رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

‬الشيخ أحمد برين.. القنديل ‮‬الذي أنار أرواح العارفين

‮«‬تعالي‮ ‬يا طبيب شوف نوحي وتعديدي‮»


أحمد برين

أحمد برين

مسعود شومان
6/9/2017 12:55:22 PM

صاحب بصيرة لا تخفي علي عارف‮ ‬،‮ ‬كف بصره صغيرا فأنار قلبه بحفظ القرآن،‮ ‬تحسس صوته وجس درجاته بتلاوة القرآن وإنشاد المدائح النبوية،‮ ‬كان طريقه للأزهر مخضرا بالأشواك لكنه مشي عليه بيسر كولي تلقي البشارة،‮ ‬كان النور الذي‮ ‬يلمع في صوته عكازه لثقة لم تكن حصانة أي كفيف،‮ ‬كأن النور قد توج روحه ليكتبه في سجل الخالدين،‮ ‬إنه الشيخ محمد أحمد برين،‮ ‬ينطقون اسمه في بعد بلدان الصعيد‮ "‬الشيخ بريم‮"‬،‮ ‬كما كان نداء مستمعيه الذائبين في صوته‮ "‬تاني بالله‮ ‬يا بو محمود‮"‬،‮ ‬إنه الولد الذي نذرته الطبيعة ليكون صوتا‮ ‬يجمع بين حفيف الشجر وصفير البلابل،‮ ‬الشيخ الذي‮ ‬يمكن وصفه بثقة بكروان الجماعة الشعبية الذي أحال عتمة القري والنجوع لتشع بالغناء والمدائح والمواويل،‮ ‬خلفه جوقته كأنها تقدم مقطوعة من ترانيم المعابد وانتعاشات الكنائس،‮ ‬وتخمير المنشدين في ساحات الأولياء،‮ ‬إنه الشيخ أحمد برين المولود في قرية‮  ‬الدير شرق‮  ‬التابعة لمركز ومدينة إسنا‮ - ‬محافظة الأقصر،‮ ‬هكذا كان التاريخ‮ ‬يحيط بقلب وعقل الشيخ برين،‮ ‬فقريته قد أخذت اسمها من دير للرهبان،‮ ‬يتعبد فيه الأقباط الأرثوذكس،‮ ‬كما أن مدينة إسنا‮  ‬إحدي أهم المدن المصرية القديمة التي‮ ‬يرجع تاريخها إلي عصور ما قبل التاريخ حيث عثر علي جبانات خاصة بتلك المرحلة في منطقة‮ "‬العضايمة جنوب‮ ‬غرب إسنا‮ ‬،‮ ‬واسمها‮  ‬في القدم‮: ‬أيونيت،‮ ‬تا‮- ‬سـِنـِت،‮ ‬ولاتوبوليس،‮ ‬والأخير‮ ‬يعود‮  ‬لسمكة البلطي‮ ‬Lates niloticus  التي تنتشر بكثرة في ذلك الجزء من النيل،‮ ‬كما أن‮ "‬تاسنت‮ - ‬أو تاسني‮" ‬ربما بمعني أرض العبور‮" ‬حيث كانت ملتقي لطرق القوافل الصحراوية التي تربط الوادي بالسودان وفي العصر القبطي حٌرف الاسم من‮ " ‬تاسني‮ " ‬إلي‮ " ‬سني‮ " ‬ثم سماها العرب إسنا،‮ ‬وللشيخ أحمد برين جدود في العلم شكلوا جزءا مهما في بنيانه الفارق وراكموا محبتهم في طبقات صوته لعل منهم‮ : ‬الفقيه الشافعي‮ "‬نور الدين الإسنوي العالم في أصول الفقه والنحو،‮ ‬و الذي تولي القضاء في عدد من أقاليم مصر‮ -  ‬الفقيه الشافعي‮ "‬عماد الدين الإسنوي