رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

في الذكري الـ 12علي حريق بني سويف:هل انتهي دور الثقافة الجماهيرية؟


حلمي النمنم

حلمي النمنم

طارق الطاهر
9/2/2017 10:12:04 AM

جدل واسع يدور الآن حول مدي صحة معلومة نقل تبعية هيئة قصور الثقافة من وزارة الثقافة إلي وزارة التنمية المحلية، بغض النظر عن نفي كل الأطراف »الثقافة- التنمية المحلية»‬، لكن تبقي حقيقة واضحة للعيان.. هو أننا لا نتحدث الآن عن الدور المفقود والغائب.. بل أن الأمر وصل إلي عدم وجود دور من الأساس في هذه الفترة، أو بعبارة أدق دور فعال، فيكفي أن أذكر أن تحت يدي بيانات تخص عدد الرواد الذين ذهبوا لمواقع الثقافة الجماهيرية في 244 موقعا منتشرة في كافة المحافظات في مدة ثلاثة أشهر.. عدد هؤلاء الرواد 22356، أي ما يقارب من سبعة آلاف متردد في الشهر لمختلف أنشطة الهيئة ما بين مسرح.. تشكيل.. ندوات.. أمسيات.. عروض لفرق الفنون الشعبية.. هذا العدد الضئيل جدا، في الوقت الذي نشطت فيه التنمية المحلية، بإقامة ليالي رمضان في حي الأسمرات، فضلا عن الاعلان عن 1000 مكتبة سيتم توزيعها علي القري والأماكن الأكثر احتياجا، وهي أدوار سبق أن قامت بها الثقافة الجماهيرية، بل كانت في الحقيقة جزءا أصيلا من صميم عملها.. لكن في هذه اللحظة نتساءل ما مهام ووظيفة الثقافة الجماهيرية؟
أهمية طرح هذا السؤال في هذا التوقيت أننا نستقبل العام الـ12 لحريق قصر ثقافة بني سويف، الذي أسفر عن استشهاد وإصابة قامات ثقافية كبيرة، والسؤال تحديدا: هل استطاعت الثقافة الجماهيرية أن تتجاوز هذه المحنة، أم أن النيران أمتدت لتشمل جسد »‬ قصور الثقافة»، الإجابة بالتأكيد تضع أيدينا علي حقائق واضحة.. أنه رغم كل المحاولات التي تمت في فترات متباينة لم تستطع »‬ الثقافة الجماهيرية» الوقوف مرة أخري.
أتذكر هنا أولي هذه المحاولات، التي جاءت بعد أقل من الشهرين علي وقوع كارثة بني سويف، حينما دعا د. أحمد نوار الذي تولي رئاسة الهيئة في هذه التوقيت، وقرر أن يجتمع مع نخبة من المثقفين والمهمومين بأمر هذا الجهاز الهام للخروج بما يسمي »‬ وثيقة إصلاح الهيئة العامة لقصور الثقافة»، وربما يكون هو الاجتماع الأوسع الذي تم وطرحت فيه آراء مختلفة منطلقة من تشخيص اللحظة الراهنة، مع الوضع في الحسبان دور ومستقبل »‬ الثقافة الجماهيرية»، إنطلاقا من السلبيات التي تم حصرها في هذا الاجتماع، وسأذكر بعضها للتأكد أننا لم نسر إلي الأمام خطوة، فمما ذكر لكي ينطلق هذا الجهاز: الاهتمام بالثقافة الحقيقية أكثر من الاهتمام بالمهرجانات، زيادة الورش المسرحية، الاهتمام بالتدريب المادي والإعلامي لمسرح الأقاليم، حل مشكلة ضعف الميزانيات، والتأكد من إنفاقها في أوجهها الصحيحة، والقضاء