رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

الآثار تؤجر المتحف المصري مقابل ترميم حماماته

«شيء قديم، شيء جديد» .. شيء مريب!


أسامة فاروق
11/25/2017 2:28:39 PM

»بنستلف 81 مليون جنيه عشان ندفع المرتبات»‬. جملة وزير الآثار تفسر الكثير مما يجري في وزارته.
لا ينكر خالد العناني الأزمة المالية لوزارته، وليس من مصلحته ولا مصلحة الجميع أن يفعل. لكن بالتأكيد ليس من مصلحته ولا مصلحة الجميع أن تصبح الآثار المصرية مستباحة لمن يدفع.
تراجع دخل الوزارة عقب الثورة من مليار و300 مليون تقريبا إلي 270 مليونا، إضافة إلي زيادة أعداد الموظفين والرواتب، والتراجع الكبير في أعداد السائحين، وكانت النتيجة 4.5 مليار جنيه ديوناً مباشرة علي الوزارة، ومليارا و400 ألف جنيه مشروعات متوقفة، أي ما يقرب من 6 مليارات جنيه ديوناً، أزمة كبيرة، تستدعي البحث عن حلول عاجلة، تستدعي التفكير خارج الصندوق، لكن بالتأكيد ليس علي حساب التركة العظيمة نفسها.

