رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

وداعًـــا‮ ‬جويتيسولو‮.. ‬صديق العرب


أحمد عبد اللطيف
6/9/2017 12:57:55 PM

‮ ‬في صمت تام،‮ ‬وبعد شهور من توديع الحياة ببطء،‮ ‬رحل عن عالمنا الكاتب الإسباني الكبير خوان جويتيسولو ظهيرة الأحد الماضي وعن عمر‮ ‬يناهز السادسة والثمانين‮. ‬مات خوان في الأرض التي اختار الحياة فيها‮: ‬مدينة مراكش،‮ ‬ودُفن في مدينة العرائش بحسب وصيته،‮ ‬ولم‮ ‬يُدفن في برشلونة مدينة مولده وأرض طفولته‮. ‬منذ عام‮ ‬1997،‮ ‬قرر خوان جويتيسولو أن‮ ‬يقيم في مراكش برفقة عائلة مغربية سمّاها‮ "‬قبيلتي‮"‬،‮ ‬وهي العائلة التي من أجلها وافق علي الفوز بجائزة ثيربانتس عام‮ ‬2014،‮ ‬إذ تبرع بقيمة الجائزة لهذه العائلة ليتلقي أبناؤها أفضل تعليم ممكن‮. ‬عائلة كان‮ ‬يقول عنها‮ "‬الهدوء والسكينة‮"‬،‮ ‬ولابد انه عرف السعادة في هذه الأرض الغريبة،‮ ‬حيث استقر بها عقدين دون أن‮ ‬يفكر في مغادرتها أبدًا‮. ‬ومن هناك،‮ ‬تابع جويتيسولو أحداث العالم العربي عن كثب،‮ ‬وكان قد تعلم اللغة العربية واللهجة المغربية،‮ ‬وكان،‮ ‬قبل ذلك بسنوات،‮ ‬أحد المدافعين عن الثقافة العربية الإسلامية في مواجهة تيار‮ ‬يميني إسباني‮ ‬يعادي العرب الحاليين كما‮ ‬يعادي التاريخ الأندلسي،‮ ‬وهو التاريخ المشترك بين العالم العربي وإسبانيا‮.‬
عبر صداقته مع إدوارد سعيد ومحمد شكري وجمال الغيطاني،‮ ‬وعبر قراءته وتأمله في تاريخ إسبانيا في القرون الوسطي وتتلمذه علي‮ ‬يد المستعرب الكبير أميركو كاسترو،‮ ‬اقترب جويتيسولو من الثقافة العربية وانصهر مع تراثها،‮ ‬تراث كان له أعظم الأثر علي كتابته،‮ ‬ولعل ذلك‮ ‬يتجلي في روايته‮ "‬الأربعينية‮". ‬بدخول جويتيسولو لعوالم التصوف الإسلامي،‮ ‬والبحث عن تشابهات بينه وبين التصوف المسيحي،‮ ‬بين ابن عربي والأرثيبريستي دي إيتا،‮ ‬صنع سردية إسبانية فريدة في بنيتها ورؤاها،‮ ‬وانتقل هو نفسه من أرض سردية لأرض أخري،‮ ‬وهي الأرض الجديدة التي استوعبت أسئلته الفلسفية‮. ‬
أحب جويتيسولو الثقافة الإسلامية،‮ ‬لكن كان لديه الكثير من التحفظات علي المجتمعات العربية الآن،‮ ‬والتي تعجز عن استغلال تراثها الفكري والسردي،‮ ‬وتتجاهل لأسباب تبدو عبثية تصوف ابن عربي وعقلانية ابن رشد،‮ ‬كما تصادر ألف ليلة وليلة بوصفه كتابًا إيروتيكيًا‮. ‬هذه الخلاصات التي توصل إليها جويتيسولو فيما‮ ‬يخص الثقافة العربية القديمة والجديدة هي ما كان علي العرب الانتباه له،‮ ‬لأنها في النهاية رؤية محب‮. ‬مع ذلك،‮ ‬لم‮ ‬يوجه جويتيسولو سهام نقده في أي وقت من الأوقات