رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

كريم عبد السلام: الشعراء كالبحّارة.. يتركون رسائلهم في مركب يغـرق


حوار: إسراء النمر
11/25/2017 2:33:10 PM

كان اتفاقنا من البداية واضحاً. أن التقي به يوم الجمعة في شارع محمد محمود. ذهبتُ في الموعد. ذهبتُ في التاسعة صباحاً. وجدتُ الشارع، ولم أجده. المشكلة ليست أنه تأخر قليلاً. المشكلة هي أن الذي أتي لم يكن هو. لم يكن كريم عبد السلام. كان شخصاً آخر. لا. كان شخوصاً كثيرة. كان جماعةً. حشوداً. الذي أتي كان بلا اسم. بلا ملامح ثابتة. الذي أتي كان يعرف جيداً أنه لن يأتي. وأنه لن يعود. الذي أتي كان محض إنسان. شاعر. رجل لم يستيقظ بعد.
في أحد »الكافيهات»‬ جلسنا. بدا كريم كما لو أنه يألف المكان، ويعرفه. إذ ظل يتطلع إلي السقف الخشبي، ويمدح اليد التي صنعته، والشجرة التي ضحت بجسدها من أجله. قال بابتسامة راضية إن هذا ما يُدهشه؛ أن يكون هناك عامل بسيط بإمكانه أن يفعل ما يعجز عن فعله الفلاسفة والقادة، وهو أن يزيل قُبح العالم. لم أكن بحاجة لأن أبذل مجهوداً لأجعله يتكلم. لم أكن بحاجة إلي أسئلتي التي أعددتُها. فهو كما النهر مُتدفقٌ.
لسبب ما، له علاقة بسياسة الكافيه، الذي يرفض أن يصور أحدٌ أحداً بداخله. قررنا أن نخرجُ إلي الشارع. ملاذنا الوحيد. ومأوانا الأول. كان هذا مُحبباً جداً. إذ اخترتُ »‬محمد محمود» في الأساس لنكون قريبين من الثورة، ومن الميدان. الميدان الذي تحدث عنه كريم في ديوانه الأحدث (وكان رأسي طافياً على النيل) دون أن يسميه. الميدان الذي كان أبطاله هم أنفسهم الذين احتشدوا فيه، كثيراً، ليمارسوا الحياة، أو يطالبوا  بها.
ثلاثتنا شعر بالحرية، وفضلنا أن نبقي طويلاً في الشارع. كان الأهم منّا هو كريم، أن يكون على طبيعته. لكن ما هي طبيعته؟ هو كما هو. غامضٌ، ولا يريد أن يكون حاضراً، للحد الذي شعرتُ فيه وأنا أمشي إلي جواره، أنني أمشي إلي جوار ظل. ألم يقل هو في أحد نصوصه: »‬أنا مجرد شبح/ لا تصدق وجودي». ألم  يقل صراحة: »‬أنا لا شئ يا سيدي». ووجدتني مرات أتأمل هذا الظل، وأسأل سؤاله: »‬هل تسجنُ خيالاً لأنه تشبث بالأرض؟».
ليس مهماً إذن. المهم أن هناك من لا يزال مؤمناً بالشعر، وبالإنسان. كان كريم يواصل كلامه بإيقاع هادئ، وبشيء من الأسي. كان ينمق عباراته، كأنه يكتبُ مقالاً. كان يُعيد التأكيد على معانٍ بعينها، كأنه يعرف أن لا أحد سيرددها غيره. كنتُ أنصت له ونحنُ نتحرك ببطء على أرصفة »‬محمد محمود» كنتُ أنصت، وأنا استدعي ما كتبه عن الثورة. وأنا أستدعي »‬الخائفين والجائعين والمُعذبين والمهانين والمكبلين» الذين يملأون كتبه.
لذا طلبتُ منه أن نبدأ حوارنا من هُنا. من حيث بدأت الثورة. ومن حيث انتهي هو.

