رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

رحيل فارسين


د‮. ‬سيد البحراوي
6/9/2017 10:22:41 AM

فارسة العلم
في‮ ‬يومياتها‮ (‬أو بالأحري مذكراتها‮) ‬تتماهي‮ ‬الدكتورة نبيلة هانم إبراهيم‮ (‬1929‮- ‬2017‮) ‬مع الشخصية التي ارتبطت بها في حياتها العلمية منذ منتصف القرن الماضي،‮ ‬ليس فقط لأنها أعدت عنها رسالتها للدكتوراه‮ (‬مقارنة بسيرة بيزانطا‮)‬،‮ ‬وإنما لأنها دخلت بها عالم دراسة الأدب الشعبي الذي سيطر علي إنتاجها،‮ ‬بل وحياتها كما تخبرنا في هذه السيرة‮ "‬ذات الهمة في القرن العشرين‮".‬
استطاعت الأميرة ذات الهمة في القرن الثاني الهجري أن تقود الرجال لتحقق انتصار العرب علي الروم الغزاة،‮ ‬بل والأعمام الظالمين،‮ ‬ومن ثم فقد ارتبطت في المخيلة الشعبية بالبطل المخلص والزعيم القومي‮.‬
وجاءت نبيلة إبراهيم إبنة البرجوازية التجارية والتي تعود أصولها لأمها إلي شبه الجزيرة العربية،‮ ‬لتعاصر الدعوة إلي النهوض في إطار حركة التحرر الوطني منذ الأربعينيات ثم بعد ذلك في ظل المرحلة الناصرية‮. ‬وفي مواقع متعددة من الكتاب تعتبر نفسها بوضوح‮ (‬وإن لم تستخدم المسمي‮) ‬واحدة من جنود هذا النهوض،‮ ‬وتضع مجمل إنجازها العلمي في إطاره،‮ ‬وحتي بعد أن‮ ‬ينكسر مع هزيمة‮ ‬1967.‮ ‬لم‮ ‬يكن سلاح البطلة العربية الجديدة هو السيف وإنما كان العلم الذي حاربت من أجل الحصول عليه وضحّت من أجله بعشرة الزوج ورعاية الطفل أكثر من مرة‮.‬
كذلك لم‮ ‬يكن سلاحها القوة البدنية بل كان القوة النفسية والإصرار علي التحقق في مواجهة كل المعوقات أياً‮ ‬كانت،‮ ‬ومهما كانت الصعوبات مع الزوج أو الزملاء أو حتي مع أسرتها‮.‬
درست نبيلة إبراهيم في مدرسة الإرسالية الأمريكية في بنها،‮ ‬ثم انتقلت إلي ثانوية حلوان الداخلية للبنات،‮ ‬ثم إلي قسم اللغة العربية،‮ ‬ومنه إلي البعثة في ألمانيا التي حصلت منها علي درجة الدكتوراه‮ ‬1961،‮ ‬ومنذ عودتها أنجزت كتابات وترجمات في ميدان الأدب الشعبي بأنواعه المختلفة،‮ ‬تجاوزته إلي ميدان الأدب الحديث والنقد الأدبي الحديث‮. ‬ولم تكن كتاباتها مقصورة علي الإنتاج الأكاديمي،‮ ‬وإنما امتدت عام‮ ‬1957،‮ ‬إلي النشر في المجلات المتعددة التي كانت تصدر،‮ ‬كما شاركت في الندوات والمؤتمرات في داخل مصر وخارجها،‮ ‬بالإضافة‮ - ‬طبعاً‮- ‬إلي التدريس في الجامعات المصرية والسعودية‮.‬
للأسف لم‮ ‬يسعدني الحظ بالتتلمذ علي‮ ‬يدي الدكتورة نبيلة،‮ ‬ولم أتعرف عليها إلا بعد عودتها من السعودية‮. ‬وبدأت معها صلة طيبة أخذت تنمو رويداً‮ ‬رويداً،‮ ‬بحيث‮ ‬يمكنني الزعم أن صداقة قد قامت بيننا،‮ ‬وأنني استطعت بمعاونة أصدقاء تجاوز أزمات صغيرة أو كبيرة كان‮ ‬يمكن أن تحدث بينها وبين زملاء آخرين‮.‬
وهذه الصداقة سمحت لي بالتعرف علي جوانب‮ ‬غير معلنة في شخصيتها وأهمها في تقديري الكرم الذي تبدي أساساً‮ ‬في إصرارها علي المساهمة في علاج الزميلة والصديقة المرحومة ألفت الروبي‮ - ‬حينما رفضت الجامعة علاجها في الخارج‮.‬
رحلت الدكتورة نبيلة،‮ ‬فارسة العلم وقد خلفت زاداً‮ ‬ريادياً،‮ ‬لاشك أن الثقافة العربية قد أفادت وسوف تستفيد منه دائماً‮.‬

