رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

بعد صدور روايته المصورة الأولي جيف ليمير: المدن تقتل المواهب.. والكتب بلا صور مضيعة للوقت


8/5/2017 10:35:39 AM

خرج الكندي »جيف ليمير»‬ هائما علي وجهه بعد أن اقتنع تماما أنه لا يرغب في استكمال دراسته بمدرسة السينما؛ رغم شهادة أساتذته له بالمهارة الفائقة وتوقعهم بمستقبله الواعد، لكنه ترك فكره ومشاعره يقودانه ليظهر قدراته التعبيرية في الرسم الدرامي بمختلف أشكاله من كوميكس ورسوم متحركة منذ عام 2005 وساعده في ذلك ثقافته الواسعة التي اعتمد فيها علي السمع والبصر أكثر من القراءة.
أصبح ليمير من أهم فناني الرسوم المتحركة والكوميكس في كندا  علي مدار 12 عاما قدم خلالها عشرات الأعمال، ظهر فيها تأثير نشأته ببلدة أتين الريفية بجوار بحيرة سانت كلير في محافظة إسيكس بمقاطعة أونتاريو الجنوبية، واستثمر وحدته ولكنه لم يكن وحيدا فكان يستمد قوة مشاعره من البيئة الثرية حوله، وبعد ما حقق من نجاح وتأثير، رضخ لمن آمنوا به وقدم »‬جيف» أول رواية مصورة له بعد خمس سنوات من الإعداد ومعها تحدث عن رؤيته المختلفة وربما الصادمة التي بدأها من مجلة »‬كوميكس بيت» ليستكملها في جريدة »‬جلوبال أند ميل».