علي سوء توزيع المتاح منها، حل مشكلة الجهاز الإداري غير اللائق من خلال إعادة سياسة »‬ المثقف قبل الموظف» وعدم الاعتماد علي الموظفين غير المؤهلين للنشاط وغير المؤمنين برسالته، حل مشكلة البيروقراطية والمركزية الإدارية، حل ظاهرة المحسوبية في اختيار النصوص التي تقدم في العروض المسرحية، وعرض الأعمال المسرحية لمدة أسبوع أو شهر وليس ليوم واحد، العودة للاهتمام بالكيف علي حساب الكم، والتأكد من ممارسة النشاط الفعلي وليس تسديد الخانات البيروقراطية المفبركة، إعداد دور عرض لائقة، فهي حاليا غير مجهزة وتقنيات العرض وأدواته متهالكة وغير صالحة للعمل، عروض المهرجانات المسرحية يجب أن تقدم للجمهور ولا تكون من أجل التنافس فقط، عودة الأهداف الاستراتيجية العامة التي تمثل رسالة واضحة يلتف الجميع حولها ويدافعون عنها، منح مديري القصور صلاحيات واسعة، تعيد فكرة أن يكون كل قصر ثقافة بمثابة وزارة ثقافة مصغرة في الإقليم، تتعامل مع الجمهور بوصفهم يحملون ثقافة مختلفة علينا أن نستوعبها قبل أن نعلمهم ثقافتنا، ضرورة الاستعانة ولو مرحليا بمبدعين كبار، ونشطاء ثقافيين من خارج الهيئة للإشراف علي الأنشطة الثقافية، أن تستهدف السياسة الثقافية اعتبار الثقافة صناعة ثقيلة، وأداة للتنمية الشاملة وعلي رأسها الإنسان الذي لابد أن تعاد إليه الثقة في بلده والشعور بالانتماء إليه وإلي قيمته، أن يكون المستهدف هو تشكيل مبدع قادر علي التواصل مع مجتمعه وليس كل طموحه النزوح بإبداعه إلي العاصمة، حل مشكلة الصيانة، رفع ميزانية التزويد الإقليمي للمكتبات في مقابل التزويد المركزي، لأن كل إقليم أدري باحتياجاته من الكتب الجديدة، وغير ذلك من السلبيات التي تم المناقشة حولها للوصول إلي صيغة لحلها، لاسيما أن  ــ المتحدثين  للأسف ــ طرحوا كل ما نعيد طرحه الآن، فعلي سبيل المثال تساءل في هذا الاجتماع الروائي إبراهيم عبد المجيد عن: الفلسفة التي يجب أن تتحرك في إطارها الثقافة الجماهيرية هل هي لتدريب الناس علي الثقافة.. هل لكشف المواهب أم عرض المواهب واقترح أنه لابد من توزيع الميزانية علي الأقاليم بشكل عادل في الأنشطة المختلفة، وتساءل عز الدين نجيب عن خطة وبرامج العمل في المرحلة المقبلة، وبوضوح قال محمد بغدادي »‬ لابد من الاعتراف أن الثقافة مثلها مثل كل القطاعات تتجه ناحية الخصخصة وهو يتم علي استحياء، لا لشئ لكن الثقافة الجماهيرية هي آخر خندق للثقافة الوطنية، وأشعر أن الثقافة تسير في اتجاه والمجتمع يسير في اتجاه معاكس.. كيف نخرج من هذا المأزق» وأضاف بغدادي »‬ واجب علي الثقافة الجماهيرية أن يكون تواجدها مؤثرا، مما يستدعي بث الحياة فيها وفقا للمتغيرات في المجتمع.. لابد من التنسيق مع المجتمع المدني وجمعياته الأهلية».
