رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

يسري الجندي: لا أنتمي للدراما الحالية


حوار: زياد فايد
8/26/2017 11:11:57 AM

كاتب مسرحي لديه اهتمام خاص بالتراث الشعبي، كما أسهم في تدعيم وتطوير مسرح الثقافة الجماهيرية لما يمثله هذا المسرح من أهمية للجماهير العريضة علي امتداد مصر، فاستطاع أن يحتل يسري الجندي موقعاً متميزا بين كتاب المسرح المصري والعربي باجتهاداته بداية من أوائل الستينات من القرن الماضي بمسرحية »ما حدث لليهودي التائه مع المسيح المنتظر»‬ وتوج ذلك عام 1981 بحصوله علي جائزة الدولة التشجيعية في المسرح ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولي، ثم جائزة الدولة للتفوق عام 2005.

من أشهر أعماله المسرحية (عنتر زمانه، الهلالية، الساحرة، رابعه العدوية، علي الزيبق، واقدساه، الإسكافي ملكاً، بغل البلدية، حكاية جحا والواد قلة، عاشق المداحين، دكتور زعتر)، وقدم للسينما (المغنواتي، سعد اليتيم، أيام الرعب، نحب عيشة الحرية) ومن مسلسلاته التلفزيونية (عبد الله النديم، نهاية العالم ليست غداً، جمهورية زفتي، من أطلق الرصاص علي هند علام، جحا المصري، الطارق، أهلاً جدو العزيز، سامحوني مكانش قصدي).
يسري الجندي من مواليد محافظة دمياط عام 1942، التحق بعد تخرجه بوزارة الثقافة وأحيل للمعاش كمستشار لرئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2002.
حول مجمل تجربته الإبداعية ورؤاه الثقافية المستمدة من تجربة طويلة في العمل العام، كان هذا الحوار.
باعتبارك كنت يوماً داخل منظومة الثقافة الجماهيرية. كيف يمكن علاجها أو إنقاذها من عثرتها؟
أن يتولي رئاسة الهيئة أحد المثقفين الكبار، بشرط أن يُمنح صلاحيات الوزير فيما يتخذه من قرارات لصالح إدارة هذه المنظومة التي تفشي داخلها الفساد و العفن.
هل مسرح السامر الذي توليت إدارته يوما ما كان مجرد مرحلة في مسيرة المسرح المصري وانتهت أم أن توقفه كان متعمداً من الدولة؟
بداية هذا المشروع أنني لجأت لاستشاري لوضع تصور لمبني غير أسمنتي وعرضت المشروع علي وزير الثقافة في ذاك الوقت (فاروق حسني) والحقيقة أنه كان متجاوبا، ولكن يبدو لم يكن علي علم تام بخطة بيع كل مكتسبات الشعب المصري تحت شعار الخصخصة، ولذا خدعونا بفكرة التجمع في جزء من الأرض، أطلقوا عليه اسم مسرح منف حتي تتاح للشركة المنفذة بناء المسرح، ومر عامان ولم يحدث شيء حتي اكتشفنا أن الوزارة استغلت المكان بعد تسويره، ليكون بمثابة حوائط إعلانية، وهكذا كان مصير مسرح السامر الذي كان يعد النافذة الوحيدة للمسرح الإقليمي، وتم نقلي إلي وظيفة أخري داخل الوزارة.
ابتعادك المفاجئ عن الكتابة المسرحية و الدراما عموماً؟ بماذا تفسرة ؟
