رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أسطورة البدو عند الرحالة

في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر


سيزا قاسم
8/26/2017 11:33:19 AM

هذه المقالة  مراجعة لكتاب سارجا موسي أسطورة البدو عند الرحالة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر(1). جمع المؤلف في هذا الكتاب مجموعة من المقالات كتبها علي مدي عشرين سنة في موضوع كتابات الرحالة الغربيين إلي الشرق. حيث بدأ هذا المشروع في منتصف تسعينيات القرن الماضي. فهذا الكتاب محصلة خبرة طويلة في قراءة متأنية لكتابات الرحالة الغربيين إلي الشرق.
تكمن أهمية الكتاب في طرحه لقضية مهمة وهي قضية تفاعل الثقافات وأصبحت هذه القضية تشغل بال كثير من الباحثين. وجدت فيه زادا غنيا ومعلومات متنوعة حول الالتقاء بين الرحالة الغربيين الآتين من مشارب مختلفة والبدو الذين يقطنون الصحراء. . فلا شك أن الفوارق بين هاتين الثقافتين شاسعة والعادات والتقاليد متباينة، فكيف استقبل  البدو هؤلاء الغرباء؟ وماذا كان  فعل الرحالة أمام هذا العالم المتنافر مع عالمهم وهؤلاء البشر  وكيف صنفوهم؟ وما الأحكام التي أطلقوها عليهم؟ هذا هو موضوع الكتاب. واتسع البحث ليغطي فترة ممتدة من الزمن من القرون الوسطي حتي نهاية القرن التاسع عشر.  

 البدايات

يبدأ سارجا موسي كتابه بمسح سريع عن تمثيل الصحراء في العهد القديم حيث كانت الصحراء فضاء مفزعا. فالصحراء في العهد القديم هي صورة أرض معادية، جرداء، »ارض جافة ومفزعة وشريرة، لم يجتزها أحد ولم يقطنها بشر، لا  تسكنها  سوي المخلوقات المخيفة والحيوانات البرية من أسود تزمجر وأفاع تتلوي  وتنانين  مجنحة طائرة»‬. كما تظهر الصحراء في العهد القديم  فضاء  خاليا من المياه التي هي  مبدأ الحياة، وتتصف بأنها المكان الذي  يتعرض فيه الإنسان إلي الإغراء والغواية.
ومن أهم فصول العهد القديم التي وصفت الصحراء نصوص من أسفار موسي الخمسة التي تحكي خروج بني إسرائيل من مصر، والتيه في الصحراء مدة أربعين سنة. ويصف النص التوراتي هذه الرحلة  علي أنها رحلة عذاب تعرض فيها شعب بني إسرائل إلي صعاب مهولة في هذا الفضاء الذي وصفه موسي بأنه مهول وفظيع. فذاقوا الجوع المدقع والعطش المميت، والمعارك، ولدغ الأفاعي والثعابين، واليأس.
بعد هذه النبذة عن الصحراء في العهد القديم انتقل الكاتب إلي روايات الحجاج  المسيحيين الذين سلكوا الطريق إلي الأراضي  المقدسة لزيارة القبر المقدس وسلوك درب الصليب بمراحله الأربع عشرة في القرون الوسطي.
ولا يسعنا هنا أن نغفل اختلاف صورة الصحراء في التراث المسيحي عن صورتها في النص التوراتي عند وصف التيه. إذ لم تصبح الصحراء ذاك الفضاء المروع، بل مثلت، منذ العصور الأولي للمسيحية، ملاذا روحيا لمن عرفوا بـ»‬آباء الصحراء»، من الرهبان والنساك، بل وأشخاص عاديون، لفظوا العالم واعتكفوا  فيها بحثا عن وجه الله ورحمته. هجروا المدينة وعاشوا في الصحراء. ولم يقتصر ذلك علي الرجال، بل عرفنا أيضا أمهات الصحراء. بدأت هذه الهجرة إلي الصحراء في القرن الثالث الميلادي. حيث عرفت الأديرة الأولي التي كانت اللبنة الأولي لحياة الرهبنة المسيحية. وأسس أول دير (سانت كاترين) في القرن الرابع. لم يتعرض سارجا موسي لهذا الجانب الذي مثلته الصحراء في نشأة  مذاهب الرهبنة والتنسك في المسيحية.
واستشهد سارجا موسي في هذه الفقرة من الكتاب ببعض روايات هؤلاء الحجاج  ومن بينها رواية الاب الدومينيكي فيليكس فابري (١٤٤١-١٥٠٢) الذي كان ينتمي إلي دير الدومينيكان في مدينة أولم بألمانيا. زار الأماكن المقدسة مرتين، الأولي لمدة مائتين وخمسة عشر يوما سنة ١٤٨٠، والثانية قضي فيها تسعة أشهر ونصفاً بين ابريل ١٤٨٣ و يناير ١٤٨٤. قام الأب فيليكس فابري بكتابة عمله الضخم الذي يزيد علي ألف وخمسمائة صفحة بعد عودته إلي الدير واستغرق في كتابته أكثر من عشر سنوات. واختار له عنوان »‬كتاب تجولات الأب فيليكس فابري وارتحاله في الجزيرة العربية ومصر»(2).
تركت النصوص التوراتية بصمة عميقة علي هذا الراهب، فأخذ يصف الصحراء بنفس الأوصاف التي استلهمها من هذه النصوص. فالصحراء فضاء مروع واجتيازها رحلة عذاب لابد للحاج أن يمر بها في طريقه إلي القبر المقدس، إذ يذوق جل أنواع الحرمان الجسدي والرعب من الحيوانات البرية والزواحف، ويتعرض لهجمات الحشرات والعقارب. فإذا كان عبور الصحراء يسبب كل هذه الأهوال  فإنه أيضا يولد عند الحجيج الإحساس بالذنب لأن المسيح تعرض للإغواء في الصحراء حيث أمضي أربعين يوما في صراع مع إبليس الذي حاول أن يغويه. ومن هذا المنحي اكتسبت الصحراء هذا البعد المدمر.
وبعد هذه المقدمة عن الصحراء ينتقل الكاتب إلي الذين يقطنون هذا الفضاء. فبالرغم مما تقوله النصوص المقدسة إن هذا المكان ليس مأهولا فهناك ناس يظهرون في الأفق. فكيف وصف الحجاج هذه الكائنات التي كانوا يلتقون بها في مسيرتهم المقدسة؟
يبدأ سارجا موسي في تأمل ما نطلق عليه اليوم صورة الآخر في عيون الناظرين. وقد اختار عنوانا لكتابه مصطلح أسطورة البدو: بمعني أن ما يُقدم في كتابات الرحالة ليس واقعا ولكنه تمثيل لا يطابق الواقع بل يتنافي معه بالسلب أو الإيجاب.
كيف ينظر هؤلاء المسافرون إلي سكان الصحراء؟ يقول سارجا موسي إنه كان لا بد أن تنتقل الصفات السلبية التي تصبغ المكان إلي قاطنيها. وتعرض الأب فيلكس فابري إلي الكلام عن العرب. ولا يجرؤ الأب علي نقض ما جاء في التوراة من أن هذا الفضاء خال من السكان. إذاً فلابد أن تكون هذه المخلوقات من فصيلة الحيوانات. فهؤلاء العرب الذين يقطنون هذه الأرض يعيشون حياة أقرب لحياة الحيوانات منها إلي البشر. إذ يتجولون عراة ويقطنون المغارات ويأكلون الأعشاب وجذور النباتات. وهذه الكائنات المعوزة التي لا تعرف الزراعة، تعيش علي السلب والنهب وما تبتز من إتاوات من المسافرين، فيعيش الحجاج في رعب ورهبة من هؤلاء الهمج.
تتفق روايات الحجاج الذين تكبدوا الرحلة إلي الأراضي المقدسة في هذا الوصف السلبي للعرب بأنهم لصوص ويتميزون بالجبن والخسة، غير أننا نجد بعض الملاحظات العابرة تقر بمعرفتهم بالفلك، لأنهم دائمو الترحال يستعينون بالكواكب لهدايتهم في تجوالهم.
ظلت هذه النظرة السلبية إلي عرب الصحراء تتردد في كتابات رحالة القرون الوسطي حتي القرن السابع عشر.
ظهر لفظ بدو/ bédouin في كتابات بعض الرحالة في بداية القرن الثامن عشر - أي خلال عصر التنوير. وتختلف صورتهم عند مختلف الكتاب. حيث نجد تناقضا بين صورة العربي اللص والبدوي المضياف. وكان كتاب المكتبة الشرقية (١٦٩٧) لبارتليمي ديربولو Barthélemy d›Herbelot3 ، وهو من أوائل المستشرقين الفرنسيين وكان عالما باللغات الشرقية، من أهم المصادر التي ظهر فيها لفظ البدو. وهذه المكتبة الشرقية عبارة عن ترجمة لموسوعة كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون لمصطفي بن عبد الله المشهور باسم حاجي خليفة، مع كثير من الإضافات. وبعدها بدأ لفظ »‬البدو» ينتشر في كتابات الرحالة.
في القرن السابع عشر بدأ يظهر تغير نوعي في من يرتحلون إلي الشرق. فمنهم التجار مثل جان باتيست تافيرنيه Jean-Baptiste Tavernier  (١٦٠٥-١٦٨٩) الذي جاب بلاد فارس والهند بحثا عن نفائس المجوهرات والأحجار الكريمة. وكان مدمنا للترحال والتجوال، والتقي شخصيات بارزة في البلاط الهندي والفارسي والعثماني. وكان أشهر خبراء تجارة الماس في زمانه. سجل مغامراته، في رحلاته الست بحثا عن أكرم الجواهر، بناء علي طلب لويس الرابع عشر. وانتشر هذا الكتاب انتشارا واسعا. إلا أن تافيرنيه، بوصفه تاجرا، لم يهتم بسكان الصحراء ولم يسع إلي معرفتهم أو الاطلاع علي عاداتهم وتقاليدهم واكتفي فقط باللجوء إليهم لسد حاجاته المعيشية وطلب الحماية. ورغم اهتمام المؤرخين والجغرافيين بهذا الكتاب إلا أنه غير موثوق به، عدا المعلومات الخاصة بالأحجار الكريمة.
مع انتعاش تجارة الفرنسيين مع الشرق، بدأ الشاب لوران دافريو (١٦٣٥-١٧٠٢)Laurent d Avrieux  نشاطه التجاري واستقر في ميناء إزمير في ١٦٥٤ ثم تجول في لبنان وسوريا وفلسطين وتونس. وعندما عاد إلي فرنسا بعد أن اكتسب خبرة عظيمة في منطقة سوريا ألحقه الملك لويس الرابع عشر بالسلك الدبلوماسي فعمل قنصلا في حلب، وتونس والجزائر وطرابلس. وكان دافريو ضليعا باللغات الشرقية: السريانية  والعبرية والعربية والتركية والفارسية. وترك عند وفاته مخطوطا ضخما بمذكراته عن رحلاته. نُشر جزء منها سنة ١٧١٧ بعنوان رحلة إلي فلسطين، ثم نشرت كاملة  في سنة ١٧٣٥ بعنوان مذكرات الفارس لوران دافريو، مبعوث فوق العادة للملك إلي الباب وقنصل حلب ومحطات تجارية أخري في الشرق، تحتوي علي رحلاته في القسطنطينية وآسيا وسوريا وفلسطين و مصر وشمال افريقيا»(4):، وتاريخها الطبيعي، والأحداث الجسام، مستلهمة من مذكراته الخاصة، ومرتبة مع بعض الملاحظات »‬بعناية الأب جان باتيست لابات».  
تبدأ بهذا الكتاب صفحة جديدة في معرفة الشرق معرفة عميقة متأصلة، مبنية علي تمازج الراوي مع القبائل العربية، إلي حد أنه في هذه المذكرات يتقمص شخصية البدوي وينظر إلي نفسه وكأنه أصبح هذا »‬الآخر» يتكلم لغته ويمارس طقوسه وأساليب حياته.
لابد أن نلاحظ أن هذا الكتاب نشر سنة ١٧٣٥ أي فيما عرف بعصر التنوير، حيث ميلاد العلوم الاجتماعية الخاصة بمعرفة الإنسان وكيف يعيش في محيطه الطبيعي. وخلاصة فلسفة التنوير هي أن الإنسان واحد رغم اختلاف الثقافات والحضارات. وقد يفسر هذا المنطق تغير صورة القرون الوسطي السلبية للعرب، إلي الصورة الإيجابية التي بدأت تظهر في عصر النهضة.
مع نمو حب الاستطلاع العلمي في القرن الثامن عشر، وتطور طرق الملاحة، انفصلت الرحلات الاستكشافية للشرق عن أطماع القوي العظمي الاستعمارية، وأخذت هذه الرحلات أهدافا موسوعية تحت تأثير عصر التنوير. ومن أهم الرحلات الاستكشافية رحلة لووي دو بوجانفيل Louis de Bougainville في 1768، بالإضافة إلي ثلاث رحلات لجيمس كوك  James »‬ook بين 1769 و 1778.
وغيرت هذه الرحلات النـظرة إلي الصحراء. فبعد أن كانت فضاء مروعا، طاردا وملجأ للشياطين، فقدت هذه الرهبة واخذت تشع نوعا من السحر والجاذبية، لما تتميز به هذه المجتمعات من فطرة وبدائية وسذاجة. وأخذت هذه الصفات تصبغ علي الصحراء بعدا أسطوريا تأكد بقراءة مختلفة لنصوص العهد القديم. وبدأ رحالة القرن الثامن عشر يكتشفون صحراء مختلفة.
ونظر رحالة القرن الثامن عشر إلي البدو نظرة جديدة. ويأتي كونستانتان فرنسوا دو شاسبوف كونت دو فولنيه  (١٧٥٧-١٨٢٠) »‬onstantin Francois de »‬hasseboeuf comte de «olney علي رأسهم. رحل إلي مصر سنة ١٧٨٢، حيث أمضي سبعة شهور، ثم توجه إلي الشام لدراسة اللغة العربية لمدة سنتين. وفي أواخر حياته ساهم في تأسيس الدراسات الشرقية في فرنسا. سجل فولنيه تجاربه في كتاب بعنوانرحلة إلي مصر والشام ، الذي لقي رواجا كبيرا وأثر في تصور قراء هذه الفترة للبدو.
ومن أهم ظواهر هذا التغيير التماس الصفات البدوية الأصيلة. وعلي رأسها حسن الضيافة. حيث إكرام الضيف هي الصفة الملازمة لأهل البادية، فلا يتوانون عن إكرامه متي ما دخل مضربهم وحل في حماهم. ويُرجع الرحالة هذا الطابع عند البدو إلي احتفاظهم بعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة التي توارثوها عن أسلافهم. وأضاف هذا الجانب بعدا أسطوريا لنظرة الرحالة إلي البدو - ربما تسلل إلي فكرهم من فلسفة جان جاك روسو ونظرته إلي الهمجي النبيل الذي يعيش في وفاق ووئام مع الطبيعة، لا يعرف العداوة أو العنف ولم يلوثه المجتمع.
أما الجانب الآخر الذي أثار دهشة الرحالة وإعجابهم فكان جمال اللغة العربية ومهارة العرب الشعرية والبلاغية. فنراهم يرسمون صورا مثالية لحلقات القص ورواية الشعر. فأسطورة الهمجي النبيل تتلون هنا ببعد ثقافي رفيع فالبدو أغنياء بتراث أدبي شفاهي يعج بقصص البطولة والحب.
في سنة ١٧٠٤ دخل في المتخيل العربي عالم سحري، عندما ترجم انطوان جالان Antoine Galland أجزاء من ألف ليلة وليلة. وانتشرت الليالي في أوروبا وترجمت علي الفور إلي عدة لغات، وسحرت القراء بما تمثله من مصادر للمتخيل من أحلام وغرائب النوادر. وربما كانت هذه الحكايات من العناصر التي أكدت البعد الأسطوري للقص العربي.
اشتد الجدل الفلسفي في النصف الثاني من القرن. فوجدت الصورة المثالية للبدو من يناقضها وخاصة عند فولتير  (١٦٥٠-١٧٢٢) والموسوعيين Les Encyclopedistes (١٧٥١-١٧٦٥) الذين شنوا حربا علي جان جاك روسو وأفكاره عن الهمجي النبيل. فكانوا يرون في هذه الأفكار هدما للحضارة والمدنية. وانعكس هذا الصراع علي صورة البدو عند هؤلاء الفلاسفة، فانقلبت الصورة مرة أخري. وفي مقالته عن العرب في الموسوعة LEncyclopedie، يري فرانسو-هنري توربان Francois-Henri Turpin (١٧٠٩-١٧٩٩) في العرب حزمة من التناقضات لم تتجمع مثلها في غيرهم. كيف يتوافق الكرم والسلب، الإنسانية مع سفك الدماء بلا ندم، احترام العقد الاجتماعي مع ضراوة دوافع الانتقام، الخضوع لقوانين وأعراف المجتمع مع نزعة محمومة للاستقلال؟!.
ويتوسع سارجا موسي في مناقشة أفكار فولتير عن العرب والإسلام فكانت مسرحيته بعنوان »‬محمد أو التعصُّب». (١٧٤٢) التي تصَوَّرَ الرسولَ (ص) سفَّاكًا للدِّماء، غدارًا، لا خُلُق له. وكانت هذه الصورة منتشرة في هذه الفترة لدي كتاب مثل فرانسوا هنري توربان الذي ألف كتابا بعنوان تاريخ حياة محمد، مشرع العرب (١١٧٧٣-١٧٧٩) في ثلاثة أجزاء، كما ألف كتابا آخر بعنوان »‬تاريخ القرآن» حيث نكتشف النظام السياسي والديني »‬الأفاق» والمصادر التي استلهم منها تشريعاته (١٧٧٥). انتشرت هذه النظرة السلبية والعدوانية عند مستشرقين آخرين مثل الأب جان لوي ماري بووريه (١٧٥٥-١٨٣٤) Jean-Louis Marie Poiret الذي أرسله لويس السادس عشر إلي الجزائر سنتي ١٧٨٥ و١٧٨٦ لدراسة النباتات، ومثل العالم الهولندي كورنيليوس باو  »‬ornelius Pauw.

