رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

مع الأديب العربي الكبير ميخائيل نعيمة: الأدب العربي في حالة «انتقال»!


7/15/2017 11:43:38 AM

هاديء.. رزين.. وقور
يطل عليك بعينيه النافذتين فتشعر  كأنه ينظر إليك من عالم آخر.. وتسمع صوته فتحس بالثقة والطمأنينة وتنظر إلي وجهه فتري عليه سمات القديسين والأنبياء.. إنه الأديب الفيلسوف الشاعر ميخائيل نعيمة..
زار مصر لأول مرة في الشهر الماضي.. اشترك في مؤتمر الأدباء العرب الثالث ضمن وفد لبنان.
تاريخ طويل
قلت للأستاذ ميخائيل نعيمة:
> لقد عرفكم القاريء العربي من خلال كتبكم، ولكنه لا يعرف كل شيء من حياتكم وجهادكم، فأرجو أن تروي للقراء طرفا من هذا التاريخ.
فصمت الأديب العربي الكبير.. صمت الرجل العظيم المتواضع حين يطلب منه أن يتحدث عن نفسه، وشعرت بالأسف لأنني قد أحرجته، وخفت ألا يجيب، ولكنه وجد اللهفة في عيني وفي القلم الذي يتحفز للكتابة.. فقال:
- ولدت في بسكنتنا بلبنان سنة 1889، من والدين أميين، كنت الثالث بين خمسة أخوة وأخت، وعندما بلغت سن الدراسة، أي بين الخامسة والسادسة، افتتحت في بلدتنا مدرسة روسية ابتدائية فدخلتها ودرست فيها حتي سنة 1902، حيث أرسلت علي نفقة الجمعية الامبراطورية الروسية التي افتتحت تلك المدرسة، إلي دار المعلمين الروسية في مدينة الناصرة بفلسطين، وهناك درست أربع سنوات أرسلت من بعدها لتكملة دراستي في روسيا، وكانت المدرسة التي ألحقت بها هناك مدرسة لاهوتية تقع في مدينة اسمها »بولتاذا»‬ في »‬أوكرانيا».
بقيت هناك حتي سنة 1911 إذ انتهت دروسي الثانوية وتسلمت شهادتي وعدت إلي لبنان، وفي آخر تلك السنة سافرت إلي الولايات المتحدة الأمريكية حيث التحقت في خريف سنة 1912 بجامعة واشنطن، وتخرجت في تلك الجامعة بعد أربع سنوات حاملا شهادتي ليسانس في الحقوق وليسانس في الآداب، ومن بعد أن تركت الجامعة سافرت إلي نيويورك، حيث وجدت حركة أدبية ناشئة ساهمت فيها بقسط وأنا لاأزال علي مقاعد الدراسة، وكان من أركان تلك النهضة المرحومان جبران خليل جبران وأمين الريحاني.
واتفق في ذلك الحين وجود نفر لا بأس به من الأدباء الناشئين الذين أخذوا يتذوقون الأدب تذوقا ما كان يعرفه المتخلفون في البلاد العربية، وعلي ذلك ألف هذا النفر ما أصبح معروفا فيما بعد باسم »‬الرابطة القلمية» وكان لهذه الرابطة شأن كبير في توجيه الأدب العربي الحديث. بقيت في نيويورك حتي عام 1932 أي بعد وفاة جبران بسنة، ثم عدت إلي مسقط رأسي ولا أزال مقيما هناك أما الكتب التي ألفتها في المهجر وفي لبنان بعد عودتي إليه، فتبلغ بالعربية العشرين عدا، وبالانجليزية أربعة ، كان آخرها مجموعة قصص صدرت في بلاد الهند بعنوان Till we meet »‬حتي نلتقي».