أنا متوقف عن الكتابة تقريباً من وقت مسلسل »‬خيبر» الذي كتبته قبل 25 يناير 2011  واتركن، وفجأة وجدت المنتج العراقي محسن علي يصوره، وهذا كان آخر عهدي بالدراما، من يومها لم أكتب وأكتفي فقط بكتابة مقال صحفي في جريدة الأخبار بناء علي طلب الصديق الكاتب الصحفي الكبير ياسر رزق، لأن علاقتي بالدراما أصبحت علاقة شخص مراقب لعالم كان ينتمي له ثم لم يعد ينتمي، ومثلما قال محفوظ عبد الرحمن »‬هناك مؤامرة»، وهذه المؤامرة بدأت منذ أواخر التسعينات وكان هدفها الأساسي القضاء علي ماسبيرو، الذي كان عنوان الجودة سواء علي مستوي الإعلام المرئي والمسموع أو الدراما، وكان له بحق السيادة والريادة علي مستوي المنطقة العربية، إلي أن جاء القرار من كيان لا نعلمه، وإن كنا نعرف أطرافه، بأن مصر لابد أن تموت، وبدأت لعبة القضاء علي ماسبيرو بدخول المنتج المنفذ الذي اهتم  بالطبع بالكسب السريع وتحقيق أعلي عائد وأقل تكلفة، فلو كان علي سبيل المثال يتقاضي مائة جنيه لإنتاج مسلسل يقوم فقط بصرف 20 جنيهاً ويضع في جيبه ثمانين جنيهاً، وهنا ظهرت الأعمال المتواضعة، لا أريد أن أقول الرديئة، وأصبح مبدأ الشراء والبيع في فن الدراما هو المعيار وليس الجودة، وبتفشي هذه المنظومة أصبحت الدراما مجرد سلعة يتحكم فيها من يستطيع شراء محطة تلفزيونية أو كتاب لحسابه، وبالتالي يفرض موضوعات محددة لها أهداف مدروسة، لا تهدف للكسب بقدر ما تهدف إلي كسر الهيمنة المصرية والثقافة المصرية وطمس الهوية المصرية، والدليل علي ذلك أن ما صُرف علي دراما رمضان 2017 ما يقرب من 2 مليار جنيه وحجم الإعلانات لم يزد عن 800 مليون جنيه، و بالطبع  هذا الأمر ليس مجرد غسيل أموال كما يُروَج، بل هي مؤامرة محبوكة لتدمير مصر ثقافياً ومعنوياً وسياسياً واجتماعياً، وقد تلازم هذا أيضاً مع السينما بعد انتشار موجة أفلام العنف و البلطجة والدعوة المباشرة وغير المباشرة لنظرية الإسلام السياسي، وهذه الموجة من الأفلام التي يتصدي لإنتاجها (تاجر لحوم معروف) بزعم أن الجمهور »‬عاوز كده»، ومن خلال هذه الأفلام نجح بفرض مطربيه وممثليه وراقصاته، الذين أصبحوا بالفعل جزء من منظومة الفوضي في الشارع المصري، وعندما تواجهه بما فعله بالسينما المصرية يكون رده: أنا فاتح بيوت كتيرة، أما عن دور العرض فحدث بلا حرج، كلنا نعلم من هم الذين يتحكمون فيها ولحساب من ؟! وبالمناسبة، كنت قد كتبت مقالاً في جريدة الأخبار تحت عنوان من أطلق الرصاص علي التلفزيون المصري، ألقيت فيه اللوم علي الحكومة التي أهملت إعلامها الرسمي، وأصبح كل همها السيطرة علي الإعلام الخاص، رغم أنه كان في إمكانها إسقاط الديون عن ماسبيرو بجرة قلم وإعادة هيكلته واختيار قيادات واعية وإعلامية حقيقية لإدارته، فلو عدنا بالزمن للوراء سنجد أنه في ألمانيا مثلاً تم محاكمة جوبلز قبل محاكمة هتلر لأنه كان العقل الإعلامي المدبر لسياسة هتلر، ولأي نشاط حتي لو فاشي، سنده الإعلام الرسمي، حتي الفاشية الإسلامية التي كانت تحكم في ظل الإخوان المسلمين كان لديهم شبكة إعلامية تمتد من الداخل إلي الخارج وهي مدربة علي مستوي عالي بغض النظر عما تبثه، فليس العبرة أن أدخل منافسة مع القنوات الخليجية بإنتاج برامج أكثر تكلفة وأستضيف نجوما مقابل أجور أعلي، وبهذه المناسبة أسجل تحياتي لمن رفض هذه العروض مثل الفنان يحيي الفخراني والراحل محمود عبد العزيز، وحتي عندما تحول اتحاد الإذاعة والتلفزيون إلي الهيئة الوطنية للإعلام، فمازال ماسبيرو لقيطاً بسبب عدم وجود دعم كاف علي كافة المستويات من الحكومة.