الاستغراق في التجربة  

الحملة الفرنسية علي مصر (1798-1801)، غزت الجيوش الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت مصر، بهدف اتخاذها قاعدة استراتيجية ونواة للإمبراطورية الفرنسية في الشرق، وبعد فشل أهدافهم وانهزامهم أمام الجيوش الإنجليزية وتحطيم أسطولهم في معركة أبوقير البحرية، رحلوا عن مصر عام  1801م بعد حوالي 3 سنوات .
وصاحبت هذه الحملة أفعال وحشية وإراقة الدماء كما يحدث في كل المعارك ولكنها في الوقت ذاته كانت حملة علمية سمحت بالقيام بدراسات عديدة في جميع مجالات العلوم والآداب. صاحب جيش بونابرت، بناء علي طلبه، عدد كبير من العلماء (حوالي مائة وسبعين) وعدد من المهنيين (حوالي ألفين) ليقوموا بمسح علمي كامل لمصر، وليبادلوا المصريين المهارات والتقنيات. ونتج عن هذا النشاط صرح ضخم بعوان وصف مصر.
يعتبر كتاب وصف مصر أهم ما نتج عن الحملة الفرنسية، إذ أطلق نابليون العنان لعلمائه كي يكتبوا عن مصر، وكان منهم علماء في الطب والهندسة والبناء والآثار والجغرافيا والاجتماع واللغة والتاريخ والتصوير  بل وحتي الشعر والموسيقي واللغات، وساعدهم ما عثروا عليه في دور القاهرة وغيرها من المدن المصرية من وثائق وبرديات نجحوا في فك طلاسمها، ففتحت أمامهم مزيدًا من الأسرار عن تاريخ مصر.
وعند جلاء الحملة عن مصر حملوا ما جمعوه من أبحاث (باستثناء حجر رشيد !) والخرائط. وهناك أمر نابليون أن تجمع هذه المواد وتصنف وتطبع علي نفقة الحكومة الفرنسية، وعهد إلي ثمانية من العلماء الذين شاركوا في إعدادها الإشراف علي وضع الموسوعة وطبعها. وظهر القسم الأول من وصف مصر سنة 1809. واستمر صدور أقسام الطبعة الأولي حتي سنة 1809. وفي خلال صدور أقسام الطبعة الأولي تقرر إصدار الطبعة الثانية بقرار من إمبراطور فرنسا لويس الثامن عشر. وصدرت هذه الطبعة الثانية بين 1821- 1892.
صدرت موسوعة وصف مصر في ثلاثة أقسام: الأول: قسم الآثار الفرعونية القديمة مرتبة من الجنوب إلي الشمال. الثاني: عن الدولة الحديثة والمعاصرة - إلي زمن الحملة الفرنسية - ويشمل وصف مدن الصعيد والوجه البحري والقاهرة والإسكندرية، ومقياس النيل، والفنون والحرف، والموسيقي العربية، والموازين والمكاييل والمقاييس العربية، والزراعة والصناعة والتجارة، والعادات والتقاليد، وتاريخ المماليك، ونظم الحكومة، والخراج والاوقاف، والضرائب، ونظم الجمارك، والصناعات. الثالث: عن طبيعة أرض مصر وطبقاتها ونباتها وحيواناتها وطيورها وأسماكها. وكل ما ورد بالموسوعة موضح بالخرائط والرسومات. وقد اعتمد مؤلفو وصف مصر في وصف الخطط والآثار علي مؤرخي مصر خاصة المقريزي، وغدا كتاب وصف مصر من أنفس الوثائق عن تاريخ مصر وخططها وأحوالها الفكرية والفنية والاجتماعية.
لم يحظ بلد بمثل هذا الاهتمام العلمي الذي لم يترك جانبا دون آن يوليه عنايته. استل سارجا موسي من هذا الصرح الأبحاث التي تخص القبائل العربية التي كانت تقطن صحاري مصر الشرقية والغربية وشبه جزيرة سيناء. ومن بين العلماء الذين أفردوا أبحاثا عن القبائل، التي ضمت إلي »‬وصف مصر» :
- دوبوا آيميه »‬ ١٧٧٩ ــ ١٨٤٦ » -Jean-Marie Joseph Aimé Dubois, dit Dubois-Aymé في بحثه مذكرات عن القبائل العربية في صحراء مصر (خمسون صفحة) Mémoire sur les Tribus Arabes des Déserts de l Egypte
ويقول زهير الشايب عن هذا العالم إنه طالب هندسة. قدم مصر وهو في التاسعة عشرة من عمره. جمعت أعماله بين غزارة المعلومات وعذوبة الأسلوب. ونلمس في كتاباته حبه العظيم لمصر وانبهاره بها.
- جان ماري كوتيل (١٧٤٨-١٨٣٥) Jean-Marie-Joseph »‬outelle  الذي ألف بحثا بعنوان ملاحظات علي طوبوغرافيا شبه جزيرة سيناء، أخلاق، عادات، الصناعة، التجارة وتعداد السكان (سبع واربعون صفحة) Observations sur la topographie de la presqu île du Sinaï, les moeurs, les usages, l industrie, le commerce et la population des habitants.
كان جان ماري كوتيل عالم فيزياء شهير، له ابتكارات في مجال طيران المناطيد. إلا أن كثير من المعدات التي كان العلماء أعدوها لعملهم في مصر -  بما فيها مناطيد كوتيل - فقدت عندما غرقت السفينة التي تقلها. ومن هنا تغيرت مهمته  وأصبح قائد لواء في الحملة وأسندت إليه مهمات علمية من بينها مسح طوبوغرفي لشبه جزيرة سيناء.
- إدم فرانسوا جومار (١٧٧٧-١٨٦٢) Edme -Francois Jomard الذي ألف بحثا بعنوان   ملاحظات عن العرب في مصر الوسطي (خمسون صفحة). Observations sur les arabes de lEgypte moyenne. وهو شخصية علمية بارزة، مهندس وجغرافي وأركيولوجي. قدم إلي مصر ولم يجاوز واحداً وعشرين عاما. وتشهد له دراساته الكثيرة بالدقة وسعة الأفق. ساهم بجهد كبير في نشر وصف مصر. وكانت له مكانة كبيرة عند محمد علي، وسعيد باشا، الذي أنعم عليه بالبكوية. وأثر علي محمد علي  لإرسال بعثات دراسية إلي باريس، فتبني الطلاب وأسس ما عرف بـ »‬المدرسة المصرية الباريسية.
ولا يسعنا أن نغفل أن زهير الشايب، الذي قام بترجمة بعض أجزاء وصف مصر ضم هذه الأبحاث - وغيرها عن العرب والبدو - في المجلد الثاني من ترجمته بعنوان وصف مصر، تأليف علماء الحملة الفرنسية العرب في ريف مصر وصحراواتها(5).
وبادئ ذي بدء لا بد من القول إن موسوعة وصف مصر تختلف عن كتابات الرحالة الذين تعرضنا لهم في الفقرات السابقة. إذ اختار بونابرت عالم الرياضيات الفذ جاسبار مونج Gaspard Monge، الذي سطع نجمه في سماء العلوم، وأوكل إليه اختيار أعضاء البعثة العلمية، حيث قام باختبار كل منهم وتكليفهم بالدرس كل في مجاله.وتفاعل هؤلاء فيما بينهم في إطار المجمع المصري الذي أنشأه بونابرت عند نزوله مصر. فانتظم العمل وأوفي بأهدافه.
وإذا ما نظرنا في الأبحاث الخاصة بالقبائل العربية نري أن الفرنسيين جابوا الأراضي المصرية وتمكنوا  من استكشاف بعض مناطق هذه الصحاري الشاسعة التي تمثل أكثر من ٨٠٪ من المساحة الكلية للقطر.
اختار سارجا موسي ثلاثة أبحاث من  التي تتناول الأعراب في موسوعة وصف مصر. الأول لدوبوا ايمي، والثاني لجان ماري جومار والثالث لإدم فرانسوا جومار.
هناك فروق كبيرة بين تمثل هؤلاء الثلاثة عن الأعراب. إذ نجد اختلافا كبيرا بين  الإعجاب والانبهار عند دوبوا ايميه، والموضوعية عند جان ماري كوتيل، والنظرة السلبية المتهجمة عند إدم-فرانسوا جومار.
١- كان دوبوا ايميه في بحثه مذكرات عن القبائل العربية في صحراء مصر مبهورا بالأعراب يجد فيهم صفات سامية، مثل التمسك بحريتهم، واحتقارهم خضوع آخرين ممن حولهم للسلطة، كما استساغ إحساس التضامن الذي يربط أفراد القبيلة. وكان ينظر إليهم بوصفهم قوما متحدين رغم أسلوب حياتهم في ترحال دائم، كما كان يري أن تمسكهم بعاداتهم وتقاليدهم يساعد علي التواؤم بين الأجيال. فمثلا زيهم لا يتغير في مراحل العمر، بخلاف الأوروبيين الذين كانوا يبدلون أزياءهم في مختلف الأعمار، مما كان يفصل بين الشباب والشيوخ، ويتسبب في تصدع المجتمع.
ونجد عند دوبوا ايميه بعض أصداء نظرية روسو عن الهمجي النبيل، من حيث إنهم أناس لا تكبلهم  قوانين ومحاذير ولوائح تعرقل قدرات الإبداع. لا يخضع الفرد لحكم الأغلبية، إذ إن تقشفه وقلة تطلباته تمكنه أن ينطلق بعيدا ويجد مأوي حيثما استقر.
ومع مرور الزمن توغل دوبوا ايميه أكثر وأكثر في حياة الأعراب حتي إنه في آخر البحث  يرتبط ارتباطا وثيقا بقبيلة الترابين، وتوطدت علاقته بهم ونمت بينهم ثقة متبادلة.فآزروه وساعدوه في رحلته .  وقد أعجب دوبوا ايميه برقصات هؤلاء البدو، التي يقارن بينها وبين المباريات التي كان الفرسان يمارسونها في القرون الوسطي. ويسمي سارجا موسي هذا الرقص باسم »‬ الجريد».
ولكن يبدو لي أن هناك خلطاً بين هذا النوع من الرقص الذي كان يمارسه الأطفال بجريد النخيل وبين التحطيب بالعصي الذي انتشر في صعيد مصر. وهو رقصة من أصل فرعوني. وقد شاهدها دوبوا إيميه عندما أقام شهرين في مرفأ القصير في الصحراء الشرقية، حيث اختلط بقبيلة العبابدة. كما أشاد بفن البدو الشعري، وفنهم القصصي عندما كانوا يتحلقون في الليل لرواية القصص والحكايات .  
لم تبرح هذه الصورة المثالية للبدو مخيلة دوبوا إيميه بعد أن عاد إلي فرنسا. وكان يتأمل الفروق بين حياة البدو في الصحراء، وحياة أغنياء الأوربيين التي كان يراها متخمة بالطراوة والتخنث.
٢- أنتقل الآن إلي بحث جان ماري كوتيل بعنوان ملاحظات علي طوبوغرافيا شبه جزيرة سيناء والأخلاق والعادات والصناعة والتجارة والسكان وتعدادهم. وجاء أيضا بعنوان ثمانية وعشرون يوما في سيناء.
كان عرب الطور يستخرجون الفحم من مناجم سيناء ويحملونه في قوافل كبيرة إلي السويس ثم إلي القاهرة. وأثناء الحملة الفرنسية اتفق قائد القاهرة العام أن تصطحب القافلة عند عودتها إلي الطور - محملة باحتياجات القبيلة من مؤن وسلع - اثنين من الضباط الفرنسيين، هما جان ماري كوتيل وفرانسوا ميشيل دو روزيير (١٧٧٥-١٨٤٢) Francois Michel de کozière الذي كان مهندسا ضليعا في التعدين. وكان القائد العام قد سبق له التعامل مع شيوخ القبيلة ووعدهم بمكافآت سخية مقابل وفائهم وخدماتهم، وطلب إليهم تقديم بعض الرهائن ففعلوا دون مشقة.
كانت القافلة مكونة من سبعمائة من الأعراب، رجالا وأطفالا ونساء، من قبيلة الطور، وألف وسبعمائة جمل. وصاحب الفرنسيين مترجمان أحدهما مصري والآخر رومي. ولم يصحب الفرنسيون حراسا إذ شعر كوتيل أن مثل هذا التصرف سيودي بثقة الأعراب فيهما. يقول كوتيل:
»‬بدا لي أن الثقة التامة هي الوسيلة الوحيدة للنجاح مع الأعراب. لذلك لم اشترط عليهم سوي شرط واحد هو أن نظل نرتدي ملابسنا الفرنسية، ذلك أن ارتداء ملابس لم نكن معتادين عليها لن يكون مريحا بالنسبة لنا، كما أن هذا التخفي (بارتداء زي الأعراب) قد يستثير شكوك  العرب دون أن يزيد من درجة أمننا.»
نجح كوتيل خلال هذه الرحلة أن يوطد العلاقة بينه وبين الأعراب فسارت الرحلة بسلام ووئام.
وبالرغم من العداوات التي كانت تعكر العلاقات بين القبائل العربية (مثل عداوة أعراب الطور وقبيلة مزينة) لم يسبب قلقا أو ضيقا للفرنسيين، سوي أن شيخ مزينة لم يدع الضباط إلي تناول القهوة، وسأل أعرابي أحد المترجمين  للنهب والسلب أثناء مسيرتها. وقد تعرضت قافلة عرب الطور إلي نهب بعض بضائعها، ويشك كوتيل بأن قبيلة مزينة هي التي قامت بالسطو.
ولكن كانت ضيافة الأعراب للفرنسيين عامة غاية في الحفاوة والإكرام . ولم تستحِ النساء منهم أو تختبئن عند لقائهم، بل كن يقمن بإعداد الطعام.
ولقي الفرنسيان ودا وحفاوة ممن لقوهم من الأعراب.
هطلت الأمطار، ولم تكن سقطت منذ عام، وكانت القطعان تعاني، ومصادر المياه تتناقص.... فعندما رآنا العرب نازلين من الجبل، جعلوا يهتفون ويهللون: ما شاء الله! ما شاء الله! عظيم غفار! لقد صليتم من أجلنا فوق جبل سيناء! لقد ساعدتم علي هطول الأمطار، وهي أثمن لدينا من الذهب. كانوا يقبلون أكمامنا وهم يرددون يا أيها الفرنسيون الطيبون.
وفي طريق العودة مرت قافلة الفرنسيين علي وادي فيران، موطن قبيلة القرارشة، وهي أكبر القبائل عددا وشيخها مقدم علي المشايخ، ويحمل لقب الشيخ الكبير، فأحسنت القرارشة استقبالهم. كما وجدوا أنفسهم بعد أيام وسط قبيلة العليقات فهرع إليهم شيخها واستضافهم في خيمته.
ويصف كوتيل عرب الطور، ويسمون الطورة، يقول إن حياة الصحراء منحتهم روحا من الحرية. ورغم أنهم مسلحون وأن هناك بعض حوادث الانتقام بين القبائل الأعداء، وبعض عمليات السلب، إلا أنه يقول إنهم شعروا بالأمان طوال الرحلة:
في خلال الواحد والأربعين يوما التي أمضيناها مع عرب الطور لم نستشعر من جانبهم أي نوع من القلق أو نتوجس منهم خيفة. كانت خيامنا دائما مفتوحة، بل كثيرا ما كنا نغادرها ونتركها مفتوحة.
يذكر كوتيل بعض أحداث السلب. فقد شاهد في مرفأ الطور بقايا سفينة جانحة، كانت آتية من ينبع ودخلت الميناء لتتزود بالمياه، إلا أن مرشد الطور صدمها عمدا بالصخور. ثم نهبت بعد ذلك. وقبل مجيء الفرنسيين بخمسة عشر عاما نهبت قبيلة القرارشة إحدي السفن، فحرم عليهم المماليك دخول القاهرة.
ليست هذه النبذات التي توقفت عندها عن نوع العلاقة التي كانت تربط الأعراب ورفقائهم الفرنسيين هي لب موضوع بحث كوتيل، بل كان هدفه الأساسي وصف طوبوغرافيا شبه جزيرة سيناء. وكان لهذا الوصف قيمة عظيمة في التعرف علي طبيعة الجبال والوديان والنباتات التي تنمو في الصحراء، وما يقطنها من حيوانات. كما تعرف الفرنسيون علي بعض الحفريات والنقوش التي حفرها السكان الأقدمون، والحجاج إلي دير سانت كاترين. كما وصف الدير وصفا مفصلا.
وينهي كوتيل بحثه بوصف مفصل لعادات وتقاليد عرب الطور وطرق الملبس والأثاث والطعام والرقص والدين والتجارة. وفي النهاية قدم جدولا مفصلا بأسماء القبائل وأعداد السكان.
وينظر كوتيل إلي الأعراب نظرة إنسانية شاملة، بمعني أن الإنسان هو الإنسان في كل مكان، بحسناته وسيئاته، مع بعض الاختلافات التي تفرضها ظروف المعيشة. غير أن التشابهات تغلب الاختلافات في النهاية. يقول مثلا وهو يصف تجمع القبيلة حول النار في نهاية النهار:
»‬...يجلس الناس من حول النار، ويتناولون القهوة ... وتمتد المناقشات في كثير من الأحيان لساعات طويلة... وإذا كان ثمة راو للحكايات فإنهم يصغون إليه بانتباه ... ولقد كنت أجلس علي مسافة قصيرة من هذه الجماعات متخيلا أنني أنصت إلي تجمع من أبناء ريفنا...» :
ومن هذا النص لا يشعر كوتيل بالغربة في وسط تجمعات أعراب الطور فهم مثل الريفيين الفرنسيين الذين يتجمعون في نهاية النهار لتبادل المحادثات والأسمار.
٣- -إدم-فرانسوا جومار »‬ملاحظات عن العرب في مصر الوسطي»
ينقسم إلي فصلين، الأول عن العرب المزارعين، والثاني عن العرب البدو الرحل الذين هم في نفس الوقت محاربون ورعاة.
يتناول الفصل الأول الأعراب المزارعين المستقرين في قري ويسكنون الخيام.
بدأ جومار بحثه بالأعراب الذين استقروا في مصر منذ زمن بعيد ويقول إنهم أتوا من أسيا.
نجد في خطاب جومار توجها جوهريا: essentialiste إذ يقرر أن العرب المزارعين يختلفون عن الفلاحين. هم جنس مختلف: سواء في الملامح الجسدية، حيث احتفظوا بخطوط الوجه العربي، خاصة العينين الصغيرتين اللامعتين التي تميزهم؛ أو أخلاقيا؛ فقد احتفظوا فوق كل شيء بروح الجشع والضراوة والشجار والمماحكة. والكذب عادة متأصلة فيهم، خاصة في علاقتهم بالفلاحين أو الأوربيين.
يؤاخذ البعض أول عربي يلقونه علي شر ارتكبه عربي آخر. فكل راكب حصان، يرتدي الزي الأبيض ويتسلح ببندقية هو في نظر الفلاحين قاطع طريق..
ويعلق جومار قائلا: وهم في ذلك ليسوا مخطئين علي الإطلاق.
يستولي الأعراب علي أراضي الفلاحين بأي ذريعة. وإذا فشلت الذرائع يلجأون إلي السلاح. وتقوم المشاجرات وتسفك الدماء. يمتلك العرب جزر النيل، وهي أخصب الأراضي، اعتمادا علي السلب والعنف.
ويري جومار أن العرب يسيطرون علي الأراضي دون وجه حق، ويمثلون خطرا علي الدولة نفسها ما لم تضع حدا لهجماتهم الشرسة. كما يشكو من السلب والنهب الذي تعرض له الجيش الفرنسي في الصعيد. إذ كان الأعراب ينتزعون الحقائب والبنادق من تحت رءوس الجنود، كما كانوا يسرقون السيوف من جانب حقائب الضباط.
قبل قرن من الحملة الفرنسية وفدت إلي مصر بعض القبائل العربية من شمال افريقيا، من بينها: بني وافي، وأبو كرايم، ومحارب، والطحيوي. وكان هؤلاء يسكنون الخيام، رغم أنهم لم يكونوا رحلا. وكانوا ينصبون خيامهم فوق أراض يستأجرونها ويدفعون عنها الضرائب.  وكثرت المشاحنات والحروب بين هؤلاء الفرقاء. ويقول جومار إنه شاهد كثيرا من المعارك الدامية ورأي فيهم شجاعة حقة، أو بالأحري سلوكا مليئا بالشراسة والبغض والأحقاد.
يمكن القول بأن الفلاحين يقرون بسيادتهم عليهم. وكانو يسيطرون علي الأسواق، يبيعون ويشترون كما يحلو لهم، ويتميزون بدهاء شديد لا يمكن مقارنته إلا بجسارتهم.
واقتسمت القبائل الأراضي فيما بينها، ولا يسمح لفرد من قبيلة بالمرور في أرض قبيلة أخري. ويقدم هنا جومار مسحا بالأراضي التي تقع تحت سيطرة كل قبيلة.
الفصل الثاني من البحث يتناول الأعراب المحاربين أو الرحل الرعاة. وكان هؤلاء يضربون خيامهم في أعماق الصحراء أو علي مشارف مصر، وهم في حرب مع الحكومة أحيانا، وفي سلم أحيانا أخري. ولم يستطع جومار معرفة أسماء هذه القبائل غير أن أشهرها وأكثرها عددا هم أولاد علي. ولا يختلف هؤلاء عن غيرهم من العرب في ممارسة أعمال السلب والعنف، إلا أنهم لا يمارسون تلك الأعمال قرب مخيماتهم، مما يجنبهم العقاب .
ويري جومار ضرورة التخلص من هذه القبائل دائمة التمرد والرغبة في الإثراء علي حساب الآخرين.  ويقتضي الأمر أن تُمنع وتُستبعد عادات وطباع الخيام، إذ إن هؤلاء الأعراب يهددون بغزو غير منظور لكل الأراضي، بل والسيطرة علي البلاد. ولاحظ أن أولي غرائزهم النهب للمال والفضة، يبتسمون لمجرد رؤية عملة من الذهب، فقلب البدوي صخرة لا يلينها سوي الذهب.  
 ومن الأمور المخزية أن شيوخ القري يتسترون علي الأعراب ويحمون مصالحهم، وفي نفس الوقت يتملقون الجنود الفرنسيين.
يري جومار أن رسالة الحملة الفرنسية كانت  تحرير مصر من سطوة المماليك وأيضا من تسلط الأعراب.
سبق أن اطلع جومار علي ما كتبه من سبقوه من الرحالة، خاصة كونستانتان فرنسوا دو شاسبوف كونت دو فولنيه (١٧٥٧-١٨٢٠). وشعر أن الصورة السلبية التي قدمها للبدو في بحثه تتناقض ما جاء به دو فولنيه  ولذا أضاف في نهاية بحثه فقرة ميز فيها بين أعراب مصر وأعراب الجزيرة العربية الذين كانت تقاليدهم أكثر ليونة، يكرمون الضيف ويصدقون في ارتباطاتهم. ويرد خصال أعراب مصر إلي ثراء البلاد الذي أثار في نفوسهم الجشع والنهم والبخل، وهي أمهات صفات الغدر والخيانة. بالإضافة إلي تأثير المصريين والمماليك الذي أضاف إلي عيوبهم، وغير تقاليدهم الأبوية البسيطة.
يظهر تحليل أبحاث دوبوا ايميه وكوتيل وجومار المواقف المتعارضة تجاه البدو فلا نجد خطابا متناغما، متماسكا، فمن جهة نجد مساوئ النهب والسرقة والخيانة ومن جهة أخري نجد إكرام الضيف والوفاء بالوعد.