-كنتُ كلما قرأت قصيدة في ديوانك (وكان رأسي طافياً  على النيل)، أشعر أن كتفي اصطدم بكتف أحدهم. هؤلاء الذين أتعثر بهم في الطرقات؛ أصحاب النظرة الشاردة، والحلم الضائع. الذين آمنوا يوماً بأن هناك شيئا اسمه الحرية.. أعرفُ أن الكلام عن الثورة الآن يكاد يكون جنوناً، لكنني أعرف أيضاً أنك لا تزال تحلم بها، بل لا تزال تكتب تحت تأثيرها.
الثورة. إنها الشيء الحقيقي الوحيد الذي عشته. كيف يمكن أن أنساها؟ كيف يمكن أن أنسي الوهج الأول.. التدفق الأول.. الهتاف الأول. كانت شيئاَ مُدهشاً، وعظيماً. فرغم أننا كتبنا عنها قبل أن توجد، ورغم أننا تخيلنا شكلها. إلا أنها جاءت أكثر مما توقعنا.. أكثر مما طمحنا إليه. دعك مما حدث بعد ذلك. دعك من سرقتها، ومن المؤامرات التي نفذت ضدها. دعك من إجهاضها. دعك من الكافرين بها. دعك من اليأس الذي يملأنا. كل هذا في جانب، وهي في جانب آخر.
الثورة حلمنا الدائم. لأتحدث عن نفسي وأقول: حلمي الدائم. لازلتُ أذكر شعوري بها في الأيام الأولي، كنتُ مسحوراً.. منفعلاً بكل ما فيّ. الثورة أشبه بالنهر الذي إذا عبرته، لن يكون ما بعده مثل ما قبله. إنها الحد الفاصل بين عالمين. عالم ما قبل المحكوم بالخوف والتردد بين المخاطرة والسلام الذي يشبه الاستسلام. وعالم ما بعد الذي هو القوس العريض للحرية، مع الاستعداد بالطبع لدفع الثمن. أحس أن حياتي أيضاً انقسمت إلي ما قبل، وما بعد. إذ جعلتني أنظر إلي العالم بعين مختلفة. جعلتني أري الناس شعراء، وأتعامل معهم على هذا الأساس. فما شاهدناه، وما واجهناه، حينها، وخلال  السنوات  الست الماضية، كان لحظات شعرية مكثفة. كان قصيدة قصيرة تقول كل شيء.
لقد جعلتني أيضاً أتوقف عن طريقتي التي اعتدتُ عليها. إذ صرتُ أكتب بشكل لحظي، كأنني أخشي أن يفوتني شيئ، كأنني أسبق شيئاً، كأنني سأموت غداً. وكان هذا غريباً عليّ. أن أكون متدفقاً، ومنجرفاً نحو الشعر. أن أكتب دون مراعاة لأي معايير. أن أكتب ضارباً بالكليشيهات عرض الحائط. أن أكتب بلا مراجعة، وبيقين تام أن على المفردات أن تكون نفسها. حتى تراكمت لدي مئات القصائد والصور الشعرية، التي لم أنشر منها إلا القليل. هذه الحالة، هذا الشعور بأن عليّ الإمساك باللحظة، واللحاق بها، مستمر معي حتى الآن.

-إحساسك بالإنسان لا يزال كما هو، فما كتبته مؤخراً لا يختلف حالته عما كتبته في دواوينك الأولي. أذكر مثلا قصيدة قديمة لك، وهي (نحنُ) 1، إذ قلت فيها »‬نحنُ غير مرغوب بنا هنا/ ولا في أي مكان آخر». اليوم أنت تقول »‬نحنُ لسنا هنا» 2. هل فكرت -مرة- في تجاوز الإنسان بتعبير نيتشه، طالما أن حاله لا يتغير، بل يسوء؟
أنا مشغول بالإنسان. مشغول به لأقصي حد. إنه هاجسي، وإيماني الذي يتجدد. لذا أشعر بمسئولية تجاهه، وأجدني بشكل لا إرادي مُهتماً بتفاصيله، وبمعاناته، وبلحظاته القصوي. الإنسان في الحب. الإنسان في الموت. الإنسان في الحرب. لا يسعني سوي أن أقف أمامه مندهشاً، ومذهولاً. الإنسان طوال الوقت يخوض صراعاً مع وحوش، وأشباح خفية، تريد أن تسلب حياته، والمعني من حياته. لكنه رغم ذلك لا يزال حريصاً على البقاء، وعلى الشغف. هذا الكلام يعود بنا إلي المنابع الأولي لنتذكر كيف بدأ الشعر. الشعر بدأ ملحمياً، يتناول معارك الإنسان، وبطولاته. وما أفعله في قصائدي، هو محاولة لاستعادة هذا المجد الإنساني.

