رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

إبراهيم اليوسف: تحديد ملامح قصيدة الثورة مغامرة


حوار: سامية لاوند
9/2/2017 9:40:13 AM

ارتفع عدد إصدارات إبراهيم اليوسف، خلال عام واحد هو2016 إلي سبع إصدارات، وغيرها ينتظر دوره لدي دور النشر لطباعتها، ومن هذه الأعمال ثلاث مجموعات شعرية، وكتاب سيروي، وكتابان نقديان، وآخر بحثي. وقد جاء إصدار مجموعاته الشعرية تلك، بعد الانقطاع عن طباعة أعماله الشعرية لستة عشر عاماً!
اليوسف شاعر، وكاتب، وناقد، وقد كتب للمسرح، كما كتب مؤخراً الرواية، بالإضافة إلي أنه إعلامي فقد أسس مجلة »مواسم»‬ التي كانت تصدر في مدينته- القامشلي- في منطقة الجزيرة في سوريا، وقد كان لهذه المجلة دور كبير في احتضان ورعاية المواهب، كما كان لليوسف مثل ذلك الدور في تقديم كثيرات وكثيرين في هذا المجال.
إضافة لكل ما سبق، فقد كان الشاعر الكردي السوري اليوسف من أصحاب المواقف، وقد تم التضييق عليه من قبل النظام في بلده، ما اضطره للهجرة إلي أكثر من بلد عربي، قبل أن يستقر في ألمانيا ملتحقاً بأسرته، بعد انتهاء مدة صلاحية جواز سفره السوري وعدم تجديده من قبل النظام الذي عده مطلوباً كما نشر ذلك علي بعض المواقع الإلكترونية نتيجة موقفه الداعم لثورة السوريين.
كثيرون قالوا عن اليوسف إنه أثناء وجوده في الوطن كان مدرسة من خلال نشر الثقافة وحب القراءة والكتابة، وقد رعي مواهب كثيرين من خلال إشرافه علي»المنتدي الأدبي» الذي أسسه عام1982، كما أنه كان متفانياً، وتعرض للكثير من الأذي من قبل النظام الحاكم وبعض أدواته.
كتب إبراهيم الكثير من المقالات للثورة السورية ولاسيما في بدايتها، كما كتب لها الكثير من القصائد، وتناولها في أعمال عدة منها مالم ينشر، ومنها في طريقه إلي النشر. أتابع مسيرته منذ أعوام، أجريت معه أكثر من حوار خلال عملي الصحفي، فكان من عداد الأكثر استجابة   والتزاماً وصدقاً، كتبت إليه أنني أرغب بإجراء حوار مطول معه علي أن يكون استفزازياً فوافق، وكان هذا الحوار الذي أعتبره من أهم الحوارات التي أجريتها.

ظهرت لك في العام 2016 ثلاث مجموعات شعرية، هي: ساعة دمشق- أستعيد أبي- مدائح البياض، أهي قصائدك في الثورة السورية؟
أجل. ظهرت لي ثلاث مجموعات خلال عام واحد. اثنتان منها في القاهرة هما »‬ساعة دمشق» و»أستعيد أبي»، والثالثة» مدائح البياض» صدرت في بيروت. هذه الأخيرة كنت قد كتبت جل قصائدها في عقد التسعينيات، ما بين العامين 1990-2000، ما خلا نصاً »‬فلاشياً» من حوالي عشرين كلمة أضفته إليه في العام2001، وأهملت المخطوط قبل أن أقدمه في العام2003 إلي الرقابة وتم حذف بعض النصوص منه، ونال مساعدة بالطباعة من قبل- اتحاد الكتاب السوريين- لكني لم أشأ أن أطبعه، نتيجة مواقفي من هذه المؤسسة التي صارت تمنعني من إقامة أنشطتي في مدينتَي: قامشلي والحسكة، وكانت تحرمني من المشاركة في المهرجانات الشعرية التي تتم حتي في مدينتي والمحافظة من قبل هذه المؤسسة أو المؤسسة الثقافية، كما أنها لم تقف إلي جانبي كمؤسسة نقابية عندما تعرضت للضغوطات علي معيشتي وحياتي من قبل السلطات الحاكمة.