أسطورة البدو في مرآة قس ماروني دون رفائيل دي موناكيس، رافائيل زخورة

أنطون زخّورة (1759 - 1831 م) المعروف أيضا بـ القَسّ رافاييل والأب رافاييل وروفائيل زخورة ورافائيل أنطوان زخور وروفائيل دي موناكيس ورفائيل القبطي هو من أصل شامي ولد في مصر، درس اللاهوت في روما ثم عاد إلي مصر والتحق بالفرنسيين أثناء حملتهم علي مصر (1798 - 1801 م).
رحل روفائيل دي موناكيس (كما عرف في الغرب) مع الفرنسيين حين ارتحلوا في أغسطس 1801 م. وفي 1803 م أصدر نابليون أمرا بإنشاء كرسيّ ثانٍ للغة العربية في مدرسة اللغات الشرقية في باريس، وتعيينه في هذا الكرسي. وكان الكرسي الأول يشغله سلفستر دي ساسي لتدريس العربية الفصحي. فاختص الكرسي الثاني لتدريس العامية المصرية. وكان زخورة الشرقي الوحيد في المجمع العلمي الذي أنشأه نابليون في القاهرة.
وعندما انهارت أمبراطورية نابليون عاد زخورة إلي مصر واتصل بمحمد علي الكبير فجعله ناظراً لمطبعة (بولاق) ثم اختير للترجمة في مدرسة الطب. وتوفي بالقاهرة(١٨٠١) له (قاموس طلياني عربي) ومما ترجم عن الفرنسية ( فن الصباغة) في صباغة الحرير، لماكير Macquer و (تنبيه فيما يخص داء الجدري) لديجانيت Desgenettes. وعن الايطالية (الأمير في علم التاريخ والسياسة والتدبير) لمكيافيلي Machiavelli، الذي ترجمه بأمر محمد علي.
ترك دي موناكيس مجموعة من الملاحظات عن البدو في مصر و سوريا مع شخص يسمي ف.ج. مايو F.J.Mayeux هذا الشخص غير معروف ولكن سارجا موسي يرجح أنه أحد تلاميذ دي موناكيس الذين درسوا معه في مدرسة اللغات الشرقية. فأخذ مايو علي عاتقه نشر هذه الملاحظات وعلق عليها في بعض الهوامش. وصدر الكتاب في جزأين سنة ١٨١٦، تحت عنوان »‬منشورة لدون رافائيل حول خصال وعادات وقوانين وعادات هؤلاء الشعوب المدنية الدينية». (6)
لم يقدم سارجا موسي الجزء الأول من الكتاب الذي كان يتعرض لأوصاف القبائل في مصر وسوريا: أسمائهم، مواطنهم، قواتهم، أنشطتهم والصفات التي تتميز بها كل قبيلة. واكتُفي بتقديم الجزء الثاني الذي يعالج عادات وتقاليد القبائل، قوانينهم، معتقداتهم و ممارساتهم الدينية. وفي هذا المجلد ترك دي موناكيس التمييز بين القبائل وجعل الصفات التي يتميز بها بدوي واحدة تنطبق علي جل هذا الشعب.
فيبدأ الكتاب  بتأكيد معالم  العربي »‬ Arabe »، الرذائل ويبدو دائما في تناقض مع نفسه، فترونه بخيلا بخلا ذميما كما يمكن أن يُظهر سخاء لا حدود له. كثيرا ما تبدو عليه صفات إنسانية راقية كما يقوم في بعض الأحيان بأعمال غاية في البشاعة. قد يبدي إكراما للضيف  ولكنه لا يتريث في تجريده من كل ما يملك. إنه حقود ومتسامح؛ ذو أمانة بلا غبار مع ذويه، أما مع الغرباء فلا يعرف الشهامة ولا الرقة ولا الصدق؛ إنه شجاع ولكنه لا يتورع عن الانسحاب من المعركة، وباستمرار يقف الكسل حائلا أمام انطلاقه في الأعمال؛ لم يوجد إنسان أكثر ورعا في دينه ولا أصدق في الوفاء بالوعد،  كما لم يتدنس لسان بمثل هذا النوع من حنث الوعد.  
يتميز هذا الوصف للعربي الواحد تنطبق علي كل الجماعة والتعميم هو الأسلوب المختار للخطاب وتبدو الصورة مذبذبة ولكن يأتي بعد ذلك في الفصول التالية من الكتاب قصصا يستخدمها دي موناكيس إثباتا لما قدمه في التعريف الأول. فالبدو في هذه القصص غدارون، لصوص، قتلة، لا يرحمون . ويقدم دي موناكيس سلوك  البدو عندما يتولون قيادة القوافل في اجتياز الصحراء سواء كانت هذه القوافل لنقل البضائع أو للحج. وكانت رحلات الحج تنطلق من دمشق أو القاهرة و يقوم مجموعة من البدو بتزويد الحجيج بالجمال ومرشدين يصاحبونهم في رحلتهم. ولكن تأتي الأخبار التي يوردها دي موناكيس عن مصاحبة البدو للقوافل مليئة بالشر والغدر واللصوصية. فكانوا يحملون ما يكفيهم من الماء عندما تنفد حصيلة الماء كانوا يتركون الحجيج دون سقاية ويتلصصون أثناء الليل إلي الآبار المختبئة وسط الرمال ويتركون باقي القافلة تهلك في قيظ الصحراء.
ويبدو أن دي موناكيس كان  متصلا بالقاهريين ويستقي منهم القصص والأخبار فمثلا سمع عن ابن تاجر من كبار تجار القاهرة اسمه محمود محرم (وهو من بني قصر المسافرخانة) وكان فاحش الثراء، سمع دي موناكيس خبر الحج الذي قام بأدائه محمود محرم. وبما أنه كان تاجرا مشهورا فأعد قافلة خاصة به تشمل البضائع التي حملها معه للحجاز للاتجار بها كما صاحبه خدمه وحشمه وزوجاته وابنه الوحيد أحمد. ولكن سرعان ما نفدت المؤن وشح الماء بدأ البشر يتهالكون والركائب تنفق، وكان البدو يتربصون بالقافلة للاستيلاء علي ما تحمل من نفائس فتركوا محمود محرم ومن معه يهلكون في قيظ الصحراء ولكن ابنه الوحيد أحمد ووالدته استطاعا أن يلحقا بقافلة الحجيج الذين أغاثوهما من الهلاك. وقال أحمد بن محمود محرم  لدون روفائيل إنه فقد والده كما فقد  ثلاثة أرباع ثروته في هذه الرحلة المشئومة.
يقول سارجا موسي أن دي موناكيس استلهم هذه القصص عن البدو اللصوص الهباشين من الحكايات التي انتشرت في الماضي  في القرون الوسطي وعصر النهضة.
أما بالنسبة للدين فإنه ينظر إليهم علي أنهم في تناقض مع تعاليم التوراة التي تحث علي  الأمانة وتجرم السرقة. ولكنهم ليسوا بمسلمين إذ لا يفقهون عنه شيئاً سوي الشهادة والختان، فإنه ينظر إليهم علي أنهم ملحدون خطرون وكائنات لا أخلاقية وشريرة، كما يشهد سلوكهم علي أنهم لا يحترمون قواعد الحياة الاجتماعية  ولا يمتثلون لأعرافها.
ومن الغريب أن النصف الثاني من الكتاب يقدم صورة مناقضة تماما لما جاء في النصف الأول. فبينما يصف البدو في الجزء الأول بكل صفات الشر والغدر والخداع، نجده في الجزء الثاني يتغني بصفاتهم المثالية، التي تملأ كتب رحالة آخرين، وبعض أعضاء الحملة الفرنسية، مثل دوبوا ايميه. الذي يتكلم عن كرم العرب. ويستشهد دي موناكيس علي كرم العرب! بقصة عن كيف أغدق البرامكة علي بدوي معوز فقد كل ما يملك. غير أن هذا الاستشهاد لا يثبت ما يستهدفه، إذ إن البرامكة ليسوا عربا ولا ينتمون إلي القبائل البدوية، بل فرس، يعود أصلهم  إلي مدينة بلخ الفارسية. كانوا مجوسا ثم دخلوا الاسلام، وينتسبون لجدهم الأكبر برمك، الذي كَانَ سادنًا في أحد معابد المجوس ويسمي معبد النوبهار، أحد المعابد الأشهر في مدينة بلخ. ويخيل إلي أن القصة مستلهمة من ألف ليلة وليلة، أو غيرها من القصص الشعبي، الذي نجد فيه بعض الحكايات عن البرامكة. ومما يرجح ذلك أن الاسم الفرنسي الذي يستشهد به دي موناكيس عن البرامكة، هو Barmecide، وهو الإسم الذي يشار إليهم به في ترجمات ألف ليلة وليلة، بينما تشير إليهم كتب التاريخ باسم Barmaki. هذا بالإضافة إلي أن الحكاية محورة.
يعي دي موناكيس التناقض الذي يظهر في هذا الجزء من الكتاب ويقول إننا لابد ألا ننسي  المساوئ التي ذكرها في صدر الكتاب. فهؤلاء الناس هم خليط من الخير والشر في آن واحد! فمن المحاسن العفة التي تعلو علي كل القيم فمن أبشع الخطايا عندهم الزنا الذي يعاقب بالموت. وقد استلهم دي موناكيس قصص  الحب الزاني من كتاب الفارس دافيريو ومن التراث الشعبي العربي، والكتب الكثيرة عن الحب والمحبين.
ومن العادات التي يتناولها دي موناكيس عند البدو الأخذ بالثأر ولابد لمن يسفك الدم أن يقتل. وإذا كان يري أن هذا تقليد من التقاليد القاسية فإنها لا تختلف عما نشهد في الغرب من المدافعة عن الشرف لمجرد هفوة أو زلة تؤدي إلي سفك الدم في المبارزات.
ويشيد دي موناكيس بسماحة البدو وشهامتهم، فمجرد أن يطلب الجاني الغفران، يستسلم البدو للمطلب. ويورد بعض الأخبار التي سمعها من أصحابها عما شهدوه من أعمال الصفح والغفران التي كان بعض البدو يغفرونها لمن اقترف إثما أو خطأ، طالما استغاث ووضع نفسه تحت رحمة من أساء إليه.
أما عن شجاعة البدو وصفات الفروسية عندهم من إقدام وبسالة في مواجهة الموت فيسرد عددا من الأخبار لا يذكر مصادرها. ويضيف إلي هذه الصفات لباقة القص، والقدرة علي إجادة الحساب وامتلاك ذاكرة مذهلة والقدرة علي ارتجال الشعر، وهذه الصفات تشمل الرجال والنساء علي السواء.
كما يُبدي إعجابه بلياقة البدو البدنية واستغنائهم عن الأطباء والطب بصفة عامة. إذ لا يصابون بالأمراض المعروفة في الغرب، ويعالجون أنفسهم بالأعشاب المنتشرة في الصحراء، بل يلجأ إليهم سكان المدن عندما تستعصي الحالة ولا يجدون عونا ولا علاجا عند الأطباء.
ويقول سارجا موسي إن صورة البدو عند دي موناكيس ذات شقين، شق انتقادي ينتمي إلي النظرة النمطية عن الشعوب الهمجية أو البربرية، نوع من التجريد السلبي لنفي الحضارة الحقيقية. ويتساءل هل يمكن أن نصفه بأنه يتبني النظرة الاستشراقية نحو الآخر- خاصة العربي المسلم -  كما عّرفها إدوارد سعيد؟ هل نجد عند بعض الشرقيين نفس الموقف الاستعلائي والتسلطي نحو الآخر الذي نجده عند الغربيين؟
إلا أننا نستبعد ذلك لأننا نجد عنده الشق الآخر من الصورة الإيجابي المثالي الذي يجاوز شكلا من أشكال استهواء الغرابة السطحي واعلاء النزعة الاستعمارية بل يهدف إلي نقد الحضارة الغربية عن طريق الاستشهاد بالضد.
كيف يمكن شرح هذا الازدواج عند دي موناكيس؟ ربما يأتي هذا التناقض من أن الكتاب ليس من صياغته هو نفسه بل من مذكرات متفرقة جمعها علي مر الأيام وألف بينها مايو Mayeux، ومن جانب آخر ربما يكون هذا التناقض آتيا من طبيعة هوية دي موناكيس نفسه الشرقي الماروني الذي تعلم في إيطاليا وعاشر الفرنسيين أثناء إقامتهم في مصر  وصاحبهم عند عودتهم إلي فرنسا.
وفي نهاية هذا الحديث عن دون رفائيل دي موناكيس، أو رفائيل زخورة، يجب ألا ننسي أنه لم يعش هو نفسه مع البدو وإنما جمع معلوماته من الكتب - كتب التاريخ والحديث والجغرافيا. كما كان علي علاقة بالمستشرق الفرنسي سيلفستر دي ساسي (١٧٥٨- ١٨٣٨) Sylvestre de Sacy الذي زامله في تدريس العربية في مدرسة اللغات الشرقية في باريس، وقد وجدنا في كتاب دي موناكيس استشهادات من كتاب  عبد اللطيف يوسف البغدادي الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة في أرض مصر الذي ترجمه دي ساسي مع كثير من الشروح.  كما أن القصص الشعبي عن البدو مليء بالغث والسمين، بالخير والشر، ولا شك الحكايات التي كان يسمعها دي موناكيس من مواطنيه كان فيها الذم والمدح، وربما لم يغربل كل هذه المادة وظل مذبذبا. وإلي جانب آخر فإن كل مجتمع بشري يضم ألوان من الإحسان والقسوة، من الكرم والبخل، ومن الطيبة والغلظة... حتي الفرد الواحد قد تجتمع فيه هذه التناقضات.

ج. ل. بوركهاردت (١٧٨٤-١٨١٧) إثنوجرافي
سويسري في الصحراء

يقول سارجا موسي في هذا الفصل من كتابه إن بوركهاردت من أهم وألمع الغربيين الذين جابوا الصحاري الشرقية. كان موهوبا واستطاع أن يمتلك ناصية اللغة العربية - حديثا وقراءة وكتابة.  فتمكن من الاطلاع علي المصادر العربية في أصولها وجمع مخطوطات قيمة، كما تبحر في علوم شتي مثل الطب وعلم الفلك. ولذلك أصبحت كتبه عن رحلاته في الشرق مرجعا أساسيا لمن ارتحل بعده. وقد توفي بوركهاردت في سن مبكرة، إذ لم يجاوز الرابعة والثلاثين. ولم تنشر أعماله أثناء حياته ولكن تولت  الجمعية الأفريقية مهمة نشرها بعد وفاته، وهي:
