رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

نزهة مع نجيب محفوظ:نظرة محايدة علي الستينيات


محمد سليم شوشة
9/2/2017 11:23:48 AM

تمثل رواية نزهة مع نجيب محفوظ للكاتبة اليونانية بيرسا كوموتسي والصادرة ترجمتها ضمن سلسلة الجوائز في الهيئة العامة للكتاب عملا روائيا مهما وله قدر كبير من الخصوصية لعدة أسباب، فهي رواية لكاتبة أجنبية عن الحياة المصرية وفترة مهمة من فترات التاريخ المصري الممتلئ بالأحداث والصاخب بالتحولات بين الهزيمة والنصر والتحولات الاقتصادية والثقافية. ربما من الأعمال القليلة التي اطلعت عليها حسب اطلاعي تلك التي يكتبها كتاب أجانب عاشوا في مصر. الرواية ليست بالضبط نزهة مع نجيب محفوظ بقدر ما هي نزهة في الحياة المصرية والتاريخ المصري القريب.

الرواية ـ التي ترجمها د. خالد رؤوف ـ  في جانب منها وفي تقديري في دوافع قراءتها تمثل رؤية الآخر المختلف في الدين واللغة والثقافة لحياتنا ومفرداتها، كيف كان يراقب أوجاعنا وصدماتنا والتحولات الكبري في حياة المصريين في هذه المدة التاريخية. في بعض فقرات الكتاب تصرح علي لسان بطلتها بأن الحياة في مصر تؤسس لشخصية قادرة علي الاختلاف واحترام الآخر والمختلف دينيا، فهذا ما صنع منها هذه الشخصية التي تأخذ الرواية شكل السيرة الذاتية لها. تقول: بالنسبة لي، وكما أعتقد بالنسبة لكثيرين غيري، ثم زرع بذرة جديدة ومفهوم جديد فيما له علاقة بالعبادة والإيمان والقناعات الدينية، وكان ينمو بداخلي تفهم الآخرين، في أي مكان في العالم، مما أعاد بناء أساسات الاختلاف والقناعات الدينية والفكرية، فاتحا في اللحظة نفسها طرقا لفهم روحاني ووجودي أعمق»‬. الرواية ص47.
يبدو إحساس البطلة بالحياة في الشرق غرائبيا يمزج ما عاشته بشكل حقيقي في شوارع القاهرة مع ما أنتجته القرائح الأدبية والتراث الأدبي بصفة عامة عند المصريين والثقافة العربية، وهذا الإحساس بالغرابة وخصوصية الموقع والمكان ربما هو ما يفتقده كثير من الكتاب المصريين الذين ليسوا مضطرين للمقارنة لأنه ليس مزدوج المكان والثقافة مثلها. مزدوج الثقافة يكون أكثر قدرة علي استشعار الخصوصية والإحساس بتفاصيل بعينها تكون أكثر ثراء بالمعاني والقيم الدلالية وهذا ما يتحقق في كل الرواية ويمثل روحا عامة تسري فيها.
علي أن الجانب الأبرز هو القيمة المعرفية للرواية النابعة من كونها تمثل شهادة تفصيلية علي الحياة الثقافية المصرية، فهي شخصية امتزجت بالحياة الثقافية في مصر واندمجت فيها اندماج محبة ولهذا غاصت في تفاصيلها فعرفت الأعلام مثل طه حسين ونجيب محفوظ ويوسف إدريس والسباعي وأنيس منصور ورشاد رشدي الذي تقول إنها عشقته لمدة. المسرح بشكل خاص تقدم الكاتبة شهادتها حوله وكيف كان مزدهرا في تلك الحقبة والعوامل التي تظنها وراء ذلك. علي أن الجانب الأبرز في الرواية هو محاورتها لعدد كبير من أعمال نجيب محفوظ فتأتي بقدر كبير من الاقتباسات وتعمل في خطاب روايتها نوعا من تفاعل النصوص الروائية لنجيب محفوظ التي يأتي استدعاؤها نابعا من المكون الذي تتماس معه الرواية، وكثيرا ما يحدث هذا مع الجانب السياسي، فحين تتعرض لملمح من الحياة السياسية في مصر فإنها تلجأ إلي نجيب محفوظ أو المعلم الأكبر كما تسميه وتصفه دائما قبل اقتباساته بما يعكس قدر اندماجها في عالم نجيب محفوظ ورواياته وقدر معرفتها بصلة هذه النصوص الروائية بالمجتمع المصري من الناحية السياسية أو الدينية وغيرها من الملابسات والدوافع.