للثقافة العربية ولا للمجتمعات العربية التي أحبها وزار بلدانها،‮ ‬لكنه وجه سهام نقده إلي السلطة الإسبانية طوال الوقت،‮ ‬باستمرار ودون توقف‮. ‬حتي عندما انتقدته الصحافة الإسبانية ذات مرة لأنه‮ ‬ينتقد الديمقراطية الإسبانية بينما‮ ‬يقيم في المغرب التي لا تعرف الديمقراطية،‮ ‬رد عليها بأن‮ "‬علي كل منا أن‮ ‬ينتقد ما‮ ‬يخصه‮"‬،‮ ‬وهو،‮ ‬وإن كان ابنًا بالتبني للثقافة العربية إلا‮ ‬أن ما‮ ‬يخصه بالتحديد هو الثقافة الإسبانية‮.‬
المعروف أن إقامة جويتيسولو في مراكش لم تكن إقامته الأولي خارج بلده،‮ ‬إذ هاجر إلي فرنسا منذ عام‮ ‬56،‮ ‬وكان في الرابعة والعشرين حينها،‮ ‬واختار المنفي الاختياري تمردًا علي السياسة الفرانكوية التي تعادي الحرية كما تكمم الأفواه وتطارد المثقفين وتمنع الكتب،‮ ‬واستمر في هذا المنفي حتي بعد موت فرانكو عام‮ ‬75،‮ ‬ورغم أن إسبانيا بدأت بعده في خطي الانتقال الديمقراطية والسعي لتأسيس دولة ديمقراطية علي الغرار الأوروبي،‮ ‬إلا ان جويتيسولو لم‮ ‬يتوقف عن نقد السلطة في أي وقت،‮ ‬وكشف فسادها وغياب رؤيتها‮. ‬بذلك استمر في فرنسا مع زوجته مونيك لانج حتي ماتت الزوجة في‮ ‬96،‮ ‬فقرر هجر باريس والتوجه إلي المدينة التي احب دومًا العيش فيها‮: ‬مراكش‮.‬
‮ ‬تاريخ جويتيسولو وموقفه من السلطة مليء بالمحطات الجديرة بالاحترام،‮ ‬بل وتعد نموذجًا‮ ‬يحتذي به في علاقة المثقف بالسلطة‮. ‬وهي علاقة دفع جويتيسولو بسببها أثمانًا‮ ‬غالية،‮ ‬إذ كان مطرودًا من كل حسابات الدولة ومنحها ومكافآتها،‮ ‬وظل طريدًا كأي كاتب حر ومستقل‮. ‬هذه النقطة تحديدًا تفسر تأخر حصوله علي جائزة ثيربانتس عام‮ ‬2014،‮ ‬إذ كان‮ ‬يستحقها علي الأقل قبل ثلاثين عامًا،‮ ‬فمنجزه الأدبي والفكري كان‮ ‬يضعه دائمًا في الصف الأول من الكتاب،‮ ‬لكن السلطة انتبهت في لحظة أن عدم حصوله عليها سيكون خزيًا‮ ‬يطاردها،‮ ‬حيث لا‮ ‬يمكن تجاهل منجزه الأدبي الكبير،‮ ‬منجز جعل بعض النقاد‮ ‬يعتبرونه أفضل كاتب إسباني بعد ثيربانتس‮. ‬مع ذلك،‮ ‬السلطة كانت مرعوبة ايضًا من رفضه لها،‮ ‬ما سيضع الملك شخصيًا في موقف حرج‮. ‬وسجل جويتيسولو مليء بالجوائز التي رفضها،‮ ‬بدايًة من جائزة مدينة برشلونة ونهاية بجائزة القذافي الليبية،‮ ‬وفي كل مرة لديه من الأسباب ما‮ ‬يكفي لإيضاح أنه كاتب متسق مع مبادئه،‮ ‬فكيف‮ ‬يفوز بجائزة تحمل اسم ديكتاتور؟ وكيف‮ ‬يلتصق اسمه،‮ ‬هو المدافع عن الحريات،‮ ‬باسم طاغية؟
