رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

فى ذكرى ميلاد رضوى عاشور


د‮. ‬اعتدال عثمان
6/9/2017 11:04:35 AM

الحكايات التي تنتهي،‮ ‬لا تنتهي
ما دامت قابلة لأن تُروي‮.  ‬
رضوي عاشور

حين تلقيت الدعوة الكريمة للمشاركة في هذه الندوة حول رضوي عاشور،‮ ‬سألت نفسي‮:‬
عن أي رضوي أكتب ونحن نحتفي معا‮ -‬الآن وهنا‮ - ‬بذكري ميلادها؟
سؤال عسير علي الرغم من بساطة الظاهرة،‮ ‬فقد عرفت عن رضوي المبدعة والناقدة الكثير،‮ ‬وعرفت عن رضوي صديقة العمر الكثير‮.‬
لماذا الحَيرَة إذن؟‮  ‬
أعرف،‮ ‬ويعرف كثيرون‮ ‬غيري،‮ ‬أن رضوى عاشور‮ ‬واصلت طريقها كمبدعة موهوبة وناقدة متميزة،‮ ‬وأستاذة جامعية صاحبة رسالة تعليمية رفيعة المستوي،‮ ‬وصاحبة موقف سياسي ناصع،‮ ‬وذلك إلي جانب حضورها الذي‮ ‬يشع ثراء إنسانيا فياضا،‮ ‬يغمر ما حولها ومن حولها بذكاء العقل والنفس والروح‮. ‬واصلت رضوي هذه الأدوار المتعددة باقتدار وبالتزام نادر وجهد دؤوب،‮ ‬لا‮ ‬يكف عن التطلع إلي العدل والاستنارة والتحرر الوطني،‮ ‬والحلم ببناء نهضة عربية حديثة،‮ ‬مما جعل مشروعها الإبداعي،‮ ‬وجهودها الفكرية والنقدية،‮ ‬وحضورها في المجال الجامعي والعام،‮ ‬إضافة كبري للمتن الثقافي العربي،‮ ‬وليس المتن الأدبي وحده‮. ‬وهو ما نجد شواهد علي بعض أبعاده في سيرتها الذاتية التي سجلت مقاطع منها في‮  "‬أثقل من رضوي‮" (‬2013‮) ‬و‮ "‬الصرخة‮" (‬2014‮) ‬آخر ما خطه قلمها قبل الرحيل‮.‬
إننا نجتمع الآن وهنا لنستعيد ذكري الراحلة المقيمة رضوي عاشور،‮ ‬ولعل المجال اليوم لا‮ ‬يتسع إلا لذكر لقطات سريعة منتقاة من سجلها الأدبي والنقدي والأكاديمي،‮ ‬فضلا عن لقطة شخصية أحتفظ بها للنهاية‮.‬
أبدأ بلقطة لرضوي عاشور بوصفها أستاذة جامعية ذات إنجاز علمي مرموق،‮  ‬تشهد عليه سجلات الكلية العريقة التي نجتمع اليوم في رحابها،‮ ‬كما‮ ‬يشهد عليه‮ - ‬أفضل مني‮ - ‬زملاؤها وعارفو فضلها،‮ ‬ممن صاحبوها في مسيرتها الأكاديمية أو درسوا علي‮ ‬يديها‮.  ‬
حين أتأمل مسيرة رضوي عاشور العلمية أجد أنها امتلكت أطراف المعادلة الصعبة،‮ ‬فقد استطاعت علي امتداد ما‮ ‬يقرب من أربعة عقود أن ترسي قيماً‮ ‬علمية أصيلة من العمل المنهجيالمنظم الدؤوب،‮ ‬وسعة الاطلاع،‮ ‬ورحابة فكر أستاذة جامعية متمرسة في عملها،‮ ‬صارمة في احترامها لدورها،‮ ‬حانية كأم تحتضن متغيرات الأجيال،‮ ‬وتبث في طلابها شرف الاجتهاد والعمل بما‮ ‬يجعل المستقبل أكثر استيعابا لطموحات الحاضر‮. ‬إن ما نشهده في احتفال اليوم هو ثمرة زرعت بذرتها رضوي عاشور،‮ ‬ورعتها في عقول ونفوس طلابها حين كانت تمنحهم من ذوب عقلها وحبها ووعيها،‮ ‬فمنحوها في حياتها،‮ ‬وها هم‮ ‬يمنحونها الآن،‮ ‬تقديراً‮ ‬وعرفاناً،‮ ‬وذكري لا تموت‮.  ‬