>>>
تغوص الكاتبة مع مشاعرها إزاء الثقافة المصرية ومراحل تكوينها العلمي والمعرفي في المدارس اليونانية في مصر. وعلاقتها بشكل خاص مع اللغة العربية ومعلميها. مع الكيفية التي تحصل بها علي كتب اللغة العربية وكيف كانت تفضلها علي اليونانية لغتها الأصلية.
ومن أهم مصادر خصوصية هذه الرواية هي صورة شخصية نجيب محفوظ الحاضرة فيها، فهو يأخذ شكل البطل الأسطوري الذي يسيطر علي تفكيرها من قبل أن تقرأ له، ثم تتضاعف هذه المحبة مع قراءة كتبه والاقتراب التدريجي من عالمه وعالم شخوصه. يبدو نجيب محفوظ الروائي الكبير في هذه الرواية شخصية أسطورية، فيبدو أحيانا وحده دون بقية البشر القادر علي الرؤية والنفوذ إلي أعماق الحقيقة ببصر وبصيرة حادين، مثل كهنة القدماء المصريين. تحذف الاسم كثيرا من لغة خطاب روايتها حتي لا تبدو مجرد كاتبة تقارير صحفية عن هذا الأديب الكبير، وتميل إلي الضمير لتصنع بطلها الأسطوري الخارق والخاص بعالمها السحري الذي يمثل مركز السحرية في الشرق بآثاره وتاريخه الممتد العميق الذي عاشته، كيف كانت تري الصحراء وتغير لونها تحت الشمس، وكيف كانت تري سحرية الأهرامات وغيرها من الآثار المصرية القديمة، كيف كانت تري النيل وتحسه وكيف ترسخ في وجدانها بوصفها واحدة ممن عاشوا علي هذه الأرض ونعموا في يوم ما برحلة نيلية أو أكثر، كلها أشياء حاضرة في هذه الرواية الشفيفة والإنسانية والنابعة من لغة ذاتية تتسم بقدر كبير من الصدق والرغبة في فعل الكتابة تحت ضغط ووطأة ما يثقل كاهلها من الذكريات والمحبة للثقافة المصرية والحياة المصرية عموما.يحضر نجيب محفوظ بوضعيات متفاوتة في الرواية وتتسم بقدر كبير من التنوع، فهو البطل الأسطوري الذي تراقبه يدخل ويخرج لمبني الثقافة والتعليم، وهو المبني الذي اقترن لديها من بداية الوعي الطفولي بالغرابة والغموض، كما لو كان مغارة سحرية. وهو كذلك البطل الأسطوري الذي يخبرها عنه زميل طفولتها عادل الذي يهاجر هو وأهله إلي إحدي الدول العربية ولا تعرف عنه شيئا بعدها كما لو كان جنيا اختفي وذاب للأبد في الوجود أو ما ورائه. والوضعية الثانية وهو الكاتب والحكيم صاحب البصيرة والمعلم الكبير، الذي تجبرها ملامح كثيرة من عظمته علي أن تجعله حاضرا بنصوصه وبكلامه وباقتباسات كثيرة من رواياته وقصصه. فهو الذي يتحدث عن الحرب وهو الذي يتحدث عن السلام وعن الحياة وعن الموت وعن الحب وعن الحبيبة وغيرها من القيم والمعاني التي تبقي الكاتبة غير قادرة علي الإحساس أو الرؤية دون الرؤية المصاحبة أو المركزية في نصّها وهي رؤية نجيب محفوظ. ويظهر كذلك بشكل الإنسان أو المواطن العادي الذي ينخرط في أعباء بناء وطنه ومعايشة أحواله ومشاكله وقضاياه، ففي هذه الرواية ربما نقترب من نجيب محفوظ المواطن الذي نرصد عليه أثر النكسة ومعاناة الوطن في تلك المدة وتأثير ذلك علي عمله وحضوره إلي المبني الأسطوري (مبني الثقافة والتعليم) بتعبير الكاتبة وإحساسها بالمكان وبعدد كبير من مبانيه علي رأسها هذا المبني الذي تحسه غامضا وأسطوريا غريب البوابة والنوافذ المغلقة باستمرار، ينزل الكتاب والأدباء أو بالأحري الرجال بحللهم الأنيقة ويدخلون ويخرجون دون أن تعرف شيئا عن عملهم السري والسحري، ولا من أين يأتون ولا إلي أين يذهبون، حتي تعرفهم بعد ذلك في مراحل لاحقة وتشهد علي دورهم وأثرهم الكبير في الثقافة المصرية والعربية عموما. يظهر كذلك نجيب محفوظ بالوجه الإنساني البسيط الذي يرجو الخير للجميع يتواصل مع الأطفال ويراقب حركتهم كما يراقبونه في دخوله وخروجه من البناية التي تقابل مساكنهم.