أما المجموعتان الأوليان، فقد كانت مجموعة »‬ساعة دمشق» وهي بحد ذاتها عبارة عن مجموعتين هما »‬ساعة قامشلو» و»ساعة دمشق» لكنني جمعتهما معاً، لداع فني لأن كل نصوصها كتبت في فضاء الثورة السورية، ومنها ما يتعلق بالكردي إلي جانب ما يتعلق بالسوري. وكانت مجموعتي »‬أستعيد أبي- ديوان إسن» التي كتبتها بعد هجرة أسرتي في العام 2014 إلي ألمانيا، إذ تمت كتابتها في أسابيع قليلة في هذه المدينة.
لذلك، فإن مجموعة» مدائح البياض» لم تكتب في فضاء الثورة السورية، بل انتظرت قصائدها ستة عشر عاماً لتحظي بالنشر، كما أن مجموعتي»ساعة دمشق» هي بعض ما كتبته أثناء الثورة، ومنها ما كتب في العام2011 أو 2012 وقدمت لأحد الناشرين علي أن تطبع في العام2014 إلا أن ذلك لم يتم، فأضفت إليها أحد النصوص لتتم طباعتها في العام2016.
بشكل عام شهد العام2016 إصدار عدد من كتبك  بين السرد والشعر، لم ذلك؟
أكثر المخطوطات ماعدا »‬ممحاة المسافة» السيروية ورواية »‬شارع الحرية» كانت قد كتبت قبل هذا التاريخ. لقد تعرضت في العام2015 إلي صدمة ضياع أرشيفي من قبل من أؤتمن عليه. كانت الصدمة كبيرة: أرشيف ورقي وإلكتروني ومخطوطات وكتب وحتي وثائق دراسية لأسرتي .. فقدتها، بسبب سفري للإمارات وانتهاء مدة جواز سفري وبقاء أرشيفي في الإمارات، فحاولت الاستعاضة عنه، جمعت النَّزر اليسير من ذاكرة جوجول الذي خذلني هو الآخر، حيث الكثير من المواقع التي أودعتها مئات المقالات- بل أكثر- توقفت عن العمل، لأسباب مختلفة، لذلك فقد حاولت أن أواجه المحو بالكتابة، فأعددت بعض المخطوطات ولدي الكثير ما بقي بانتظار إعداده كما لدي الكثير الكثير الذي لن يعوض.
كيف تنظر إلي قصيدة الثورة؟
لوحظ أنها قليلة المجموعات الشعرية التي ظهرت في العام2011 من قبل شعراء سوريين، إذ شهد  العام2012 ظهور أكبر لهذه المجموعات، وهكذا بالنسبة للسنوات التالية من سبع سنوات الثورة. يخيل إلي أن المنشور الأزرق والمقال واللقاء الإعلامي أشغل هؤلاء الذين انخرطوا في هذه الثورة. إن القصيدة التي رهنت نفسها للثورة جاءت عاجلة، وذلك لداع طبيعي هو هيمنة الفكرة عليها. هيمنة ما هو معرفي عليها. هيمنة الألم عليها. أعرف شعراء مهمين كتبوا عن الثورة، ومنذ أيامها الأولي، إما أنهم لم يجمعوا قصائدهم أو أنهم جمعوها ولم يطبعوها بعد. إنها لمغامرة حقيقية أن نمضي إلي الجزم بتحديد ملامح هذه القصيدة، وكأنها مكتملة، لأن ثنائية دورة الألم والأمل مازالت مستمرة.
ما الذي يجعل قصيدة الثورة مختلفة عما قبلها؟
الشعر هو الشعر، وأنا من هؤلاء الذين تعاملوا مع الشعر بأن له دوره الكبير في الـتأثير عبر جمالياته، بل رحت أبعد من ذلك، إذ عولت علي عامل الرؤية فيه، خلال فترة ما أثناء انتشار المذهب الواقعي الاشتراكي الذي كان أحد أهم روافدي المعرفية. من هنا، أري أن حمولات ما بعد الثورة رؤيوياً وجمالياً، بدت مختلفة عما كانت عليه قبل الثورة، إذ لعبت دوراً نبوئياً، وحتي تحريضياً، نتيجة المعاناة العظمي لإنسان المكان. مؤكد أن تقنيات هذه القصيدة-أي قصيدة الثورة- بالنسبة إلي من عاشها، وتبناها، واكتوي بلفحها- لاسيما من كان في داخل الوطن- فقد جاءت عفوية بعيداً عن الاشتغال العميق عليها، لأن لا وقت لذلك كله.