أحب أن أسمي‮ "‬الرحلة‮" ( ‬1983‮) ‬كتاب التكوين،‮ ‬فيه‮ ‬يتجلي عقل متفتح ناقد،‮ ‬تواق للمعرفة‮. ‬هنا أيضا إحساس عارم بالحياة بكل ما فيها من آلام ومخاوف ومظالم،‮ ‬لا تعوق رغبة مكينة في الوصول إلي قلب الأسباب التاريخية والسياسية والاجتماعية التي تجعل‮ "‬أوراق طالبة مصرية في أمريكا‮" ‬تؤكد اختياراتها الفكرية وإيمانها بالقضايا الإنسانية الكبري،‮ ‬وقضايا العدل في الوطن‮. ‬لا فرق هنا بين السود الأمريكيين وما كان‮ ‬يسمي بالعالم الثالث آنذاك‮. ‬
إنها رحلة تواصلها رضوي حتي مستقرها الأخير،‮ ‬يتشابك فيها العام والخاص ويتداخلان إلي حد التوحد،‮ ‬دون الازدواجية التقليدية بين فكر وفعل أو قول وسلوك‮. ‬من هذا النبع نفسه تغترف رضوي عاشور‮  ‬وهي بعيدة عن الوطن‮  ‬انتماء وحنينا،‮ ‬فتطلق السؤال‮ "‬لماذا في الغربة نتشبث بالجذور‮.. ‬نؤكد هويتنا،‮ ‬وهل هو الخوف أم الحنين،‮ ‬أم إنه الزهو بحكايتنا المغايرة؟‮ ‬
تصف الكاتبة ذلك الحس الكامن بخوف مبهم،‮ ‬ومجاوزته،‮ ‬تقول‮:  "‬منذ طفولتي المبكرة رحت أغالب الخوف وأخرج من كل جولة معه رافعة رأسي في اعتداد طفولي جميل‮." ‬وهو ما ظلت رضوي تفعله في مقاومة محنة المرض الأخير،‮ ‬وحتي النفس الأخير ظلت رافعة رأسها وفي‮ ‬يدها قلمها‮.‬
في شهادة إبداعية لها تصف رضوي كتاب‮ "‬الرحلة‮" (‬1983‮) ‬بأنه كان بمثابة‮ " ‬الورشة‮" ‬حيث تتكشف جوانب من تكوين الذات الأدبية وآفاقها النفسية والإنسانية‮. ‬في هذا الكتاب نجد عينا لاقطة حساسة،‮ ‬تتنبه لدقائق الأشياء والألوان والظلال،‮ ‬وتجسدها برهافة تصويرية نابضة في لغة سلسة متدفقة محمّلة بكثافة شعرية لافتة،‮ ‬خصوصاً‮ ‬في مشاهد التوحّد مع الطبيعة‮. ‬
‮ ‬إن التوقد الداخلي الصاخب‮ ‬يتلازم لديها وقدرة علي التفاعل التلقائي مع الناس،‮ ‬والاستجابة الفورية‮  ‬التي تكاد تكون‮ ‬غريزية‮  ‬للتواصل معهم أو النفور منهم،‮ ‬وتصويرهم في هذه الحالة بحس ساخر رفيق،‮ ‬لاذع وشفيف في آن‮.‬
تستمد رضوي عاشور رؤاها وآفاق عالمها الروائي من معطيات تكوينية أخري مكتسبة بخبرة الحياة ونضج الوعي،‮ ‬وإن ظل استكشاف أوجه العلاقة المركبة بين التاريخ والواقع بؤرة المنطلق في إبداعها،‮ ‬ترفدها علاقة خاصة باللغة،‮ ‬ومن ورائها التراث الثقافي والأدبي المتجسدان فيها ومن خلالها،‮ ‬إلي جانب علاقة واعية بحرفة الكتابة وتقنياتها‮.‬
