رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

حذاء فيلليني‮:‬ثنائية الضحية والجلاد


رضوي الأسود
8/6/2016 10:36:29 AM

‮"‬كلنا ضحايا وكلنا مجرمين‮".‬
من أشهر عبارات السينما المصرية،‮ ‬والتي أتت علي لسان ضابط البوليس والجلاد خالد صفوان‮ (‬كمال الشناوي‮) ‬في فيلم‮ "‬الكرنك‮" ‬والمأخوذ عن رواية لنجيب محفوظ بنفس العنوان،‮ ‬صرخ بها حينما سقط بين ضحاياه،‮ ‬متخوفاً‮ ‬من رد العذاب الذي اقترفه بحقهم‮.‬
في الرواية الأحدث لوحيد الطويلة بعنوان‮ (‬حذاء فيلليني‮) ‬والصادرة عن منشورات المتوسط،‮ ‬كان الضابط/الجلاد‮ (‬اسمه الحركي في الرواية الكعب العالي‮) ‬هو المرادف لخالد صفوان،‮ ‬وفي المقابل نجد مطاع أحد ضحاياه،‮ ‬الذي ظل بطول الرواية في حالة صراع مع النفس يفكر في كيفية الانتقام منه،‮ ‬والطرق المختلفة لفعل ذلك،‮ ‬متدرجاً‮ ‬من البشعة إلي الأكثر بشاعة،‮ ‬حتي يأتي المخرج الإيطالي الأشهر فيلليني لينقذه من حيرته ويساعده في إخراج المشهد النهائي لمعاناته‮!‬
ينضم إليه في الرغبة الانتقامية،‮ ‬زوجة الضابط،‮ ‬التي عانت هي الأخري عشرين عاماً‮ ‬من معاملته القاسية وتعذيبه لها جنسياً‮.‬
وبما أن الروائي هو صوت من لا صوت له،‮ ‬صوت المستضعفين في الأرض،‮ ‬المهمشين،‮ ‬المعذبين،‮ ‬الذين يعانون في صمت،‮ ‬لذا يهدي وحيد الطويلة روايته‮ "‬إلي من صرخوا ولم يسمعهم أحد وإلي من لم يستطيعوا أن يصرخوا‮"‬،‮ ‬لنطالع بأرواحنا رواية صادمة حد الوجع‮.‬
كلما توغلنا في الرواية،‮ ‬تتكشف لنا تفاصيل الحكاية الغامضة،‮ ‬وتتواتر إجابات أسئلة من نوعية‮: "‬لماذا أتيت إلي هنا؟ أي تهمة ارتكبتها؟ من هي تلك المرأة،‮ ‬ومن هو مأمون؟‮!"‬،‮ ‬أسئلة ظلت علامات استفهامها مفتوحة،‮ ‬لنرتطم بتفاسير اللغز كما بطل الرواية الذي يتذكر فجأة كل شيء في النهاية،‮ ‬فنكتشف أن مُطاع،‮ ‬هو طبيب نفسي،‮ ‬يتم تعذيبه وإهدار كرامته علي ذنب لم يقترفه،‮ ‬وأن كل الحكاية أن أحدهم‮ (‬مأمون‮) ‬قد زج باسمه في موضوع يخص آخر‮!‬
اللغة فصحي إلا من بعض مفردات عامية قليلة،‮ ‬جاءت قوية،‮ ‬عنيفة كالواقع الذي تتحدث عنه،‮ ‬لكن كعادة وحيد الطويلة في حسه الساخر،‮ ‬لم تخل ابداً‮ ‬من سخرية لاذعة أحياناً،‮ ‬ومريرة أحياناً‮ ‬أخري‮. ‬
هناك تداخل شديد بين الواقع والفانتازيا،‮ ‬ليصبح من الصعب أن تميز الحد الفاصل بينهما‮.‬
يتحدث الراوي بضمير المتكلم،‮ ‬فهو إما مطاع/مطيع،‮ ‬أو الضابط،‮ ‬أو زوجته،‮ ‬أو مأمون‮ (‬مخبر‮).‬
أجواء الرواية قاتمة كما يليق بقبو في باطن الأرض يتم فيه تعذيب البشر ومسخهم حتي يصيروا آخرين،‮ ‬وحيث المحظوظ منهم ينتهي به الأمر في مشفي للأمراض العقلية‮ "‬القبو مكان آخر‮ ‬غير السجن،‮ ‬جحيم آخر،‮ ‬القبو مكان تحت القبر،‮ ‬مكان الحساب علي الأرض،‮ ‬يقيمه آلهة من البشر،‮ ‬لم تمر عليهم كلمة الرحمة في قاموس الحياة،‮ ‬لا رحمة ولا صراطٌ‮ ‬مستقيمٌ‮ ‬تمشي عليه،‮ ‬بالكاد صراط‮ ‬غير مستقيم،‮ ‬جهة اليمين تؤدي فقط إلي النار،‮ ‬واليسار تؤدي إلي الجحيم‮"‬،‮ ‬وأيضاً‮ ‬كما يليق بنفسية مشوهة،‮ ‬منسحقة،‮ ‬متحولة،‮ ‬ليصبح مطيعاً‮ ‬بعد أن كان مطاعاً‮ "‬اسمك مطيع منذ الآن،‮ ‬أعد كتابة ما كتبته،‮ ‬وابدأ باسم مطيع،‮ ‬هو اسمك منذ الآن،‮ ‬وحتي تموت قريباً‮".‬