-هل الإنسان في مفهومك الشعري هو فقط الإنسان الكادح البسيط؟  
ربما. البسطاء في اعتقادي هُم كل شيء. هُم أهلي وشعبي. هُم مرجعي.. قاموسي الذي أنهل منه. هُم صُناع الملحمة، وإن كانوا يصنعونها بحياتهم، وليس بالكلمات. هُم الشعر في صيرورته. هُم من أدعوهم -في قصيدة جديدة 3- لأن يفقدوا الأمل، حتى يكونوا قادرين على تحقيق ما يحلمون به، وألا يخشوا الألم، ويستقبلوه بمحبة، لأنه لن يكون وجعاً بل تجربة. الإنسان البسيط، أو الإنسان في العموم، ليس عاجزاً. العجز في رأيي تصور ذهني. الإنسان لا يكون عاجزاً إلا عندما يموت. حذار من التلاعب بالألفاظ. نحنُ كمثقفين وشعراء ضحايا -في الأغلب الأعم- لمصطلحات وعبارات تم ترويجها دون تمحيص. مثل: »‬الإنسان عاجز».. »‬الشاعر لم يعد له دور».. »‬القضايا الكُبري انتهت من العالم»، وغيرها من العبارات البغبغائية، غير المسئولة، التي تُردد دون فهم، أو وعي بمدي أثرها الفادح.

-دعنا نتوقف عند إحدي هذه الكليشيهات. كثيراً ما يُستقبل سؤال »‬لماذا تكتب» باستهانة شديدة، وتكون الإجابات عليه في الغالب بلا معني، كأن نجد أحدهم يقول: »‬أكتبُ لأجعل الفراشات تُحلق بحرية». هؤلاء جعلوا من الكتابة فعلاً مُبتذلاً، وعادياً. في رأيك، ما هو دور الشاعر؟ ومن الذي يحدد إن كان ما يفعله سواء بوعي منه، أم من دون وعي، سوف يساهم في استكمال »‬القصيدة اللانهائية»4 التي بدأها الشعراء الذين سبقوه؟
الشاعر ليس كأي أحد، إنه حافظ الحلم. حلم الإنسان. قد يكون العالم بأكمله ضد هذا الحلم، لكن على الشاعر ألا يستسلم، وأن يظل متشبثاً به. الشاعر هو الوحيد القادر على إنقاذ العالم، والحفاظ عليه من الدمار، ومن الزوال. لذا ليس غريباً أن يكون مُستهدفاً من العدو ومن المُحتل ومن الديكتاتور. ليس غريباً أن يقطعوا يديه. ليس غريباً أن يكمموا فمه. ليس غريباً أن يلقوا به في السجون. محنة الشاعر، ومعركته الأساسية، هي أنه يناضل بمفرده دفاعاً عن الإنسان، وعن المعني. المعني الذي تم ابتذاله. المعني الذي انتزع من الأشياء. بنظرة شاملة، نجد أننا نعيش في مرحلة ضد الحضارة. مرحلة من اختلاط المفاهيم. مرحلة صارت فيها الهمجية سلوكاً عادياً. الاستعمار بكل أشكاله يتحالف مع الجماعات الإرهابية ليقضي علينا. الدولة الأكبر تفخر أنها تستطيع أن تُدمر العالم آلاف المرات. الشاعر هُنا دوره لا يقل أهمية عن دور الذين يحملون السلاح دفاعاً عن أوطانهم، لأنه يُدافع عن الإنسانية كلها.
 المُهمة ليست سهلة إذن. وعلى كل شاعر أن يواجه نفسه، ويعرف إن كان قادراُ على أن يقول بعلو صوته: »‬إن هذا العالم ليس عالمنا»،أم لا. الشاعر وجوده ليس مجانياً، وعليه أن يُقدم دليلاً على أنه كان في لحظة ما.. هُنا. ليكتب ما يكتب. ليكتب قصيدة التفعيلة. ليكتب قصيدة النثر. ليكتب الجحيم. ولكن بشرط أن يكون من داخل النوع الذي يكتبه، وأن يكون واعياً بتراثه، وبمنجزه، وبلغته، وبالمعني الذي يريد أن يقبض عليه.
اليوم، لا أحد يطالب الشاعر بأن يكون له دور. بأن يكون له مشروع. بأن يصنع عالماً. إذا لم تصنع عالماً، إذا لم تخلق كياناً، إذا لم تستطع أن تكتشف المعني في هذا الركام والانهيارات والقمامة من حولك، فلتسكت ولتتوقف عن الطنطنة.