١٨١٩ رحلات إلي النوبة
١٨٢٢ رحلات في سوريا وإلي الأراضي المقدسة
١٨٢٩ رحلات في الجزيرة العربية
١٨٣٠ الأمثال العربية أو عادات وتقاليد المصريين المحدثين
١٨٣١ ملاحظات عن البدو والوهابيين.
ترجمت هذه الأعمال إلي اللغة الفرنسية فور صدورها لأهميتها، ولشغف الفرنسيين بالشرق والصحراء بصفة خاصة.
ولد بوركهاردت Johan Ludwig Burkhardt  سنة ١٧٨٤في لوزان بسويسرا. وبعد دراسته في جامعتي لايبزيج وجوتنجن، سافر إلي إنجلترا في صيف عام 1806 بهدف الحصول علي عمل في الخدمة المدنية. ولكنه لم يوفق، فتولي العمل مع الجمعية الأفريقية بهدف حل بعض المشاكل في مسار نهر النيجر. ودعت البعثة إلي رحلة برية من القاهرة إلي تمبكتو، فحضر  للتحضير للرحلة جامعة كامبريدج ودرس اللغة العربية والعلوم والطب.
في هذا الوقت بدأ أيضا في تبني الزي العربي. وفي عام 1809 غادر إنجلترا وسافر إلي حلب، سوريا للانغماس في العادات العربية والإسلامية.
تبني بمجرد دخوله إلي سوريا، كنية الشيخ إبراهيم بن عبد الله لإخفاء هويته الأوروبية الحقيقية. وأثناء وجوده في سوريا، قام بالتحقيق في اللغات المحلية والمواقع الأثرية، وأصبح أول مكتشف للهيروغليفية الحدثية أو الهيروغليفية اللوفيانية. ولكنه عاني من نكسات خلال فترة وجوده في سوريا بعد أن سرقت ممتلكاته أكثر من مرة من بعض من كان استخدمهم لخدمته وحمايته. بعد أكثر من عامين من العيش والدراسة كمسلم في حلب، شعر أنه يمكن أن يسافر بأمان ولا يتم استجوابه عن هويته. قام بثلاث رحلات في منطقة سوريا ولبنان وفلسطين وشرق الأردن. يسافر مع العرب الفقراء، وينام علي الأرض و يشارك الطعام مع شداة الإبل. غادر حلب في أوائل عام 1812 وتوجه جنوبا عبر دمشق وعجلون وعمان. في الكرك، وتعرض لكثير من الصعاب والنهب والسلب ولكنه لم ييأس واستمر في رحلته.
يركز سارجا موسي في فصله عن بوركهاردت علي الكتاب الأخير وهو ملاحظات عن البدو والوهابيين. وهو مؤلف ضخم يزيد علي اربعمائة وسبعين صفحة.
وينقسم هذا المجلد الأخير حسب ترتيب المؤلف نفسه، إلي جزأين، يوضح أحدهما الآخر؛ ومع ذلك، يشكل كل منهما في حد ذاته عملا متميزا ومستقلا؛ الجزء الأول وصفي (مائتان وسبعون صفحة)، والثاني تاريخي (مائة وستون صفحة). في الجزء الأول نجد تعداد القبائل البدوية، وبيانا لمختلف المؤسسات المحلية، والأرقام، والقوة العسكرية، والعادات، والأدب، والفنون والعلوم، واللباس، والأسلحة، والعديد من التفاصيل الأخري ذات الصلة بالسياق العام للحياة البدوية،
جمع بوركهاردت في الجزء الثاني من هذا المجلد المعلومات الأساسية، مكتوبة أو شفوية، عن تاريخ الوهابية في الجزيرة العربية. وتناول مختلف الموضوعات بأصالة وكثير من الدقة والتحقيق، خاصة عند تقديمه تاريخ الوهابية، التي أظهرت منذ البداية غلوا في تطبيق الشريعة؛ وأظهرت تطرفا في دعاواها إلي الإصلاح، بالإضافة إلي حروب مع غيرهم من العرب والأتراك.
ويقول محقق الكتاب وليم أوسيلي William Ouseley إن بوركهاردت اتبع فلسفة المؤرخ جيبون Gibbon، عندما قال عن العرب في كتابه تاريخ الإمبراطورية الرومانية:
كان من المتعثر أن يعيش مثل هؤلاء القناصة في هذه الغبراء القحطاء، فتحولوا إلي حياة »‬الرعوية» الأكثر أمانا ولينا؛ وقد نتعرف في صورة البدو المحدثين علي ملامح من أسلافهم الذين كانوا يسكنون خياما مماثلة في عصر موسي ومحمد، ويقودون خيلهم وإبلهم وأغنامهم إلي نفس المراعي وعيون الماء(7).
كان بوركهاردت يبحث في الصحراء عن البدو الأقحاح الذين تمسكوا بالتقاليد والعادات القديمة واستمروا علي نفس نهج الحياة. ويقول في كتابه إن الذين سبقوه كانوا يطلقون تسمية البدو علي كثير من الجماعات التي لم تكن كذلك. أما هو فلقي بغيته في قبيلة عنِزة Aeneze أقوي  القبائل العربية في محيط سوريا، وإذا أضفنا إليهم بطونهم من نجد، يصبحون أضخم تجمع بدوي في الصحاري العربية.
اقتصر كلام بوركهاردت علي قبيلة عنزة الشماليين. ومن بطونها أولاد علي، الحمامدة، المشطة، والدمجان، الطلوح، المصاليخ، الحسنة، والرول. وبعد استعراض بعض بطون عنزة، يذكر أسماء غيرهم من القبائل التي تقطن الصحراء السورية.
وعندما ينتقل إلي الحديث عن الأوصاف التي تميز البدو، يؤكد أن هذه الأوصاف لا تنطبق سوي علي بدو عنزة، هؤلاء هم البدو الأقحاح الوحيدون في سوريا. أما غيرهم من القبائل العربية في هذا البلد، فقد تدهورت عاداتهم، وانصاع الكثير منهم إلي العبودية، في حين بقي بدو عنزة أحرارا ما زالوا يلتزمون نفس القوانين التي كانت تحكم الصحراء في الأيام الأولي لعصر الرسول.
واشتهر بوركهاردت باكتشافه مدينة البتراء التي لم تكن معروفة قبله، بل كانت في طي النسيان تحت أكوام الرمال. كما شارك الإيطالي جيوفاني بلزوني Giovanii Belzoni في اكتشاف معبد أبو سمبل.
أطلق سارجا موسي مصطلح اثنوجرافي علي بوركهاردت دون غيره من الرحالة. تعمل الاثنوجرافيا علي تسجيل المادة الثقافية من الميدان، أي تقوم بوصف أوجه النشاط الثقافي البشري، ولا تسعي إلي التقييم، إنما إلي تقديم صورة واقعية تقريرية لمجتمع ما إبان فترة زمنية معينة.
وهذا ما فعله بوركهاردت بالنسبة للبدو الذين كتب عنهم مذكراته. إذ لم يترك جانبا من حياتهم دون التعرض له. حاول فهم  العادات وتقاليد الإطار الحياتي للقبائل البدوية. وتميز وصفه بالواقعية والدقة، ويعرف كل مصطلحات حياتهم. من مكونات الخيمة - التي كانوا يسمونها البيت - وأثاثها، وأدوات الطهي المتعددة. كما تحدث عن الملبس والمأكل، والفنون والصناعات، والعلوم والموسيقي والشعر، والاحتفالات، الأفراح، وأساليب الضيافة والكرم، والأمراض والأدواء، والزواج والطلاق، والإدارة وطرق التحكيم، والثأر. واستكنه بوركهاردت أعماق التقاليد والعادات البدوية، ما لم يتوصل إليه من سبقوه. بل ربما يمكن القول إن كتابه يعتبر مرجعا لحياة البدو منذ أكثر من مائتي عام. فقد استخلص البنية العميقة لهذا المجتمع، وحاول تفسير وتفهم قيمهم وعوائدهم. فمثلا لم ينظر إلي الثأر علي أنه عادة دموية تؤدي لسفك الدماء، بل علي أنه أسلوب بديل يؤدي إلي اجتناب الحروب التي تنشأ لمثل ذلك في غيره من المجتمعات.
يعتمد بوركهاردت في ملاحظاته علي مشاهداته وخبرته الشخصية ومعرفته باللغة العربية، ومعاشرته للقبائل التي يتحدث عنها. فيتحدث مثلا عن العقيد وهو الفارس الذي يقود المعارك، وهو دور يتوارث ويتفاءل بهم البدو.  إذا قل عدد الفرسان في قبيلة من القبائل تتجمع تحت رئاسة عقيد واحد.
ويشيد بوكهاردت بفصاحة »‬البدو» ويؤكد أن أفضل عربية هي لغة الصحراء، ويختلف البدو عن غيرهم من العرب في نقاء لغتهم. وقد تعود هذه المهارة اللغوية إلي حفظهم الشعر.
تعمق بوركهاردت في فهم تقاليد المجتمع القبلي وهو مجتمع مقنن تقنينا صارما. وتحدث طويلا عن تقليد »‬الدخيل».
الدخيل هو أحد أفراد القبيلة، أو الغرباء، طلب من كبير القوم أو شيخهم العون والحماية، إذا لم يستطع الحصول علي حقه ممن ظلمه، فيدخل خيمة شخص أقوي من ظالمه، ويلتجئ إليه قائلا »‬أنا دخيلك» للحصول علي حقه أن كان مظلوماً، أو ليكون في أمان أن كان يخشي سوءا من آخر. ولا يمكن أن يطلب أحدهم حق الدخيل ولا يجاب طلبه بإعطائه الحماية الفعالة حتي ولو كان عدوه. »‬هذا لخيرك وحقك إن شاء الله» أي يعده بالضيافة وتحقيق العدل. وليس من الضروري أن يكون ضيفاً، وإن كان يعامل معاملة الضيف. وتجدر ملاحظة أن الدخيل قد لا يكون فرداً، وإنما قد يكون الدخلاء جماعة مظلومة.
ويشير بوركهاردت إلي أن هذا التقليد ينطبق حتي علي اللصوص. فإذا أحس به أهل البيت وقبضوا عليه وقيدوه، يصبح في عرفهم »‬ربيطا» - والفرد الذي قبض عليه »‬رابط». فإذا وضع الربيط نفسه تحت رحمة القبيلة، تحول وضعه من »‬ربيط» إلي »‬دخيل». ويكفي أن يلمس الدخيل من أساء إليه - أو يرميه بحجر! - ويقول »‬أنا دخيلك»، ليصبح آمنا، والثاني ملزم بالدفاع والصفح عنه.
لم يكتف بوركهاردت بالكلام عن قبيلة عنزة، بل أضاف تصنيفا  لبعض القبائل التي صادفها في ترحاله مثل العزايزة في مصر؛ والهتيم، وبني شمّر، وبني حرب في الجزيرة العربية وغيرها، مع ذكر مواطنها وشهرتها وبعض عاداتها وتقاليدها.
أما الجزء الثاني من كتاب الملاحظات فهو تاريخي، تحدث عن الدولة السعودية الأولي ونشأة الوهابية التي دعا إليها محمد بن عبد الوهاب، وتبناها محمد بن سعود بن محمد بن مقرن؛ الذي تزوج ابنة محمد عبد الوهاب، ونشط في نشر الدعوة الوهابية في أنحاء الجزيرة العربية. لم تدم هذه الدولة طويلا وانهزم محمد بن سعود أمام جيش محمد علي.
لم يهتم سارجا موسي بهذا الجزء من الكتاب لأنه تاريخي سياسي صرف ولم يتعرض لصورة البدو.
تتصف كتابة بوركهاردت بالواقعية والموضوعية. يقدم صورة للحياة البدوية من منظور البدو أنفسهم. ويحجم عن إطلاق الأحكام ويبتعد عن التعميم. ولكن هذا لا يمنعه أن يتبني وجهة نظر ذاتية تتخلل الكتابة هنا وهناك. فمثلا في الفصل الخاص بطبائع البدو الأخلاقية (8): لا ينفي أن البدوي يسعي إلي الربح، وأن المصلحة هي الدافع وراء أفعاله، وأن الكذب والختل والتآمر والمساوئ الأخري النابعة من هذا الدافع تسود الصحراء كما تسود المدن السورية، وكلمة العربي ليست موضع ثقة أكثر من كلمة السمسار في البازار في حلب. إلا أن صفات الرجولة تبرز في العربي عندما يدافع عن ضيف، حتي لو عرض حياته للخطر؛ ويستسلم  لخطوب الدهر، وخيبة الأمل، والمحن بصبر وتواكل. وإلي جانب ذلك يتميز عن الأتراك بفضائل الشفقة، والامتنان، الذي نادرا ما نجده في الأتراك. فالأتراك قساة، والعرب أكثر رفقا، يحنون علي البؤساء، ولا ينكرون ما نعموا به من كرم حتي من قبل العدو. لم يعتادوا علي مشاهدة الأحداث الدموية التي أفسدت قلب العثمانية فتحجرت قلوبهم. يتعلم البدوي في فترة مبكرة من الحياة: التقشف والمعاناة، والقدرة علي الشفقة، والمواساة، ومداواة الجروح.
وتمتد المقارنة بيت الحضر والبدو علي مدي فقرات يعلي فيها بوركهاردت الثاني علي الأول، وربما تأتي هذه النظرة من الفلسفة الطبيعية التي تري أن الحضارة مفسدة للبشر وأن الحياة في حضن الطبيعة تُعلي من الصفات الروحية الحسنة. هل تأتي هذه النظرة من فلسفة روسو، والقيم الروحية الآنجليكية التي تربي في ظلها بوركهاردت؟
ترك بوركهاردت الجزيرة العربية، (مسرح عمله وبحثه) عام 1816، وعاد إلي مصر؛ حيث توفي وفاة مبكرة في العام التالي، ولم يتمكن من إنجاز عديد المشروعات التي كان يحلم بها؛ ومن استكشاف المناطق الداخلية الأقل شهرة في أفريقيا. ودفن في القاهرة في مقابر المسلمين.