الرواية تنتقد الحاكم الأوحد،‮ ‬أو الحاكم الإله بسخرية لاذعة‮ "‬نولد من طين واحد،‮ ‬نعبد عدة آلهة،‮ ‬وقائداً‮ ‬واحداً‮ ‬طول العمر‮"‬،وكذلك تفضح السلطة المتجبرة الفاسدة القمعية التي يؤمن أفرادها‮ "‬أن علي رؤوسهم ريشة،‮ ‬شعب الله المختار‮"‬،‮ ‬أيضاً‮ ‬يعري الراوي تلك السلطة التي يتناحر أبنائها فيما بينهم داخلياً،‮ ‬لكنها تكون كالبنيان المرصوص أمام أي خطر يحدق بأحد أبنائها،‮ ‬محتفظة بفسادها الذي يتنامي،‮ ‬دون أي رغبة في تطهيره،‮ ‬بل الحرص عليه،‮ ‬وكأن الفساد أهم دعائم حمايتها‮ "‬السلطة ليست طيبة فيما بينها،‮ ‬إلا حين يقترب الأذي من حرمها،‮ ‬لحظتها تكون الأم الرؤوم،‮ ‬تغطي علي أعضائها،‮ ‬تمنحهم الحصانة مهما كانت الخطيئة،‮ ‬تخبئهم تحت جناحها كلما كانت الغلطة فادحة حتي لا يحترق ثوبها‮".‬
كل ما سبق يجعل الشعب‮ - ‬المحكوم بالقبضة الحديدية‮ -‬ينظر لنفسه نظرة دونية‮ "‬نحن فقط مجرد حشرات يحق لهم تحويرنا وبالقسطاس المستقيم علي هيئتنا الجديدة‮".‬
في علم النفس،‮ ‬هناك علاقة طردية بين الضحية والجلاد،‮ ‬يحدث من خلالها عملية تحول يستحيل فيها الضحية إلي جلاد،‮ ‬ويكون ذلك بسبب خلل يُحدِثه التأثير السلبي الذي يتركه الجلاد في وعي الضحية وبالتالي سلوكه،‮ ‬فتبقي الآثار مستديمة في كل تعاملاته،‮ ‬حتي أن في كثير من الأحيان يتفوق الضحية علي جلاده،‮ ‬فيصبح أكثر إجراماً‮ ‬ووحشية ودموية منه‮! ‬وهذا ما نلمسه في الرواية،‮ ‬فالضابط نفسه كانت عائلته ضحية ضابط متجبر ظالم،‮ ‬فأصبح هو بدوره ضابطاً‮ ‬متخصصاً‮ ‬في التعذيب‮ "‬عزرائيل الأرض‮" ‬كما اسماه الراوي،‮ ‬كذلك مطاع حين يقع جلاده بين يديه يتصور طرقاً‮ ‬لقتله أقل ما يقال عنها أنها بشعة،‮ ‬لنعود مجدداً‮ ‬إلي العبارة التي استهللنا بها المقال‮.‬
تتحدث الرواية عن كيفية صناعة الديكتاتور والجلادين‮ "‬هل تعرف شعور ماو،‮ ‬عندما تهتف باسمه ثلاثمائة مليون حنجرة في توقيت واحد‮ .. ‬ما لا يمكن أن تراه أن عضلات الإستبداد تتورم في هذه اللحظة،‮ ‬تنتفخ،‮ ‬وان العظمة في روحه تتمدد‮ .. ‬في هذه اللحظة يولد ماو آخر اسمه الإله ماو‮ .. ‬في هذه اللحظة تحديداً‮ ‬يفقس الديكتاتور جلادين‮ ‬،‮ ‬يدخل في عقولهم،‮ ‬يبدل أمخاخهم،‮ ‬فيقدسونه ويسبحونه‮". ‬من هنا يري الراوي أن الشعب هو الصانع الحقيقي والأوحد للديكتاتور،‮ ‬ومن ثم الجلاد‮ "‬أنتم من تصنعون الجلاد،‮ ‬ثم تطلبون منه أن يكون بشراً‮ ‬عادياً‮".‬