تحت بند البحث عن الموارد، قبل الرجل وقبله آخرون تحويل بعض المباني والمناطق الأثرية إلي »‬عناصر جذب سياحي»‮ ‬بمعني أوضح تحويلها إلي فنادق أو مطاعم، تغيير دورها وهيئتها لتجذب المزيد من الزوار.
كما قبل تأجير ساحات المناطق الأثرية لإقامة الأفراح، مع شروط واهية، وتحت ذرائع مختلفة، شروطهم كسرها أول مدعو، لأنها لم تكن إلا »‬حبرا علي ورق»، شروطهم لم يكن لها معني من الأصل، فإذا كنت قبلت بمبدأ تأجير قلعة قايتباي إحدي أهم وأندر القلاع العسكرية في العالم من الأساس، وحولت الوزارة لمتعهد أفراح فما معني فرض سلوك معين أو زي معين أو حتي موسيقي معينة!
خارج الصندوق
بعد نجاحها في تنظيم حفلات الزفاف والليالي الملاح في القلاع والقصور الأثرية، أخذت وزارة الآثار خطوة عظيمة للأمام، وأجَّرت قاعات المتحف المصري نفسه لإحدي الشركات الخاصة، إنجاز كبير يضاف لسجل نجاحات الوزارة التي تطور نفسها يوميا، وتفكر كثيرا خارج الصندوق.
وحتي تقطع الطريق علي الحساد والفاشلين تكتمت الوزارة علي الخبر ولم تعلن عن الحدث الفريد، لم تدع أحدا، ولم ترسل بيانا إعلاميا كما عودتنا دائما، رغم أن الشركة المنظمة للحدث قالت إنه تحت رعاية الوزارة وبحضور الوزير، ويبدو أنها –الوزارة- التزمت بتعليمات الشركة التي لم تكن تريد شوشرة، فقد اختارت ضيوفها بعناية، مجموعة من الصفوة رأت أنهم وحدهم الأحق بمشاهدة حدثها الفريد، حيث أتاحت مجموعة من اللوحات الفنية الحديثة لستة عشر فنانا -هم نذير طنبولي، سعيد بدر، ثروت البحر، يوسف نبيل،
هاني راشد، هدي لطفي، خالد حافظ، محمد عبلة، عصمت داوستاشي، فاروق حسني، فاروق وهبة، وغادة عامر، وآدم حنين  وعادل السيوي، وأحمد عبد الوهاب، وأحمد مرسي -وعرضتها مجاورة لروائع الفن المصري القديم في معرض عنوانه »‬شيء قديم، شيء جديد»، وهو المعرض الأول من سلسلة معارض مشابهة تنوي الشركة تنفيذها في أماكن –أثرية وتراثية- أخري.
الهدف الرئيسي من المعرض بحسب المنظمين، هو إلقاء الضوء علي التأثيرات والإلهام وراء أعمال هؤلاء الفنانين عن طريق عرضها جنبا إلي جنب مع آثار المتحف الراهنة حتي يواجه الحاضر الماضي، وقالت في بيانها الإعلامي »‬يمنح (المعرض) فرصة فريدة للزائرين للسفر عبر الزمن والمشاركة في مسئولية حمل الضوء الخالد من الماضي إلي الحاضر، حيث إن تجاور الأعمال الفنية المعاصرة مع الأعمال الأثرية يزيد من التأكيد علي أهمية الحفاظ علي التراث الثقافي العتيق ودوره الجوهري في تشكيل مجتمعات الحاضر والمستقبل».. إذا كان هذا هو الهدف الحقيقي من المعرض فهل من المقبول أن يكون الجمهور المستهدف 150 فردا فقط سمح لهم بالحضور لمدة لم تتجاوز الثلاث ساعات؟! ولماذا عرضت اللوحات كلها بعد ذلك في فندق مجاور؟ ولماذا كانت اللوحات معروضة للبيع إذا كان الهدف دعم المتحف؟ ولمن ذهب عائد بيع اللوحات؟
وجبة أثرية
منسقة المعرض ومديرة الشركة التي أجرت المتحف وهي متخصصة في تسويق الأعمال الفنية ومساعدة جامعي اللوحات »‬مقدري الفن» حسب تعبيرها، قالت للزميلة مني عبد الكريم في تحقيقها الذي نشر هنا في أخبار الأدب إنه لم يكن بوسعها مد فترة المعرض نظرا للميزانية التي يتطلبها ذلك داخل المتحف، إضافة إلي عدم قدرتها علي زيادة عدد المدعوين للحفاظ علي اللوحات الفنية ولإعطاء فرصة للمدعوين (المختارين) للاستمتاع بالأعمال المعروضة وحرصا منها علي أمن الموجودين وسلامة المعروضات.
لكن ذلك لم يمنع إضافة بعض اللمسات التي تعجب ضيوفها »‬مقدري الفن» فأضافت عزفا علي موسيقي الأرغول كالموجود في الجداريات القديمة، كما كان هناك حفل لتذوق الطهي وتم إعداد قائمة الطعام مستوحاة من فن الطهي المصري القديم باستخدام وصفات وضعتها »‬عالمة آثار» اعتمادا علي الأدلة الأثرية والفنية والنصية والاثنوجرافية، لكن للأسف لم يكن هذا كله متاحا إلا لـ150 فردا فقط، من لديهم القدرة علي تقدير اللوحات.. ودعم المتحف!
اللافت في حديثها هو قولها إن الشركة نجحت في مساعدة وزارة الآثار علي تأمين الرعاية من الجهات المانحة في القطاع الخاص لعدة مشاريع حيوية في المتحف، ولم تكن تلك المشاريع الحيوية، سوي تغيير بعض اللمبات وتجديد الحمامات، »‬حيث تبرعت إحدي شركات الإضاءة المتخصصة بمبلغ كبير من المال، كما تولت شركة أخري تجديد الحمامات»!
فهل كان الحفل من أجل جمع التبرعات؟ وهل أجرت وزارة الآثار أكبر وأهم متحف في الشرق الأوسط من أجل ترميم الحمامات؟ وما علاقة اللوحات بهذا كله؟
زيارة خاصة.. جدا
صباح عبد الرازق مديرة المتحف قالت إن شركة خاصة قامت بالفعل بتجديد الإضاءة في المتحف وترميم الحمامات، لكنها لا تعرف إن كان لها علاقة بالشركة التي نظمت المعرض أم لا!