إن هذه الخصائص مجتمعة تظهر بدرجات متفاوتة في أعمال الكاتبة وفي محاولتها الدائبة للإمساك بصلب الجدل بين التاريخ والواقع،‮ ‬خصوصاً‮ ‬في المنحنيات التاريخية الفارقة،‮ ‬سواء أكانت ترجع إلي التاريخ القريب المعيش خلال الستينات والسبعينات في روايتي‮ "‬خديجة وسوسن‮" (‬1987‮) ‬و‮ "‬حجر دافئ‮" (‬1985‮) ‬أم كان تاريخا خياليا لجزيرة‮ ‬غير موجودة علي الخريطة في رواية‮ "‬سراج‮" ( ‬1992‮) ‬أم تاريخا مستعاداً‮ ‬لسقوط الأندلس في ثلاثيتها الروائية‮  "‬غرناطة"و"مريمة والرحيل‮" ( ‬1994‮- ‬1995‮).‬
لا أحسب أن اهتمام رضوي عاشور بالرواية التاريخية،‮ ‬منذ‮ "‬سراج"إلي الثلاثية،‮  ‬ومن بعدها رواية‮  "‬قطعة من أوروبا‮ ( ‬2003‮)‬،‮ ‬ثم‮ " ‬الطنطورية‮" ( ‬2010‮) ‬،‮ ‬يعد انقطاعا عن منحاها الأول في الكتابة‮. ‬لقد أوضحت في الشهادة الإبداعية،‮ ‬التي أشرت إليها فيما سبق،‮ ‬انشغالها الدائم بالتاريخ أو علي نحو أدق،‮ ‬انشغالها بتسجيل الواقع التاريخي،‮ ‬وإيجاد الصيغة الفنية الموائمة للتعبير عن ذلك الهاجس الأساسي لديها‮. ‬إنها إذ توغل في الزمان،‮ ‬فإنما لتعمق الانتماء إلي المكان،‮ ‬ولتشق أفقا جديداً‮ ‬لعالمها الروائي،‮ ‬فيما تستشرف مسارات ممكنة لذلك الواقع نفسه في الحاضر وفي المستقبل‮.‬
وإذا كانت رضوي عاشور تذهب بعيدا في الذاكرة بينما تحفر عميقا في الواقع المعيش،‮ ‬فهي فوق ذلك كله وقبله إنما تطرح سؤال الحاضر العربي علي التاريخ من واقع التزامها الفكري والإنساني،‮ ‬وتتركه مفتوحاً‮ ‬لتأويلات قراء،‮ ‬هم أنفسهم أبناء هذا الحاضر وعليهم‮  ‬بدورهم‮  ‬صوغ‮ ‬أسئلتهم المؤرقة من أجل تبين خطي المستقبل‮. ‬
إذا توقفنا قليلا أمام الثلاثية نجد أن إعادة قراءة التاريخ في عمل أدبي‮ ‬ينفتح أفقه علي تجربة حضارية واجتماعية وإنسانية بالغة الثراء والأثر في تاريخ البشرية،‮ ‬إنما‮ ‬يقيم من الثلاثية بناء فنيا موازيا للتاريخ،‮ ‬تصوغ‮ ‬الكاتبة من خلاله رؤيتها للعالم،‮ ‬فتنحاز لكل ما‮ ‬يدعم الحياة العفية الوثابة،‮ ‬حتي في حالات الانكسار والألم والموت‮. ‬حين‮ ‬يعود عليّ‮ - ‬الحفيد الأندلسي الأخير لسلالة أبي جعفر الوراق‮- ‬متوغلا في الأرض التي أنجبته وقد راوده هاجس الرحيل،‮ ‬بعد صدور قرار الترحيل،‮ ‬لكنه لا‮ ‬يغادر،‮ ‬برغم أنه لا‮ ‬يجد ما‮ ‬يلوذ به سوي ذكري من رحلوا،‮ ‬ومن بينهم مريمة،‮ ‬التي كانت بالنسبة إليه الأم والجدة والأهل‮. ‬يستعيد عليّ‮ ‬الذكري وكأنها تعويذة أو رُقيَة تحتوي سر الحياة‮. ‬يوغل في الأرض عائدا ويتمتم لنفسه قائلاً‮: "‬لا وحشة في قبر مريمة‮".‬فهل نستطيع أن نقول نحن أيضا من هنا‮" ‬لا وحشة في قبر رضوي"؟