ما رأيك في مستوي الدراما الذي شاهدته مؤخراً في رمضان؟
هناك أعمال رغم قلتها جيدة، منها علي سبيل المثال مسلسل (واحة الغروب المأخوذ عن رواية الأديب بهاء طاهر) ومسلسل (لا تطفئ الشمس عن رواية الأديب إحسان عبد القدوس) وأخيراً مسلسل (ظل الرئيس الذي كشف الكثير مما يدور داخل هذه المنظومة الأمنية).
وماذا عن الدراما الخليجيه ؟
رغم عدم متابعتي لها بشكل منتظم إلا أنها نجحت في تكثيف الاهتمام بالواقع الاجتماعي وعرض مشكلات الأسرة بصدق وشفافية، وأحب في هذا الصدد أن أحيي الدراما السورية التي توقعت توقفها في ظل الظروف السياسية و الحربية التي تعانيها، إلا أنني فوجئت بشبابها المبدعين يخرجون وسط إطلاق الرصاص لتصوير المعاناة التي يعيشها الشعب السوري وسط صراع الميلشيات المسلحة المتعددة وغارات الجيش السوري من جهة والتحالف الدولي من جهه أخري، والواقع أن هؤلاء الشباب المبدعين حقاً قدموا أعمالاً تسجيلية ووثائقية استحقوا عنها بالفعل جوائز المحافل الدولية عن دراما حية بنسيج إنساني وإبداع احترافي ووعي سياسي محايد، لذا نجحوا في تسويقها عالمياً.

