رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

واحة سيوة: الواقع .. الرواية والمسلسل


د. سيد البحراوي
7/15/2017 10:37:06 AM

حين قرأت عن احتجاجات أهالي واحة سيوة علي مسلسل »واحة الغروب»‬ تعاطفت معها قليلاً، لأن الحياة سواء في سيوة أو الواحات البحرية، من خلال زياراتي المتعددة لهما، قد اختلفت اختلافاً كبيراً عما كانت عليه منذ مائة وثلاثين عاماً، تقريباً.
أقول اختلفت أو تغيرت لأني لم أعد أحب مصطلح »‬التطور» وخاصة »‬التطور المفروض من الخارج».بهذا المعني فقد ظهرت عناصر جديدة في الواحتين سواء في نمط البناء أو العادات والتقاليد، برغم احتفاظ الواحتين بالبناء القديم وبالحجارة أو بالطوب اللبن، فقد جاورتها وأحاطت بها مبانٍ جديدة بالأسمنت والطوب المحروق، كذلك لم تعد تلك المناطق  التقليدية محظورة علي الغرباء، فقد استطعنا أن نتجول في المدينة القديمة (شالي) وفي الأسواق التي تشارك فيها النساء بوجوه حاسرة، بل إننا حينما دعانا دليلنا إلي بيته للغداء رأينا زوجته وبناته.
النساء أصبحن جزءاً قوياً في الواحات، ليس فقط في الأسواق بل يمكن للمرأة أن تدير متجراً، ومستعدة للحوار والغزل، وأذكر أنني حينما حاولت أن أغازل فتاة جميلة في متجر لم ترفض، لكنها قالت إن التقاليد تمنع الزواج من الأجانب.
اكتسبت النساء حرية كبيرة في الجماعة الواحاتية، يعملن بالوظائف ويمارسن المهن التقليدية في النسيج وجريد النخل وغيرها.
اختلفت إذن حياة الواحات عما كانت عليه في زمن الرواية والمسلسل، وهنا مصدر تعاطفي القليل مع شباب الواحات الجدد . غير أني لا أستطيع أن أطالب الرواية بتزييف التاريخ، لأن هذا التاريخ بكل معلوماته السياسية والعقائدية هو جوهر العملين، وهو حاكم للبناء الأساسي منذ البداية حتي النهاية.
ما نستطيع أن نحاسب عليه كلاً من الرواية والمسلسل هو الرؤية التي تنطلق من اللحظة التي نعيشها الآن في الوطن ككل، خاصة في الواحة المعاصرة، وما إذا كان الغروب هو أسطورة المكان والناس في اللحظة الراهنة أم أن ذلك قد تغير، وحتي ربما لم يكن كذلك في الماضي، وبمعني آخر هل يمكن القول إن مصير الغروب ليس ولم يكن أبداً هو المآل الضروري للواحة وأنه رؤية الرواية الذاتية، المحبطة، قد فرضت علي الحقيقة. والدليل علي ذلك أن الواحة مازالت قائمة، وربما أكثر ازدهاراً مما كانت، إن نهايتهما لا تقضي تماماً بغروب الواحة وإنما غروب الشخصية الوافدة إليها من الخارج (المأمور وزوجته خاصة).
لقد استمتعت بحلقات المسلسل من البداية إلي النهاية، وتعلمت منها الكثير علي المستوي الإنساني، أكثر مما حدث لي عند قراءة الرواية يعود هذا بالطبع إلي ثراء الأدوات المستخدمة في المسلسل،وهي أكثر من أدوات الكاتب المحصورة في اللغة، ولكني أعتقد أن المسلسل كان أكثر عمقاً ووضوحاً وشمولاً في الرؤية المتكاملة، وهذه الرؤية تعود بالتأكيد إلي فهم منظور الكاتب من قبل كاتبتي السيناريو (خاصة مريم نعوم) والمخرجة المبدعة التي استطاعت استنفار أفضل إمكانيات كل المشاركين معها في التمثيل والتصوير والإضاءة والموسيقي.. إلخ.
تتيح الأدوات الفنية في الأعمال الدرامية المصورة (الفيلم والمسلسل ومنتجات اليوتيوب والمسرح أيضاً) قدرة أكبر للتأثير علي المتلقي، لأن اللغة (لغة الكاتب، سواء كانت وصفاً أو حواراً أو مونولوجاً داخلياً) تظل- في الدراما- عنصراً واحداً يتمثل في كلام الشخصيات المنطوقة. هذه اللغة في علم المعلومات، نظام إشاري مركب من الصوت والنحو والدلالة، وبالتالي فهي تحمل (كماً quantitive) محدداً يمكن قياسه من المعلومات.
