رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

أدباء وكتاب أسقطهم التاريخ الأدبي ضياء الشرقاوي‮ ‬ رحيل مبكر‮ ..‬إنتاج‮ ‬غزير‮.. ‬وتجاهل مفرط


شعبان‮ ‬يوسف
8/27/2016 10:55:29 AM

كلما تذكرت الواقعة التي حدثت مع الكاتب الذي كان شابا في‮ ‬يوم من الأيام‮ ‬،أقصد الأديب ضياء الشرقاوي‮ ‬،لا عرف بماذا أعلّق‮ ‬،‮ ‬أهي تثير الضحك أم أنها تثير الغضب؟،‮ ‬والحكاية رواها الصديق والكاتب الروائي‮ ‬يوسف القعيد،‮ ‬وأكّد عليها آخرون‮ ‬،‮ ‬لأنها كانت متداولة في زمن الستينات،‮ ‬وهي حكاية تبدو أنها عبثية لدرجة قصوي،‮ ‬ورغم أنها عبثية بشكل كبير،‮ ‬إلا أنها منطقية وطبيعية في السياق التاريخي‮  ‬الذي وقعت فيه،‮ ‬ولكن تبقي لها ظلال ودلالات كثيفة‮.‬
في عقد الستينيات،‮ ‬كانت وزارة الثقافة تصدر عددا لا بأس به من المجلات والسلاسل الثقافية والفكرية والأدبية والفنية،‮ ‬مثل مجلات الشعر والقصة‮  ‬والمسرح والفكر المعاصر‮  ‬والكاتب،‮ ‬وسلاسل كانت تصدر عن مؤسسات‮  ‬ثقافية متنوعة،‮ ‬وكانت دار الكاتب العربي للطباعة والنشر،‮ ‬والتابعة لوزارة الثقافة،‮  ‬تصدر سلسلة أدبية عنوانها‮ "‬الكتاب الماسي‮"‬،‮ ‬تلك السلسلة التي قدّمت محمد البساطي لأول مرة في مجموعته‮ "‬الكبار والصغار‮"‬،‮ ‬ومحمد أبوالمعاطي أبو النجا ومحمود دياب وغيرهم،‮ ‬وفي إحدي مراحل تطور السلسلة،‮ ‬راح المسئولون‮ ‬يضعون بعض السمات الجادة والصارمة،‮ ‬لكي‮ ‬يثبتوا دقتهم والتزامهم الحديدي بدور الدولة في الجديّة،‮ ‬لذلك التزم المسئولون عن سلسلة‮ "‬الكتاب الماسي‮" ‬بتحديد تاريخ دقيق لصدور الكتاب،‮ ‬وذلك باليوم وبالشهر،‮ ‬والمتداول لتلك الكتب،‮ ‬سيلاحظ أنها تحمل تلك التواريخ بتلك الصرامة،‮ ‬التي لم‮ ‬ينقصها إلا أن‮ ‬يكتب المسئولون ساعة الصدور التي تخرج فيها الكتب إلي الشارع،‮ ‬عموما كان ذلك تصرفا محمودا‮.‬
ولكن‮ ‬غير المحمود هو ماحدث مع الأديب الشاب ضياء الشرقاوي،‮ ‬وكان الزمن في سبتمبر‮ ‬1967،‮ ‬وكانت مصر الشعب والنظام والمسئولون والأجهزة والنخبة والكتّاب والمثقفين خارجين من كارثة‮ ‬يونيو،‮ ‬وكانت ظلالها البشعة تلف الجميع بكآبتها وتوابعها الوخيمة،‮ ‬ولم‮ ‬يكن ضياء قد أصدر سوي مجموعة قصصية وحيدة عام‮ ‬1966‮ ‬وهي‮ "‬رحلة في قطار كل‮ ‬يوم‮"‬،‮ ‬وفي سبتمبر‮ ‬1967‮ ‬كان‮ ‬ينتظر مجموعته القصصية الثانية،‮ ‬والتي كان عنوانها‮ "‬سقوط رجل جاد"عن سلسلة الكتاب الماسي‮"‬،‮ ‬وتحدد‮ ‬يوم خروج المجموعة بتاريخ‮ ‬14‮ ‬سبتمبر،‮ ‬وفي ذلك اليوم المحدد،‮ ‬كان انتحار المشير عبد الحكيم عامر،‮ ‬هنا انتبهت الأجهزة لعنوان الكتاب،‮ ‬وعلي الفور صدر قرار بعدم خروج الكتاب إلي الناس وعدم تداوله علي الإطلاق،‮ ‬حتي لا تنشأ صلة بين العنوان والحدث،‮ ‬ورغم أن الكاتب والأديب ضياء الشرقاوي لم تكن له أي نشاطات سياسية،‮ ‬ولم تكن له علاقة قوية بجماعات اليسار التي كانت نشطة بشكل ما في تلك الفترة‮ ‬،إلا أن اللبس الذي حدث بين عنوان الكتاب،‮ ‬وواقعة انتحار المشير،‮ ‬جعلته هدفا للتحقيقات والتساؤلات المثيرة حوله،‮ ‬وبالطبع فالقصة التي تحمل العنوان المثير كانت مكتوبة قبل ذلك التاريخ،‮ ‬ولكن الأجهزة الاستخباراتية منعت الكتاب من التداول حتي أن خرج إلي النور عام‮ ‬1969،‮ ‬والمدهش أن الكتاب خرج للناس وهو‮ ‬يحمل تاريخ‮ ‬1967‮ ‬دون تحديد اليوم‮.‬