تنظم وزارة الثقافة سنوياً العديد من المهرجانات المسرحية تحت مسميات مختلفة، مثل القومي للمسرح، نوادي المسرح، مسرح الاقاليم، المسرح التجريبي المعاصر، فرق هواة المسرح، ورغم كل ذلك لم نسمع عن ظهور أو اكتشاف مبدع واحد جديد. لماذا؟
لأن هناك خللا وعدم توازن في التوجه، المهرجان القومي للمسرح كنموذج مثلا، كيف أضع في ذات المهرجان عروضا من المسرح القومي والطليعة، مع عروض الجامعة ومعهد الفنون المسرحية وقصور الثقافة وهؤلاء يمثلون مسرح الهواة، الأمر الثاني الذي كان سبباً في انهيار المسرح المصري (مهرجان المسرح التجريبي) وجاء نتيجة للثقافة الخاصة بوزير الثقافة الأسبق (فاروق حسني) مع احترامي له كمثقف ينتمي للثقافة الغربية، الذي كان يستقدم فرقا من أي مكان بأوروبا وينظم مهرجانا دوليا يكلف الدولة سنوياً عشرات الملايين، وعندما ناقشته رد علي : »‬المسرح المصري رمي طوبته بنفسه ومعدشي حد بيتفرج عليه»، وهو بفعلته هذه قضي علي جيل كامل من مبدعين و ممثلين وكتاب للمسرح المصري، وعندما ثرنا عليه وكان يشاركني الهم ألفريد فرج وأحمد عبد الحليم و غيرهم، قائلين أن السينما لها أكثر من مهرجان في الوقت الذي لا يوجد فيه مهرجان واحد للمسرح المصري، وافق علي تنظيم المهرجان علي أن يتقاسم تكلفته الثقافة الجماهيرية وصندوق التنمية الثقافية، في هذا التوقيت تلقيت ترشيحاً من وزارة الثقافة للسفر إلي قبرص برفقة المخرج أحمد ذكي لحضور مهرجان تحت اسم »‬الهوية الثقافية»، وهذا يعني أنني سأتحدث عن المسرح المصري أو العربي عموماً، لكن المفاجأة أنه كان هناك ترتيب لإنشاء شبكة مسرحية مقرها مصر وتضم تونس وإسرائيل وقبرص وتركيا، هذا يعني أنها شبكه شرق أوسطية، فقلت لهم »‬ياخوانا المسرح المصري ينتمي للثقافة العربية، حتي أن بدايته جاءت علي يد الشوام فكيف يكون شرق أوسطي»، وعقب عودتي من هناك تقدمت بمذكرة للأستاذ حسين مهران رئيس هيئة قصور الثقافة آنذاك، مطالبا بضرورة عودة مهرجان المسرح المصري، فحولها للوزير فاروق حسني الذي وافق علي عودة المهرجان، إلا أن المستفيدين من المهرجان التجريبي أفهموه أن عودة مهرجان المسرح المصري معناه إغلاق أبواب التجريبي، فما كان منه إلا أن ألغي المهرجان، وهنا اشتعلت المعارضة في الصحف والمجلات، والتي تبناها وقتها النقاد أحمد عبد الحميد ود.مدحت أبو بكر ود.صلاح صالح، وغيرهم ممن استشهدوا فيما بعد في حريق بني سويف، ولتهدئة الأجواء وافق الوزير علي عودة المهرجان ولكن تحت مسمي الملتقي العلمي للمسرح العربي، وبدون دعم مالي مباشر من الوزارة، والحمد لله نجحنا في جمع نصف مليون جنيه من الثقافة الجماهيرية والبيت الفني للمسرح برئاسة الراحل السيد راضي، وأقيم الملتقي ودعونا سبع فرق، لكن حضر 20 فرقة وكان نجاحاً مذهلاً، وعقب تحديد موعد الدورة الثانيه لهذا الملتقي فوجئنا بقرار إلغائه، ليستمر مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي حتي غادر فاروق حسني الوزارة، فهل يمكن ظهور مبدعين في هذه الأجواء؟ أضف إلي هذا أنه تزامن مع ذلك فكرة طمس الثقافة الوطنية وتدجين المثقفين وتدشين الحظيرة، وأصبحت أنشطة دار الأوبرا المختلفة أهم من الثقافة الجماهيرية والمسرح المصري والسينما المصرية، تمهيداً لتسييد العولمة الأمريكية بداية من الموسيقي والملابس وسينما العنف والمخدرات، إلي أطعمة (الفاست فود)، وانهارت الأخلاق وتراجعت قيم الانتماء حتي وصلنا لما نحن فيه الآن .
تعليقك علي ما حدث مؤخراُ من حجب جائزة أفضل نص مسرحي في المهرجان القومي للمسرح في دورته العاشرة باعتبار أن النصوص المقدمة كما جاء في بيان اللجنة لم ترقي للجائزة رغم حصول أحد العروض علي جائزة أفضل عرض؟
سأتكلم عن مهرجان 2016 والذي كنت فيه رئيساً للجنة التحكيم، حيث وجدنا أن مُعظم العروض عن نصوص أجنبية ولا يوجد نص مصري أو عربي سوي عرض عن نص للكاتب السوري عبدالله ونوس، ونص للشاعر المصري صلاح عبد الصبور، ولكنها نصوص مفككة، يعني »‬قص ولزق»، أين العرض المصري أو العربي الذي يمكن منحه الجائزة! وحدثت مناقشات كثيرة، حيث كنت أميل لتشجيع أي مؤلف مبتدئ حتي لو فيه قصور، فلنوضحه له لينتبه، هذا ما تعلمته من سعد الدين وهبة، لكن القرار بالتصويت جاء بحجب الجائزة، إلا أن بعض الأعضاء، أحدهم أكاديمي، كان مصراً علي أن يحصل علي الجائزة، وغالباً هو من سرب النتيجة علي اليوتيوب، ولذلك كان الحضور علي علم بالنتيجة قبل إعلانها وكان متحفزاً، وهذا ما حدث هذا العام أيضاً كما علمت.

