طارئة وعارضة،‮ ‬بل هو حقيقة الموجودات‮:‬
‮"‬[..]الذين‮ ‬يملكون القدرة علي الركض مسافات طويلة دون وقود عدا الأمل الرطب في قلوبهم المغلقة علي تقلبات الضوء والظل‮. ‬يستطيعون الاقتراب بما‮ ‬يكفي لرؤية الفراغ‮ ‬الذي‮ ‬يقف خلف القناع‮. ‬ليدركوا أنّ‮ ‬كلّ‮ ‬ذلك الأمل كان هدرا،‮ ‬وأنّ‮ ‬لاشيء‮ ‬يعني شيئا،‮ ‬لا أحد هو نفسه‮.‬
‮...‬وأن الفراغ
يسكن كلّ‮ ‬شيء،‮ ‬كلّ‮ ‬شخص‮.‬
هو سيِّد الأشياء،
وحقيقتها‮.(‬54‮)‬
تغوص الشاعرة في معني الفراغ‮ ‬لتشكله أمام أعيننا كما‮ ‬ينبغي أن‮ ‬يصنع الشاعر الحقيقي الذي‮ ‬يعيد وفق رؤيته وتجربته تركيب العالم بالكلمات؛فالشاعر‮ ‬ينطلق من تجربته الذاتية الاجتماعية المحسوسة ليحلّق في أفق التجربة الإنسانية المجردة،‮ ‬أو‮ ‬يمزج ما هو ذاتي اجتماعي ملموس بما هو إنساني مجرد‮. ‬فالفراغ‮ ‬في نصوص الديوان‮ ‬يحيل إلي ما هو ذاتي اجتماعي وإلي ما هو رمزي مجرد في الان معا‮.‬
يمثِّل الفراغ‮ ‬في رؤية الشاعرة كائنا شرّيرا‮ ‬يُجهض أحلام الذات؛ هذه الأحلام التي حرَصت علي حمايتها منذ الطفولة؛ تخاطب أباها باكية متحسّرة لأنها عوّلت عليه،‮ ‬ولكنه لم‮ ‬يساعدها في مهمّتها‮:‬
تطلّعتُ‮ ‬إليك كثيرا من قامتي الصغيرة،‮ ‬أبي‮.‬
وبكيتُ‮ ‬أكثر
عندما أحضرتَ‮ ‬لي الشاحنات الألعابَ،
بينما كل ما أردته بندقية
أحرس بها أحلامي‮.(‬24‮)‬
هذه الأحلام المجهضة إحدي السمات التي شكّلت صورة الذات في نصوص الديوان؛ ولعل الفراغ‮ ‬أن‮ ‬يمثّل أحد عوامل هذا الإجهاض والإحباط،‮ ‬ولأجل ذلك عمدت الشاعرة علي تصويره‮  ‬في محكي درامي شعري؛ فهو لصّ‮ ‬متسلل ليلا أو هاوية‮:‬
تقول في‮  ‬من نص خطوات الفراغ‮:‬
‮"‬يتسلل
‮(‬الفراغ‮)‬
لصا عديم الأثر‮.‬
يخنق أحلامي
بوسادة
من لاشيء‮.‬
2
أبقِ‮ ‬قلبي
ظلا لقلبك،
الفراغُ‮ ‬الذي‮ ‬يغطي الأفق‮ (‬خلفك‮)‬
يفتح فمه‮ (‬متوعدا‮) ‬كهاوية‮.‬
3
خبّأتُ‮ ‬أحلامي الكبيرة
في أدراجٍ،‮ ‬كـ‮ (‬كنز ثمين‮).‬
حين احتجتُ‮ ‬غيما‮ ‬يحضنني لأحدّق في فراغ‮ ‬الليل
بثقة أعمي‮.‬
صدمةُ‮ ‬يدي الفارغة،
كانت أعمقَ
من بئر‮. (‬43‮-‬45‮)‬
الفراغ‮ ‬هو اللاجدوي والهاوية والعين المفرغة؛ إنها مصائد للأحلام‮ :‬
‮"‬اللاجدوي،‮ ‬هاوية مُشرعة
علي الأشياء
بشهية مفتوحة‮.‬
عينٌ‮ ‬مفرغة ترصد
بدقة صياد أحلام السذج‮."(‬50‮)‬
ومع ذلك لا تستسلم الشاعرة لهذا الفراغ‮ ‬الذي اعتار ذاتها،‮ ‬بل تتمرد عليه وتقلّل من قدره،‮ ‬عندما تشخصه في فزّاعة‮:‬
‮"‬انفخ ظلك ما استطعتَ‮.‬
لن تكون شيئا آخر
غير فزّاعة
متخمة بالفراغ‮."(‬47‮) ‬بل وتقاومه‮:‬