رهان جويتيسولو في الحقيقة،‮ ‬وطول حياته،‮ ‬كان الدفاع عن اسمه،‮ ‬ليس فقط في أداءاته ومواقفه في الحياة العامة،‮ ‬بل ايضًا في التزامه في الكتابة‮. ‬لم‮ ‬يبحث خوان عن قاريء،‮ ‬بل كان‮ ‬يبحث عن قاريء حقيقي‮ ‬يعيد قراءة عمله المرة تلو الأخري،‮ ‬فلم‮ ‬يتنازل عن تصوراته للفن،‮ ‬ولم‮ ‬يأخذه تيار جارف نحو كتابة بعينها أو تيار بعينه‮. ‬
حين بدأ خوان الكتابة في الخمسينيات،‮ ‬وإسبانيا تحت الحكم الفرانكوي والحرب الأهلية لا تزال روائحها في شوارع القري والمدن،‮ ‬كان التيار السائد هو الواقعية الاجتماعية‮. ‬كانت الكتابة عن الحرب ومخلفاتها التزامًا لا‮ ‬يصح،‮ ‬بحسب السائد،‮ ‬تجنبه‮. ‬في بداياته تأثر جويتيسولو بهذه الرؤية،‮ ‬وانتمت أعماله الأولي للواقعية الاجتماعية التي خطها كُتّاب‮ ‬غيره وسار هو علي خطاهم،‮ ‬رغم إضافته لعناصر تهكمية وأخري شعرية‮.‬
‮ ‬لكن تمرده الكبير علي السياسة الفرانكونية تبعه تمرد آخر علي التقليد الروائي أو الأساليب المطروحة،‮ ‬فراح‮ ‬يبحث لنفسه في المرحلة الباريسية عن صوته الخاص وطريقته المميزة‮. ‬إذ لم‮ ‬يرغب خوان أن‮ ‬يكون كاتبًا،‮ ‬بل أراد أن‮ ‬يكون كاتبًا فريدًا‮. ‬من هنا تبدأ مرحلته الطليعية والتي ستظهر فيها روايات مثل‮ "‬خوان بلا أرض‮".‬
في أواخر الخمسينات،‮ ‬وخوان لا‮ ‬يزال في عشرينياته،‮ ‬سيسحب تركيزه من الشأن الإسباني وحده ليكون أكثر كونية،‮ ‬هكذا سيهتم بالثورة الكوبية ويتابع تحولاتها،‮ ‬كما‮ ‬يبدأ اهتمامه بالعالم العربي من خلال مطالب تحرير الجزائر،‮ ‬ثم ما‮ ‬يلبث أن‮ ‬يعمل مراسلًا حربيًا في سراييفو،‮ ‬وسيسافر للجزائر بنفس المهمة‮. ‬هذه التجولات بالعالم جعلت منه إسبانيًا في فرنسا،‮ ‬متفرنسًا في إسبانيا،‮ ‬كما وصفوه،‮ ‬لكنه كان أيضًا عربيًا في إسبانيا،‮ ‬أو كان هذا هو اختياره الأخير‮. ‬الثقافة العربية ستفتح له أبواب التصوف،‮ ‬هو القادم من أجواء الحرب والموت،‮ ‬وستقدم له تصورات جديدة عن الكون‮. ‬ما سيجعله‮ ‬ينصهر فيها ويكتب إحدي أهم رواياته‮ "‬الأربعينية‮" ‬التي استلهم فيها شيوخ التصوف العربي واستحضر التصوف المسيحي‮. ‬وخلال فترة،‮ ‬اقترب جويتيسولو من الحياة القاهرية،‮ ‬وجذبه فيها مقابر البساتين،‮ ‬حيث الأحياء‮ ‬يعيشون بجوار الموتي،‮ ‬وحيث سلّم الجميع بأن النهاية ستكون هنا،‮ ‬فأقام بداخلها لمدة شهر،‮ ‬وهي التجربة التي ألقت بظلالها عليه وعلي بعض أعماله.تعتبر فترة السبعينيات بداية النضج الفني لجويتيسولو،‮ ‬هي المرحلة التي عثر فيها علي ذاته،‮ ‬وتمتع بالقدرة الكبيرة علي التجريبية والتخلي عن القيود التي فرضها علي نفسه من قبل‮. ‬في هذه المرحلة سيتخلي مثلًا عن علامات الترقيم بأكملها،‮ ‬وستضم أعماله قصائد مندسة وسط السرد،‮ ‬كما ستتعدد الأصوات السردية وسيهدم الترتيب الكرونولوجي،‮ ‬وهي كلها عناصر ظهرت في مرحلة سابقة في أعمال مثل‮ "‬علامات هوية‮"‬،‮ ‬إلا أن النقاد سيعتبرون‮ "‬خوان بلا أرض‮" ‬عمله المفصلي‮. ‬وسيتجلي في أعماله رفضه التام لإسبانيا المحافظة والتقليدية،‮ ‬ثم‮ ‬ينتهي به المقام لرفض الدوجمائية الأوروبية السياسية والدينية‮.‬