هل كان لقصائدكم في الثورة صداها في الشارع؟
لا أتصور أن القصيدة استطاعت أن تلعب دورها الجماهيري الكبير، وذلك لأن الشاعر استسلم أمام ما يدور من حرب رهيبة، أمام انتزاع الثورة تدريجياً خارج إطارها. خارج رسالتها، ولقد كان ثمة غض نظر من قبلنا جميعاً، عن بعض الانتهاكات المرئية،  وذلك لأننا كنا نتوق إلي ما بعد سقوط آلة الظلم الذي خيل إلينا أنه جد قريب، وكان جد قريب حقاً، لولا أن هذه الآلة الرهيبة ونتيجة شدة عفونتها استطاعت أن تلعب أدواراً كثيرة، وتحصل علي-سند كفالة دولية- لتواصل حياتها، ميتة، بموجبها، عبر حالة من موت وحياة، في آن واحد.

وإذا كانت الأهزوجة، والأغنية تترددان في ساحات التحرير، لتنسحبا تدريجياً لصالح-التكبيرة- ولتغيب القصيدة، إلا أن القصيدة مارست دورها علي الهامش، إذ باتت تكتب، في إطار أقرب إلي التوثيق. في إطار أقرب إلي رفع العتب، وذلك لأن دورها بات يتضاءل، وينحصر في إطار الأنتلجنسيا، في إطار الشعراء أنفسهم، وقلة جد قليلة من النقاد المتابعين-علي مضض- ما دعا بعض الشعراء ليلجؤوا في وقت مبكر للتمادح الشللي- علي أنهم من كتبوا للثورة، متجاهلين نصوص وأدوار سواهم، ولا أريد-هنا- أن أمضي أكثر في تشريح دواعي هذه الظاهرة العابرة ومفهومة الدواعي؟
لا أظن أن قصيدة واحدة لأي منا رددت في الشارع. إذ انصرف شباب الثورة إلي ظاهرة جديدة وهي صياغة العبارات التي يدونونها علياللافتات أو يرددونها، إلي جانب شعارات الثورة، وخارج إطار التكبيرات التي هيمنت علي ساحات كثيرة، وكانت تذعر النظام الذي كان يمتلك منظومة من الإجراءات أمام كل حالة.
مجموعاتك الشعرية تأخرت، ولم تصدر إلا بعد خمسة أعوام من بدء الثورة ما سبب ذلك؟
كنت أعني بوسائل أخري لأداء دوري في هذه الثورة، سواء أكان ذلك عبر المقال، أو اللقاء التليفزيوني، أو العمل السياسي في أول واجهة للثورة السورية وهي-المجلس الوطني السوري- الذي انضممت-لاحقاً- إلي أمانته العامة، قبل أن أتخذ موقفي منه. في البداية لم أتحمس لطباعة كتبي. كنت أكتفي بنشر قصيدتي، في موازاة ما يتم في بلدي، وفي وطني، كنت منهمكاً بما أعوله علي النص الذي أنشره، عبر فضاء أوسع، لأن الكتاب الذي قد تستغرق عملية طباعته وتوزيعه أشهر عدة، وقد لا يقرؤه إلا المئات، يمكن نشر محتواه خلال ثوان، وليكون متاحاً للقراءة أمام المليارات.
كنت أول من قال: نحن نعيش عصر المقال، هل هذا يعني أنك تشكك في أشكال الإبداع الأخري؟
حقاً، لقد قلت ذلك في وقت مبكِّر، ولا أعرف إن كان هناك من قال مثل ذلك من قبل. مع بداية هبوب رياح ثورة الاتصالات والمعلوماتية رأيت أن هناك اهتماماً كبيراً بالمنشور النثري، لاسيما المقال، إذ باتت مساحات كبيرة تفرد للمقال بأنواعه، بينما كان الاهتمام بالشعر أقل. أعرف أن المعدن الكريم نادر. نادر لأنه كريم وكذا حال الشعر، فقد كان نادراً أمام أشكال السرد المدون، والشفاهي -إن جازت التسمية- شخصياً غرقت في عالم المقال مطولاً، علي حساب طباعة نشر الشعر. الإبداع يظل إبداعاً. ويظل الشعر أرقي الفنون، بالرغم من أن لي تجربتي مع الأشكال الكتابية الأخري. إذ بدأت بكتابة الشعر والمسرح والمقال منذ وقت مبكر.