‮"‬سأعيد كلّ‮ ‬الفراغ‮ ‬الذي‮ ‬سكبتَه
في نظرتي الحادسة لفراغ‮ ‬وجهك
من المعني‮.‬
ويمكنك أن تلهث وسعَ‮ ‬الفراغ‮ ‬المحبوس
في رئتيكَ‮."(‬49‮)‬
أو في قولها‮:‬
‮"‬في الحقول الجدباء،
فيما ظهرك مُنحن علي فم بئر‮.‬
حاول أن تُنزل الدّلو
ولا‮ ‬يقعُ‮ ‬قلبك
حين‮ ‬يعود فارغا‮.‬ّ‮(‬113‮)‬
الفراغ‮ ‬هو سمة عالم هذه الذات؛ سواء أدلّ‮ ‬علي الافتقاد‮ (‬ما سقط منها في الطريق‮) ‬أو علي الخيبة‮ (‬ما تجرّعته من خيبات أمل)؛ فكلاهما فراغٌ‮:‬
3
‮"‬في عالمي‮ ‬لا تكفّ‮ ‬الأشياء
عن السقوط‮. ‬سأصل نهاية هذه الطريق
بأيد فارغة وعمر مثقوب‮"(‬52‮)‬
4
تسحلني الاحتمالات اللامتناهية تنخلع في‮ ‬يدي
الأبواب‮.‬
وريثما أُشفي من الأمل المزمن،‮ ‬سأبتلعُ‮ ‬الخيبات
واحدةً‮ ‬تلو
أخري‮.(‬53‮)‬
3‭.‬‮ ‬ذات مقموعة‮.‬
تتقدم هذه الذات في صورة منكسرة ومقموعة،‮ ‬علي الرغم من كل ما تحمله بين حناياها من طاقات؛ تقول الشاعرة في نص‮ "‬شهقة‮":‬
‮"‬ممتلئة بالشعر لكن
لا نوافذ لي‮. ‬مغلقة علي الزفير
ككرة تشتهي شهقة‮."(‬35‮) ‬وتقول في نص‮ "‬انطفاء‮":‬
‮"‬خلف نظرة الأعمي أختبئ
نقطة ضوء محتجزة نظرة مكسورة
مثقّلة بالشظايا‮.‬
صورة قديمة تخبِّئ في العتمة
ألوانها‮."(‬34‮)‬
4‭.‬ذات تائهة‮.‬
التيه سمة من سمات هذه الذات التي فقدت بوصلتها في أول الطريق علي الرغم من أنها واصلت السير وتظاهرت بأنها واعية بأفعالها،‮ ‬كما تقول الشاعرة في قصيدتها الأولي‮:"‬يد الريح تحمل وجهتي‮"(‬7‮) ‬فما أشبهها بورقة تائهة في‮ ‬يد ريح،‮ ‬كما‮ ‬يقول عنوان أحد نصوص الديوان‮ (‬21‮) ‬أو بأرنب سباق‮ ‬يكتفي بالركض دون وصول،‮ ‬وتتحسّر لأنّ‮ ‬غيرها ممن كانت أفضل منهم أسرعوا إلي وجهتها،‮ ‬بينما ظلت هي في مكانها تذبل كوجهة ضائعة‮"(‬36‮) ‬علي الرغم من امتلائها وإحساسها بذاتها‮:"‬أنا المزدحمة بي‮"(‬25‮)‬؛ ولكن في النهاية‮ ‬تحددت وجهتها بالتيه‮:‬
وجهتي‮:‬
مغناطيس اللاجدوي‮.‬
والطرق التي لا تحمل
أفقا سماويا،‮ ‬حبالُ‮ ‬مشانق
لخطوتي العائمة‮.(‬25‮)‬
5‭.‬‮ ‬ذات مقاومة‮.‬
تقدم الذات نفسها باعتبارها ذاتا مقاومة وليست ذاتا
‮ ‬للاستمتاع؛ ذاتا فاعلة‮:‬
الآخرون‮ ‬
يظنونني حديقة
وأنا أفكر‮:‬
كيف أصبح منجلا؟‮(‬119‮) ‬
بهذه السمات وبغيرها قدمت الشاعرة ذاتها وهويتها في تقديم ذاتها جملة من الأساليب سنكشف عن بعضها‮:‬
‮ ‬المقابلة بين الذات والآخر