‮ ‬ولعل أهم ما‮ ‬يميز جويتيسولو قدرته علي التنوع الأسلوبي وخلق أساليب جديدة مع كل عمل،‮ ‬وهي قدرة لا‮ ‬يتمتع بها كثير من الروائيين‮. ‬اللافت أن الكاتب الإسباني الكبير لم‮ ‬يكن‮ ‬يلتفت كثيرًا للمشاهير السابقين عليه،‮ ‬بل جاءت التأثيرات من كُتّاب سابقين مهمشين مثل خوسيه ماريا بلانكو وايت أو فرنثيسكو دليكادو أو فرناندو روخاس،‮ ‬وهم كُتّاب تميزوا بأعمال سابقة لعصرهم ولانزوائهم بعيدًا عن الأضواء‮.‬
وعلي مدار ستين عامًا من الكتابة،‮ ‬أنتج خوان جويتيسولو ما‮ ‬يربو علي سبعين كتابًا،‮ ‬ما بين روايات وقصص ومقالات ومذكرات،‮ ‬وكتب أخري بلا تصنيف‮ ‬يمكن اعتبارها تأملاته الشخصية‮.‬
من أهم هذه الأعمال روايات‮ "‬مطالب الكونت دون خوليان‮" "‬خوان بلا أرض‮" "‬مقبرة‮" "‬مشاهد ما بعد المعركة‮" "‬فضائل العصفور المنعزل‮" "‬مكان الأماكن‮" ‬وروايته الأخيرة‮ "‬منفي هنا وهناك‮"‬،‮ ‬ومجموعاته‮ "‬الرحلة‮" "‬الحارس‮" "‬الأصدقاء‮" ‬و"هنا بالأسفل‮".‬
كما أنجز أيضًا قصص رحلات مثل مجموعات‮ "‬حقول نيجار‮" "‬شعب‮ ‬يتحرك‮" "‬اسطنبول العثمانية‮".‬
أما كتب الدراسات فتناول فيها قضايا أدبية وثقافية وسياسية،‮ ‬بالإضافة لقضايا فكرية‮. ‬
من بين هذه العناوين‮ "‬اشكاليات الرواية‮" "‬الكتابة في إسبانيا‮" "‬الكتاب الإسبان في مواجهة ثور الرقابة‮" "‬الأدي الذي تطارده السياسة‮" "‬ثيرنودا والنقد الأدبي الإسباني‮" "‬اللغة،‮ ‬الواقع المثالي والواقع المؤثر‮" "‬من هنا لهناك‮.. ‬مقاربات للعالم الإسلامي‮" ‬و"ضد الأشكال المقدسة‮".‬
من أعمال المذكرات‮ "‬ممالك الطوائف‮". ‬ومن الاعمال التأملية‮ "‬الدراويش الدوارون‮" "‬فلسطين بعد التهجير‮" "‬القاهرة‮: ‬صورة لمدينة‮" "‬عاهرات وراهبات‮: ‬الطقس الشعبي للقديسين‮" "‬الإسلام الأسود‮" "‬رمضان‮" "‬مسلمون سوفياتيون‮" "‬تركيا العميقة‮" "‬الضفة الأخري‮" "‬المقابر الإسلامية‮" "‬موسيقي الراي‮" "‬عبد الكريم وملحمة الريف‮".‬
رحيل ودفن
بحسب وصيته،‮ ‬دفن خوان جويتيسولو في مدينة العرائش المغربية،‮ ‬بجانب مقبرة جان جينيه‮. ‬وأوصي جويتيسولو أن‮ ‬يدفن في مقبرة ليس لها أي خلفية دينية،‮ ‬لا إسلامية ولا مسيحية‮. ‬



تعليقات القرّاء