تميل بيرسا كوموتسي في روايتها إلي اقتباسات مطولة عن رواية أمام العرش لنجيب محفوظ وهي الرواية التي تقارب عطاء رؤساء مصر وحكامها وتركز بشكل خاص علي حكام عصرها ومدتها هي التي انغمست فيها وجدانيا وهي المدة من النكسة حتي نصر أكتوبر 73 ومعاهدة السلام، لتبدو شخصية مصرية مستغرقة بدرجة كاملة في الحياة السياسية المصرية وقضاياها وبدرجة كبيرة من التجرد والهدوء أو غياب الانحياز المسبق أو العامل علي الحد من الموضوعية والعقل النقدي الأقرب بقدر كبير من التوازن. كما لو أنها اتفقت تماما في رؤية نجيب محفوظ للأحداث السياسية وتطابقت مع رأيه في الزعيمين جمال عبد الناصر وأنور السادات.
>>>
لتبدو الرواية علي هذا النحو خطابا سرديا متشعبا يتسم بقدر كبير من القدرة علي الإحالات الجمالية والمعرفية علي كتب أخري وأصوات مغايرة خارجه ويذيبها داخل نسيجه بشكل متدرج وطبيعي ودون افتعال. الرواية في تقديرنا من السرد ما بعد الحداثي الذي يحتفي بالمعرفة ويتجاوز فكرة الحبكة أو الحدوتة إلي أشكال أخري من المتعة القائمة علي التحقيق والرأي وطرح الأسئلة والأفكار. فنجد علي سبيل التمثيل رأي البطلة في الأعمال الدرامية والسينمائية المأخوذة عن روايات لنجيب محفوظ، وانطباعاتها عن هذه الأفلام وهي ربما لا تذهب إلي بعيد عما رآه كثير من النقاد والفنانين أو حتي عامة المثقفين المصريين من ابتسار الروايات وأن الجمال الأساسي يبقي فيما كتب نجيب محفوظ ولا غني عن الرجوع لهذه الروايات والتدقيق في كل عبارة وكل كلمة. وبشكل عام فإن ما مارسته البطلة في الرواية من نقد وقراءة لأعمال نجيب محفوظ يمثل قيمة جمالية مهمة وتداخلا للأنواع والأصوات في سرد يفعل ذلك بمقدرة ودأب نابعين من وحدة شعورية ووحدة عضوية ناتجة عن الحال العامة التي تقاربها الرواية من غوص في الثقافة المصرية بأبعادها المختلفة سواء بفنونها وأدبائها ورجالها الأسطوريين وشوارعها وأبنيتها وتاريخها بين الوجع وفرحة الانتصار. فيأتي السرد والخطاب كله متماسكا برغم تشظيه وتشعبه بما يعادل ويوازي ويمثل تشظي الحياة المصرية وتشعبها. تقترب كثيرا بطلة الرواية من شخصيات محفوظ وبخاصة النسائية وتحاول الغوص فيها والبحث عنها في وجوه المصريات من حولها في الشوارع والأماكن العامة، تتوقف مع الثلاثية وأولاد حارتنا والحرافيش وباقي من الزمن ساعة، وغيرها من النصوص التي مثلت لها مصدر دهشة كبيرة علي نحو ما أدهشتها الثقافة المصرية الحقيقية والحياة التي عاشتها بشكل حقيقي بعيدا عن الكتب. البطلة كذلك هي إحدي مترجمات أعمال نجيب محفوظ ولهذا تتحدث عن قرب وعمق عن عملها في الترجمة وكيف يجعلها عملها ملزمة بالغوص في أفكار الكاتب، ومن ثم لا يخلو هذا البعد من فوائد عن الترجمة في المطلق وخلاصة رأي الكاتبة فيها.
الرواية تمثل كذلك قصيدة محبة طويلة لنجيب محفوظ مغلفة بالشعرية وبمبررات هذا الحب الكبير والإعجاب المؤسس علي اطلاع وعلاقة قوية بكل ما كتب. وفي الرواية كذلك نجد صورتين للحياة في مصر، صورة الحياة التي رأتها هي بعينيها وعاشتها وصورة الحياة التي لمستها وتابعتها في روايات محفوظ، والحقيقة أنها دائما ما كانت تقرّ بأن الحياتين متطابقتان إلي حد بعيد.