رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

قلب على جدار المرسي أبو العباس.. ضريح العاشقين


إسراء النمر
6/9/2017 10:53:02 AM

هذه هي المرة الأولي التي أسافر فيها خصيصاً‮ ‬إلي الإسكندرية لأجل أن أزور ضريح المرسي أبي العباس،‮ ‬لكنها ليست المرة الأولي التي سأدخل فيها إلي الضريح‮. ‬أشعر أنني ذاهبة للتلصص علي الناس‮. ‬يا لسخافة الأمر‮. ‬عليّ‮ ‬أن أطرد هذه الفكرة من رأسي،‮ ‬وأن أهيئ نفسي لحالة التأمل التي تنتظرني‮. ‬سوف أصمت طويلاً،‮ ‬وأنصت كثيراً‮. ‬سوف أرصد كل حركة‮ ‬يقوم بها الناس داخل الضريح،‮ ‬لا لأستعين بها في الكتابة،‮ ‬لكن لتجعلني أفهم ما‮ ‬يدور في دواخلهم‮. ‬سوف أتعاطف معهم،‮ ‬لكنني بالطبع لن أشاركهم البكاء‮. ‬سوف أبتسم كلما ابتسم لي أحدهم،‮ ‬وليكن هذا طقسي الخاص‮. ‬سوف استسلم للذين‮ ‬يضعون المسك في الكفوف،‮ ‬وأمد لهم كفي بمنتهي الرضا‮. ‬سوف أقع للمرة الألف في حب اللون الأخضر،‮ ‬وأتمني لو أجد البحر قد صار لونه أخضر‮. ‬سوف أقرأ الجدران كلها؛ دعوة دعوة،‮ ‬وأمنية أمنية،‮ ‬وحلم حلم‮.‬
القطار‮ ‬يتحرك علي مهله‮. ‬الساعة تجاوزت العاشرة صباحاً،‮ ‬كان من المفترض أن أكون وصلت الآن،‮ ‬لكن لا بأس‮. ‬أحاول أن أضيع الوقت بالتفكير في البحر،‮ ‬لماذا لا‮ ‬يصبح هو ولينا الذي نقصده كلما مررنا بأزمة،‮ ‬أو بضيق مفاجئ؟ أليس كافياً‮ ‬بالنسبة لنا أن نتحدث إليه ونتبرك بمياهه؟ أليس البحر أولي بمهمة الوساطة؟ أليس هو القادر علي ابتلاع كل همومنا وأوجاعنا؟ لماذا لا نحج إليه،‮ ‬ونقطع أميالاً‮ ‬فقط لرؤيته؟ القطار‮ ‬يطلق صفارته‮. ‬لقد وصلنا أخيراً‮ ‬إلي محطة سيدي جابر‮. ‬الكراسي تخلو من حولي،‮ ‬بينما أنا وعدد قليل من الركاب لا نزال في العربة‮. ‬القطار‮ ‬يتحرك ثانية،‮ ‬لكن ببطء أشد‮. ‬لقد بقيت محطة واحدة سوف نصلُ‮ ‬إليها بعد خمس دقائق‮. ‬لن أضيع الخمس دقائق هذه في التفكير،‮ ‬سأقف قرب باب العربة،‮ ‬حتي أنزل بسرعة حين‮ ‬يستقر القطار علي الرصيف‮. ‬
الحادية عشرة والربع،‮ ‬أطلب من أحد سائقي التاكسي المصطفين أمام محطة مصر أن‮ ‬يأخذني إلي أبي العباس،‮ ‬يسألني السائق وهو‮ ‬ينظر إليّ‮ ‬من مرآة سيارته الداخلية‮: "‬رايحة تاخدي البركة ولا إيه‮". ‬أومأت بالإيجاب،‮ ‬وقلت‮: "‬أنت طبعاً‮ ‬بتاخد البركة كل‮ ‬يوم‮"‬،‮ ‬فقال‮: "‬لا والله،‮ ‬ماعنديش وقت‮". ‬وعرفت منه أنه لم‮ ‬يزر أبي العباس منذ خمس سنوات،‮ ‬فبعد وفاة أمه التي كان‮ ‬يصطحبها دوماً‮ ‬من كوم الدكة حيث تسكن إلي بحري حيث‮ ‬يقع الضريح لأجل أن تقرأ له الفاتحة،‮ ‬لم‮ ‬يعد راغباً‮ ‬في الذهاب إلي هناك حتي لا‮ ‬يتذكرها،‮ ‬كما أنه لا‮ ‬يعتقد أن بإمكان الموتي حتي لو كانوا من الصالحين أن‮ ‬يفعلوا شيئاً‮ ‬للأحياء،‮ ‬لذا هو لا‮ ‬يتردد علي الأضرحة،‮ ‬ويدعو الله كما اعتاد في أي وقت،‮ ‬وفي أي مكان‮.‬