الأدب العربي اليوم
وسكت الأديب العربي الكبير ينتظر سؤالاً آخر.. فوجهت إليه هذا السؤال العام:
> ما رأيكم في حالة الأدب العربي اليوم؟
فأجاب:
- الأدب العربي اليوم في حالة انتقال من فترة ما بين الحربين إلي فترة ما بعد الحرب الأخيرة التي يسودها الكثير من القلق والتشويش، فليس فيه من الاستقرار والاتجاهات المحددة مثل ما كان لأدب النهضة الذي ابتدأ قبل الحرب الأولي، وامتد حتي أول الحرب الثانية، فالشعر الحديث يتأثر إلي حد بعيد بالتيارات الشعرية التي تعم أوروبا اليوم، والنشر يتأثر أيضا ولكن إلي حد أقل، أما القصة وهي غرسة جديدة في أدبنا فلاتزال في بدء تطورها ولكنها تبشر بمستقبل باهر، ولست أنسي ما للأحداث السياسية التي تنتاب شرقنا العربي اليوم من آثار بارزة في الأدب واتجاهاته.
الأدب والحياة
قلت للأستاذ ميخائيل نعيمة:
> ذكرتم أن الرابطة القلمية كان لها شأن كبير في توجيه الأدب العربي الحديث، فما هي حقيقة الرسالة التي كافحت من أجلها الرابطة؟
- فأجاب الفيلسوف الأديب في تؤدة:
- إذا شئت أن أحصر رسالة الرابطة القلمية في كلمات معدودات، قلت إنها تنحصر في أنها ركزت الأدب علي الإنسان ومشكلاتها الباطنية والخارجية، فانطلقت بالشعر من قوالبه القديمة إلي قوالب جديدة فجعلته أكثر مرونة وأوثق اتصالا بالحياة وهكذا، فوصل الأدب بالحياة يكاد يكون منة كبري للرابطة القلمية علي الأدب إجمالاً.
القومية العربية والآداب الشعبية
ورأيت أن أستطلع رأي الأستاذ ميخائيل نعيمة فيما دعا إليه بعض الأدباء في مؤتمر الأدباء العرب، من الاهتمام بإحياء الآداب والفنون الشعبية في مختلف البلاد العربية. فقلت للأديب العربي الكبير:
> هل تري سيادتكم أن الدعوة إلي إحياء الآداب والفنون الشعبية تتعارض مع الدعوة إلي القومية العربية؟
قال:
- كلا.. فالقومية العربية التي تتنكر للآداب الشعبية إنما تتنكر لشيء جميل وثمين في حياتنا.
مشكلة ازدواج اللغة
وكان لي سؤال يلح علي خاطري كلما قابلت أديبا عربيا، فسارعت إلي عرضه علي الأستاذ نعيمة، علني أصل ويصل معي القراء - إلي جواب كاف له.. قلت:
> هل ترون أن الزمن كفيل بحل مشكلة ازدواج اللغة في العالم العربي.. أم أنكم تقترحون حلولا جديدة؟
- فأجاب الأديب الكبير وهو يقلب صفحات نسخة من كتابه الذي صدر في الهند:
إن مشكلة اللغة تزداد حدة يوما بعد يوم، لسبب بسيط وظاهر لكل منصف وهو أن الفرق شاسع جدا بين العامية والفصحي، فما أكثر ما يتصدي كاتب لتصوير حالة شخص من عامة الناس ويصطدم بهذه العقبة وهي: هل يكون صادقا لنفسه ولفنه إذا هو أخرج ذلك الشخص من بيئته وحرمه اللغة التي يعبر بها عن كيانه، فجعله يتكلم لغة تكاد تكون غريبة عنه، أم يفرض عليه حرصه علي العربية الفصحي أن يشوه أشخاصه علي أمل أن ترقي العامة يوما ما إلي مستوي الفصحي؟
إن حل هذه المشكلة لايزال في مطاوي الغيب، والذي أرجوه هو أن نوفق إلي تلقيح الفصحي بعناصر قوية جدا يمكن استمدادها من العامية، أن تهذب العامية إلي حد أن تقرب من الفصحي فنتخلص من الازدواجية، أما متي يحدث ذلك فعلمه عند الله.
الصحافة العربية
قلت له:
> وما رأيكم في الصحافة العربية وهل قامت بواجبها نحو خدمة الأدب والثقافة والقومية العربية؟
 فأجاب بلغة المعلم الفيلسوف:
- علينا أن نقيس الأمور ضمن زمان ومكان، ففي الفترة التي نجتازها أظن أن الصحافة العربية تقوم بواجبها خير قيام، ولكننا مازلنا سائرين في طريقنا إلي التحرر والتفتح، فأملنا أن ترافقنا صحافتنا في تحررنا وتفتحنا فتترفع عن أشياء كثيرة ليست الآن في صالحها.
مسئولية الأديب
وقد أوحي إلي حديث الأستاذ نعيمة عن مسئولية الصحافة سؤال عن مدي مسئولية الأديب.. أجابني عليه بقوله:
- هذا الأمر يتعلق بكل أديب علي حدة، فليس لي أن أحدد لغيري من الأدباء مسئوليته، وإنما علي أن أوسع مسئوليتي تجاه قارئي بأن أكون صادقا مع نفسي أولا لأكون صادقا معه.
تنشيط الحركة الأدبية
قلت:
> وماذا تقترحون لتنشيط الحركة الأدبية في العالم العربي؟
- فأجاب الأديب العربي الكبير:
- اقترح فتح أبواب البلدان العربية كلها في وجه الكتاب العربي، بحيث لا يكون عندنا قوائم سوداء وبيضاء، فالفكر أوسع من أن ينسق علي طريقة دواوين التفتيش، والأمة التي تتيح للفكر حريته هي الأمة التي تبني مستقبلها علي الصخر لا علي الرمل.
المرأة والطبيعة
ولا أدري كيف انبثق هذا السؤال.
> وماذا عن المرأة في حياتكم وفلسفتكم؟
- وقد أجاب الأستاذ عن نصف السؤال وترك النصف الآخر، قال:
المرأة في نظري تتمم الرجل مثلما يتمم الرجل المرأة، فنحن نعيش في عالم تسوده الازدواجية بحيث لا يقوم شيء إلا بنقيضه، إن ازدواجية الخير والشر والسلبية والايجابية وازدواجية الجذب والدفع.. هذه الازدواجية تنتج عنها الحركة التي تدعوها الحياة وأنه الجهل المطبق أن نفاضل بين الرجل والمرأة بمعني تحديد قيمتيهما، فقيمة الرجل هي قيمة المرأة تماما أما الفوارق فيما جهزتها به الطبيعة فهي من حكمة الطبيعة. لا من جهلها.
العزلة والأديب
وهكذا كنت أشعر أن الأستاذ ميخائيل نعيمة الذي عرفته عن طريق كتبه، لا يختلف عن الأستاذ ميخائيل نعيمة الذي يجالسني الآن وأتحدث إليه.. ولكن شيئا واحدا كان مبهما في ذهني هو ميل الأديب الكبير إلي العزلة، وقد اشتهر بذلك بين أدباء لبنان.. فسألته في ذلك.. أجاب مستنكرا:
- إني إلي الآن ما اعتزلت الناس يوما من الأيام. وكيف اعتزلهم وأنا أكتب لهم؟ وكيف أكتب لهم إذا أنا لم أفهمهم وأفهم مشكلاتهم؟ إنما أسعي إلي العزلة من حين إلي حين لحاجة في كياني تكاد توازي حاجة جسدي إلي الماء والهواء والنور والغذاء.
أحمد عبدالوهاب
العدد 65 ــ فبراير 1958  

تعليقات القرّاء