رأيك في ظاهرة ورش الكتابة سواء في المسرح أو التلفزيون ؟
للأسف هناك خطأ ما في فهم معني الورشة المسرحية، والمثال علي ذلك أنه حضر يوما ما شاب عراقي إلي مسرح الهناجر ومعه موضوع يريد العمل عليه مع ممثلين، هؤلاء جميعاً خرجوا بمشروع عرض مسرحي راقي، هذا في رأيي النموذج الصحيح للورشة، وليس أن يجلس عدد من الشباب مع بعضهم ويألفوا »‬أي كلام»، أما بالنسبة لورش كتابة الدراما التلفزيونية فهي عورة لابد من مقاومتها، لأن ما يحدث أن المنتج يجمع عددا من الشباب ثم يجلسون مع نجم أو نجمة ليعرفوا ما يريده ويبدأون في كتابة مشاهد، ثم يربطونها مع بعضها ويصبح فيلما أو مسلسلا في يوم من الأيام. أرسل لي السبكي شريط فيلم أجنبي تدور قصته حول مجموعة من الإرهابيين تخطط لاغتيال رئيس جمهورية، كان مليئا بمشاهد المعارك والمطاردات وأجواء غير مصرية، ولا يمكن  أن تتاح في مصر لأسباب عديدة، وطلب مني تحويله إلي فيلم مصري، لكني رفضت بالطبع، وللأسف فقد وجد العديد من الشباب الذين يقبلون مثل هذا العرض، لأن الدراما من وجهة نظري إبداع فردي ولا يمكن أن تتحول إلي جلسة علي »‬الحصيرة» وكل شخص يقول ما عنده.

البدعه التي ظهرت في السنوات الأخيرة علي أفيشات بعض العروض المسرحيه (كتابة وإخراج فلان) رغم أن العمل مأخوذ أو مستوحي أو معد عن نص أجنبي دون الإشارة إلي ذلك مطلقاً!!
عندما كنت مسئولا عن إدارة المسرح لم أسمح مطلقاً بذلك، وكانت تعليماتي بضرورة كتابة اسم المصدر الأصلي لأنه هو الأساس، أو أن يعاد النص الأصلي كما هو، وإذا كان هناك ضرورة أو فكرة معالجة عن النص الأصلي لابد من الإشارة إلي المصدر الأجنبي.
 
كيف تري حالياً الثقافة الجماهيرية و80% من العاملين فيها يحملون مؤهلات متوسطة وأحياناً أقل، ونسبة لا تتعدي 10% حصلوا علي مؤهلات أعلي أثناء الخدمة سواء من معهد التعاون أو التعليم المفتوح، في الوقت الذي يتولي فيه هؤلاء مناصب إبداعية تجعلهم يتحكمون في مسيرة الثقافة في مصر دون معايير سوي أنهم موظفون في الثقافة الجماهيرية؟
العبرة ليست في المؤهلات، وإنما في الاستعانة بقيادات لها علاقة حقيقية مع الإبداع، فحينما تحكم الإداريون في العمل الثقافي، انتهي الإبداع، وتوقفت الثقافة الجماهيرية عن الهدف من إنشائها، فهي العصب الحقيقي لاكتشاف المبدعين والموهوبين في كل المجالات، وأنا شخصياً أعتبرها أهم هيئة في وزارة الثقافة، ولابد أن يتولي قيادتها مثقف كبير بصلاحيات وزير.

مسارح قصور الثقافة جميعها مغلقة بعد حادث بني سويف 2009 تحت زعم اعتراضات الحمايه المدنية و اشتراطات تركيب ستائر ضد الحريق طبقاً للمعايير العالمية وثمن الواحدة كما علمت 800,000 جنيه رغم أن هناك ملايين تصرف علي مهرجانات لا يحضرها أحد؟
كل هذا علات مكشوفة للهروب من المسئولية، مطلوب فقط قيادة قادرة علي تحمل المسئولية وليبدأوا بمسرح أو اثنين، وأعتقد أن هذا مُتاح بشرط أن يتولي إدارته متخصص بصلاحيات واسعة وليس مجرد عامل أو موظف ومعه مكتب فني وميزانية منفصلة، ذلك إذا كنا نريد نشاطا مسرحيا حقيقيا مثلما كان مسرح الثقافة الجماهيرية يستعين بأمثال (محمود دياب، عبد الرحمن الشافعي، راجي عنايت) وغيرهم، حتي لا نصل إلي ما نحن فيه بعد استبعاد المثقفين وتمكين الإداريين الذين يدعون أن عرضا مسرحيا استمر يوما أو اثنين، تم عرضه بالفعل لمدة 15 يوما حتي يحصل هؤلاء الموظفون علي مكافآت وحوافز (مقابل 15 ليلةعرض) بموجب كشوف علي الورق؟! الواقع أنه لم يبق من فكرة مسارح الثقافة الجماهيرية سوي (نوادي المسرح).
معظم عروض شباب المسرح لا معني 90% منهم لم يدرس مسرحا أوحتي سبق لهم مشاهدة عرض مسرحي حقيقي، فالعرض عبارة عن عدد من الشباب والفتيات يقطعون خشبة المسرح ذهاباً وإيابا، يمينا ًويسارا، حاملين لافتات أغلبها سوداء ربما تحمل رموزا في عقل مخرج العرض فقط وفشل في التعبير عنها! يرتدون ملابس قاتمة وأحيانا عادية وبدون ديكور حتي، واستخدام الإضاءة والموسيقي عشوائي، مجرد شعارات بلا دراما أو حركة مسرحيه أو إبداع ؟
من وجهة نظري، هذه نتيجة طبيعية لعروض المسرح التجريبي والتي استمرت أكثر من عشرين عاماً و كانت من أهم الأسباب المباشرة في القضاء علي هوية المسرح المصري.