فاتسواف جيفوتسكي (١٧٨٤-١٨٣١) Wacaw کzewuski الانغمار وسط البدو

يقول فاتسواف جيفوتسكي عن نفسه:
»‬كنت صغيرا وسيما جريئا وفارسا ممتازا، كما أنني تفوقت في معركة وصمدت تحت نيران العدو فنلت أعلي النياشين؛ ولم يكن خيالي الشاب النابض بالحيوية أو ابتكارات الطبيعة أوابتداعات القدر لتقف أمام تحقيق أي من خططي بل لم أر أي شيئ مستحيلا . كنت دائما مجذوبا إلي أشياء خارقة.
هكذا يصف نفسه فاتسواف جيفوتسكي، أحد كبار شخصيات النصف الأول من القرن التاسع عشر التي عاشت في بولندا. ومن أكثرها غموضا في نفس الوقت. ورغم أن العبارات قد تبدي غرورا، فهناك من قالوا إنه محق في هذه النظرة.
ولد جيفوتسكي سنة ١٧٨٤ وكان الابن الوحيد لإحدي أبرز العائلات البولندية. وكان متعدد المواهب: جنديا، رحالة، رساما، شاعرا، عالما عربيا، عاشقا للخيل وخبيرا في شئونها. وهو من قام بأكبر بعثة بولندية إلي الجزيرة العربية لاستجلاب أفضل الخيول العربية من صحراء نجد في القرن التاسع عشر. فأحضر 137 من أعتق الخيول إلي أوروبا.
قضي الصبي سنوات حياته الأولي في ما هو الآن أوكرانيا. وكانت طفولة راغدة ترعرع في وسط عائلي متعدد الثقافات.  يستقبل قصر عائلته في الريف كثيرا من المهاجرين الفرنسيين، ويعيش علي أراضيهم عدد كبير من التّتار والتّجار الأرمن.
ولكن هذاالنعيم  لم يدم لما وقع من أحداث سياسية شارك فيها والده، وانتهت باجتياح الجيوش الروسية بولندا، فاختفت من علي الخرائط العالمية بعد تقسيمها بين روسيا وبروسيا. هاجرت الأسرة إلي فيينا. وهناك لقي الفتي تعليما راقيا. كان والده - القائد الأعلي للجيش- يتمني له الانخراط في الجيش أو في العمل الدبلوماسي. لكنّ فاتسواف انجذب إلي اهتمامات زوج خالته، يان بوتوكي، المستشرق والرحّالة الكبير، والكاتب ذائع الصيت، فتتلمذ عليه وتعلّم اللّغات الشرقية وثقافتها واشتد ولعه بالشرق وبرَع في لغاته. وكان جيفوتسكي مولعاً بالخيل، فسافر إلي شبه الجزيرة العربية في رحلة كان هدفها الأول استيراد الخيول إلي أوروبا. إلا أنها انتهت بعشقه للصحراء العربية وخيولها وأناسها وتقاليدها. فاعتنق الإسلام وأحبّه البدو، ومنحوه لقب تاج الفخر عبد النيشان. وكان شاهداً أثناء رحلته هذه علي كثير من أحداث العصر وأسراره في منطقة شبه الجزيرة العربية.
سافر جيفوتسكي إلي الشرق في سنة ١٨١٧ ويقال إن ذلك كان بناء علي طلب القيصر الإسكندر الأول وأخته كاترين زوجة ملك ورتنبيرج. سافر مصحوبا بطبيب وخادم وأمين صندوق وثمانية من الكوزاك. استقر في دمشق وقام ببعض الرحلات في الصحراء السورية ليبتاع بعض الخيول العربية ثم سافر إلي اسطنبول ليرسلها إلي أوربا. ولكن سرعان ما عاد إلي الجزيرة العربية واستقر بين بدو قبيلة الفدعان، وهي فخذ من قبيلة عنزة. احتفي به البدو وتبناه شيخهم وأطلق عليه اسما عربيا، هو تاج الفخر عبد النيشان. أقام جيفوتسكي بين البدو كأحدهم، ويقال إنه اعتنق الإسلام وحج إلي مكة. كان مولعا بسلالات الخيل العربية، التي عرفتها أوروبا من الصليبيين الذين عادوا ومعهم بعض الخيول التي استولوا عليها أثناء الحروب. وتبحر في دراسة السلالات العربية التي حرص العرب علي إثبات أنسابها. وهناك مؤلفات كاملة عن أنساب الخيل، منها ما كتبه ابن الكلبي والغندجاني والأصمعي وغيرهم.
كتب كتابه باللغة الفرنسية بعنوان
 Sur les »‬hevaux Orientaux et provenants de کace Orientales
يعالج الكتاب أكثر من موضوع الخيل، ويتكون من ثلاثة أجراء: الجزء الأول عن القبائل العربية وعاداتها وتقاليدها، والثاني عن الخيل أما الجزء الثالث فهو عبارة علي رسوم موضحة لما جاء في الجزءين الأولين.
عاد جيفوتسكي إلي بولندا سنة 1830  وفي 1831 استولت شرطة قيصر روسيا علي مكتبته، إلا أنه كان أودعَ مخطوطة رحلاته إلي الشرق عند صديق احتفظ بالمخطوطة في بولندا. وبعد سلسلة طويلة من تنقلات هذه المخطوطة بين أيدي الهواة وجامعي المخطوطات النادرة، استقرت عام 1939 في المكتبة الوطنية البولندية، حيث تم ترميمها. وقد ترجمت إلي العربية وصدرت باسم »‬انطباعات عن الشرق وشبه الجزيرة العربية: خيّال بولندي عند العرب 1817-1819» عن دار »‬كلمة» (هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة)، ترجمة د. هناء صبحي، وراجعهاالشاعر كاظم جهاد.
يصف جيفوتسكي منذ الصفحات الأولي من كتابه البدو الرعاة والمحاربين. ويقول:
»‬هؤلاء الرحل حريصون علي حريتهم. ما يميزهم هو الحروب الدائمة بين القبائل، السباق المذهلة بين الفرسان، و يتم السطو علي القوافل طبقا لقواعد مقننة، كما نجد عندهم إعلاء روح الفروسية ( التي انتقلت من عندهم إلي أوربا)، يتصفون بمزاج يشتعل بالحيوية والتحفز، والمشاعر العنيفة التي  تلهبها القصص الشعرية وتشجعها ترانيم أصوات النساء فأما صحتهم فجيدة بفضل حياة التقشف، لا تأتي هذه الصفات من قواعد قسرية تفرض عليهم، ولكن من غيات الفساد هذه هي الأسباب التي تعطي العرب طباع الشجاعة الباسلة كما تؤثر إلي حد كبير علي خيولهم.»
يقوم جيفوتسكي بدور المراقب المشارك، فلا يكتفي بالملاحظة ولكنه يشارك في الطقوس اليومية. يري مثلا الذبح لكي يصبح اللحم حلالا له فوائد صحية. سمح الإسلام للمسلمين بذبح الحيوان الذي أباحت الشريعة الإسلامية أكله من أنعام ومواش وأغنام ودواجن وذلك بقطع حلقومها ومريئها وودجيها. ويذكي اللحم انسكاب الدم ويمنعه من  التعفن. ويبدو لي أن جيفوتسكي علم هذا التفسير من البدو أنفسهم.
عاش جيفوتسكي في عالم تخييلي، بتقمصه الهوية البدوية. واختلف بذلك عن غيره من الرحالة الذين لم ينصهروا في مناخ البلاد العربية التي كانوا يجوبونها. ولذلك عاش في حالة ميلانخوليا، أدت به في النهاية إلي الانتحار.
تشبه كتابة جيفوتسكي معالجة بوركهاردت من حيث أنها وصف اثنوجرافي لمجتمع ما في زمن ما، بالإضافة إلي أنه كان ينظر إلي البدو نظرة إجلال، ويفخر بالانتماء إليهم ويقول في الصحراء، أشعر أني في بلدي، حتي أنه عندما عاد إلي بولندا خلع عن نفسه لقب كونت »‬ount وفضل إمير Emir وانتشرت هذه التسمية في بولندا.