-هل أنتَ بطبيعتك حالم؟ ما تقوله الآن قد يراه البعض وهماً، لأن لا أحد بإمكانه في الواقع إنقاذ العالم. لا أحد يسعي إلي هذا أصلا. فما بالك بشعراء لا يؤمن بهم أحدٌ. بشعراء فقدوا إيمانهم بكل شيء.
الشعراء في مصر، وفي البلاد العربية، يشبهون الجماعات الدينية الصغيرة، يشبهون الإيزيدين والصابئة، الذين يحتفظون برؤية ما للعالم، بحلم، بوعد يُبقيهم على قيد الحياة. الشعراء يشبهون البحّارة الذين يتركون رسائلهم في مركب يغرق، علها تصل في زمن ما لأحدٍ، ويعرف العالم أن ثمة أناسا كان لديهم شيء ليقولوه. برخت وهو أحد شعرائي المُفضلين، كان يكتب عن اللحظات الدامية التي عاصرها، وعن الاضطهاد والقتل والتشريد، لأنه كان يعتقد أن في زمن ما، سيأتي من يقف عند هذا التاريخ، ويسأل: »‬لماذا صمت الشعراء؟». على الشعراء ألا يصمتوا، لأنهم حراس هذا العالم.. حراس الضمير.. حراس الإنسانية، وليس عليهم التخلي عن هذا الواجب المُقدس استجابة لفلسفات بإمكانها أن تفقدهم إيمانهم بأنفسهم. ليذهب ميشيل فوكو إذن إلي الجحيم. ليذهب هو وكل من أمن بموت الإنسان. الإنسان لم يمت. نحنُ لم نصل لحضور الإنسان حتى ننادي بموته. لم نصل لحضور الشاعر حتى نُسلم بعدم أهميته. ليكن ما أقوله وهماً للآخرين. المهم أنني مؤمن به. ومؤمن بأن العالم الآن أحوج ما يكون إلي الشعراء.

-لكن كثيراً من الشعراء مُنشغل بالمعارك التي تُدار حول قصيدة النثر، وحول إن كان ما يكتبه الآخرون شعراً من عدمه. كيف تري ذلك؟ وكيف بإمكاننا أن ننقذ الشعر من هؤلاء؟
هناك خلط في التنظير أو التأسيس لقصيدة النثر، من قبل النقاد، بدأ مُنذ أن كتب حسين عفيف الشعر الخالي من الإيقاع والوزن والعروض، إذ تم اعتبار قصيدته أساساً للحكم على القصيدة النثرية، ومن ثم مواجهتها، وبالتالي استبعادها. هذا الخلط استمر حتى أصبح نوعاً من المعارك الرائجة، وهي بالمُناسبة معارك زائفة، ولا محل لها من تطور القصيدة. هذا المنطق الفاسد في التعامل مع نوع شعري قائم بذاته ظل -لفترات طويلة- حاكماً له ولكل شاعر يُريد الخروج عن هذا المفهوم التقليدي. كما ظل يفرض نوعاً أحادياً من السجال. الأمر الذي عطل التفاعل الحقيقي بين الشعراء، سواء كانوا يكتبون قصيدة عمودية أو تفعيلة، أو يكتبون قصيدة النثر. وذلك يعود لأسباب عديدة، من بينها أن الثقافة لدينا في الغالب مُتسامحة مع التجريب الروائي، والتجريب القصصي، وترحب به، وتفتح له آفاقاً، لكن فيما يتعلق بالتجريب الشعري، هُناك ما يشبه العقيدة الأصولية، ربما لأن الشعر له مكانة في العقل والوجدان مرتبطة بقداسة اللغة، ومرتبطة بالمُقدس نفسه، وهناك دائماً محاولة للتوحيد بين الشعر والمُقدس، لذا نجد قصيدة النثر مرفوضة دائماً، وملفوظة، ويُحكم عليها من خلال كليشيهات، وتعميمات.
للأسف لم يسمح التقليديون لأنفسهم على مر هذه العقود بأن يفهموا جماليات قصيدة النثر، وبأن يتخذوا موقفاً منها على أسس واضحة. كما لم يقدموا للشعراء نقداً يُضيء طريقهم، إذ ظلوا يتعاملون معهم كقطيع، وليس باعتبارهم أفراداً، لكل واحد منهم منجزه المختلف، سواء أضاف، أو أخفق، أو كرر نفسه. وهو ما يُفسر سبب تأخر قصيدة النثر في بلادنا. فنحنُ لم نصل حتى الآن لشكل القصيدة الحداثية، كما أننا لسنا على دربها قدما بقدم، وساقا بساق، وخطوة بخطوة. لذا أري من وجهة نظري أن على الشعراء أنفسهم أن يقدموا رؤي ونظرات نقدية لأعمالهم، وأعمال مجايليهم، وحتى السابقين عليهم، وليس أقدر من الشعراء على التصدي لهذا الأمر، لأنهم في هذه المرحلة لا يطلبون شيئاً، ولا يراهنون على شيء خارج الشعر.

