رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
شرق وغرب

أيهما يكسب نوبل 2017: الأديبات أم المراهنات؟


أولغا توكارتشوك

أولغا توكارتشوك

جمال المراغي
9/16/2017 12:50:29 PM

خاضت جائزة نوبل في الأدب رحلة طويلة تجاوزت الستة عشر عاما بعد المئة الأولي، ومرت خلالها بالعديد من المنعرجات الخطيرة التي يمكن أن تعصف بها، وواجهت عشرات التحديات، وكان أصعبها ما تعلق بالتحيز والعنصرية لفئات ضد أخري، والتي حاولت أن تتفاداها قدر المستطاع، ومنها نبذ النساء رغم ظهور نابغات يستحققن الظفر بها.
علي الرغم من أن الجائزة لم  وربما لن  تتمكن من أن تساوي بين النساء والرجال في نوبل إجمالا، لكنها حاولت إرضاءهن مبكرا عندما منحت جائزتها الأدبية العاشرة في عامها التاسع للسويدية »سلمي لاجرلوف»‬، التي سبقت كل أبناء بلادها ـ رجالا ونساء ـ في ذلك، وكان عمرها 51 عاما فقط، ثم كانت الثانية بعد سبعة عشر عاما، وذهبت للإيطالية »‬جراتسيا ديليدا» عام 1926، وهكذا أخذت نوبل تتذكر النساء ما بين فترة وأخري حتي كان عام 2013.
بعد فوز الكندية »‬أليس مونرو» بالجائزة المئة وعشرة وكانت الثالثة عشرة من النساء؛ أشيع أن الأكاديمية السويدية التي تدير جائزة نوبل للأدب ستمنحها للنساء والرجال بالتبادل عاما بعد الآخر بداية من مونرو، وقوبل هذه التوجه غير المؤكد بشد وجذب كبيرين بين مؤيد ومعارض، وصمتت الأكاديمية ولم تعلق، وراوغ أعضاء لجنة نوبل؛ فلم يؤكد أو ينفي أي منهم، وإن بات الأمر شبه مرجح بعد فوز الفرنسي »‬باتريك موديانو» بالجائزة التالية ثم البيلاروسية »‬سفيتلانا أليكسييفيتش» فالأمريكي »‬بوب ديلان»، أي امرأة ثم رجل فامرأة ثم رجل.
ويتأكد هذا التوجه إذا ما ذهبت نوبل 2017 لامرأة، ووفق هذه الفرضية، فإن وجهة أهم جائزة أدبية عالميا ستخضع للفكر السائد بين أعضاء لجنة نوبل وقدر الضغوط التي تمارس من اتجاهات مختلفة، فإذا أرادت أن تخفف من حدة الجدل المثار حولها في السنوات الأخيرة، وتكسب تأييدا كبيرا يعدل الميزان كلما مال، مثلما فعلت عندما منحتها لماركيز أو ساراماجو أو جراس فأمامها خياران من العالم الجديد، لكل منهما عظيم التأثير كما وكيفا، ونشاط كبير ومتعدد.
فيمكنهم أن يمنحوا الجائزة للكندية »‬مارجريت إتوود» (77 عاما) ابنة جامعة هارفارد التي درست بها الأدب والفنون، وأهلتها لتصبح أستاذا في العديد من الجامعات منها كولومبيا البريطانية، سير جورج ويليامز،يورك وغيرها، وصاحبة انتاج أدبي ضخم ومتنوع بدأته بالشعر ثم أبدعت كروائية وساهم هذا في إبرازها كشاعرة، وأخذت تتنقل بين زهرات الأدب من الروايات القصيرة والطويلة إلي الشعر والقصص القصيرة والمسرحيات، وكذا كتب الأطفال، كما غاصت في الكتابة الفكرية والفلسفية.
 كان لإتوود وكتاباتها دورها البارز في تعزيز الهوية الكندية ثقافيا واجتماعيا، من أهم أعمالها »‬قصة الخادمة»، »‬مفاوضات مع الموتي» ، »‬القاتل الأعمي»، »‬جريمة في الظلام»، وغلفت مسيرتها الأدبية بنشاط إنساني وسياسي كبير، وقدرة علي التفرقة بين الأمور، فلم يمنعها موقفها الواضح من ممارسات الكيان الصهيوني؛ أن تقبل جائزة ثقافية من تل أبيب.
من أمريكا الشمالية إلي نظيرتها الجنوبية، توجد المبدعة التشيلية »‬إيزابيل الليندي» (75عاما) بأنتاجها الروائي الغزير والمؤثر بشدة في القارة اللاتينية التي يتحدث معظم أبنائها باللغة الأسبانية، وأسهم في ثراء كتاباتها؛ حياتها التي بدت مضطربة في مختلف مراحلها، ما بين ابنة أخ رئيس البلاد ثم لاجئة في المنفي بعد خلع عمها من الحكم، وعملها في الصحافة لسنوات طويلة ثم صدمتها في وفاة ابنتها، جم من الأفكار والمشاعر بلورتها الموهبة ووضعتها في قالب روائي لا مثيل له.