تجاوز جيف التمهيد وتحدث مباشرة عما اكتسبه من كون والده كاتبا روائيا فقال »‬كان والدي كاتبا ماهرا، لكنه كان يرهق نفسه كثيرا ويبذل جهدا ووقتا كبيرين لوصف الأماكن والأشخاص قبل وأثناء تناول الأحداث، بينما يمكن للصورة أن تؤدي دورها الطبيعي والمؤثر في هذا الجانب، في حين يضع الكاتب كل تركيزه في تسلسل الأحداث وترابطها وأن تعبر عن فكره ورؤيته، ويمكن لبراعة الرسام أن تكون مصدر إلهام إضافيا للكاتب».
وأضاف صادما »‬تعالج الصورة بذلك الضعف في قدرة الكثير من كتاب هذه الأيام علي وصف الشخوص ومواقع الأحداث، وهو ما يصِّعب الأمور علي القارئ، كما أن قراءة عشرات الصفحات التي تحوي الوصف بلا صور فيه مضيعة كبيرة لوقت القراء، كما تدفع البعض منهم بعيدا عن قراءة العديد من الروايات رغم جودتها خاصة مع التغيرات الكبيرة التي شهدها المجتمع البشري بدرجات متفاوتة من الريف إلي الحضر».
يعترض ويفسر »‬لا أتفق مع من يرددون أن الصور تقلل من قيمة الروايات أو أي عمل أدبي، في الوقت الذي رسخ لديهم أن الصور تثري الكتب العلمية، وأن الواحدة منها يمكن أن تعبر عن ألف أو آلاف الكلمات، ولكنها تحتاج لمهارة خاصة لبناء كتاب بكلمات وصور كوحدة بنائية متجانسة، وتوافق تام بين الكاتب والرسام، فكثيرا ما تعجز الصور في التعبير عما ترسمه الكلمات وخاصة ما يتعلق ببعض أنواع المشاعر وعكس ذلك صحيح أيضا، فطبيعة العمل هي التي تحدد حجم الصور والكلمات وأيهما أكثر كمًا من الآخر كشركاء».
ثم يعدد »‬تسهم الصور في زيادة مساحة التشويق في أي كتاب، وتصبح من أهم عوامل الجذب التي يمكن للناشر استغلالها، ولا يتوقف الأمر عند الغلاف فقط، ويمكن للصور أن تصنع ملخصا يستخدم في الترويج للكتب وتسويقها، بالتالي فهو وسيلة لكسب استثمارات هذه الصناعة في حاجة ماسة لها، وتلك حقائق أظهرها الواقع العملي وليس توقعا».
يستنكر »‬رسخ قديما وبشكل خاطئ أن الصورة تقتل الخيال عند القارئ، ومازال البعض يردد ذلك رغم أن الدراسات العلمية أكدت أن الصورة الجيدة كالكلمات الجيدة يمكنهما أن يثيرا خيال القراء بنفس القدر، بل أحيانا تكون أكثر تأثيرا، ولهذا تستخدم الصور والرسومات في كتب الخيال العلمي وتعد مصدرا ملهما رئيسيا للعلماء عند تنفيذ بعض الأفكار التي تتناولها مثل هذه الكتب».  
ويوضح »‬تواصل الصور مع الكلمات ليس اختيارا ولكنه قرار يحتاج لتعاون كبير بين فناني الكتابة والرسم، وهو ما يتطلب تفاهما شبه تام بينهما، وأقول تفاهما وليس تطابقا، يسبقه ما يكفي من الحب والاحترام المتبادل، ويهتم كلاهما بالجوانب الجمالية والحسية بنفس القدر، ولن يتحقق ذلك دون أن يستعد الطرفين لذلك ويدركا أنهما شركاء».
يستدرك »‬أستمتع كثيرا بالتعاون مع الآخرين، لكني فضلت كتابة ورسم تجربتي الروائية الأولي بمفردي، ويمكن أن أشارك في كتاب برسوماتي مستقبلا، إلا أن الأمر يحتاج لتأسيس مختلف، والتعامل مع المنتج كونه بتأليف مشترك، وأن الصورة شريكة الكلمات وليست عاملا مساعدا أو إكسسوارا شكليا زائدا يمكن الاستغناء عنه».
يتحدث عما يفضله من الأشكال الأدبية عن غيره »‬أميل للقصة القصيرة من منطلق أن لكل كلمة قيمتها ومكانها، والاسترسال في الروايات كثيرا ما يفقد الكلمات هذه القيمة ويضعف تأثيرها، ولا يجب أن ننسي الخلفية الثقافية التي تحركنا، وهي بطبيعة الحال تتقبل القصة القصيرة أكثر من الشعر والرواية وغيره في مجتمعاتنا عامة وكذلك في الريف».
وعن المؤثرات التي أدركها قال »‬لقد عشت في الريف والمدينة، لن نخوض في حديث عن العلاقة بين السكان الأصليين وأي أعراق أخري كما يحدث بجارتنا الولايات المتحدة باستمرار، فأنا لست متحدثا باسمهم، ولكن يمكن القول أنني متحدث باسم كل الغرباء والمنبوذين، لأن كل غريب أو منبوذ دائما يعجز عن التعبير عما في داخله، ولهذا فهو في حاجة ماسة لذلك أكثر من غيره».
ثم يستطرد »‬هناك قضايا أهم وأخطر تحتاج أن نهتم بها، منها مكافحة المخدرات التي تنتشر بين الشباب بل والأطفال، ومثلها الأفكار المتطرفة والشاذة المهلكة رغم أن في الحياة ما يجعل كل إنسان، غنيا أو فقيرا، يستمتع بها، ومنها ممارسة أي رياضة، فهناك عشرات الرياضات، ويمكنهم تجربة بعضها والاحتفاظ بما يمتعهم منها كهواية بعيدا عن احترافها وتحولها لمهنة وعبء، فأنا مثلا احتفظت بالهوكي وتنس الطاولة».
ويختتم بصدام آخر »‬عشت في الريف بين العمال والمزارعين الذين لم يكن لديهم أي شئ مشترك مع اهتماماتي، ورغم هذا كانت الطبيعة هناك مؤثرة، تولد فيّ الكثير من الأفكار والمشاعر والصور الذهنية، بينما المدن بزحامها وملوثاتها وطبيعتها مميكنة تقتل الفكر والإحساس، ولهذا احتاج للعودة إلي الريف لإعادة الشحن، لكني أضطر أن أرد للمدينة مجددا حيث عناصر الصناعة والنشر، ويمكن أن تدرك مدي هذا التأثير من حقيقة أن غالبية المبدعين حاليا، وهم قلة، نشأوا في الريف».