حين تبدأ المراكب في الظهور واحدة تلو الأخري،‮ ‬تعرف أنك وصلت إلي بحري،‮ ‬الحي الذي‮ ‬يشتهر أهله بالعمل في الصيد وصناعة الشباك‮. ‬يسحرني هذا المشهد‮. ‬الإسكندرية بالنسبة لي هي بحري‮. ‬يتوقف التاكسي‮. ‬البحر الآن علي‮ ‬يميني،‮ ‬ومسجد أبي العباس علي‮ ‬يساري‮. ‬هل‮ ‬يقع الناس في حيرة حين‮ ‬يصلون إلي الطريق الذي‮ ‬يصل البحر بالمسجد؟ هل‮ ‬يرجحون الكفة إلي البحر أم إلي المسجد؟ أعبر الطريق بحذر،‮ ‬تاركة ورائي البحر بكل التساؤلات التي تتعلق به‮. ‬الهدوء‮ ‬يستقبلني،‮ ‬رغم أننا في وقت صلاة الظهر‮. ‬لا شحاذون في الساحة الخارجية للمسجد سوي أربعة أو خمسة،‮ ‬والبائعون أيضاً‮ ‬يُعَدّون علي الأصابِع،‮ ‬حيث‮ ‬يفترش رجلان الرصيف،‮ ‬واحد منهم‮ ‬يعرض لعب الأطفال والثاني‮ ‬يبيع الملابس الداخلية،‮ ‬وأمام مصلي السيدات تجلس بائعة واحدة فقط تعرض علي منضدة خشبية أنواعا مختلفة من الأساور والبخور‮.‬
لا أعرف لماذا قررت أن أسأل هذه البائعة وأنا أهم بالدخول إلي المصلي عن الضريح ـــ لقد جئت إلي هنا من قبل،‮ ‬وليس لديّ‮ ‬أدني شك من أنني حين دخلت المصلي في المرة الأولي رأيت الضريح ووقفت أمامه،‮ ‬لكن ربما من باب التأكيد لا أكثر ــــ لأجدها تنهرني قائلة‮: "‬ضريح المرسي مش هنا،‮ ‬الضريح تحت‮"‬،‮ ‬مشيرة بسبابة‮ ‬يدها اليمني إلي باب مفتوح‮ ‬يتوسط الساحة السفلية للمسجد،‮ ‬التي لم أنتبه إليها،‮ ‬بل لم أكن أعرف أن للمسجد ساحة سفلية أصلاً‮. ‬تراجعت عن الدخول إلي المصلي،‮ ‬وقررت أن أنزل إلي الساحة دون أن أسأل‮: "‬ضريح من إذن الذي بالداخل؟‮". ‬ووجدتني حتي أصل إلي الباب أمرُ‮ ‬علي قهوتين وعلي عدد من المحال التي تبيع الملابس المتواضعة‮. ‬إنها ليست ساحة مسجد،‮ ‬إنها سوق‮.‬
كان الباب مفتوحاً‮. ‬تمهلت قليلاً‮ ‬لأتأكد‮. ‬هنا فعلاً‮ ‬الضريح كما تقول اللافتة التي دون عليها‮: "‬مقام العارف بالله سيدي المرسي أبي العباس وأولاده سيدي أحمد وسيدي محمد المرسي‮". ‬دخلتُ‮. ‬لم‮ ‬يكن هناك سوي خادم واحد للضريح،‮ ‬والذي أخبرني أن‮ "‬الضريح الذي بالمسجد،‮ ‬هو ضريح أبي العباس أيضاً،‮ ‬لكنه‮ ‬يُسمي المشهد وهو رمز في الغالب،‮ ‬وكثيراً‮ ‬ما‮ ‬يعتقد الناس أن الولي مدفون تحته مباشرة،‮ ‬في حين أنه مدفون هنا‮"‬،‮ ‬وهو‮ ‬يقول هنا،‮ ‬أشار إلي جدار زجاجي،‮ ‬يظهر من وراءه مقامان،‮ ‬واحد منهما لأبي العباس،‮ ‬وثانيهما لولديه أحمد ومحمد‮. ‬لم‮ ‬يضف الرجل شيئاً‮ ‬آخر،‮ ‬تركني وعاد إلي صمته‮. ‬خلال الوقت الذي قضيته في الضريح،‮ ‬لم‮ ‬يأت سوي عدد قليل من الزائرين‮. ‬كان جميعهم‮ ‬يدعون الله في صمت‮. ‬لم‮ ‬يفعلوا أيا من الطقوس التي اعتدت علي رؤيتها،‮ ‬واحد منهم فقط أسند ظهره إلي الجدار الزجاجي،‮ ‬وظل‮ ‬يقرأ القرآن لأكثر من ساعتين‮. ‬