تمتعت الليندي بقدرة نادرة علي تحليل وتفسير كل فكر وإحساس يمكن أن يعيشه أي إنسان لاتيني، بل وشاركهم في ذلك ملايين القراء خارجها، والأهم أنها ضربت المثل في استثمار المصائب والاستفادة منها في حياتها وجسدت ذلك في كتاباتها، ومن أعمالها »‬بيت الأرواح»،»‬عن الحب والظلال»،»‬مدينة الوحوش»،»‬غابة الأقزام» للأطفال، و»‬الجزيرة تحت البحر».
لدي إتوود والليندي كل المقومات التي تجعلهما تستحقان جائزة نوبل، ويعضد ذلك استمرارهما في تقديم الأعمال المتميزة وآخرها هذا العام، للأولي رواية »‬بذرة الساحرة» وللثانية »‬في منتصف الشتاء»، ولكن ربما سخريتهما من جائزة نوبل عدة مرات أبعدتهم عنها بعدما ظلا لسنوات طويلة من أبرز المرشحات، فكانت الليندي ضحية يوسا الذي نال الجائزة كلاتيني بدلا منها عام 2010 وهو يستحقها، وإتوود ضحية أليس مونرو التي فضلتها نوبل عام 2013، والفرصة مواتية لتصحيح الأمور.
من زاوية مكملة، فهناك ما يقترب كثيرا من أن يكون توجها بدأته نوبل عام 2012 عندما منحت جائزتها في الأدب للصيني »‬مو يان» الذي يميل للقصة القصيرة ومثله الكندية »‬أليس مونرو» في العام التالي، ثم كل من الفرنسي »‬باتريك موديانو» والبلاروسية »‬سفيتلانا أليكسييفيتش» عامي 2014و2015 واللذين يكتبان الرواية، وصولا للشاعر الأمريكي »‬بوب ديلان» العام الماضي.
وفقا لهذا التتابع؛ فإن الفائز التالي شاعرة وهو ما يرجح كفة إتوود، ولكن وإن استمرت نوبل في إبحارها في اتجاه معاكس، وأن تبحث عن شاعرة علي شاكلة ديلان، فربما يقع اختيارهم علي الفرنسية »‬برجيت فونتين» (78 عاما) فهي شاعرة غنائية ومغنية وأيضا ممثلة وكاتبة مسرحيات وأفلام وقصص قصيرة، وصاحبة تأثير شعبي كبير لأكثر من خمسة عقود، وتطابقت مع ديلان في هذا، وأنهما غير مقبولين علي المستوي الرسمي في بلديهما.
وربما تتفوق فونتين في مواجهاتها الإنسانية والسياسية علي ديلان؛ والتي لم تكتف بأن تكون جزءا من نشاطها، بل سخرته بأكمله لذلك منذ عام 2001، فمن خلاله استكملت معارضتها للحروب ضد العراق ثم غيرها من البلدان بحجة القضاء علي الإرهاب، كما طالبت بحقوق المهاجرين غير الشرعيين إيمانا منها بأن العالم واحد بلا حدود ولكل إنسان حقوقه في أي مكان يذهب إليه، ودافعت أيضا عن حقوق البشر في السجون.
أما الأخطر في مسيرة نوبل؛ فيتعلق بمكاتب المراهنات واختراقها للجنتها في السنوات الأربع الأخيرة، ففي عام 2013 فازت مونرو التي تصدرت قوائم كبري هذه المكاتب فجأة لتخسر بعض المال، ولكنها عوضته أضعافا عندما نال موديانو الجائزة في العام التالي، وهو من خارج قوائمها، ثم أعيدت الكرة عام 2015 بفوز أليكسييفيتش التي تصدرت المراهنات فجأة أيضا ليتدافع المراهنون نحو مكاتبها في العام الماضي، وتحقق أكبر مكاسبها بعدما فاز ديلان والذي لم تتضمنه أي من صدارة قوائم المراهنات.
وسيصبح الشك الكبير يقينا إذا ما تصدرت في الأمتار الأخيرة ودون مقدمات كاتبة مثل الشاعرة اليوغسلافية الأصل والهولندية الجنسية »‬دوبرافكا أوغريزيتش» أو الناقدة البولندية »‬ أولغا توكارتشوك» قوائم المراهنات ثم فازت، ويصبح هذا تمهيدا لتحقق مكاتبها مكاسب أكبر العام القادم، وهو ما يعني بوضوح أن جوائز نوبل سقطت في أيديهم تماما، وعلي من يهمه الأمر التحرك قبل فوات الأوان.