ما قاله بغدادي يجعلني أتوقف عن استكمال قراءة أوراق هذا المحضر الخطير والهام، في رصد مسيرة هذا الجهاز، لأن ما قاله من 12 عاما تحقق.. فلم تستطع الثقافة الجماهيرية القيام به في الوقت الحالي.. وأقصد علاقة المشاركة مع جمعيات المجتمع المدني.. وهنا لابد أن اسرد واقعة يثار حولها اللغط في هذه الأيام، وهي عن الدعم الذي تلقته الثقافة الجماهيرية بغرض تفعيل الأنشطة الثقافية، لاسيما في جنوب مصر..هذا البرتوكول الذي شابه العديد من الأخطاء الإدارية والإجرائية، التي حالت دون أن يحقق النتائج المرجوة منه، فاللأسف لم تحسن رئاسة هيئة قصور الثقافة استكمال الخطوات القانونية لهذا المشروع الهام، وكان هناك تسرع غير مفهوم لتفعيله، دون أن يكون هناك استراتيجية تضمن نجاحه علي أرض الواقع، وليس أدل علي ذلك من أمرين، الأمر الأول هو الخطاب الذي أرسله عبد الحافظ بخيت مدير عام إدارة النشر والمشرف علي هذا المشروع إلي د. سيد خطاب رئيس هيئة قصور الثقافة وقتها، ومما جاء في هذا الخطاب: »‬أنه بدراسة موقف الفرق الفنية والاستعانة بها وموقف القائمين علي مختلف الأنشطة التي تقوم بها الهيئة في هذه المحافظات، تلاحظ أن توقيتات تنفيذ برامج أنشطة الهيئة تتعارض في بعض توقيتاتها مع توقيتات تنفيذ وزارة الشباب والرياضة لأنشطتها، بما سيؤثر علي إقامة وإعاشة الفرق وباقي الأنشطة الثقافية والفنية بمراكز الشباب المتاحة في هذه المحافظات ترشيدا للنفقات، وبالتالي سيؤثر علي تنفيذ البرنامج المزمع تنفيذه في ضوء بروتوكول التعاون ومؤسسة مصر الخير»، الأمر الثاني الذي لابد من الاشارة إليه في موضوع هذا البروتوكول أن مجلس الإدارة تنبه إلي أنه من الضروري التنسيق مع وزارة الشباب، وإلا سيفشل المشروع، وهو ما حدث علي أرض الواقع، وأكده خطاب بخيت السابق الذي أشرت إليه، لذا لم يعتمد مجلس الإدارة هذا البروتوكول، وكانت المفاجأة الكبري توقيعه أساساً من قبل سيد خطاب قبل العرض علي مجلس الإدارة، وكذلك قبل اعتماد وزير الثقافة للمحضر المتضمن هذا الوضوع، وهو الأمر الذي محل تحقيق الآن، لكن الغريب أن مجلس الإدارة منذ هذا الاجتماع في 15 مارس الماضي لم يتم دعوته للانعقاد مرة أخري، طوال الأشهر الماضية، وفي ذلك تحد واضح للقرار الجمهوري لإنشاء الهيئة العامة لقصور الثقافة، التي نصت المادة السادسة منه: يجتمع مجلس إدارة الهيئة مرة علي الأقل كل شهر بدعوة من رئيسه، وللوزيرالمختص أن يدعو المجلس إلي الانعقاد كلما رأي ضرورة لذلك، ولا يكون انعقاد المجلس صحيحا إلا إذا حضره أغلبية الأعضاء، وتصدر القرارات بأغلبية آراء الحاضرين وعند تساوي الأصوات يرجح الجانب الذي منه الرئيس.