عدتُ‮ ‬ثانية إلي المسجد،‮ ‬الذي تمارس فيه كل الطقوس من توسلات ونحيب وتمرير الأكف لنيل البركة عند المشهد‮. ‬دخلت إلي مصلي السيدات‮. ‬لم‮ ‬يكن مزدحماً،‮ ‬بإمكان كل واحدة أن تشعر بقليل من الخصوصية،‮ ‬كأن تقف أمام المشهد،‮ ‬لتبكي،‮ ‬دون أن‮ ‬يراها أحد،‮ ‬كأن تُمدد رجليها كما لو أنها جالسة في بيتها،‮ ‬كأن تغرق في النوم لساعات طويلة دون أن‮ ‬ينهرها أحد عمال المسجد‮ "‬مفيش نوم هنا‮ ‬يا ماما‮"‬،‮ ‬ربما هذه الخصوصية،‮ ‬هي من‮ ‬أتاحت لهن أن‮ ‬يمارسن طقسهن الخاص،‮ ‬وهو تدوين مطالبهن علي‮ ‬الجدران‮ ‬المحيطة بالمشهد،‮ ‬وهو ما لم‮ ‬يتح للرجال أن‮ ‬يفعلوه لأن الجزء المطل من المشهد علي الجزء المخصص لهم‮ -‬والذي هو المسجد كله‮- ‬لا‮ ‬يحيطه أي جدار‮.‬
وقفتُ‮ ‬لأقرأ الدعوات المُدوّنة بشكل عشوائي‮: "‬يا رب ارزقني بالزوج الصالح عاجلاً‮ ‬غير آجل‮/ ‬سوزان بنت جيهان‮".. "‬يا رب رجع علي ابن أميمة لجهاد بنت هانم‮".. "‬يا رب اهدي خميس ابن ليلي‮".. "‬يارب اهدي محمد وخليهولي‮".. "‬يا رب الرزق‮".. "‬يا رب قرب البعيد‮".. "‬ندي وأحمد‮ ‬يا رب‮".. "‬يا رب أتجوز‮".. "‬يا رب اهدي أولادي محمد ونورهان ومحمود‮".. "‬يا رب جوّز رضا وحقق اللي في بالها‮".. "‬يا رب اجمع رحاب وأحمد علي خير،‮ ‬يا رب أنا بحبك‮".. "‬يا رب أرزق سعاد بالخلفة الصالحة‮".. "‬يا رب اهدي أولاد نعمة أحمد وعبد الله‮".. "‬يا رب أكرمنا دنيا وآخرة‮".. "‬يا رب أبعد عني كل حاجة وحشة‮".. "‬يا رب اجعل حبيبي من نصيبي واسترها معايا‮".. "‬اللهم احفظ لي صلاح من كل شر‮".."‬يا رب اهدي جوز سمر وأولاد سمر‮".‬
بينما اكتفت الكثيرات بكتابة أسمائهن وأسماء عشاقهن بهذه الطريقة‮: "‬صلاح وهبة‮".. "‬يوسف وياسمين‮".. "‬أحمد وآية‮".. "‬ناصر ونهلة‮".. "‬علي وهدي‮"‬،‮ ‬وهكذا‮.‬
لم تكن هناك دعوات تدور خارج الحاجة الملحة إلي الحب والزواج،‮ ‬دعوة واحدة فقط التي كانت مغايرة تماماً،‮ ‬وهي‮: "‬يا رب هالة تطلق‮".‬
بينما كنت أتابع قراءة رسائل النساء إلي الله،‮ ‬سألتني المرأة الجالسة أمام المشهد،‮ ‬بعينيها المنتفختين من كثرة البكاء،‮ ‬عن سبب اهتمامي منذ أن دخلت إلي الضريح بالكتابات الموجودة علي الجدران،‮ ‬فأخبرتها أن هذه الطريقة في الدعوة لفتت انتباهي للغاية،‮ ‬إذ لم أرها من قبل في أي من المساجد والأضرحة،‮ ‬كما أنني أريد أن أعرف بماذا‮ ‬يحلمُ‮ ‬الناس‮. ‬ابتسمت بسخرية،‮ ‬وقالت‮: "‬لا أحلام هنا‮". ‬سكتت المرأة قليلاً،‮ ‬ثم أضافت‮: "‬كل الأحلام التي تمسكت بها تخلت عني،‮ ‬لذا لم أعد أحلم،‮ ‬ولا أريد‮. ‬الحلم مثل الرجل،‮ ‬في النهاية سوف‮ ‬يخونك،‮ ‬ويتركك‮". ‬