القضايا الجمالية والدينية

البدو في مرآة شاتوبريان (١٧٦٨-١٨٤٨) Francois-کené de »‬hateaubriand 1768 184):غَيريّة ساحرة ومقلقة. والفصل الثالث: لامارتين، الشاعر الرحالة: من العربي المتخيل إلي عنترة.
أجمع في هذه الفقرة بين شاتوبريان ولامارتين لما يربط بينهما من سمات مشتركة وفي نفس الوقت كانت بينهما معاداة نشأت من الصراع السياسي. ونتناول فلوبير في فقرة تالية.
ننتقل في هذا الباب نقلة نوعية، إذ إن موضع الدراسة كتابات أدباء مشهورين لهم إنجازاتهم المرموقة في ميدان الأدب مثل شاتوبريان ولامارتين وفلوبير.
كيف تعامل سارجا موسي مع هؤلاء المبدعين؟
تناول عملا لشاتوبريان بعنوان خط السير من باريس إلي القدس، ومن القدس إلي باريس، ذهابا عن طريق اليونان، وإيابا عن طريق مصر وشمال افريقا وإسبانيا (9)
يقول سارجا موسي إن شاتوبريان ابتدع بهذا المؤلف نوعا جديدا من الكتابة هو الرحلة الأدبية التي أدخل فيها عناصر أدبية لم تعرفها كتب الرحالة من قبل؛ منها الصياغة الفنية والبوح عن الذات.
إلا أنه كتاب عنالرحلة لا عن الشرق أو المجتمعات التي زارها. لذا يصعب الحديث عن البدو في كتاب شاتوبريان، إذ لم يخالطهم ولم يذكر لفظ بدوي سوي سبع مرات في الكتاب، ومن الواضح أنه لم يقترب منهم أو يتفاعل معهم، بل لم يفرق بين البدو والعرب.
تبع شاتوبريان، الذي قام برحلته سنة ١٨٠٦-١٨٠٧، عدد كبير من الأدباء. فبدأ لامارتين رحلته ١٨٣٣، وجيرار دي نيرفال  بين ١٨٤٣-١٨٤٤، وفلوبير بين ١٨٤٩-١٨٥٠. يقوم كل واحد من هؤلاء الكتاب برحلته الخاصة مقتفيا آثار سالفيه، ومحتفظا بالرباط الروحي الذي يربط بين الشرق المسيحي ونصوص التوراة.
قام هؤلاء الروائيون والشعراء مثل فلوبير، شاتوبريان، لامارتين برحلاتهم إلي الشرق لتغذية إلهامهم واطلاق خيالهم. حتي أصبح الشرق »‬موردا» للصور التي نهل منها الشعراء والكتاب الرومانسيون. ويشرح شاتوبريان سبب رحلته إلي الشرق: »‬كنت ذاهبا للبحث عن الصور: لا أكثر ولا أقل.
ندخل مع شاتوبريان ولامارتين إطارا جديدا من الخلفية السياسية. حارب كلاهما الثورة الفرنسية وتمسكا بالملكية ولعبا دورا كبيرا في البلاط الملكي، وشغل كلاهما منصب وزير الخارجية. وكانا شديدي التمسك بالمسيحية. وكتب شاتوبريان كتابه الشهير عبقرية المسيحية بين ١٧٩٥-١٧٩٩ عندما كان منفيا في انجلترا - بعد المواجهة المسلحة بين جيوش الثورة الفرنسية وجيوش عائلة البوربون. راج الكتاب رواجا كبيرا حتي قيل إن شاتوبريان أعاد فتح أبواب الكنائس والكاتدرائيات التي أغلقتها الثورة الفرنسية.
في البداية كان شاتوبريان ينظر إلي العرب نظرة الريبة والوجل، وأنهم يتربصون به ومن معه للانقضاض عليهم. وأنه في مرة من المرات نجا بأعجوبة من إطلاق النار عليه. ويري سارجا موسي أن هذه النظرة السالبة التي تري العرب جماعة من اللصوص النهابين مستقاة من العهد القديم، وبما أن شاتوبريان يري نفسه في ثوب حجاج الأراضي المقدسة الذين يذهبون لزيارة كنيسة القيامة في القدس، كما كان يتقمص دور الصليبيين الذين توجهوا لمحاربة الإسلام. ارتبط في ذهن شاتوبريان العرب بالإسلام فلم يكونوا فقط قاطني الصحراء ولكنهم كانوا أيضا مسلمين فانطبق عليهم ما عرفه إدوار سعيد في كتابه بالنظرة الاستشراقية التي انتشرت عند كتاب القرن التاسع عشر و شاتوبريان من أهم ممثليها . يقول ادواد سعيد عن شاتوبريان:
نشأ خطاب شاتوبريان عن الشرق من معين شخصي ذاتي أدي إلي موقف بالغ الانخراط  في تخيلات ذاتية، حتي لو كانت هذه التخيلات ترقي إلي مستوي رفيع من الجمالية. ... وكان لهذا الموقف أثر بالغ الأهمية علي الطريقة التي وُصف بها الشرق واُستلهم فيما بعد. (10)
واستغرق شاتوبريان في القراءة عن الشرق قبل رحلته. قرأ العهد القديم حيث قصص الأتبياء الأوائل، والقصص والأساطير المنسوجة حولهم. كما استلهم كتاب لو تاس Le Tasse القدس المحررة، وهو كتاب من القرن السادس عشر يحكي قصة الفارس جودفروا دو بويون Godefroi de Bouillon الذي قاد الحرب الصليبية الأولي. يري شاتوبريان الشرق من خلال منظار الكتب التي قرأها لا يخبره خبرة مباشرة، فالذات التي تحكي تعيد صياغة الكتب السابقة لا تستشف ما تراه أمامها من الواقع المعاش.

لامارتين الرحلة إلي الشرق:

سافر لامارتين في صيف ١٨٣٢ في رحلة حول البحر الابيض المتوسط دامت ثمانية عشر شهرا. تصاحبه زوجته وابنته جوليا المريضة بالسل والتي ستتوفي في بيروت. كما يصاحبه عدد من الخدم وثلاثة من الأصدقاء من بينهم الطبيب دولاروزيير Delarozière . سار لامارتين علي خطي شاتوبريان: اليونان، فلسطين، القسطنطينية؛ غير أنه أضاف إليها سوريا (بما فيها لبنان)، حيث أمضي عدة شهور، بالإضافة إلي ما كانت تسمي في ذلك الوقت تركيا الأوروبية ما جعله يقطع مساحات من بلغاريا وسيبيريا والإمبراطورية النمساوية-المجرية.
نشر لامارتين كتابه رحلة إلي الشرق عندما عاد إلي فرنسا سنة ١٨٣٥ في أربعة أجزاء. راج الكتاب رغم كثير من الانتقادات، وطبع ست عشرة مرة في حياته.
تقفي لامارتين أثر شاتوبريان ولكنه حرص علي أن يضع فاصلا بينه وبين سلفه فيقول:
شاتوبريان ذهب إلي القدس حاجا وفارسا يحمل التوراة والإنجيل والحروب الصليبية بين يديه، أما أنا فذهبت إليها شاعرا وفيلسوفا وعدت بانطباعات عميقة في قلبي، وخبرات رفيعة ورهيبة في روحي. (11)
لم يتعرض سارجا موسي للجانب السياسي في كتاب لامارتين رغم أنه انتخب أثناء وجوده في لبنان نائبا في البرلمان وقام عند عودته بإلقاء خطب نادي فيها بضرورة استعمار سوريا.
اكتفي سارجا موسي بالتقاط فقرتين طويلتين في الكتاب وقدمهما بتفصيل مستفيض.
تحكي الفقرة الأولي عن مقابلة لامارتين مع ليدي ستانهوب Lady Stanhope، ونقدم نبذة عن هذه السيدة قبل التعرض لنص لامارتين.
فهي من ذوات الحسب والنسب، إذ كان خالها وليم بت William Pit السياسي البريطاني المعروف، ولكنها سئمت الحياة في بريطانيا بعد موت خالها في عام 1810م، فوصلت إلي اسطمبول ثم انتقلت منها إلي القاهرة وفي سنة ١٨٣٠استقرت في لبنان حيث شيدت لنفسها قصراً فوق دير مهجور في قرية حون. وعـُرف قصرها بين الأهالي باسم »‬دار الست»[2]. واتخذت زي النساء المحلي فلبست عمامة ومداسا برأس منعكف، وصارت تدخن النارجيلة وتحمل السوط والخنجر، وشرعت تدرس اللغة العربية وولعت بعلم النجوم والكيمياء، وأحاطت نفسها بحرس  وحاشية .
الواقع أنها استطاعت ان تكون ذات نفوذ وسلطة كبيرة بين سكان المناطق المجاورة، ولا سيما الدروز منهم، فكانوا يحترمونها ويطيعون أمرها إلي درجة تبعث علي الدهشة. في البداية رحب بها الأمير بشير شهاب الثاني، إلا أن تدخلها المستمر في شئون الدروز وإيوائها لمئات من اللاجئين من المناحرات بين قادة الدروز، جعله ينأي عنها. وعندما فتح ابراهيم باشا الشام أدرك ما لها من نفوذ وطلب منها أن تقف علي الحياد، ولكن الحياد لم يكن من شيمتها فصارت من أشد الناس طعنا في الحكم المصري.
ذاع صيت ليدي ستانهوب بين الرحالة الغربيين من زوار لبنان وكان الحجز لامارتين إلي لقائها كغيره من الرحالة الأوروبيين.
أريد أن أعلق علي هذه الشخصية الملتبسة. اختلفت حولها الآراء. وكان بعض من كتب عنها يراها مغامرة تحولت مع مر الأيام إلي شخصية غارقة في الأوهام والتصورات والأخيلة. ومن بين القصص الغريبة تتويجها في تدمر وتسميتها ملكة العرب فبدأت تري نفسها تجسيدا للملكة زينوبيا. كما كانت لها سطوة علي من حولها. ومما يدل علي نفوذها، حادثة مقتل الفرنسي فانسان-ايف بوتان «incent-Yves Boutin (١٧٧٢-١٨١٥) وكان ضابطا مهندسا فرنسيا خدم في جيش نابليون ثم أرسل إلي شمال افريقيا حيث أسندت إليه بعض مهام التجسس، خاصة في الجزائر لرفع الخرائط تمهيدا لاستعمارها. ويقال إنه كان علي علاقة عاطفية مع الليدي ستانهوب. فعندما علمت بمقتله، علي يد قبائل الأنصارية، استثارت عليهم القبائل المعادية  فاستجابوا لها وأحرقوا القري وقتلوا الرجال وسبوا النساء. وردت هذه الحادثة في كتاب ذكريات عن الشرق للفيكونت مارسيللوس (12)، كما نجد القصة بتفاصيل مختلفة في مقالة عن بوتان في مجلة نشرة الجمعية الأركيولوجية لمدينة نانت وفيها استشهاد مطول من السيد داموزو Damoiseau الذي زار الليدي ستانهوب أثناء رحلته إلي الشام، حيث روت له تفاصيل مقتل بوتان وعملية الثأر كما جاء في خطاب أرسلته الليدي ستانهوب إلي أخي بوتان في نانت.
توقف سارجا موسي طويلا عند ذكر لامارتين لزيارته لليدي ستانهوب. ويبدو لمن يقرأها أن كثيرا مما أورد من صنع خياله. إذ كان لامارتين مغرورا معتزا بنفسه وبموهبته الشعرية. يبدو ادعاؤه في قوله أن الأقوام التي كانت تتوافد عليه أطلقت عليه لقب أمير الفرنجة، وأن هذا اللقب جاب الآفاق، من دمشق إلي صيدون إلي اللاذقية. ويقول بتواضع مصطنع:
(دعهم يتخيلون)، أتقبل دون محاولة نفي اقتناعهم بالألقاب، والثروات والفضائل التي أسبغها علي الخيال العربي، لأطرحها جانبا بكل تواضع عند عودتي إلي موطني، وأعود إلي حجمي الحقيقي المتضائل (13)
وصل صيت الليدي ستانهوب إلي لامارتين وأراد أن يلتقي بها. وكان يعلم أنها لا ترحب بالزوار فأرسل إليها خطابا يستحثها علي مقابلته معبرا فيه عن إعجابه بها وما يربطهما من تشابهات بأنهما غريبان يبحثان في الشرق عن مشاهد الطبيعة، والآثار ومعجزات الله. قبلت الليدي ستانهوب طلب لامارتين واستقبلته في سنة ١٨٣٢، أي سبع سنوات قبيل وفاتها.
أفرد لامارتين فصلا كاملا لمقابلته ليدي ستانهوب. بدأه بسيرة لحياتها منسوجة بكثير من التخيلات التي لا تمت للواقع بصلة. مثل أنها أبحرت من انجلترا إلي القسطنطينية حيث أمضت عدة سنين ثم تركت القسطنطينية متجهت إلي الشام علي سفينة بريطانية محملة بجزء كبير من ثروتها الطائلة ومصاغ ذي قيمة خيالية وأنواع متعددة من الهدايا. إلا أن عائلة ستانهوب لم يكن لديها الثروة والمصاغ الذي يشير إليه بعد أن كانت فقدت ثروتها التي بددها أبوها بأن تبرع بها إلي الثوار الفرنسيين، وترك ذريته مفلسين. وعندها التحقت إستر ستانهوب بخالها، وليم بيت، الذي لم يعش طويلا وتركها بلا مورد سوي معاش متواضع يعادل ألفاً ومائتين جنيه في السنة خصصه البرلمان البريطاني لها مكافأة لخدمات خالها للتاج البريطاني.
نسج لامارتين مزيدا من التخيلات حول هذا الحادث بأن السفينة البريطانية تعرضت لعاصفة هوجاء ألقت بها علي الصخور فتحطمت وغرقت. إلا أن الليدي استطاعت أن تنجو  فتعلقت بإحدي لوحات السفينة المحطمة فرست علي جزيرة مهجورة حيث وجدها بعض الصيادين وعادوا بها إلي جزيرة رودس، بعد أن فقدت كل ما لديها من ثروات وموارد. فعادت منها إلي انجلترا، حيث جمعت ما قد تبقي من ممتلكات وأعدت سفينة جديدة محملة بالكنوز والمجوهرات والهدايا وعادت إلي الشرق.
تضعنا هذه السيرة التخييلية في المناخ الذي يسود كتابات لامارتين. فالقصة مليئة بالمبالغات. كما أورد عندما يحكي قصة تتويج استر ستانهوب كملكة تدمر، حيث يقول إن الاحتفال ضم ما يزيد علي أربعين إلي خمسين ألف من البدو ولكنه يعترف أنه مع مرور الزمن أفل نجمها وتبخرت ثروتها وهجرها أصدقاؤها، وانفض من حولها الخدم والحشم، فوجدها وقد أصبحت عجوزا وحيدة منعزلة عن العالم! ولكنه يقول إن كل هذه الخطوب لم تهدم عزيمتها ولم تخلخل إيمانها أو تزلزل ثقتها في نفسها، فظلت شامخة قوية تتحدي العالم.
دار حديث مستفيض بين الليدي ستانهوب ولامارتين، يبدو كثيرا منه من نسج خياله. دار حول التنجيم والمسيح المنتظر وكيف أنها هي التي ستقوده إلي أورشاليم. كما أنها وُلدت لديها مهرة مسرجة كما تنبأ لها المنجمون! والحقيقة أن هذه المهرة كانت ذات تشوهات خلقية فكانت ملتوية الظهر وكأن سرجا يعلوها. كما أن ليدي ستانهوب قرأت في طالع لامارتين أمورا عظيمة، إذ سيكون له دور متفرد في مستقبل الشرق .
وعندما نقرأ هذا الحديث نجد أنه عبارة عن هلوسات في خليط من الميتافيزيقا والتنجيم والتصوف الزائف. وكانت هذه المقابلة جزءا مما كان يهدف إليه لامارتين من سفره إلي الشرق: أن يصبح هاديا روحيا للبشرية.
رغم تعدد إصدارات الكتاب لقي ردود فعل سلبية، وعلي رأسها من جليسته. إذ كانت الليدي استر ستانهوب حريصة علي قراءة ما كان الزوار يكتبونه عنها. وعندما قرأت ما كتبه عنها لامارتين حكمت عليه حكما قاسياً، بأن ما كتبه خاطئ وكاذب. وبأنه ليس بشاعر بل ناظم أشعار، لا يقاس اطلاقا بشكسبير.
وقد اتفق النقاد علي لفظ الكتاب. وعندما شعر لامارتين بذلك، أضاف في المقدمة شبه اعتذار يقول فيه هذا ليس كتابا تعليميا ولا قصيدة. مما دفع الناقد جوستاف لا بلانش Gustave Laplanche ليتساءل:
إذا كان هذا الكتاب ليس تعليميا ولا قصيدة (كما يقول لامارتين) أي ليس حقيقة ولاجمالا ما هو إذن؟
دفعه إلي السفر فضول مبهم مما يفسر السرعة البالغة التي قطع بها المسافات. لم يهتم بالتعمق في المؤسسات والتقاليد التي شهدها، عبر لاهثا أمما تتطلب سنوات لدراستها؛ ويستخلص في لمحة البصر التقاليد التي تحكم الأسر والقوانين التي تستهدف الإصلاح. بل يذهب إلي أبعد من ذلك، إنه يتنبأ بمستقبل مستضيفيه. (14)
بعد أن أنهي سارجا موسي كلامه عن مقابلة لامارتين مع ليدي ستانهوب تناول الفقرة الخاصة بتفاعل لامارتين مع الشعر العربي.
يحكي لامارتين عن تجربته في الاستماع إلي الشعر العربي عندما شهد العرب يجلسون في حلقة يستمعون إلي شعر عنترة (الذي يسميه عنتر) ورغم أنه لا يعرف العربية وقع تحت أسر الشعر وموسيقاه، يعبر عن إعجابه بعنترة بمقارنته ببعض الأسماء المشهورة فيقول:
عنتر هذا النموذج العربي الرحالة، وهو راع ومحارب وشاعر معا، عبّر عن الصحراء برمتها في أشعاره القومية، يشبه هوميروس في ملحميته، وأيوب في شكواه، وتيوكريتوس في غزله، وسليمان في فلسفته (15)
ثم يلاحظ ما تتركه هذا الأشعار من تأثير علي المستمعين فيرفعون أيديهم إلي السماء ويصيحون اللهاللهالله.
أثار شعر عنترة خيال لامارتين. و جاوز خياله الواقع، فخيل إليه أنه يفهم هذا الشعر البدائي. كان يري بعين خياله البعير والخيل والغزلان، وواحات ذات نخيل سامق يرفع رؤوسه فوق كثبان شامخة من الرمال، ومعارك المتحاربين، والفتيات الحسناوات العربيات اللواتي تُختطف وتُسترد أثناء التصارع ويتعرفن علي عشاقهن في محرريهن.
يبدو أن لامارتين فُتن بشخصية عنترة، كما يبدو أنه اطلع علي بعض ما نشر عنه بعد عودته إلي فرنسا لأنه يذكر بعض المعلومات الدقيقة عن سيرته لم يكن من الممكن استخلاصها من مجرد استماعه إلي إنشاد شعره. وكانت سيرة عنترة معروفة عند الأوربيين منذ ١٨٠١ عندما عثر المستشرق النمساوي جوزيف هامر-بورجشتال Joseph Hammer-Purgstall علي مخطوطة للسيرة في مصر وعاد بها إلي أوروبا. ترجم Terrick Hamilton في سنة ١٨٢٠ جزءا منها إلي الإنجليزية. ودخلت السيرة فرنسا سنة ١٨٣٣ عندما نشر المستشرق الفرنسي كوسان دي برسفال »‬aussin de Perceval  نبذة عن السيرة في المجلة الآسيوية قال فيها إن أسلوب السيرة متنوع وأنيق، يصل في بعض الأحيان إلي الروعة. والشخصيات مستوحاة من الحياة تنبض بالقوة وتتصف بالتنميق الفني، وارتآه عملا رائعا،يمكن القول إنه إلياذة العرب.
أعجب لامارتين بعنترة حتي أنه عاد إليه في عمل لاحق. وعندما حاول الحكم علي السيرة وازن بين الأجزاء النثرية والشعرية منها، فقال إن النثر فيها أرفع قيمة من الشعر إذ أن الشعر فيها تحكمه الصنعة والافتعال مثلما يحدث في آداب فترات الاضمحلال.
لم يكن لامارتين مسلحا بالمعرفة الكافية ليستطيع أن يقيم شعر عنترة تقييما صحيحا. وقد يكون استل هذا الرأي من المشاحنات الدائرة حول الشعر العربي، مثل رأي فولجونس فرينيل (١٧٩٥-١٨٥٥) Fulgence Fresnel  الذي قال إن شعر عنترة مسطح ودارج بحيث إن الأدباء لم يعدوه من نجوم الأدب العربي. ولكن جوزيف هامير-نورجشتال فند هذا الرأي وقال إن فرينيل لم يطلع علي السيرة ولم يكن علي دراية بشعر عنترة.