وكان عالمًا بأصول الفقه والتصوف وذا قدرة عالية في الجدل والمناظرة،‮ ‬مع تمتعه بحسن التعبير عن الأشياء الرقيقة بالألفاظ الرشيقة،‮ ‬ومعه أخوه الفقيه‮ "‬جمال الدين الإسنوي‮" ‬صاحب‮ "‬طبقات الشافعية،‮ ‬كما خرج منها الشيخ عبد الصبور البطيخي الذي قام بتحفيظ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد القرآن الكريم‮ ‬،‮ ‬وعلي الجهة الأخري سنجد الأقصر بكل تراثها الأثري والغنائي وما تضمه من ظواهر فولكلورية‮ ‬يقودها سيدي أبي الحجاج الأقصري،‮ ‬فضلا عند مدينة إدفو بتراثها الغنائي والمدائحي،‮ ‬كانت هذه الأجواء هي طبقات الوعي التي شكلت حس الشيخ برين،‮ ‬ويروي أنه كان‮ ‬يحفظ بعض الأناشيد القبطية‮ ‬،‮ ‬بل ولم‮ ‬يقتصر الأمر عند حفظها لكنه أنشدها في عدد من المناسبات المسيحية خاصة في موالد القديسين في عدد من بلدان الجنوب المصري،‮ ‬وكان‮ ‬يستخدم آلة المثلث الإيقاعية التي استخدمها كثيرا في عدد من لياليه التي‮ ‬ينشد فيها المدائح‮ .  ‬
ياليل‮ ‬ياليل‮ ‬
آه‮ .. ‬آه‮ ‬
ياليل‮ ‬ياليل‮ ‬
‮•••‬
معي جرح‮ ‬يا طبيب ليه أيام بنصيبه‮ (‬1‮) ‬
جالوا الطبيب زين سكن الحي بنصيبه‮ (‬2‮)‬
أتاريه كداب وغش الناس بنصيبه‮ (‬3‮) ‬
ليه كذا عام تلاتين شهر هللي‮ (‬4‮)‬
حق الدوا معاه جوهر حر هللي‮ (‬5‮)‬
قالي ماليكش دوا جاني وهللي‮ (‬6‮)‬
يستاهل اللي اتورط ما رضيشي بنصيبه‮ (‬7‮)‬
‮.......................‬
أيها الفتي السماوي الذي فقد بصره وهو ما‮ ‬يزال‮ ‬يتعلم الكلام،‮ ‬ويتمتم وهو‮ ‬يحبو بآيات النور،‮ ‬كانت السنة الثالثة من عمره حين استبدل بصره بصوت‮ ‬يشق كل الطرق فتنهار أمام جبال الظلمة،‮ ‬حينها بدأ في الإمساك بخيوط التمتمات الأولي من معلمه البارع في الإنشاد والمديح‮   ‬
‮ ‬الشيخ سليمان حسين الذي لم‮ ‬يقدر الاستماع إلي نماذجه رغم شهرته في الجنوب المصري آنذاك ويكبر الشيخ‮ "‬أحمد‮ " ‬ليلتحق بالأزهر ليواصل حفظ القرآن ويتقن علوم التلاوة ويدرس أصول الدين،‮ ‬فكان صوته طبيبه،‮ ‬فلا تندهش حين تتسمع كثيرا لمواويل الطبيب بسحرها وقدرتها علي شفاء روحه وإحاطة قلبه وصوته بشفرات لا‮ ‬يقدر عليها المبصرون‮  :  ‬ياليل‮ ‬ياليل‮ ‬
آه‮ .. ‬آه‮ ‬
ياليل‮ ‬ياليل‮ ‬
‮•••‬
تعالي‮ ‬يا طبيب شوف نوحي وتعديدي‮(‬8‮)‬
أبات سهران حتي النجم تعديدي‮(‬9‮) ‬
وإذا طبت حالف لأديك مال تعديدي‮(‬10‮)  ‬
وصبحت حيران بقول للندل‮ ‬يا عمي‮ (‬11‮)‬