عالم الجمال
في اليوم الثالث بعد رحيل عبدالمنعم تليمة،‮ ‬كتبت علي‮ ‬صفحتي علي الفيسبوك،‮ ‬أنني مازلت‮ ‬غير قادر علي رثائه‮.‬
وفي التأبين الذي أقيم في أتيليه القاهرة،‮ ‬كررت نفس المعني‮: ‬لا أستطيع الحديث عنه وكأنه رحل‮.‬
‮ ‬اليوم مازلت في نفس الموقف،‮ ‬يضاف إليه أنني أفتقده علي المستوي الإنساني،‮ ‬وعلي المستوي العلمي والإبداعي‮. ‬علي المستوي الانساني أفتقد إنسانا حميما،‮ ‬قريباً،‮ ‬مهموماً،‮ ‬مساعداً‮ ‬في الحياة،‮ ‬مرشداً‮ ‬ومعينا في الأزمات‮. ‬وفي هذا الميدان ثمة الكثير من المعلومات والأسرار التي لم‮ ‬يحن الوقت‮ -‬بعد‮- ‬لكتابتها‮.‬
أما علي المستوي العلمي فإنني أفتقد عالم الجمال،‮ ‬هذا الفرع العلمي الضائع‮- ‬في كل مكان في العالم‮- ‬بين التخصصات المختلفة‮: ‬الفلسفة والنقد الأدبي،‮ ‬والاجتماع،‮ ‬وعلم النفس،‮ ‬والسيبرنتيكا وعلم المعلومات‮.‬
قدم عبدالمنعم تليمة دراستين تطبيقيتين في رسالتين للماجستير والدكتوراه،‮ ‬لم‮ ‬يهتم بأن‮ ‬ينشرهما،‮ ‬وعلينا نحن أن ننشرهما،‮ ‬لأنهما‮ - ‬علي‮  ‬كل حال،‮ ‬إنجاز علمي معترف به‮.‬
أما ما اهتم بنشره فهو مقدمة في نظرية الأدب‮" ‬كان أول فهم متكامل لنظرية الأدب من المنظور الماركسي‮. ‬مختلفاً‮ ‬عن الترجمات والتقديمات الجزئية السابقة عليه بقراءات واسعة ومتعمقة ودقيقة للتراث الماركسي كما وصل إليه مفكرو‮  ‬الماركسية في الخمسينيات،‮ ‬وبكتابة موجزة وناصعة،‮ ‬قدم المداخل الأساسية لنظرية الأدب‮: ‬المفهوم والوظيفة والأداة‮.‬
غير أن ما كان‮ ‬يحدث في العالم‮ - ‬ربما قبل أو أثناء كتابة المقدمة‮ - ‬كان أوسع بكثير وأخطر بكثير من أن‮ ‬يستوعبه كتاب واحد‮. ‬وأتحدث هنا عن التطورات في علم اجتماع الأدب‮- ‬الذي كان أول من درسه في قسم اللغة العربية‮ - ‬وبالتالي كان أول‮  ‬من درَّسه في الجامعات العربية‮.‬
كذلك كانت التطورات الأهم والأخطر في مجال السيميوطيقا،‮ ‬لا بالمعني الضيق عند تلاميذ دي سيوسير،‮ ‬بل بالمعني الأوسع والأكمل لمدرسة تارتو بقيادة‮ ‬يوري لوتمان‮: ‬نحو سميوطيقا العالم الذي‮ ‬يعتبر الفنون أهم مداخلة لفهم الإنسان والمكسوف‮.‬
لم‮ ‬يكن أمام عبدالمنعم تليمة واسع الإطلاع ولكنه‮- ‬في نفس الوقت‮- ‬زعيم سياسي،‮ ‬ومنظم للمجتمع المدني،‮ ‬وأستاذ جامعي،‮ ‬وكاتب قصصي مبدع،‮ ‬وناقد تطبيقي‮ ‬في الندوات والأنشطة الثقافية المختلفة‮.‬
لم‮ ‬يكن أمامه إلا أن‮ ‬يقدم،‮ ‬مداخل إلي علم الجمال الأدبي‮"‬،‮ ‬فقط مداخل،‮ ‬وفقط علم الجمال الأدبي دون‮ ‬غيره‮.‬
هذا الكتاب‮ - ‬مع ذلك‮- ‬فتح أبواب البحث والعمل للأجيال اللاحقة،‮ ‬في حدود كانت ضيقة بحكم محدودية دار النشر،‮ ‬والهيمنة،‮ ‬التي فرضتها السلطة النقدية‮/ ‬السياسية قبل‮ ‬25‮ ‬يناير ممثلة في مجلة فصول‮ ‬،‮ ‬كما أشار الدكتور جابر عصفور،‮ ‬في بعض كتاباته‮.‬
والأهم تغييبه في السجن عدة مرات،‮ ‬وغيابه في اليابان لعقد كامل‮. ‬كل هذا قمع استكمال هذه المداخل،‮ ‬مثلما قمع حضوره الجامعي،‮ ‬وأيضا حضوره السياسي‮.‬
هكذا‮ ‬غاب عنا استكمال مشروع عالم جمال حقيقي مثلما ضاع منا زكريا إبراهيم وفؤاد زكريا ومحمود أمين العالم وأميرة حلمي مطر‮. ‬ثم للأسف الأجيال التالية‮.‬
ما‮ ‬يؤلمني ليس رحيل عبدالمنعم تليمة وأبناء جيله،‮ ‬ما‮ ‬يؤلمني هو أن الأجيال الجديدة لم تقدم من منجز مالم‮ ‬ينجزوه،‮ ‬أو حتي‮ ‬يستكملوه‮.‬
لست متشائماً‮. ‬لكن وجب التنبيه‮.‬
وأخيراً‮ ‬أرجو أن نعمل جميعاً‮ ‬علي نشر كل ما لم‮ ‬ينشره عبدالمنعم تليمة‮. ‬وإعادة نشر ما سبق نشره علي نطاق واسع‮.‬

نص الكلمتين اللتين ألقيتا في التأبينين اللذين أقامتهما كلية الآداب وقسم اللغة العربية بجامعة‮ ‬القاهرة للراحلين في مايو‮ ‬2017.