شكّلت المقابلة أسلوبا اعتمدته الشاعرة في تقديم ذاتها للقارئ وتشكيل الآخر في الوقت نفسه؛ هذه المقابلة التي تتخذ أحيانا مواجهة صراعية بين ضمير المتكلم‮ (‬أنا‮) ‬بإيحاءاته الدالة علي التحدّي والمقاومة دون أن تعري هذه الأنا عن الوهن السّاكن فيها،‮ ‬وضمير المخاطَب‮ (‬أنت‮) ‬بإيحاءاته الدالة علي الإدانة‮.‬
في نص مونولوج تقيم الشاعرة تقابلات بين الذات والآخر المخاطب؛ وهي تقابلات بين استعارات الذات التي تمثل في المحصلة النهائية توترا بين التوق والمقاومة وبين الوهن والعجز،‮ ‬واستعارات الآخر التي تمثل الظل والفراغ‮ ‬والسراب‮. ‬لكن علينا أن نتذكر دائما أن هذا الآخر ليس مفصولا عن الذات؛ إنه جزء من الهوية وصانع لها؛ لا تستطيع هذه الذات إدراك هويتها دون هذا الآخر الذي كان شريكا لها في صناعتها علي الرغم من إدانتها له‮:‬
استعارات الأنا‮:(‬أنا حبة قمح،‮ ‬أنا حبة فاصوليا التي تقلق نومك،أنا سلحفاة تحبو إليك،أجنحتي مقصوصة،‮ ‬أنا نحيب عالق في حنجرة مغن،‮ ‬خطوات مرتبكة بين قدمي راقصة،‮ ‬أنا قارب ورقي لا ضفة لي،‮ ‬آخر‮ ‬غصن في شجرة ميتة،‮ ‬أنا شلال تيه،أنهمر كلحن شارد،‮ ‬أنا‮ ‬غيمة تكسر يد الخريف،‮ ‬أنا عود كبريت يحتضر،‮ ‬أنا جرة مشروخة،‮ ‬أنا سمكة شائكة تحاول سرقة الطعم،‮ ‬قلبي دلو فارغ‮ ‬يفتح فمه للماء‮).‬
استعارات الآخر‮: (‬أنت عاصفة تقترب،‮ ‬أنت سراب التائه،أنت عاصفة هوجاء،‮ ‬أنت حقيبة تسحلها الأيام ببطء في دمي،‮ ‬أنت عنوان خاطئ،‮ ‬أنت ظل الأشياء الغائبة،‮ ‬أنت شجرة أمنيات،‮ ‬تميمة حظ،‮ ‬أنت خريف الشجرة،‮ ‬أنت وجه الليل،‮ ‬أنت ماء يتسرب إلي جرة مشروخة،‮ ‬أنت بئر جافة‮)‬
استعارة الريح
إذا كان لفظ الريح متعدد الدلالات والوظائف البلاغية في الديوان كما هو متعدد الوظائف في الطبيعة،‮ ‬فإنّ‮ ‬من بين دلالاته في نصوص الديوان إيماءة لقوة الذات،‮ ‬لكنها قوة مشوبة بالضعف والانكسار‮:‬
‮"‬أنا الريح التي لا تمسكها يدٌ
الريح التي تهزم
الصحراء
وتصطادها مروحة‮."(‬27‮)‬
لكن الذات تظل محتفظة بروح المقاومة‮:‬
‮"‬أحيانا أكون ظلا تحمله الريح،
وأحيانا أكون ريحا‮ ‬غريبة خفيفة‮.‬
أحيانا كثيرة‮: ‬أطوف في الهواء بخفّة
جسد متآكل‮.‬
جسدا تمنعُه
أشياء قليلة من
أن يذوب‮." (‬12‮)‬
هذا التوتر والتعارض بين الضعف والقوة تترجمانه هذه الصورة الشعرية التي قدمت الذات في صورتين متقابلتين‮:‬
مثل ريشة أختفي
أوان الهبوب كأني
لم أحمل قلبي جبلا وأصعد إليك
كغيمة‮."(‬16‮)‬
وقد تكون الريح رمزا لمعاكسة الذات‮:‬
‮"‬أهرّب قلبي
حيث
لن
تطفئه ريح‮" (‬9‮)‬
إن الذات التي عانت سطو الريح علي أحلامها لا تستسلم بل تقاوم‮:‬
‮"‬أقف عند نهاية العالم