جوستاف فلوبير (١٨٢١-١٨٨٨) Gustave Flaubert انهيار الأوهام:

اجتاز فلوبير البحر الأبيض المتوسط مرتين: قبل تأليف روايته مدام بوفاري  وبعده. سافر المرة الأولي مع صديقه ماكسيم دو كامب Maxime Du»‬amp من أكتوبر سنة ١٨٤٩ إلي يونيو ١٨٥٠، زار مصر ثم بيروت والقدس ودمشق وعاد عن طريق اليونان وإيطاليا، أما الرحلة الثانية فكانت من ابريل إلي يونيو سنة ١٨٥٨ وتركزت علي جزء من الجزائر وعلي تونس في مجملها وكان الهدف منها  التوثيق لروايته سالمبو Salambô.
خالف فلوبير سابقيه في تجربته فقد استبعد منذ البداية أن ينشر كتابا عن رحلته. هذا لا يعني أنه لم يسجل انطباعاته فكان علي عكس سابقيه يدون مذكرات يومية عن ما يشاهده في كتيبات صغيرة، كما كان يفعل في حياته اليومية. لم تنشر هذه الكتيبات إلا بعد وفاته. كما كان يراسل أمه وصديقه لوي بوييه Louis Bouilhet . ولم تنشر هذه الرسائل أيضا إلا بعد فاته.
لماذا ارتحل إذن فلوبير؟
كان فلوبير يحتقر نوع الكتابة المستوحاة من الرحلات، يقول عنها في خطاب إلي صديقته لويز كوليه Louise »‬olet
لا أجد شيئا أكثر سأما من وصف الرحلة المستمر وتدوين أقل الانطباعات التي نشعر بها، فبقدر ما نمثل الأشياء ونعبر عن مشاعرنا بقدر ما يتلاشي كل شيء في داخلك. كل شعور نترجمه يضعف في قلوبنا، وعندما تنقسم الصور تفقد ألوانها الأصلية وتخبو من اللوحة التي رسمناها عليها.
أري أن هذه النظرة إلي كتابة الرحلة تضعنا أمام إشكالية فلوبير. يري الناقد موريس نادو أن الاجتياز من خلال الآخر، من خلال المكان البعيد كان ضروريا لاكتشاف الذات واكتساب الوعي بها وبتطلعاتها. أكدت الرحلة إلي الشرق ميوله الفنية (16)، وقد اختمرت روايته مدام بوفاري في ذهنه أثناء الرحلة، وحررها بعد عودته. كان مهموما بهذه الرواية حتي أنه وهو واقف أمام شلال النيل الثاني صاح وجدتها، وجدتها سأسميها إيما بوفاري. وكرر أكثر من مرة وهو يتلمظ بالاسم مادا حرف الـ o!
ولكن ما نظرة فلوبير إلي الشرق؟
نجد في كتابات فلوبير عن الشرق بعض العبارات المسكوكة المنتشرة في كتابات الآخرين والتي تعبر عن موقف تقليدي، ولكنا نجد أيضا نظرة ناقدة للاستشراق المتغلل في هذه الكتابات، وهجوما علي سلوك المسافرين السياح الممثلين للبورجوازية الغربية وادعاءاتها. كما نجد رفضا للميول الاستعمارية.
شغلت الصحراء خيال فلوبير منذ شبابه وقبل أن يسافر إلي الشرق. وتظهر صور القوافل والبعير والفضاءات المترامية من الرمال التي تقطعها الجمال في بعض كتاباته كشاب، بالإضافة إلي إحساس بالميلانخولية والوحدة، والشهوانية والنساء ذوات العيون السوداء الملتهبة. تسللت هذه الصور التقليدية إلي متخيله من خلال كتابات الرومانسيين، ونريد أن نؤكد علي مفهوم الصورة لأن فولبير تأثر أيضا بلوحات الرسامين الاستشراقيين في منتصف القرن الثامن عشر.
تمثل ملاحظات فلوبير أثناء رحلته - التي لم تنشر أثناء حياته - نوعا من فهرست الصور الشخصية. تشهد الملاحظات علي إحساس عميق بالألوان وتنوعاتها، بالضوء وألعابه علي الأشياء. نشعر مع فلوبير أن اللغة قاصرة في كثير من الأحيان عن تمثيل ما تراه العين، غير أن فلوبير يريد أن يعبر دون أن يحكم، أي يضمن حياد العين، عين مفتوحة لالتقاط كل شيء.
تركت الصحراء انطباعا عميقا علي فلوبير. وقد تصبح الطبيعة مرعبة - مثل أبي الهول تحت ضوء الشمس في غروبها - يبهر المشاهد تحت وطأة هذا المنظر الذي يختلط فيه الواقع والأسطوري، هذا المنظر الذي من شأنه أن يثير رؤي فريدة، أن يولد هلعا مرعبا، وإحساسا غامضا من السعادة.
ظلت الصحراء تراود فلوبير طوال حياته. فألف روايتين مستوحاتين من صلبها سالمبو١٨٦٢ Salambô إغواء القديس أنطوان سنة ١٩٧٤ La Tentation de Saint Antoine,
يعيش فلوبير في رحلة الصحراء تجارب مختلفة إنه يراها، مثلا، معبرا لكثير من القوافل التي تجتازها من مصر إلي مكة في الطريق إلي الحج. فهي ليست الفضاء الخاوي بل تغص بالحياة. إنه يحب الصحراء كما كتب لأمه في خطاب بتاريخ ١٤ ديسمبر ١٨٤٩:
»‬أمضينا عشرة أيام في الصحراء قاطنين الخيام في صحبة البدو (علي فكرة هم أناس مريحون ومن أفضل ما يكون) نأكل اليمام ونشرب لبن الجاموس ونسمع عواء ابناء آوي الذين نراهم يمرحون ليل نهار بين كثبان الرمال المجاورة. أعشق الصحراء، الهواء جاف ونقي مثل الهواء علي شواطئ البحر وهذا التماثل يظهر من الملح الذي تتذوفه عندما تمررلسانك علي شنبك. إنك تتنفس ملء رئتيك... لا يوجد مرض في الصحراء لا رمد، ولا ديسنتريا ولاحمي لاشيء... الخطر الوحيد الذي يواجهك هو أن تموت من العطش أو الجوع  إذا ما نفدت المؤن».
بُهر فلوبير بالصحراء ووصفها في مختلف مواقيت الليل والنهار، وأحب الجمال ووقع تحت سحرهم.
تختلف كتابة فلوبير عن الشرق عن غيره من الكتاب بما يغلفها من حزن وأسي، نوع من النوستالجيا. إذ يشعر بأن هذا عالم في طريقه إلي الزوال، وأن الثقافة الأوربية بدأت تنخر فيه وتفرض عليه نمطها.
ويظهر في هذه الكتابة أيضا حس فلوبير الساخر والبعد الواقعي الذي يصل إلي المنفر، ويظهر هذا عندما يصف المرضي في قصر العيني، يقول:
»‬المستشفي معتني به... هو من أعمال كلوت بك... طبع عليه بصمته ... وفيه. حالات من الجدري… كثير يعانون منه في جناح مماليك عباس ... ورهن إشارة الطبيب ينهضون من علي اسرتهم... يحلون أحزمة سراويلهم ( مثل تمرين حربي) ويفتحون شرجهم بأصابعهم لإظهار قرحهم»… (17)
يتذكر فلوبير الصحراء في نهاية حياته. كان ينوء تحت وطأة كتابة روايته الأخيرة بوفار وبيكوشيه Bouvard et Pecuchet يشعر بالمرض واكتئاب عميق. تختمر في نفسه أصداء الأساطير البدوية. يقول في خطاب إلي صديقته جورج صاند George Sand في٢٧ مارس سنة ١٨٧٥:
»‬لا أنتظر من الحياة سوي حزمة أوراق أخط عليها بالأسود. أمر بوحدة مريرة بلا نهاية لأذهب لا أعرف أين، أنا الصحراء والمسافر والجمل معا».
لا يسعني في نهاية هذه الفقرة سوي القول إن فلوبير إذا كان أحجم عن تأليف كتاب عن رحلته للشرق، فقد استعاض عنه بالرسائل المستفيضة التي وجهها لأمه وصديقه لوي بوييه. وكانت المراسلات قد بدأت تمثل نوعا أدبيا جديدا أخذ مكانه بين الأنماط الأدبية. وقد نشرت كل مراسلاته بعد وفاته وأصبحت كنزا غنيا يقرأ بوصفه إبداعا أدبيا بحد ذاته.

بدو جوزيف بوجولا: حوار نقدي مع ميشو:

