رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

ليونارد كوهين: لم أشعر أبداً بأن هناك نهاية


ترجمة: جابر طاحون
7/15/2017 10:20:36 AM

ليونارد كوهين واحد من أكبر المبدعين الملهمين في القرن العشرين. حصوله علي جائزة جرامي أحد أهم إنجازاته بجانب أوسمة أخري لا تعد. موسيقاه مدت الأغنية الشعبية إلي مملكة الشعر والفلسفة حتي وقت صعود بوب ديلان إلي الشهرة، كان كوهين لديه العديد من المجموعات الشعرية وروايتين، ضمنهم » الخاسرون الجميلون»‬ والاهتمام الواسع الذي تلقته، والتي بصورة كبيرة دفعت جينسبرج إلي أن يعلق قائلًا:»‬ لقد نسف ديلان عقول الجميع، عدا عقل كوهين».
من مقابلات بول زولو المثيرة للإعجاب والوافية: »‬كتاب الأغاني حين يكتبون الأغاني» ــ الكتاب الذي ضم مقابلات مع بيت سيغر، بوب ديلان وكارول كينج-  تأتي هذه المقابلة المذهلة و(الأشهر) مع كوهين والذي بدأ بأهمية الموسيقي في حياة الإنسان:
»‬ دومًا هناك أغاني بالغة المعني. الناس يتغازلون، الناس يتزوجون الناس ينجبون الأطفال، الناس يغسلون الأطباق، الناس يقضون يومهم، بواسطة أغاني ربما نعدها نحن تافهة. لكن أهميتها يقررها الآخرون. دومًا هناك واحد يقرر أهمية أغنية بالحديث إلي امرأة بين ذراعيه أو يقضي الليل يغنيها. ذلك ما يعظّم الأغنية. الأغنية لا تعظم النشاط الإنساني. النشاط الإنساني يعظم الأغنية».
 كوهين يقدم مقاربات لعمله بإصرار غير عادي، يعكس التصور أن العمل يجب أن يلغي أخلاقيات ما نسميه »‬الإلهام» الشيء الذي ينادي ويهلل له مختلف المبدعين، كالموسيقي الشهير تشايكوفسكي: »‬ الفنان الذي يقدر نفسه لا يجب أن يتخذ مزاجه السيء ذريعة»، الفنان تشاك كلوز: »‬الإلهام للهواة، بقيتنا عليه أن يحدد عمله ويصل إليه». المؤلف إ.ب. وايت:»‬ الكاتب الذي ينتظر الظروف النموذجية لكي يعمل سيموت دون أن يضع كلمة علي الورق». المصمم ماسيمو فيجنللي:»‬ لا تصميم دون انضباط».
يقول كوهين لزولو:»‬ أنا أكتب طول الوقت. حين تبدأ الأغنية في التماسك، لا أفعل أي شيء إضافي، فقط أكتب. كنت أتمني أن أكون واحد ممن يكتبون الأغاني بسرعة. لذا الأغنية تأخذ مني وقتاً كبيراً لأعرف ماهيتها، لذلك أنا أعمل معظم الوقت.
لا أجد أغنية أستطيع غناءها، لكي تلفت انتباهي وتخلخل مللي بنفسي ولامبالاتي لآرائي، لكي أنفذ من تلك الحواجز، الأغنية يجب أن تمسني بإلحاح معين.
لا أقدر علي إيجاد تلك الأغنية التي تقدر علي أسر اهتمامي يلزم ذلك العديد من النسخ والتعديلات.
نطاق تفكيري اللحظي روتيني ويشبه ازدحام مروري. حالة ذهني الاعتيادية تشبه بصورة كبيرة في غرفة انتظار في قسم السيارات. لذا لكي اخترق هذا الصخب والازدحام الذي لا معني له داخل عقلي والذي يستحوذ علي معظم انتباهي، علي أن أقوم بشيء يخاطب أعمق اهتماماتي، وألا اخضع لذلك بصورة أو بأخري. لذلك، لأجد تلك الأغنية، الأغنية الملحة، يلزم، العديد من النسخ المعدلة، الكثير من العمل والكثير من العرق.
لكن لماذا لا يجب أن يكون عملي صعباً؟ تقريبًا عمل كل واحد صعب. الواحد يحيره تصور أن هناك شيء كالإلهام يأتي بسرعة وسهولة. بعض الناس يتزينون بهذه الطريقة. أنا لا. لذا علي أن أعمل بجد كشخص صارم لكي اتحمل عبئي.
الحرية والقيود مفردات كمالية بالنسبة لواحد محجوز في غرفة في برج الأغنية. هذه  مجرد أفكار. لا أمتلك شعور القيد أو الحرية. لدي حس العمل. لدي حس الأشغال الشاقة».
لما سئل هل يجد »‬الأشغال الشاقة» ممتعة، يعيد كوهين تمييز لويس هايد بين المهنة والعمل الإبداعي ويعتبر ما يحقق العمل فعلًا يعني: غذاء معين. اللياقة الذهنية. ذلك ما يعطيك خطوة  بينما تمشي علي طول المشهد الكئيب لأفكارك الداخلية.