جري دمعي عيني علي خدي بلا عمي‮ (‬12‮)  ‬
مش عيب علي سبع في جلسه‮ ‬يقول
همي
من كتر همي عملت الفن تعديدي‮(‬13‮)‬
بين المديح الصافي علي أصوات الدف والطار،‮ ‬وجموع المرددين وتلوينات صوته نكون أمام حالة تأخذ القلب والروح،‮ ‬ويسيح الجسد في سماوات‮ ‬يصنعها الصوت بين موال الطبيب والمواويل المزهرة‮/ ‬المقفولة،‮ ‬ذات الشفرات التي تشم أريجها حين‮ ‬يعجنها بزهر الموال وإنشاد المتصوفة،‮ ‬يبدأها بالليل وينهيها بالعين ولا عين له إلا الصوت المنساب في فضاء الأبدية كأن نصا مقدسا‮ ‬يتنزل عليك الآن‮ :  ‬
ليل‮  ‬يا ليل‮ ‬
ع الباب أنا ذليل‮ ‬
‮•••‬
انتم‮ ‬يا حضرين ليالي العيد جمعاكم‮ (‬14‮)‬
قصدي أزوركم وأصلي الصبح جمعاكم‮ (‬15‮)‬
من كتر هجري ودمع العين جمعاكم‮  (‬16‮)‬
خلف معايا جرح جوا الجوف وجيتونا‮ (‬17‮)‬
حالا طبيبي معاه الموس وجاتونا‮ (‬18‮)‬
سمعتم بفرحي في إسنا الدير وجيتونا‮ (‬19‮) ‬
لما جيتونا‮ ‬ياناس قطب الغيث جمعاكم‮ (‬20‮) ‬
‮•••‬
ونسمع بعدها صيحة الجوقة،‮ ‬وترتج
حوائط المعبد،‮ ‬وتتمايل الفتيات وهن‮ ‬يسمعن الشيخ أحمد برين حين‮ ‬ينتقل من حكمة الشيوخ ومكاشفة الجراح والأنس بالقادمين والاحتفاء بقدومهم حيث‮ ‬يصحبهم القطب،‮ ‬فنسمع آنات عذاب المحب واستسلامه وصوت الجوقة وراءه‮ ‬يؤكد المشهد ويبكي ويفرح معه لنسمع علي إيقاعات ترتج معها أجزاء الجسد وتطيب الروح فتتنفس هواء كأنه الأول‮ : ‬
من العذاب‮ .. ‬قلبي داب
ليه فؤادي‮ ‬يهون عليكي‮ ‬
وانتي اصبحتي دواه‮ ‬
لو دبحتيني بإيديكي‮ ‬
عيب علي إن قلت آه‮ ‬
‮•••‬
هنا‮ ‬يتهلل الدف‮ ‬يصاحبه النقرزان فتسمع دقاته التي تتقافز لترسو رويدا رويدا علي حنجرة برين فيعفق لينقلنا من مشهد العاشق المذبوح طربا،‮ ‬ويأبي أن‮ ‬يقول الآه إلي موال الهوي الذي‮ ‬يصيد الحكمة،‮ ‬بل نري التقاسيم حين‮ ‬يبدأ بعتبة الموال ليغيرها في‮ ‬غطاء الموال،‮ ‬إنه‮ ‬يمارس الفرش والغطاء مع ذاته كأنه التحدي الذي لم‮ ‬يجد ميدانا له إلا الذات،‮ ‬الفرش والغطاء في عرف الموالة لا‮ ‬يتم إلا بمواجهة بين فنانين،‮ ‬أحدهما‮ ‬يفرش الموال والثاني‮ ‬يبادله بموال علي شاكلته أي في موضوعه وتوشيات قوافيه،‮ ‬وهنا نسمع الشيخ برين الحكيم‮ ‬يقول‮ :  ‬
قلبي هوي ظبي ربط الطرق بالعاني‮ (‬21‮)‬
يا ريته‮ ‬يسمح وينظر‮ ‬يوم بالعاني‮ (‬22‮) ‬
دا الحب جبار كان الله بالعاني‮ (‬23‮)‬