يعالج  سارجا موسي في هذا الفصل تناول اثنين من المؤرخين الفرنسيين لموضوع البدو.
الأول هو جوزيف-فرنسوا ميشو (١٧٦٧-١٨٣٩) Joseph-Francois Michaud  والثاني  جوزيف فرنسوا بوجولا (١٨٠٨-١٨٨٨) Joseph Francois Poujoulat.
اشتهر ميشو بتحرير عمل ضخم عن الحروب الصليبية تحت عنوان Bibliothèque des »‬roisades (١٨٠٨-١٨٢٢) في سبعة أجزاء. كان يساند الملكية فنشط في المجال السياسي وعرف السجن أكثر من مرة. وفي سنة ١٨٢٨ استعان ببوجولا في عمله عن الحروب الصليبية.
كان بوجولا يهتم بالبحوث الدينية فألف مثلا عملا عن تاريخ القدس (١٨٤١-١٨٤٢)، وتاريخ القديس أوغسطين (١٨٤٤). كما أظهر بعض الميول الأدبية فأبدع رواية بعنوان البدوية La Bédouine (١٨٣٥)، حازت علي جائزة الأكاديمية الفرنسية (١٨٣٦).
عندما شرع ميشو في القيام برحلة إلي الشرق اصطحب معاونه. انطلق المؤرخان سنة ١٨٣٠ في رحلة استغرقت ما يزيد علي خمسة عشر شهرا سلكا نفس خط السير الذي سلكه قبلهم شاتوبريان  و لامارتين بعدهم بسنة: اليونان، آسيا الصغري، القسطنطينية، مصر، وعاد بوجولا وحده عبر سوريا.
عندما عادا إلي فرنسا نشرا مدونة عن مغامراتهما. ظهر عملهما بين ١٨٣٣ و١٨٣٥ في شكل رسائل متبادلة بينهما تحت عنوان »‬مراسلات الشرق»  La »‬orrespondance d Orient يتكون من سبعة مجلدات. الأول منها من البداية وحتي الوصول إلي موقع طروادة القديمة، والثاني من  شواطئ مضيق الدردنيل والقسطنطينية، والثالث يتتبع الطريق من القسطنطينية إلي القدس وأما الأجزاء الأربعة الأخيرة فكُتبت من فلسطين وسوريا ومصر.
لم يتعرض سارجا موسي في كتابه للعمل ككل في مجلداته السبع بل اكتفي بالحديث عن ثلاث رسائل  كتبت سنة ١٨٣١، تتناول موضوع البدو: الأولي هي الرسالة رقم ١٢٢ كتبها بوجولا وهو في الجليل علي ضفاف البحر الميت، عن عادات البدو. والثانية رقم ١٤٤،  عن البدو كتبها ميشو من مصر عندما كان بين المطرية والقاهرة. وتختلف نبرتها عن رسالة بوجولا. أما الثالثة  رقم ١٩٠، فهي التي وجهها بوجولا إلي زوجة ميشو من لبنان وهي تخص ترجمات لأغاني عربية تعبر عن ثقافة البدو الشفاهية.
البدو في  مراسلات من الشرق:
يحكي بوجولا في هذه الرسالة مقابلته مع شيخ من قبيلة من القبائل . ورغم أن بوجولا لا يتكلم العربية فتأتي المقابلة في شكل حوار بين الشيخ وضيفه. يٌظهر الشيخ كل فضائل الضيافة التي قرأ عنها بوجولا. حتي أن الشيخ يعرض عليه أن يزوجه ابنته!:
»‬قال لي الشيخ بصوت  ينم عن الانفعال لماذا تتركنا؟، ابقَ هنا، بيت وغنمي ملك يديك ؛ وإذا أردت زوجة سأعطيك ابنتي. ألن تكون هنا أفضل حالا منك في بلاد الفرنجة؟ ».
يبدو هذا الحوار مختلقا؛ وينم عن نغمات مستوحاة من قراءات سابقة. و يعلق سارجا موسي علي هذا الاستشهاد بأنه يبرهن علي وجود نوع من الحوار بين الحضارات. إلا أني أستبعد ذلك؛ فالخبر مستل من الإطار العام للعمل، ولا نستطيع أن نستخلص وجود حوار بين الحضارتين من مجرد قصة تبدو مختلقة.
يعبر بوجولا أيضا في رسالته عن حب البدو لخيولهم الأصيلة ذات السلالات الشريفة؛ ويعلونها علي غيرها من الكائنات. ويستطرد إلي الحديث عن المرأة ويري أن البدو لا يرون فيها سوي وسيلة للإنجاب. إلا أن ذلك لا يمنعه عن التغني بجمال البدويات بعيونهن السوداء التي تلمع مثل الكواكب في السماء، وشعورهن التي تتوج رؤوسهن وتنسدل علي ظهورهن فتتلاعب بها الريح. وينهي هذا الوصف بقوله إني أحب هذه النظرة الحالمة.
تختلف نظرة ميشو عن بوجولا الذي يهاجم البدو. قرأ ميشو قبل رحلته عددا كبيرا من المؤلفات عن الحروب الصليبية، ومنها مؤلفات المؤرخ الإخباري جوانفيل (١٢٢٤-١٣١٧) Joinville؛ الذي كتب تاريخ القديس لويس ( ١٣٠٩)، وهو لويس التاسع ملك فرنسا الذي قاد الحرب الصليبية السابعة. صاحب جوانفيل الملك في الحملة ولم يتركه عندما سجن في المنصورة. كان ميشو ينظر إلي كتابات جوانفيل علي أنها تتميز بالمصداقية، وتعبر عن الحقائق الثابتة. ولم تتغير الأمور في الشرق من أيام جوانفيل حتي منتصف القرن التاسع عشر. ويقول سارجا موسي إن معرفة ميشو بالشرق هي معرفة نصية؛ textuelle، كما يقول إدور سعيد. ومن هنا تأتي نظرة ميشو إلي البدو؛ ولا يري داعيا لملاحظتهم، فهم نموذج لا تاريخي، ثابت لا يتغير. يمثل ميشو مثالا للاستشراق الذي نقده سعيد عند بعض الرحالة. يقول ميشو في الرسالة رقم ١٤٤:
بما إن هذه الشراذم peuplades الرُحل ثابتة لا تتغير لا في طباعهم ولا أخلاقهم  نستطيع أن ندرسهم علي السواء عند المؤلفين القدماء أو الأكثر حداثة. يتحدث إخباريونا الذين كتبوا عن الحروب الصليبية عن العرب البدو، والوصف الذي تركوه لا يختلف كثيرا عما نشاهده عند القبائل التي نراها اليوم؛ نجدهم كما وصفهم السيد جوانفيل، يقطنون الجبال والصحاري، لا يعرفون مدينة أو بلدة يأوون إليها... ولم يستطع  الحاجب senechal الطيب أن يغفر لهم  أنهم كانوا ينهبون المسيحيين والمسلمين تباعا وحتي لم يرحموا أنفسهم . هذا ما دفعه ( اي جوانفيل) إلي وصفهم أنهم كانوا مثل الكلاب التي لو وقع أحدها فريسة لآخر، تبدأ في النباح وتنقض عليه .
يلجأ ميشو في هذا الوصف إلي مسخ البدو بوصفهم وصفا حيوانيا يحط من شأنهم. لا يميز بين القبائل سوي تمييز كمي وليس نوعيا، فكلها تتصف بالبربرية، بدرجات مختلفة، القاسم المشترك بينها أنها غير قابلة للتحضر ولا الخضوع لدين، سواء كان إسلاما أو مسيحية. يستهجن ميشو البدو استهجانا مطلقا، ويضعهم علي هامش الإنسانية، وكأنهم ينتمون إلي جنس آخر غير البشر.
يختلف بوجولا عن زميله الأكبر، ففي الرسالة رقم ١٩٠ والتي تأتي في نهاية المراسلات في الجزء الثامن ( في تاريخ ١٨٣١ ونشرت ١٨٣٥) يستشهد ببعض الأغاني  العربية في ترجمة فرنسية، ويعلق عليها. في هذه الأغاني يُشيد البدو بعشقهم للحبيبة المُثلي. لم يكن بوجولا أول من اهتم بالغزل في الشعر العربي، وخاصة الجاهلي، فيذكر في هذه الرسالة نماذج وردت عند بعض المستشرقين كما يذكر في مصر!
وفي سنة ١٨٢٢ نشر ستندال Stendhal كتابه عن الحب De l Amour        حيث أشاد بالحب العذري عند العرب وذكر بعض قصص المحبين المستلهمة من الكتب العربية التي عالجت موضوع الحب مثل كتاب ابن ابي حجلة وغيره.  كما أن لامارتين  نفسه ذكر في رحلة إلي الشرق  بعض ما سماه -  Maouls ou romances vulgaires des Arabes modernes  أي المووايل والأزجال العامية عند العرب المحدثين.
يستعرض بوجولا في هذه الرسالة ما استطاع أن يجمعه من الشعر العربي العامي. وكان يتمتع بموهبة أدبية تظهر في صياغته للرسائل . وصاحبه في رحلته عدد من التراجمة dragoman الذين كانت مهمتهم الوساطة بين الرحالة وأهل البلاد. ويقول إنه طلب بعض الأغاني من كل من قابلهم من العرب، وكان يكتب، بمعاونة المترجم، المعني الشعري ويحرص علي الاستفسار عما سمعه.
تحدث طويلا بوجولا عن الأغاني العربية  فيقول:
إنها في معظمها أغان غزلية يتحدث فيها الشاعر عن مواجع العشق.. يغني العربي بصوت حزين وكأنه يشكو أو يتنهد. لم يحدث  أني لمست في صوت العربي نبرة من الفرح. ينتحب العربي عندما يغني مثل الرياح التي تهب علي خيمته، مثل النسيم الذي يسكب دموعا من خلال فروع السرو والتنوب، مثل الموجة الأخيرة من بحر استسلم، تنكسرعلي شواطئ الرمال؛ لم يعرف العربي سوي الطبيعة، ولذلك يغني مثلها.
يتحدث بوجولا عن الشعر العربي حديثا يفيض إعجابا، بأسلوب شاعري يلجأ فيه للصور والاستعارات. ولكنه أيضا يعيش في قلب التقاليد المسيحية، ويشعر بالذنب أن يستسيغ هذه القصائد الغزلية، أمام دير القيامة وسط القدس المحطمة. لا يستطيع المرء أن يتحدث عن الحب في مدينة الأحزن وآلام المسيح. ثم يذهب إلي مقارنة قصائد الغزل العربية بسفر نشيد الأناشيد في التوراة، ويٌعلي هذه الأشعار علي الأغاني العربية.
جاءت رواية بوجولا البدوية (١٨٣٥)، تتويجا لتعايشه بين الحضارتين، البدوية والغربية. تحكي مغامرات شاب فرنسي سئم شرور الحضارة الغربية، فلجأ إلي الصحراء حيث التقي بالشيخ حسن من قبيلة Bénaïa   وافتتن بابنته lellé ووقع في عشقها. وافق الشيخ حسن علي تزويج ابنته للشاب الفرنجي حيث وجد فيه الصفات الحسنة التي ينشدها البدو .  (18)
يشرح بوجولا في مقدمة الرواية ما دفعه إلي تأليفها، فيقول إن هذا الكتاب هو كتاب في الفلسفة والأخلاق، في المشاعر والحميمية. أراد أن يكشف عن مرض يعتصر قلوب شباب عصره. يمثل أوغسطين، بطل الرواية، البطل الرومانسي الذي نجده في رواية شاتوبريان رونيه کené، وفي رواية جوتيه آلام الشاب فرتيرز     mélancolie.      من الشباب حطم المجتمع أحلامهم، ولم يحقق العلم وعود التقدم والسعادة التي كانوا ينشدونها، فهم يلعنون المجتمع الآن.
حاول بوجولا أن يحيي من خلال هذه الرواية خبراته الماضية في رحلته التي تركت أثرا عميقا علي مشاعره ومخيلته. حاول فيها أن يستعيد ذكرياته، من خلال وصف الأماكن التي زارها من قبل، من خلال تيه الحبيبين في الصحراء.
تظهر هذه الرواية إمكانية التزاوج بين الشرق والغرب، في قصة العشق بين الفرنجي والبدوية. إلا أن وصف الأماكن التي يقطعها العاشقان في مسيرتهما في البحث عن القبيلة هي الأماكن التوراتية التي استلهمها بوجولا من قراءة التوراة، وقصص بطولات فرسان الحروب الصليبية. فرغم أن بوجولا مسحور بالشرق، فإن في قلب هذا السحر روحا مسيحية مشبعة بقصص التراث المسيحي الديني والأسطوري.

الخاتمة: امتداد الأسطورة البدوية وانهيارها

يري سرجا موسي في خاتمة كتابه، أن أسطورة البدو عند رحالة القرنين الثامن والتاسع عشر تتبع خطا بيانيا يبدأ بالسلب ثم يتحول إلي الإيجاب - بل إلي النظرة المثالية وتقمص الهوية البدوية - ثم يرتد ثانية إلي السلب، بل إلي تفرقة عنصرية سافرة.
شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تحطم الأسطورة وظهرت عند البعض لهجة عدوانية صريحة بل مشينة. يستشهد مثلا بنص من ماكسيم دو نب - الذي صاحب فلوبير في رحلته في سنة ١٨٣٠- يهاجم البدو بخطاب معادٍ تعليقا علي مقال الناقد الأدبي شارل- هوبير لافولليه (١٨٢٣-١٩١٣) »‬harles-Hubert Lavollée بعنوان رحلة إلي الجزيرة العربية - السيد بالجريف في جبل شمر ونجد(19) . (كان بالجريف Palgrave مستعربا إنجليزيا ينتمي إلي جماعة الآباء الجيزويت).(20) يقول دوكانب نقلا عن لافولليه:
يتمسك البدوي بصحرائه لا لشاعريتها في جدبها وعرائها، ولكن من باب الكسل والخمول، لأنه يكره العمل ...يستطيع الإنسان في معظم الأحيان أن يصحح الطبيعة، أن يحسنها  حتي أكثرها وعورة ؛ ولكن عندما يتواطأ معها، عندما يقبل قسوتها دون احتجاج أو فاعلية يتحول إلي حيوان ناطق، تحل فيه الغريزة محل الذكاء فيهوي إلي أسفل دراجات البشر. هذا ما يحدث للبدوي، الذي وصف علي وجه غير صحيح  بشاعرية مفرطة، والذي - حتي رحلة السيد بالجريف - اخذ أهمية غير مستحقة. إنه جنس لص، جبان، مخنث، ماهر في الإغارة والنهب، لا يصلح للمعركة، لا يمارس أي فن، جاهل بأبسط المعارف الزراعية، عديم الفائدة، متخلف بشكل فريد. لا يستحق الاحترام أو الثقة.(21)
يشير سارجا موسي إلي ظاهرة ــ الجنس، فهذه الصفات السلبية هي المكونات الجوهرية بالجنس عند البدو، وهي ثابته في المكان والزمان، لا تتغير. تظهر في الخطاب نبرة عنصرية ستزداد مع ظهور كتاب الكونت ارتور جوبينو (١٨١٦-١٨٨٢) »‬omte Arthur Gobineau سنة ١٨٥٥ بعنوان مقال عن عدم المساواة بين الأجناس - l›Essai sur l›inégalité des races وعالم الانثروبولوجيا وعالم النفس جوستاف لوبون Gustave Le Bon .
نجد عند كتاب نهاية القرن التاسع عشر، مثل جي دو موباسان Guy de Maupassant، وبيير لوتي Pierre Loti، نفس الاتجاه.
فقدت أسطورة البدو رونقها في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وذلك في إطار نظرة متشائمة تجاه الحضارة بصفة عامة.

الهوامش

1 ــ Sarga Moussaص Le Mythe Bédouin chez les «oyageurs aux («III et (I( Siècles, Paris, Presses de l Université Paris-Sorbonne, 2016.
2 ــ Fratris Felicis Fabri Evagatorium in Terrae sanctae, Arabiae et Aegypti peregrinationem:
3 ــ Bibliothèque orientale, ou dictionnaire universel contenant tout ce qui regarde la connoissance des peuples de l'Orient,
4 ــ Memoires du »‬hevalier Laurent D Avrieus, Envoy++Extraordinaire du کoy à la Porte, »‬onsul d Alep, dصAlger, de Tripoli & autres Echelles du Levant Paris»‬harles Jean-Baptiste Delespine, 1735.
5 ــ علماء الحملة الفرنسية وصف مصر : العرب في ريف مصر وصحراواتها، ترجمة زهير الشايب ، القانرة، دار الشايب للنشر،،١٩٨٠
6 ــ  F.J.Mayeux Les Bedouis ou Arabes du Desert, ouvrage publié dشaprès les notes inédites de Dom کaphael sur les moeurs, usages, lois, coutumes civiles et religieuses de ces peuples , en deux tomes, Paris, Ferra Jeune, Librairie, 1816.
7 ــ John Lewis BBurckhardt, تNotes on the Bedouins and Wahabys collected during his traves in the EastLondon, Henry »‬olbburn and کichard Bentley , 1830,p.«
8 ــ John Lewis BBurckhardt,  Notes on the Bedouins and Wahabys collected during his traves in the EastLondon, Henry »‬olbburn and کichard Bentley , 1830,p.105
9 ــ F.A.de »‬hateaubriand, Itineraire de Paris a Jerusalem et de Jerusalem s Paris en allant pa la grece et revenant تpar l Egypte, la Barabrie et l Espagne,ParisLe Normant, 1811.
10 ــ Edwar Said, Orientalism ,Penguin »‬lassics ,2003 , page 176
11 ــ Alphonse de Lamartine, «oyage en Orient, Paris, »‬hampion 2000, page 76.
12 ــ «icomtd Marcellus, Souvenirs dشOrient.
13 ــ «icomtd Marcellus, Souvenirs dشOrient.
14 ــ Gustave Plancheس«oyage en Orient de M.de Lamartineس, کevue des Deux Mondes, T.2, 1835.
15 ــ A.de Lamartine , ibid.
16 ــ Maurice Nadeau,Gustave Flaubert écrivain, Les Lettres Nouvelles, 1980, p. 101).
17 ــ Flaubert, Gustave. Egypte: Notes de voyage (French Edition) (Kindle Locations 1064-1067). Schooner & »‬o Publishing. Kindle Edition.
18 ــ لم آستطع تعريب هذه الأسماء .
19 ــ »‬.Lavollée, Un «oyage dans l Arabie centrale-M.                                                          Palgrave dans le Djebbet-Somer et le Nedjed کevue des deux Mondes, «ol.2,Tome 69, 1867
20 ــ W.G.Palgrave Personal Narrative of a Years Journey through »‬entral and Easteran Arabia (1862-1863),London , Mcmillan, 1865.
21 ــ  Maxime Du »‬amp, Orient et Italie. Souvenirs de voyage et de lectures