ماذا عن كتابك السيري »‬ممحاة المسافة»؟
المكان الذي ولدت فيه. بيئتي الأولي. والداي. جيراني. أصدقاء الطفولة. المدرسة. الشباب. زملاء العمل. حكايات بواكير الحلم والموهبة. المعاناة. الألم كل ذلك أحببت أن أتناوله، فثمة فضاء بكر لم يتناوله من الحبر إلا القليل. أن أكتب تلك السيرة كان حلماً لدي، ولذلك أقدمت علي كتابة مجرد جزء منها، علي أمل أن أكتب الكثير الذي لم أتناوله بعد.
لقد تربيت في كنف أسرة دينية، لكنك في كتابك كسرت الكثير من الحواجز من خلال جرأتك؟ لم ذلك؟
لا أخفي أنني كنت جريئاً حتي في تلك البيئة، كنت أتصرف كما أري، آخذ من البيئة ما هو إيجابي. إذ ظللت أفكركما أريد. أبي طالما كان يمازحني وهو يحدثني عن طفولتي مستعيناً بذاكرة أمي وبعض أقربائي وجيراني. وكنا نضحك. أبي »‬العالم الديني» علَّمني الجرأة. جرأتي امتداد لتلك التربية.
لماذا قررت خوض تجربة كتابة الرواية؟
كتبت في ثمانيينات القرن الماضي أول مخطوط روائي هو »‬علي هذا العنوان رجاء!» لكنه لم ير النور. لجاجة روحي لم تسمح لي أن أعمل علي هذا العالم الذي يتطلب الأناة. يتطلب الاحتراق علي مرجل هادئ. في ألمانيا وجدت ذلك الفضاء، لاسيما بعد افتقاد أرشيفي، فأحببت أن ألج غمار هذا العالم، لأن هناك ما لا يمكن للقصيدة أن تستوفيه. خذي مثالاً:
بعيد سبي النساء الإيزيديات كتبت العديد من المقالات عن داعش والإيزيديين، وهؤلاء السبايا. كتبت قصيدة»شنكالنامة». كنت أحس أن كل ذلك لم يطئ جذوة الألم، وكان لابد من أن أكتب رواية بعنوان القصيدة نفسها، عن الحدث الجلل نفسه.
ألا تري أنك لو ركزت كتابياً علي جنس إبداعي واحد لكان ذلك أفضل من تعدد المجالات الكتابية لديك؟
ما الذي يمكنني أن أفعله إن كان في داخلي ثمة سارد إلي جانب الشاعر. ثمة روائي»مؤجل» إلي جانب من هو إعلامي، إلي جانب من هو معني بأهله ويحاول جاهداً الدفاع عنهم بكل الأشكال. أعترف أن هناك تشتيتاً علي صعيد جهودي لقد أشغلني الإعلامي الذي انغمس في آلام أهله وذويه عن قصيدتي. حين يكون هناك بيت ينهار. امرؤ علي حافة السقوط في النهر. طائرة تقصف. قناص يهدِّدك فإنك تلجأ إلي الصرخة، تواجهه بكل ما لدنك ناسياً قصيدتك علي سبيل المثال. لا ضير!، فها أنا الآن أعوض؟.
والسياسة؟
عبر السياسة  تبلورت رؤاي. صنعت بوصلتي الحياتية، لأعرف أين أتموقع. صحيح أنني منذ طفولتي كنت أقف مع ذلك الطفل المظلوم في وجه من يعتدي عليه، وكبر في الطفل ذاك، من دون أن يخلع براءته، لأظل أقف إلي جانب المستضعف في مواجهة القوي، وإن كان في هذا مخاطرة تهدد حياتي. حياتي التي تعرضت للتهديد كثيراً علي أيدي آلة النظام.
لنعيد صياغة السؤال: ألا تري أنه من الخطأ أن ينخرط المبدع في الشأن السياسي المباشر؟
لا ضير علي الشاعر أن يلتزم، أن يترك حداً بينه والنار، فلا تحترق أصابعه. لا ضير عليه إن استطاع ترويض فراشات روحه كي تتفاعل مع الضوء دون أن تخسر أجنحتها، وحيواتها، لا ضير. أستطيع القول لك، في المقابل:
أي مبدع هو ذاك الذي لا سياسة لديه؟
كثيرون من الكتاب، بالرغم من إبداعهم نجدهم مشوشين فكرياً، سرعان ما ينزلقون إلي مهاوي المواقف الخاطئة لأن لا رؤي لهم، ويتأثرون بما هو مهيمن من الآراء في أوساطهم. السياسة تصقل بوصلة الرؤي التي حدثتك عنها قبل قليل.