ما ذكرته عن البروتوكول وما يشبه تجميد مجلس الإدارة، يدل علي المستوي الإداري الذي وصلت إليه الهيئة، ويدعو للعديد من علامات التعجب والاستفهام علي طريقة أداء الهيئة لمهامها، فما حدث يدل علي عجز تام وشلل أصاب هذا الجهاز، ربما بدرجة غير مسبوقة، شلل أخرج الثقافة الجماهيرية من تحمل مسئولياتها، العجيب أنني عندما أعود للمحضر الذي أشرت إليه سابقا والخاص باجتماع د. أحمد نوار مع عدد من المهتمين بالثقافة الجماهيرية، أجد واحدا من أشد المدافعين الآن عن ضرورة عودة فلسفة الثقافة الجماهيرية مرة أخري، أجده يسجل في نقاط محددة تخوفاته، التي أطلقها منذ 12 عاما، وأصبحت حقيقة في أوقاتنا هذه، ما قاله أحمد عبد الرازق أبو العلا نصا: »‬أخشي أن يذهب هذا الكلام أدراج الرياح، خاصة أنها ليست أول جلسة من هذا النوع، بل تم عقد العديد من المؤتمرات بتوصيات لا تنفذ، والمسألة لها علاقة بالاستراتيجية العامة لوزارة الثقافة والتي دفعت بهذا الجهاز إلي هذا المأزق ونقاط الضعف موجودة ولكن اشتدت بسبب سياسات وزارة الثقافة، فالهيئة تولاها 7 رؤساء، 4 منهم جاءوا في فترات انتقالية و3 رؤساء كان أطولهم في المكوث بالهيئة أنس الفقي، ولا يوجد قيادة ثقافية تستطيع أن تضع ما اتفقنا عليه موضع التنفيذ، لابد من وجود قيادة ثقافية تأخذ وقتها في الإصلاح من داخل هذا الجهاز، الهيكل الوظيفي بالهيئة كان مرتبطا بوظيفة لها أهداف، ذهبت الأهداف والوظيفة وبقي الهيكل، فأصبح هناك سوء أداء ثقافي ومالي والميزانية التي تبلغ 32 مليون جنيه، لا أحد يعرف أين تذهب والأنشطة المظهرية السنوية مثل القراءة للجميع واحتفالات رمضان تهدر أموال الهيئة، وهناك خطة تنفي حركة المسرح الإقليمي بحجة المحرقة ولكن هناك بدائل الأماكن المفتوحة، نحن مع التوسع الأفقي، ولكن جيش الإداريين غير المجهزين لدعم هذا التوسع مظلوم لأنك لا تستطيع أن تعطيه حقه، الاهتمام بالقصور العادية يجب أن يكون مثل الاهتمام بالقصور المتخصصة، هناك آلاف المبدعين لم يستفد منهم هذا الجهاز وهذه كارثة، يجب تشكيل لجنة من الموظفين والمتعاملين مع الثقافة في شكل اجتماعات دورية يتم مناقشة السياسات والاستراتيجيات، لابد من وجود قيادات ثقافية قوية قادرة علي عدم الانصياع الأجوف لتعليمات الرؤساء، لابد من تميز رئيس الهيئة ودعمه، ليستطيع أن يمتلك الاستقلالية في قراراته».
هذا ما ذكره الكاتب الكبير أحمد عبد الرازق أبو العلا ــ وهو  ابن هذا الجهاز ــ منذ سنوات وهو تقريبا، نفس ما نعاني منه الآن، وربما بشكل أكثر خطورة، وأصبحنا الآن أكثر من أي وقت مضي في احتياج إلي أن ننفذ ــ أيضاــ ما قاله المخرج الكبير عبد الرحمن الشافعي في الاجتماع الذي أتحدث عنه، عندما قال: لابد من تشكيل لجنة الحكماء والخبراء وتكون بمثابة العقل المفكر الذي يتولي طرح أفكار وأطروحات في المجالات الثقافية والفنية، ولجنة استشارية يؤخذ رأيها وتعمل بالتنسيق مع الجهاز التنفيذي.
للأسف الشديد صدرت وثيقة إصلاح الثقافة الجماهيرية منذ 12 عاما، وكانت النتيجة عدم الالتفات إليها بما يتناسب مع قيمتها، ليتراجع الأداء إلي هذه الدرجة التي للأسف فقدت فيها الهيئة توازنها تماما.