وفي شقة الفجر نزل البحر ملا جره‮ (‬24‮)    ‬
‮ ‬نزلت دموعي علي خدي ملت جره‮   (‬25‮)    ‬
وبمرود العاج إدي كل عين جره‮ (‬26‮)‬
ونظرته مره‮  ‬لقيت الأرض بلعاني‮ (‬27‮)‬
‮ ‬وتنتزع الجوقة صوتها من حكمتها لتعيد عليه أغنيته الفرايحي‮ ( ‬ليه فؤادي‮ ‬يهون عليكي‮ .. ‬وانتي اصبحتي دواه‮ .. ‬لو دبحتيني بإيديكي‮ .. ‬عيب علي إن قلت آه،‮ ‬وهنا‮ ‬يحول الشيخ برين حنجرته لمزمار فرح،‮ ‬بل إلي مجموعة من آلات النفخ المصنوعة من الغاب والخشب معا لتقود الليالي إلي موال عاشق جديد‮ : ‬
قلبي هوي ظبي في البساتين مسكاني‮ (‬28‮)‬
ليه جوز عين سود تجرح زي مسكاني‮ (‬29‮)   ‬
جُد لي بوصلك وراعي الحِب مسكاني‮ (‬30‮) ‬
وفي شقة الفجر نزل البحر ملا جره‮     ‬
‮ ‬نزلت دموعي علي خدي ملت جره‮       ‬
وبمرود العاج إدي كل عين جره‮ ‬
ونظرته مره‮  ‬لقيت الأرض مسكاني‮ (‬31‮)  ‬
إنه صوت الشيخ أحمد برين ما‮ ‬يزال سرا عظيما كأنه مزيج أصوات المنشدين العباقرة والمرنمين السحرة‮ ‬،‮ ‬وما تزال مواويله وطرائق أدائه تحتاج إلي كتيبة من المحللين الموسيقيين ومن عشاق الأدب الشعبي لنقف علي ظاهرة ليس في الغناء الشعبي فقط ولكن في الغناء المصري فقد جاوزت طرائق أدائه والآلات المصاحبة كل ما عهدناه من فنون الآداء،‮ ‬وسوف أواصل التعلم من فنه في الموال والغناء والمدائح والقصص مواصلا السباحة في نهر صوته الذي كلما سمعته أغرقني في كل مرة في بحار النور التي لا تثبت عند شكل وتستعصي علي العارفين‮ .‬
‮ (‬1‮) ‬بان وصب‮ . (‬2‮) ‬باين صبي‮ (‬3‮) ‬بنصبه‮ (‬4‮) ‬هلين لي‮ ‬
‮(‬5‮) ‬من الهلالات‮ (‬6‮) ‬وهلل لي‮ ‬،‮ ‬أي صرخ فيَّ‮ (‬7‮) ‬من النصيب‮ ‬
‮(‬8‮) ‬من العديد‮/ ‬المراثي الشعبية‮ (‬9‮) ‬أعد النجوم‮  (‬10‮) ‬عد‮ ‬يدي
‮(‬11‮) ‬العم أخو الأب ذ‮ (‬12‮) ‬بل العمامة ذ‮ (‬13‮) ‬أعدد شطرات الموال
‮(‬14‮) ‬جمعتكم‮ - (‬15‮) ‬جمعا معكم‮ - (‬16‮) ‬جم علي كمي،‮ ‬أي انهمر‮.‬
‮(‬17‮) ‬الجته‮ / ‬الجسد‮ - (‬18‮) ‬جت الجسم‮ ‬،‮ ‬قطعني‮ - (‬19‮) ‬أتيتم لنا‮ ‬
‮(‬20‮) ‬جاء معكم‮ (‬21‮) ‬بالعنية،‮ ‬أي بالقوة والمعاناة‮ (‬22‮) ‬بالعينِ
‮(‬23‮) ‬بالعونِ‮ (‬24‮) ‬من نيل جار‮ (‬25‮) ‬الجرة‮ ‬،‮ ‬آنية فخارية‮ ‬
‮(‬26‮) ‬جر المرود لتكحيل العين أي سحبه‮ (‬27‮) ‬من البلع‮ ‬
‮(‬28‮) ‬مسكنه‮  (‬29‮)   ‬كأنها موس‮ (‬30‮)  ‬مسكين‮ ‬
‮(‬31‮)  ‬قد أمسكتني‮.‬