تحضر المرأة بقوة في أعمالك، ما سبب ذلك؟
لم تريدين لكتاباتي وحياتي أن تكون جرداء؟
المرأة روح الكتابة. قلب القصيدة. ماء الحياة. كثيراً ما تمنيت لو أنني لم أكتب إلا للمرأة وحدها، أي: أن أكتب لعالم شاسع هائل هو هي، لأنها العالم كله، عماد الحياة وخثره الإبداع.
أما زلت تحب؟
ألا ترينني الآن حياً، وأتفاءل، بالرغم من كل هذه المحن التي تحاصرنا من كل حدب وصوب؟
أتيحت لي فرصة قراءة مخطوطيك الروائيين» شارع الحرية- شنكالنامة: الجنس فيهما لافت. لم ذلك؟
لا أعني بالحب الجنس. الحب لدي قد لا يتقاطع مع لحظة الجنس، كما أن الجنس في كل عمل منهما مختلف عن الآخر. في رواية شارع الحرية ثمة حب، يكاد لا يصل إلي الجنس. حب شفيف بين عاشقين كانا ضحية الغدر بحبهما. أما في »‬شنكالنامة» فالأمر مختلف إنه جنس ما بعد اغتصاب العنف. إنه الاغتصاب كإحدي متلازمات الإرهاب. الجنس بحق الحوريات الإيزيديات من قبل من خذلوا الإله، وكائناته.
وماذا عن كتابك الصادر حالياً»‬ هكذا أكتب قصيدتي»؟
يتضمن هذا الكتاب خلاصة رؤيتي للشعر. مؤكدٌ أنه وكما قال جابرييل جارسيا ماركيز ذات مرة عن كتابه »‬كيف تُكتب الرواية؟» بأن مؤلَّفه ليس عبارة عن وصفة، أو كتالوك لتعليم فن كتابة الرواية التي يقول عن كيفية كتابتها في أحد اللقاءات التي أجريت معه، عشية رحيله: كلما قرأت رواية كتبت رواية.
يخيل إلي أن قاريء الكتاب سيجد فيه تقويماً لتجربتي، بل وسيقرأ بعض الاعترافات عن خلل علاقتي بالشعر والذي تطرقنا إليه في حوارك هذا معي.
من خلال متابعة سيرتك يلاحظ أن هناك خمسة عشر عاماً من الانقطاع عن الشعر.
الانشغال بالهمِّ العام، والكتابة في مواجهة آلة النظام، وما تعرض له السوريون بشكل عام من ظلم علي يدي هذا النظام، وصعود الخط البياني إلي أن وصل إلي أقصي درجات العنف، والإرهاب، بالإضافة إلي ما يتعرض له أهلي الكرد من ظلم تاريخي، ناهيك عن مضايقات النظام لي داخل الوطن، وتأثيره علي في غربتي، وأول ذلك عدم تمديد جواز سفري واضطراري للجوء إلي أوربا بعد أن استقررت في الإمارات، قبل إصدار النظام قراره في منح جوازات السفر للجميع- ولم آخذ جوازه هذا- كل ذلك  أثر علي ، ودعاني ابتعد عن التفكير بطباعة دواويني، لكنني كنت أواصل كتابة الشعر، وإن ليس كما كنت أرغب التام في التفرغ له، نظراً لمكانته في روحي وذاتي.
وماذا عنك كناقد؟
لا أري نفسي ناقداً، وإن كنت قد كتبت المتابعة النقدية مع بداية كتابتي للشعر. دأبت أن أكتب عن بعض المجموعات الشعرية بل وبعض الأعمال الأدبية التي تشدني إليها، ماخلا حالات قليلة كتبت فيها عن أعمال لم تتوافر فيها هذه الصفة.