ولسخرية القدر،‮ ‬نجد الضابط/الجلاد مؤمناً‮ ‬بثقة ويقين بأهمية وخطورة دوره،‮ ‬بأنه شخص صالح يصنع شيئاً‮ ‬جليلاً‮ ‬لله وللوطن،‮ ‬وذلك بتحويل الناس السيئين لصالحين‮! ‬يقدمه الروائي شخصية متمحورة حول ذاتها المتضخمة،‮ ‬هستيرية،‮ ‬إذ نسمعه يقول‮ "‬ماذا سيفعل الضباط إذن،‮ ‬لو اطلقنا سراح الجميع‮"‬،‮ ‬متفاخراً‮ ‬بأنهم يمسخون البشر ويحولونهم لآلات بلا عقول تفقه‮ "‬نحن من اخترعنا الروبوتات قبل أن يخترعها اليابانيون،‮ ‬هم يصنعونها من جماد ونحن نتفوق عليهم بصنعها من بشر،‮ ‬هم يحركونها من بعيد بريموت،‮ ‬ونحن وضعنا الريموت نفسه داخلك‮".‬
من أشهر عبارات فيلليني‮: "‬لا شيء أصدق من حلم‮"‬،‮ ‬وقد ظل يحلم مطاع،‮ ‬المتيَّم بفيلليني،‮ ‬بأن يقع جلاده بين يديه لينتقم منه،‮ ‬وهو ما قد حدث بالفعل،‮ ‬وحينما وقع ظل يحلم ويتخيل أيضاً‮ ‬كيف سيكون شكل انتقامه‮. ‬لكن في الجزء الأخير من الرواية،‮ ‬وقبل مشاهد النهاية المتعددة،‮ ‬يتم طرح فكرة التغاضي والتسامح،‮ ‬كبديل أخلاقي واستثنائي يدحض نظرية الضحية التي تستحيل جلاداً،‮ ‬فكان بداخل مطيع ما يقنعه بأنه يكفيه أنه الآن بين يديه يتمدد عاجزاً،‮ ‬شبه ميت،‮ ‬مجرداً‮ ‬من منصبه وجبروته وسلطته‮ "‬هناك حياة أخري ممكنة،‮ ‬لا يجب أن تتماهي مع الجلاد حتي لا تقع فريسة لروحه الشريرة أو لشبحه الذي يحوم حول سريرك،‮ ‬ليس صحيحاً‮ ‬أن النار تدمر كل شيء،‮ ‬تبقي دائماً‮ ‬بارقة أمل،‮ ‬لا تنس أن تمنحه لحبيبتك،‮ ‬للشوارع،‮ ‬للمرايا،‮ ‬لمفاتيح الكهرباء،‮ ‬للشروخ في الجدران،‮ ‬الأمل رشوة يقبلها الجميع‮".‬
هناك أكثر من نهاية للرواية بمساعدة ورؤية فيلليني،‮ ‬الذي يبدو أن البطل استدعاه ليخرجه من مأزق إسدال الستار علي صراعه المميت والطويل،‮ ‬فمرة يكون المشهد عبارة عن مضاجعة جنسية بين مطاع وزوجة الضابط أمام الضابط المضطجع عجزاً‮ ‬ومرضاً،‮ ‬ليذبحانه ألماً،‮ ‬وأخري نري عملية قتل للضابط بسكين،‮ ‬لتتناثر دماؤه‮  ‬في كل مكان‮. ‬تلك المشاهد تحديداً‮ ‬والتي قدمت برؤية سينمائية،‮ ‬بدت وكأنها أحد أفلام فيلليني المثيرة للجدل،أو لوحة سريالية لسلفادور دالي تحمل الكثير من الجنون‮. ‬
وكما اهتم فيدريكو فيلليني،‮ ‬بالتوغل في عمق نفسيات شخوص أفلامه،‮ ‬تأثر بالعبثية،‮ ‬وكانت أهم أدواته السخرية اللاذعة،‮ ‬وتجاوز مدرسته،‮ ‬الواقعية الجديدة،‮ ‬بتوظيفه لمشاهد سريالية عديدة،‮ ‬نجد بالمثل أن وحيد الطويلة،‮ ‬قد قدم لنا رواية تغوص في الأعماق النفسية لشخصيات رواياته في محاولة لسبر أغوارها ورأب تصدعاتها،‮ ‬استخدم هو الآخر نفس السخرية اللاذعة والمشاهد السريالية وتحديداً‮ ‬في النهاية‮.‬
كان فيلليني يحلم،‮ ‬ثم يصحو فيرسم أحلامه ويحولها لمشاهد سينمائية،‮ ‬لم يكن يحمل سيناريو محدد الملامح لأفلامه،‮ ‬كسر كل ما هو تقليدي ومتعارف عليه في فن السينما،‮ ‬لذا أصبح واحدا من أشهر المخرجين العالميين،‮ ‬فالمخاطرات الكبري تأتي بالنجاحات الكبري،‮ ‬وها هو وحيد الطويلة يكسر شكل الرواية المعتاد،‮ ‬يحيد عن‮ (‬باب الليل‮) ‬التي جلبت له الشهرة والجائزة،‮ ‬يبتعد عن لغتها الناعمة وأجوائها المغرية،‮ ‬ليخوض بنفسه وبنا أجواء وبناء ونصاً‮ ‬غير تقليديين،‮ ‬ليثبت بالفعل أنه فنان حقيقي،‮ ‬يملك من الجرأة ما يضعه في خانة كبار المبدعين‮.‬