الكتاب الذين آمنوا بثورة 1952، لماذا انقلبوا فيما بعد علي عبد الناصر ؟
 هؤلاء لم ينقلبوا علي عبد الناصر إلا بسبب المطالبة بالديمقراطية السياسية، والذي تنبه لها بعد نكسة 1967 وبدأ يفكر في السماح  بظهور أحزاب سياسية متعددة، ولكن القدر لم يمهله. وفي رأيي الشخصي، دور عبد الناصر بعد 67 كان أفضل من دوره قبل 67، حيث أعاد بناء الجيش وأعاد الثقة للناس في نفسها وقدرتها، وأهم من ذلك أعاد النظر في قضيته الخاسرة، أقصد في ديمقراطية الحزب الواحد، كما أنه أرسي مبادئ العدالة والديمقراطية الاجتماعية وحقق نقلة في الخريطة الاجتماعية و الاقتصادية في مصر باقتحامه مجال الصناعات الثقيلة، ومهما اختلفنا مع عبد الناصر فقد بكينا يوم موته لأنه كان رجلا وطنيا وأنجز ما لم ينجزه غيره، حتي عندما رفضت الرأسمالية الوطنية مساعدته قام بتأميمها، وأنا أعتبر أن موت عبد الناصر كان موتا للعرب وفكرة العالم العربي، فهناك الآن شرخ حدث لم يجد من يصلحه، ونتمني أن يستطيع الرئيس عبد الفتاح السيسي إصلاحه.

ماذا عن النخبة الثقافية الذين هم عادة مجموعة من الأسماء التي لا تتغير في كل مكان، وفي كل مناسبة يتحدثون باعتبارهم النخبة. من أين جاءوا؟ ومن الذي منحهم هذه الثقة وهذا الصك؟
لا توجد نخبة، هناك سلطة ورجالها. حاليا عندما أري إعلانات في الشوارع تقول »‬طلعت حرب راجع» ابتسم، لأن طلعت حرب لم يكن مجرد رجل اقتصاد أو سياسة، بل كان منظومة متكاملة تضم (هدي شعراوي، نجيب الريحاني، محمد لطفي السيد، سيد درويش)، هذه القوي الناعمة التي عمل عليها طلعت حرب.

روشتة علاج تقترحها للثقافة؟
اختيار قيادات مثقفة لإدارة الثقافة في كافة قطاعاتها، لها صلاحيات تساعدها علي مقاومة (الحرس القديم) الذي يقف عقبة أمام أي تطوير أو تحديث يقضي علي مصالحه ومكتسباته داخل تلك الوزارة أو الهيئة أو المؤسسة أو الشركة، وهذا الحرس موجود في كل وزارات مصر، فإذا قرأت أن وزير التعليم بصدد تغيير المناهج لا تصدق، لأن نفس الشخصيات التي وضعت المناهج القديمة هي المنوط بها التغيير. جامعة الأزهر أيضا وما يتردد عن المناهج والخطاب الديني، لن يحدث شيء بسبب الحرس القديم، وهم يملكون من القوة بحيث لن يستطيع أحد أن يقتحمهم أو يقضي عليهم.



تعليقات القرّاء