اسمها رشا،‮ ‬لها وجه مدوّر،‮ ‬وشامة تقع بجوار شفتيها‮. ‬مرت رشا بتجربة زواج قاسية،‮ ‬لم تذكر منها شيئاً،‮ ‬لكن من حديثها خمنت كيف كانت،‮ ‬وكيف انتهت‮. ‬
تابعت ببحة خفيفة‮: "‬لقد كنت أفعل مثل‮ ‬غالبية البنات اللاتي‮ ‬يجئن إلي هنا،‮ ‬أكتب بقلم الفلوماستر اسمي وأرسم قلباً‮ ‬علي الجدار‮. ‬كان كل ما تمنيته هو الحب‮. ‬هل هذا مستحيل؟‮".‬
نظرت رشا إلي الجدار طويلاً،‮ ‬كأنها تبحث بين الخطوط عن خطها،‮ ‬لقد كانت هناك دعوات منسوبة لأكثر من رشا،‮ ‬لكن لم تكن أي منها لها‮.‬
تقول‮: "‬إنه الأسي بعينه‮. ‬حتي ما كتبته تلاشي‮.. ‬كل شيء‮ ‬يتلاشي‮".‬
لم أنبس ببنت شفة،‮ ‬ولم تكن للصراحة بحاجة إلي أن أقول لها كلمة،‮ ‬حتي لو‮ "‬معلش‮"‬،‮ ‬إذ نهضت سريعاً‮ ‬دون أن تودعني،‮ ‬لا أعرف لماذا أحسست أنها كان عليها أن تودعني،‮ ‬علي الأقل أن تودع أبا العباس‮!‬
واصلت قراءتي للدعوات‮: "‬يارب بارك لي في مالي‮".. "‬عايزين‮ ‬يارب شقة أوضة وصالة‮".. "‬اشفي بابا‮ ‬يا رب واشفي كل مريض‮".. "‬نجحني‮ ‬يا رب وارزقني من أوسع أبوابك‮".. "‬الستر من عندك‮".. "‬عمرة‮ ‬يا رب‮".. "‬ابعد عني الهم والغم والحزن‮".. "‬خليك معانا‮ ‬يا رب‮".. "‬عبدتك الضعيفة سماح بتترجاك تشفي لها ابنها أدهم‮".. "‬أسعدني‮ ‬يا رب وارفع عننا الكرب‮".. "‬أحفظ هالة‮ ‬يا رب‮".. "‬اللهم أبعد عن أمي كل شر‮".. "‬اجبر بخاطري‮ ‬يارب‮".. "‬حسام‮ ‬يارب‮.. ‬حسام‮".. "‬فرح قلوبنا‮ ‬يا رب‮".‬
ليست الكتابة علي الجدران هي الطقس الوحيد الذي‮ ‬يمارسه الناس في ضريح المرسي أبي العباس،‮ ‬حتي تظل دعواتهم وأسماؤهم حاضرة طيلة الوقت،‮ ‬في اعتقاد منهم أنه بذلك لن‮ ‬ينساهم الولي وسوف تحل كراماته عليهم،‮ ‬بل‮ ‬يقومون أيضاً‮ ‬بإلقاء صورهم داخل الضريح،‮ ‬وبذلك‮ ‬يكونون قد نالوا جيرته الدائمة‮. ‬وقفت أتأمل الوجوه المُلقاة علي الأرض،‮ ‬من بين فراغات المقصورة الحديدية،‮ ‬بعضها تبتسم،‮ ‬والبعض الآخر متجهم‮. ‬لكن‮ ‬جميعها بدت حائرة‮. ‬إلي أين وصلت مصائر هؤلاء الناس؟ هل استجاب الله دعواتهم؟ هل‮ ‬يعيشون الآن في طمأنينة وسلام؟ والأهم،‮ ‬هل لم‮ ‬يعودوا‮ ‬يعانون من شيء؟
السادسة مساءً‮. ‬لم‮ ‬يتبق سوي ساعة واحدة علي موعد القطار المتجه إلي القاهرة‮. ‬أخرجُ‮ ‬من الضريح،‮ ‬تاركة ورائي كما هائلا من الدعوات والوجوه التي تنتظر‮. ‬أعبر الطريق،‮ ‬لألقي نظرة أخيرة علي البحر‮. ‬إنها رشا‮. ‬تجلس بين عدد من الرجال والنساء علي الشط‮. ‬عرفتها من إيشاربها البني وبلوزتها الوردية‮. ‬لقد كانت وحدها،‮ ‬لا تتحدث إلي أحد‮. ‬فقط كانت تحدق في البحر،‮ ‬وتدير ظهرها إلي الضريح،‮ ‬وإلي العالم‮. ‬




تعليقات القرّاء