-لقد عملتَ على هذه الفكرة في مجلة (شعر)  التي أسستها -بمشاركة عدد من الشعراء- منذ خمسة عشر عاماً، لكنها لم تدم طويلاً، إذ لم يُصدر من المجلة سوي ثلاثة أعداد فقط. لا أريد أن أعرف لِمَ توقفت المجلة أكثر مما أريد أن أعرف لِمَ لا يستمر الشعراء في نقد قصيدة النثر بصدر رحب دون محاولة لإقصاء الآخر، أو نفيه؟
ليكن، المجلة توقفت لأسباب لها علاقة بالتمويل، وأتمني لو تعود ثانية، لأن قصيدة النثر لا تزال تُعامل بجهل وحماقة، ولا تزال تواجه بإنكار شديد، ما يستدعي تصحيح المفاهيم المغلوطة بشأنها، ومتابعة تطوراتها بالنقد. وكنتُ في المجلة أحاول أن أضع أسساً لذلك، من خلال دعوة أصدقائي الشعراء لقراءة تجارب شعراء آخرين مختلفين معهم جمالياً، وفرحتُ عندما لاقت قبولاً من جانبهم، ومن جانب »‬أخبار الأدب»، التي استضافتنا في تلك الفترة على صفحاتها لنُواصل ما كُنا نريد أن نفعله. لكن لم يستمر النقد الجماعي طويلاً، وراح كثيرون سواء من الشعراء أو النقاد يكتبون عن الأعمال الجديدة بشكل فردي، وعلى فترات متقطعة، بينما كرس البعض مهمتهم في مجاملة زملائهم، في حين فضل آخرون بأن يلوذوا بالمياه الآمنة، من خلال تناولهم لتجارب تم التصدي لها كثيراً، مثل لتجارب كل من نازك الملائكة وأمل دنقل وصلاح عبد الصبور.. وغيرهم. هذا النوع الأخير ظن أن احتمائه بالماضي، سوف يحميه، ويعطيه مساحات حرة للحركة، لأنه لن ينتقد هذا الماضي كما يجب. وأيا كان ما سيكتبه، فهو آمن من اللوم، ومن المخاطرة. هذا النوع باختصار ليس عنده شيء، ليس عنده إضافة. الإضافة لابد أن ترتبط بالمخاطرة، بالمغامرة، بالمراهنة على هذا المجهول.. على هذا الآتي.

-هل بإمكاننا القول إن الشاعر يتحمل عبء كل شيء؛ عبء نفسه، وعبء العالم. عبء القصيدة، وعبء نقدها. عبء الترويج لنصوصه ليكون حاضراً، ومقروءاً؟
ليس من دور الشاعر أن يقول للناس: أنا هُنا. ليس من دوره أن يدعو أحداً لقراءة نصه. ليس من دوره على الإطلاق أن يصارع على وجوده. ليكتب فحسب. ليكتب دون أن ينتظر شيئاً. ليكتب باستمرار. الشاعر، خصوصاً الشاعر الذي لا يزال في البدايات، بحاجة لأن يتحرر من كل الزيف الذي يحيط به، حتى لا ينسحق، وينتهي إلي الأبد. الشاعر عليه أن يعرف أن لا أحد بإمكانه أن يساعده، أو ينير له الطريق. بل عليه إدراك أن كثيرين هُم من ينتظرون مساعدته. لقد انتهي زمن الشاعر النجم، الذي تستخدمه أنظمة الحكم كأيقونة لدغدغة مشاعر الناس. لقد انتهي زمن محمود درويش ونزار قباني. الشاعر دوره –كما قلت لك- أكبر من ذلك. هو من سيُنقذ العالم. لذا عليه أن يكرس حياته للشعر، ليصل إلي معني ما. الشاعر الفرنسي رينيه شار (1907­ ـــ 1988) كان مشغولاً طيلة حياته بما يكتبه، وكان كثيراً ما ينتظر لأشهر عديدة حتى يجد الكلمة التي يبحث عنها، أو من أجل أن يختم قصيدة. إنه نموذج حقيقي للشاعر الذي آمن بنفسه، وبقدرته على التأثير في العالم، حتى بعدما يصمت. بعدما يموت.