صباح قالت لأخبار الأدب أيضا إنها لم تبتدع شيئا جديدا حين وافقت علي المعرض، وأن تأجير الأماكن الأثرية معمول به في الوزارة من مدة، لكنها صححت كلمة تأجير بكلمة »‬الزيارة الخاصة» قالت إن اللوائح الداخلية للوزارة تسمح بهذه الـ»‬الزيارة الخاصة» بعد مواعيد العمل الرسمية في أماكن أثرية كثيرة نظير مبلغ معين، لم تعلن عنه طبعا.
لكن الشركة لم تؤجر حديقة المتحف، ولم تنظم معرضها في ساحته الخارجية أو حديقته، أو حتي في القاعة 44 المخصصة للمعارض المؤقتة، بل في بهوه الرئيسي، بجوار أهم وأندر الآثار المصرية في العالم، كما أن فكرة »‬الزيارة الخاصة» علي غرابتها لم تكن صحيحة تماما، فهذا النظام طبقا لما تعرفه د.وفاء الصديق المديرة السابقة للمتحف، يتم فيه فعلا فتح المتحف في غير أوقات عمله الرسمية لكن »‬لشخصيات أو مجموعات سياحية متأخرة وبمقابل كبير جدا» وليس لإقامة الحفلات، أو المعارض في البهو الرئيسي.
الصديق قالت أيضا إن فكرة المعرض ليست جديدة، وليست المرة الأولي التي يستضيف فيها المتحف نشاطا من هذا النوع –لكن ربما تكون المرة الأولي التي يمنع فيها الجمهور من المشاركة- حيث استضاف المتحف من قبل معرضا إسبانيا، عرض فيه فنانون من أكاديمية الفنون لوحات سجلوا فيها رؤيتهم للآثار المصرية بالأسلوب الحديث، وتم عرض اللوحات بجوار الآثار المصرية بالمتحف  »‬لمدة شهرين للجمهور».
البهو الرئيس الذي استقبل لوحات الفنانين المصريين لمدة ثلاث ساعات، استقبل من قبل أيضا معارض  للبعثة الاسترالية، والبولندية، ومعرضا كبيرا من المكسيك، وكلها استمرت لأيام ولم يكن أي منها متعجلا أو مغلقا علي فئة بعينها، أو مسبق الدفع.
كما أن قاعة المعارض المؤقتة استضافت خلال فترة تولي الصديق وحدها أكثر من 30 معرضا من مصر والعالم، ويبدو أن الإدارة الحالية لم تسمع عنها!
رؤية فنية
حتي من الناحية الفنية فالمعرض لم يحقق الهدف منه، بحسب أحد المشاركين الفنان عادل السيوي، الذي يري أنه لم يكن هناك مبرر لعرض اللوحات الفنية بجوار الآثار من الأساس، فبغض النظر عن الرسالة المباشرة، قال إنه علي المستوي البصري كان من الصعب مشاهدة اللوحات الصغيرة بجوار التماثيل الفرعونية الشاهقة »‬الفراعنة يأكلوا أي حد حتي لو كان بيكاسو»،  كما أن أعمال الفنانين لم تكن مجهزة بشكل مناسب للعرض في حدث كهذا »‬أعمال يوسف نبيل كانت معلقة علي حبال وشكلها غريب جدا» وكان الأفضل في نظره أن تعرض اللوحات في غرفة مستقلة، تعرض بعد جولة بالمتحف لزوار المعرض، أو حتي أن تبقي مكانها في الفندق حيث أقيم المعرض كله في النهاية.
الشركة التي نظمت المعرض اكتفت فقط بإقناع الفنانين بالمشاركة، واختيار اللوحات التي رأت أنها قد تناسب الفكرة، ولم تشركهم في طريقة العرض، يفكر السيوي في طريقة لإنجاح حدث بهذه الأهمية فيقول إنه كان من الممكن أن ينتج كل مشارك عملا خاصا لهذه المناسبة، ويقوم بنفسه باختيار الطريقة التي يعرض بها، سيكون حرا بالتالي في اختيار الكتلة واللون وطريقة الإضاءة وكل شيء، وبالتأكيد ستكون النتيجة مختلفة تماما عما حدث، لكن الواضح أن الأمر كان  »‬one woman show» وأن جميع المشاركين لم يكونوا سوي مساعدين لا مشاركين في الإدارة الفعلية للحدث.
ورغم ذلك لا يشكك السيوي في نبل الفكرة، ولا يشكك في أسئلتي أيضا، كلاهما مشروع في نظره، الحدث باعتبار أن غرضه –المعلن- هو دعم المتحف، والأسئلة باعتبار أن السؤال مشروع دائما خاصة حين يكون الحدث جديدا -أو مريبا- بهذا الشكل.
المعرض في رأيه، بغض النظر عما جري فيه، فرصة جيدة لإعادة الاعتبار للمتحف، وفرصة لإعادة طرح اسم مصر في محافل فنية كبيرة »‬الانكفاء شيء سلبي جدا، وجميعنا نعاني منه، ويكفي أن البينالي -وكان متنفسا مهما- لم يعد موجودا».
بشكل عام يري السيوي أن استخدام رأس المال الطبيعي في خدمة البلد شيء في مصلحة الجميع، رغم الملاحظات والارتباك، وسوء التنظيم، حتي يتم تدارك الأمر مستقبلا، فتساءل مثلا عن جدوي مشاركة مجموعة كبيرة من الفنانين السكندريين في معرض كهذا، بشكل بدا معه الأمر وكأنه محاولة لفرضهم، أو إعادة الاعتبار لهم، رغم أن الحدث نفسه لا علاقة له بمنطقة محددة، كما أن أحدا لم يشكك في حجمهم وفنهم وطبيعة دورهم.. السبب الوحيد ربما أن منظمة الحدث سكندرية!!
أخيرا أسأله هل يعرف مصير اللوحات؟
ويجيب بأنها في حوزة المنظمين، الذين سيحصلون علي جزء من الربح بعد بيع اللوحات!
محصلة نهائية
المحصلة النهائية التي نخرج بها من هذا كله، والهدف غير المعلن الذي يمكن فهمة ببساطة مما جري، أن المتحف المصري وآثاره لم تكن سوي واجهة، وخلفية لطيفة لبيع مجموعة اللوحات التي عرضت بعد ذلك للبيع فعلا ولكن علي بعد خطوات من المتحف، ربما لأن القائمين علي المتحف رأوا أن بيعها داخله سيفصح جشعهم وخطيئتهم، وبالطبع سيرجع العائد للفنانين والشركة المنظمة.. واكتفي المتحف بالغنيمة بتجديد الحمامات!