كذلك نفس الأمر في الأدوات الأخري مثل التصوير والإضاءة والملابس والموسيقي وحركات الممثلين (وليس فقط منطوقهم) والمونتاج المسئول عن تتابع المشاهد والربط بينها وغيرها من العناصر التي ربما لا يمكن حصرها.
كل من هذه الأدوات هي نظام إشاري مركب دال يتفاعل أو يتداخل أو يتراكم مع العناصر الأخري، لكي يكون الصورة المشاهدة والمسموعة.
وعلي هذا الأساس فإن تفاعل الأنظمة في العمل الدرامي يضيف إلي كم المعلومات اللغوية مضاعفات عديدة قد تزيد عن العشرة.
في مسلسل واحة الغروب جري توظيف هذه العناصر بدقة ورقة ورهافة منقطعة النظير،أصبحت كاملة أبوذكري تمتلكها بوضوح، بحيث يمكننا أن نقول إن العمل هو في الحقيقة أكبر من المسلسل، وأقرب إليالسينما الراقية.
لم يلتزم المسلسل- بالطبع- بالنص الروائي، بل قدم وأخَّر وحذف وأضاف. من ذلك مثلاً ماضي العلاقات بين الشخصيات، وتأخر ظهور بعضها في الأحداث (وصفي وفيونا)، والإطالة في بعض المراحل (فترة سفر محمود وكاثرن) والإيجاز المخل في الحلقات الأخيرة،إضافة الي كلمات أغنية التتر غير الملائمة للأحداث رغم جمال الموسيقي والأداء.
هذا بالإضافة إلي النهاية المختلفة كثيراً في العملين، في الرواية تكاد النهاية أن تكون واضحة: تدمير المعبد (حتي لا نبقي أسري أمجاد الماضي) وموت البطل بداخله، ولكي يتخلص من عذابات حياة وتناقضات لم يعد قادراً علي تحملها.
أما المسلسل فينتهي بحرق المعبد، دون أن يظهر موقع البطل، وبالتالي لا نعرف هل مات أم لا، ويضاف إلي هذا الغموض صورة البطل في تتر النهاية، معطياً ظهره للمشاهد، حاملاً الشعلة المضيئة وسائراً إلي الأمام، بما يوحي بشعلة ديوجين. ولعل هذا يرجح عدم موت البطل، بل استمراره في مسيرة التنوير من أجل القضاء علي تخلف الواحة وهيمنة السلطة الاستعمارية والبوليسية.
وهذه النهاية تبدو لي أكثر صدقاً واتساقاً مع تكوين البطل، بعد أن عمّق المسلسل أزماته المتعددة، كما أظهره بطلاً وطنياً من البداية وحتي النهاية رغم سقطته الوحيدة أمام المحقق الإنجليزي. كما أبرز مواقفه الوطنية والمستنيرة أثناء إدارته للواحة ومحاولته تغييرها إلي الأفضل- إنسانياً- دون الاعتداء علي القيم والمعتقدات، مستعيناً في ذلك بالتيار التقدمي ممثلاً في الشيخ يحيي ومليكة، رغم خطئه الذي يعترف به، والذي أدي إلي موتها.
يضاف إلي هذا، النص- الذي لم أجده في الرواية- الذي يمدح فيه البطل عرابي بشجاعة لا يصدقها هو نفسه ويهاجم الإنجليز وكل الخديوات، والبكوات الخونة.
وإذا صحت قراءتي، فإننا نكون إزاء رؤيتين مختلفتين للعالم تصبان في بلورة موقفين من اللحظة التي نعيشها الآن.
لقد أصدر بهاء طاهر روايته عام 2007 حاملاً في أعماقه تاريخاً من المآسي والتناقضات التي عاشها جيله، والتي كانت تشير إلي انسداد الآفاق لأي تغيير حقيقي. وهنا لابد أن نذكر أن بهاء مثل كثيرين منا قد استمرأ أشكال المقاومة السلمية عبر البيانات والمظاهرات حتي أصبح عنف السلطة أكبر من أن يتحمله شيوخ الجيل، فتوقف مثل الكثيرين منا، لنعيش في حالة قطيعة من الإحباط.
وفي المقابل فإن الجيل الذي أنجز المسلسل بكل عناصره أو معظمها علي الأقل، بقيادة كاملة أبوذكري، هو الجيل الذي ساهم بأشكال مختلفة فنية وسياسية في التمهيد للثورة، وشاركوا فيها بفعالية، ومازالوا رغم الأزمة العميقة التي تعيشها هذه الثورة المسروقة يؤمنون بأن هناك أملاً في الشروق وهنا لا أستطيع أن أختم هذا المقال دون الإشادة بموسيقي تامر كروان، وبصوت وائل الفشني (الذي لا أعرف لماذا لم يذكر اسمه) والأداء الرائع لكل من أحمد كمال وخالد النبوي وركين سعد وسيد رجب.
أما منة شلبي فرغم أدائها الناجح والمناسب للشخصية، أظن أن إمكانياتها الفنية أكبر بكثير مما قدمته.