وأحرك السكين التي في يدي،‮ ‬بأصابع متوترة‮.‬
‮-‬كقاطع طريق‮-‬
أنتظر مرور الريح
بصبر نافد،
لأفرغ‮ ‬جيوبها من أحلامي القديمة‮."(‬118‮)‬
مثلما تقاوم العاصفة وهي من الحقل الدلالي للريح‮:‬
في عاصفة
صمدتُ‮ ‬طويلا
كنبتة برية مجهولة‮.‬
لم يمنعها الظل أن تكبر
بإلحاح
مستندة علي كتفه‮. (‬31‮)‬
ويبدو أن قَدَرَ‮ ‬هذه الذات أن تخوض صراعا أبديا مع الريح؛ وهو‮  ‬ليس سوي وجه استعاري للصراع بين الأنا والآخر؛ ولك أيها القارئ أن تؤوله باعتباره صراعا بين جنسين،‮ ‬أو بين الذات والمجتمع،‮ ‬أو بين الفرد والمؤسسة،‮ ‬أو بين الضعف والقوة،‮ ‬وغير ذلك من تجليات الأنا والآخر‮.‬
‮ ‬تقول الشاعرة في آخر قصيدة من ديوانها‮:‬
‮"‬لن تجد الريح بابا تدخله
[..]
لن تجد نافذة أيضا،‮ ‬لأني بلا نوافذ،‮ ‬جئت بباب كبير أحمله دائما‮.‬
[..]
أحمل الباب وأركض،‮ ‬تأتي الريح وتركض أيضا،‮ ‬لا أضع الباب،‮ ‬وتركض‮..‬
أنتظر أن تتعب،‮ ‬لأضع الباب وأشهق‮.‬
تنتظر أن أتعب وأضع الباب،‮ ‬لتدخل‮. ‬الانتظار ظلنا المشترك‮..(‬133‮)‬
كلمة أخيرة‮.‬
علي الرغم من أن في الديوان نصوصا مغرقة في تقريرية مباشرة لا يحتملها الشعر الحقيقي الذي يتوق إليه أي شاعر يدرك صناعته،‮ ‬وعلي الرغم من أن في هذا الديوان نصوصا لا تنسجم مع الرؤية الكلية التي قام عليها،‮ ‬وعلي الرغم من وجود نصوص استقلت بذاتها دون مسوّغ‮ ‬جمالي مقنع،‮ ‬وعلي الرغم من وضع عناوين بلغة أجنبية دون مراعاة القارئ العربي ودون مسوّغ‮ ‬جمالي مقنع أيضا،‮ ‬فإن في الديوان لغةً‮ ‬عربيةَ‮ ‬صحيحة إلي حد كبير،ورؤيةً‮ ‬شعريةً‮ ‬تتجاوز فتنة الكلمة وسحر العبارة،‮ ‬إلي التعبير الجمالي الشعري عن وضع الذات في هذا العالم؛ هذه الذات الحزينة الواهنة المنسحقة الباحثة عن موقع لها فيه،‮ ‬لا تكف عن المقاومة‮. ‬لا تكتفي هذه الذات بالتفرج علي الريح وهي تسرق ظلها،‮ ‬بل تقاوم،‮ ‬ولعل أحد أشكال هذه المقاومة أن يتمثل في كتابة الشعر‮:‬
أخبئ حزني في جيوب القصائد
كي لا يختمر في عيني نظرة
ميتة‮.(‬109‮)‬
وتقول في قصيدة‮ "‬سقوط حر‮":‬
لن أنتهي هنا‮..‬
وحدها القصيدة المتعثرة كشوكة عالقة في حلقي،
ستكون عذرا لائقا للموت‮.(‬125‮)‬
وتقول في قصيدة‮ "‬سراح مؤقت‮":‬
أيتها القصيدة لا تخذليني،
ليس الآن وأنا علي بعد سطر من النهاية‮.‬
قصائدي معظمها هارب من سجن مؤبد‮:‬
أزحف ببطء إلي زنزانتها في نفق حفرته،
أحملها علي كتفي،‮ ‬أخرجها،
أغير لها البدلة الزرقاء،
ونركب سيارة الهروب،
كرفيقي سجن،
قديمين‮.(‬132‮)‬

تعليقات القرّاء