أما علي المستوي الشخصي فرضوي صديقة العمر،‮ ‬أراها تُكنُّ‮ ‬في ضميرها وعقلها ووجدانها جوهرة تأتلق بصدق ومحبة ومقدرة علي التواصل بغير حدود،‮ ‬تحمل من هموم الوطن ما تحمل،‮ ‬ولا تكف عن المشاركة والفعل،‮ ‬تواجه أنواء التاريخ وضياع الخرائط أو طمسها،‮ ‬وتواجه عصف رياح الواقع وانكساراته،‮ ‬تحدق في وجه الموت‮ ‬غير هيابة أو أنها تغالب هيبته فتغلبه وتكتب،‮ ‬تغمس قلمها في مداد القلب وتكتب،‮ ‬فيزداد معدن الجوهرة صفاء وألقا وفرادة‮.‬
‮ ‬تكتب رضوي وهي تناوش الموت ويناوشها بينما تنغمس في بحر الحياة،‮ ‬وتكتب وهي في عز محنة المرض القاتل،‮ ‬فتقول في سيرتها الذاتية‮  "‬إن الحياة تؤطر الموت‮ ‬،‮ ‬تسبقه وتليه،‮ ‬وتفرض حدوده،‮ ‬تحيطه من الأعلي والأسفل ومن الجانبين،‮ ‬هذا‮ ‬يقيني‮."‬
تكتب رضوي فيما تستل من الألم قدرة علي الأمل،‮ ‬فتري ما لا‮ ‬يُري حين تنزل للمشاركة في أحداث ثورة‮ ‬يناير‮ ‬2011‮ ‬وتسجيل وقائعها اليومية،وتقرر أنه لا مكان لرثاء الثورة‮ " ‬لأن الثورات الكبيرة‮... ‬عمليات شديدة الصعوبة،‮ ‬تتراكب عناصرها وتمتد تعقيداتها علي مدي سنوات أو عقود،‮ ‬وكلما تضمنت الثورة نُقلَة نوعية في تاريخ البلد أو في تاريخ البشر كانت التعقيدات أكبر والشكوك حولها أعنف‮ (‬وتظل‮) ‬مُعلّقة بين اليقين وفقدان الأمل‮." ‬
لكن رضوي لم تفقد أبدا الأمل في روح الثورة التي لا تموت‮ "‬لأنها‮  ‬ثورة‮ ‬غيرُ‮ ‬مقطوعةِ‮ ‬من شجرة،‮ ‬ولا أتت من فراغ‮". ‬شهداؤها‮ - ‬كما تقول رضوي‮" ‬مسنودون بقوّةٍ‮ ‬علي تراثٍ‮ ‬ممتدٍّ‮ ‬من أوزوريس الذي بكته امرأةٌ‮ ‬حتي فاض النيل،‮ ‬وشهداءِ‮ ‬المسيحيّةِ‮ ‬الأوائل،‮ ‬ولا تحسبن‮"‬،‮ ‬ومددِ‮ ‬أبي عبد الله الحسين سيّدِ‮ ‬الشهداء،‮ ‬وصولاً‮ ‬إلي آبائهم المباشرين بطول تاريخنا الحديث‮."‬
‮ ‬هكذا تتحول المحنة إلي منحة،‮ ‬المحنة أثقل من جبل رضوي الواقع علي الخريطة بالقرب من المدينة المنورة حيث تضرب به العرب المثل في الرسوخ،‮ ‬والمنحة تهبها رضوي لقرائها علي امتداد خرائط الوطن العربي،‮ ‬وبقاع أخري في العالم عبر الترجمة،‮ ‬منحة الرسوخ،‮ ‬وثبات الإيمان بالوطن والعمل والمثابرة علي الكتابة والحبِّ‮ ‬والنضال انتصارا للحياة‮. ‬
سلاما رضوي في‮ ‬يوم ميلادك،‮ ‬فأنت حيّة في الذاكرة‮.‬
..

نص شهادتي التي شاركت بها في الندوة الثقافية المصاحبة للاحتفال بذكري مولد رضوي عاشور الذي‮ ‬أقامته كلية الآداب جامعة عين شمس‮.‬

تعليقات القرّاء