لكن صدرت لك في الإمارات أعمال نقدية عدة؟
كنت أعمل في جريدة الخليج، وفي بداية تعييني تفرغت للكتابة في مجال النقد الشعري. هذه الكتابات دفعت أصدقاء لي إماراتيين أن يقترحوا علي كي أجمعها، وأطبعها، وهناك من ساعدوني في مجال جمع ما نشرته، ومنهم: عبدالله السبب- منصور الشامسي »‬بشكل خاص»، لكن ما أحزنني أن الكثير من قراءاتي عن بعضهم لم أستطع ضمها إلي الكتابين النقديين اللذين صدرا عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وذلك لأنني اضطررت بسبب جواز سفري أن ألجأ إلي ألمانيا، عسي أن آتي بجواز سفري الألماني، ولكن لخلل خارج يدي تأخر ذلك، ما دعا أحد أصحاب السوابق في إيذاء زملائه في مجال العمل الصحفي -وربما غيره-  لأن يستغل الفرصة ويؤلب ضد تمديد إجازتي- مستغلاً غيابي- وهو للعلم »‬شاعر» عربي وقفت معه كثيراً!
طبعاً، آزره في ذلك إداري إعلامي عربي لا يجيد الكتابة وإنما يجيد الممالقات مع أولي أمره-أينما كان- وقد فعل ذلك بسبب موقفي من الثورة السورية التي ناصرها هو،بداية، وانقلب علي موقفه، بعد أن تبدل رأي نظام بلده في ذلك!
ما المنهج النقدي الذي تتبعه؟
ما قدمت من نقود، علي امتداد سنوات طويلة كان ينتمي إلي النقد الانطباعي، أو الصحفي. في السنوات الماضية أحببت أن أكون تكاملياً في نقدي، وأنا أعرف أن هناك أدوات ما يتم تعطيلها إن كان هذا النقد سينشر في وعاء إعلامي، كما هو حال أغلب ما كتبته حتي الآن.
وأنت هل نلت حقك نقدياً؟
عبر عقود من الكتابة لم ألجأ إلي الأساليب التي يتبعها أبعاضهم في استجداء النقد، كما أنني امرؤ صاحب موقف كما أزعم. لقد كتب بعضهم عن تجربتي. ثمة من تعامل معها بثأرية لهذا السبب أو ذاك، وثمة من تناولها بحب. يغبطني ذلك الناقد الذي يلتزم بمعايير النقد ويشير إلي ما هو معتم وما هو مضيء، بحيادية تامة، بعيدة عن أي تصميم مسبَّق: حباً أو كرهاً..!
كتبت في مقال لك: لن أهاجر يوماً ما إلي أوربا؟
أجل، في ذروة الخوف علي، كنت والشهيد الكاتب مشعل التمو في أوربا، وأقمنا ندوات كثيرة نبين فيها انتهاكات النظام السوري. نصحنا كثيرون ألا نعود إلي الوطن، وعدنا كلانا، وكان احتمال اعتقالنا وتصفيتنا قائماً. عندما اشتدت المخاطر علي وعلي أسرتي، وأصيب أحد أبنائي وهو يقوم بواجبه الإعلامي ب»طلقة في رأسه» ونجا بأعجوبة، اضطر بعض أبنائي المطلوبين لمغادرة الوطن، لم أقبل أن يهاجروا إلي أوربا بل اخترت لهم بلداً خليجياً للعمل، للعودة إلي الوطن، حال انتفاء الخطر عليهم، لكن الخطر ازداد، ولحقت بهم، ولم أهاجر إلي أوربا، وظللت في الخليج بالرغم من حصولي علي الإقامة الألمانية، إلا أن انتهاء مدة صلاحية جواز سفري وعدم تجديدها بسبب موقف النظام السوري مني ومن بعض أفراد أسرتي الذين هاجروا للسبب نفسه، اضطررت للالتحاق بهم، في انتظار أن أعود..
إننا كما قلت من مهجري الحرب المكرهين لا المخيرين..!.
ما السر في غزارة إنتاجك بعد استقرارك في ألمانيا؟
من قال لك إني استقررت؟ إنها تهمة لا أقبلها...
أنا أغترف مما كنت أنجزته من قبل. أغلب ما أقدمه مخطوطات قديمة. أهم ما حققته في ألمانيا: المخطوطات الروائية الثلاث، بالإضافة إلي كتابي السيري، ومجموعتي »‬أستعيد أبي: ديوان إيسن» وبعض المقالات والقراءات.
ماذا عن مشاريعك الحالية؟
هنا مشكلتي.....
كلما خططت لمشروع ما، لم أنجزه، ما ينجز يتم عفوياً.. طموحاتي كثيرة، أتمني أن أحققها..!