-وماذا عنك؟ كيف تتعامل مع ما تكتبه؟
أكتبُ أيضاً وأنا منشغل بما يدور حولي. أكتبُ وأنا أمشي، وأنا أستقل حافلة، وأنا أمارس عملي. أكتبُ حتى وأنا نائم. الكتابة عندي عمل يتم في أي وقت. الكتابة حياة. لذا أحاول دائماً أن أحسنُ التعامل مع قصائدي. فلكل قصيدة الحق في تقرير مصيرها. إن كانت تريد أن تظل مفردة، كما خُلقت، أو أن تنتمي إلي قبيلة من القصائد. وبما أنني حريص على تقديم معني. فأنا لا أنشر ديواناً إلا إذا كان له سياق شعري واضح. إلا إذا كان مكتوباً دفعة واحدة. لأن مفهومي عن الديوان أنه كتاب مؤلف، به نصوص متسقة مع بعضها البعض. أنا أصلاً أحبُ تسمية الكتاب. لأن الكتاب له معان متعددة في ثقافتنا العربية. له ظلاله المقدسة. ظلاله الرصينة.

-رغم أنك كتبت 12 ديواناً إلا أنه ليس من السهل أن يقبض أحدٌ على ذاتك. لماذا تخفي معاناتك الشخصية، أيا كانت هي، في معاناة الإنسان الكبري؟ لماذا تريد أن تكون صورتك مشوشة إلي هذا الحد؟
لم يكن يهمني أن أكتب عن معاناتي كفرد، والتي لا تنفصل كثيراً عن معاناة أي أحد. ووجدتني أبحث عن العالم الذي يخصني، واستغرق هذا مني وقتاً طويلاً، فقد بدأت مشواري في الشعر بكتابة قصيدة عمودية، ثم قصيدة تفعيلة، وحين بدا العالم يتضح شيئاً فشيئاً، وحين أيقنت أن هاجسي الأول هو الإنسان، اتجهت بكليتي إلي قصيدة النثر. لكنني في الوقت نفسه لم أقع في هذا الفصل التعسفي بين الذات والموضوع، لأن الشاعر هو الذي يختار زاوية النظر. هو الذي يسمح للآخرين بالدخول إلي قصيدته. كما أنني أري أنه ليس من الضروري أن تكون القصائد التي تتحدث عني مكتوبة بضمير المتكلم. ورغم ذلك لديّ ديوان كامل، وهو (نائم في الجوراسيك بارك/ 2006)، تظهر فيه ذاتي الفردية، المتماهية مع ذات الجموع. ما يعني أنني هذا الإنسان الذي أكتب عنه. الإنسان الذي يبحث عن الحب. الإنسان الذي يواجه الموت. الإنسان الذي لا يريد أي شيء، سوي أن يحيا.. أن يحيا فقط.

الهوامش:
1. نُشرت قصيدة (نحنُ) في العدد الثاني من مجلة (شعر/ سبتمبر 2002).
2. من قصيدة (فجأة اختفينا) المنشورة في ديوان (وكان رأسي طافياً على النيل/2017).
3. القصيدة بعنوان (كلمات على قبري) تُنشر في ديوانه المُقبل.
4. قال سركون بولص في إحدي مقالاته »‬إن ما يفعله الشعراء على مر التاريخ أشبه بقصيدة لا نهائية تمتد حتى الخلود.. حتى الأبد».
5. أكدت افتتاحية العدد الأول لمجلة (شعر) أن »‬أخطر ما يواجه قصيدة النثر في مصر والعالم العربي هو المناخ غير المواتي للإبداع والخلق بألف ولام التعريف».