لديك إيقاع معين لنشاطك، لكنه لا يسعفك أوقاتا كثيرة. العمل الشاق فقط.
لكني اعتقد أن البطالة مصيبة عظيمة. حتي الناس أصحاب الوظائف عاطلين. استطيع أن أقول بفرح وامتنان أني لدي دوام كامل، ربما كل العمل الشاق دوام كامل.
كوهين ذهب إلي أبعد من ذلك وأوضح أن الأفكار لا تتبدي له بسهولة مع حكاية ساحرة. ويستشهد الكاتب بصديق مرة قال إن عقل كوهين »‬غير ملوث بفكرة واحدة» الأمر الذي اعتبره مجاملة لطيفة. وبدلًا من ذلك يؤكد علي قيمة التكرار والملاحظات أن عمله مجرد »‬نسخ معدلة». ولما سأله زولو إن كانت أغانيه تبدأ بفكرة غنائية، أجاب كوهين مغنيًا باستخفاف: الكتابة تبدأ باشتهائي اكتشاف احترامي لنفسي. لذا اليوم الذي لا تنخفض فيه الديون، تنفتح تلك الشهية.
كوهين يعتبر- باستخفاف ظريف- سؤال من أين تأتي الأفكار ينتج خط الآن الأسطوري الذي استعاره بول هولدنغرابر(محاور أمريكي) في مقابلته مع ديفيد لانش (مخرج ورسام أمريكي) عن الإبداع. يعيد كوهين أفكار إليوت عن الجودة الغريبة للإبداع ويخبر زولو: لو أعرف من أين تأتي الأغاني الجيدة كنت لأذهب إلي هناك غالبًا. إنه أمر غامض، يشبه كثيرًا حياة راهبة كاثوليكية. أنت متزوج من لغز.
لكن كوهين بتبصره بكتابة الأغاني يتجاوز تحديدها كحرفة ويمد ذلك إلي عوالم الحياة.
تلاحظ دهشة زولو أن كوهين قد أهمل بالكامل أشعار أغاني جاهزة. هو ـ أي كوهين - يفكر مليا في حيوية الإصرار بالنسبة للعميلة الإبداعية. هذا التصور أننا قبل أن نغادر، علينا أن نكون قد استثمرنا كل ما عندنا لأجل الصورة الكاملة التي تفصح عن نفسها، ويبرر الهجر الذي ينطبق أيضًا علي كل شيء من العمل حتي الحب:
»‬قبل أن أغادر الشعر، علي أن أكتبه. لا أستطيع أن أغادر الشعر قبل كتابته لأن تلك الكتابة تنتج، باعث علي السرور، اهتمامات، أو حقائق سوف تغلق الضوء. قطع الجوهرة يجب أن يتم قبل أن تري ما إن كانت ستلمع».
يعود كوهين إلي مفهوم أن العمل بجهد تقريبًا ضرورة وجودية:
»‬لقد اعتدت أن أعمل بجهد جبار، لكني لم أعرف معني العمل بجدية حتي تغير شيء ما في عقلي، لا أعرف حقيقة ما هو، ربما بعض الحس أن المغامرة بكاملها محدودة، هناك نهاية (للرؤية)، إنك كنت ميتاً.
بالنظر إلي اهتمامه المستمر بالعملية علي حساب النتيجة، كوهين يقيم حالة رائعة بخصوص فن إعادة تجديد الذات، عن طريق اكتشاف المكافآت والارضاءات التي جعلته يستمر قرابة النصف قرن:
توجب فعل شيئين. الأول ضرورة اقتصادية. لم أجد أبدًا المال الكافي لأن أقول: »‬ أوه. أظن سأشتري يختًا الآن وأذهب للغوص». لم امتلك أبدًا ذلك المال اللازم لأقوم بأمور جذرية حيال ما قد أفعله في حياتي. بجانب ذلك، تدربت فيما عُرف لاحقًا مدرسة مونتريال للشعر. قبل أن يكون هناك جوائز، قبل أن يكون هناك منح، قبل أن يكون هناك بنات حتي يهتموا لما أفعله. عرفنا مجموعة فضفاضة من الناس. لم يكن هناك جوائز كما قلت، لا مكافآت إلا العمل نفسه. ربما قرأنا قصائد بعضنا البعض. كنا متورطين بحماس مع القصائد وحياتنا كانت متورطة بهذا الاحتلال.
كان في رؤوسنا أمثلة للشعراء الذين واصلوا العمل طوال حياتهم. لم يكن هناك شعور بالرغبة في غارة علي السوق؛ أن تقوم بضربة وتغادر. ببساطة هذا النوع من الحساسية لم يترسخ في ذهني حتي وقت قريب.
لذلك كان لدي دائما شعور أن أبقي في هذا، تجديد نفسي، كي أستمر، ما دامت الصحة موجودة. وأنت كنت محظوظا بما فيه الكفاية لتكون هناك أيام تحت تصرفك حتي تتمكن من مواصلة القيام بذلك. أبدًا لم  أشعر بأن هناك نهاية. بأن هناك تقاعد أو أن هناك جائزة كبري».