والذي‮ ‬يقرأ القصة المنشورة،‮ ‬والتي تزيد عن أربعين صفحة من‮  ‬المجموعة القصصية لن‮ ‬يكتشف أي ظلال سياسية علي الإطلاق،‮ ‬والقصة تحكي حكاية شخص جاد،‮ ‬بمعني أنه لا‮ ‬يبتسم‮ ‬،ولا‮ ‬يجلس بين الناس إلا وهو‮ ‬يمارس طقوس الاحترام التقليدية،‮ ‬والتي‮ ‬يصعب علي أي أحد ممارستها،‮ ‬لذلك كانت تحتاج تلك الشخصية إلي قصة وتحليل وقراءة إبداعية،‮ ‬ويبدو أن معظم عوالم ضياء الشرقاوي تدور في تلك الأجواء الإنسانية المربكة والمثيرة للتساؤل‮.‬
تبدأ القصة بالأم التي تقطن في الريف،‮ ‬وهي تحاول إيقاظ ابنتها الفتاة من النوم،‮ ‬لأن خطيبها علي وشك الوصول من القاهرة،‮ ‬ولكن البنت الصغيرة لا تأبه كثيرا بذلك الأمر،‮ ‬وتبدو عليها علامات التمرد،‮ ‬خاصة أن ابن خالتها الذي تلعب معه دوما‮ ‬يغذّي فيها عامل السخرية من ذلك العريس الذي لا‮ ‬يضحك،‮ ‬ولا‮ ‬يقبل الدعابة،‮ ‬ويقول بأنه دمه ثقيل،‮ ‬ولا‮ ‬يستطيع الفرح أو البهجة،‮ ‬ولذلك سيكون مصدرا للتعاسة والكآبة في حياتها‮ ‬،‮ ‬ويحدث بأن العريس‮ ‬يأتي،‮ ‬وتستيقظ الابنة من النوم،‮ ‬وتظل الحوارات تدور بين الابنة المستهترة أو المتمردة بمعني أصح،‮ ‬وبين أمها التي تخشي أن‮ ‬يفرّ‮ ‬العريس بعد أن‮ ‬يكتشف عبثية خطيبته وطفولتها،‮ ‬ويلعب ابن خالة الفتاة دور الشيطان في القصة،‮ ‬فهو‮ ‬يحاول تأليب ابنة خالته علي ذلك الشخص الجهم‮ ‬،‮ ‬ثم‮ ‬يأتي الخال،‮ ‬وهو الشخص المسئول في العائلة‮ ‬،والذي‮ ‬يضبط كافة أشكال الحوار بينهم جميعا،‮ ‬فيصطحبهم إلي مكان ما في القرية،‮ ‬حتي‮ ‬يلتقط العريس لهم صورا تذكارية في الفضاء الريفي،‮ ‬علي أن‮ ‬يكون حصان الخال قاسما مشتركا في الصور‮.‬
وبالطبع تدور حوارات كثيرة،‮ ‬لتكشف عن صرامة العريس،‮ ‬وعدم فهمه للمداعبة،‮ ‬أو المجازات اللغوية الكثيرة،‮ ‬فعندما‮ ‬يقول ابن خالة الفتاة للعريس‮ :" ‬نريد أن نتمشّي علي ترعتنا‮ "‬،‮ ‬يردّ‮ ‬عليه الرجل الجاد بسؤال عجيب قائلا له‮ "‬أهي ترعتكم أم ترعة الحكومة؟‮"‬،‮ ‬ورويدا رويدا تتكشف شخصية العريس الجافة،‮ ‬والتي تختفي معها كل علامات البهجة،‮ ‬حتي تصطحبه الفتاة إلي مكان ما،‮ ‬وتوهمه بأنها جنيّة،‮ ‬وتظل تلعب ذلك الدور بطفولة حيّة،‮ ‬وهو‮ ‬يرتبك بين الجدّ‮ ‬والهزل،‮ ‬ولكنها تظلّ‮ ‬تضحك وتضحك،‮ ‬حتي تنتقل إليه عدوي الضحك بقوة للدرجة التي راح‮ ‬ينافس فتاته في الضحك،‮ ‬حتي‮ ‬يصلا إلي المنزل،‮ ‬ويندهش الجميع من انزلاق الرجل الجاد جدا والصارم في دائرة الضحك الهستيرية،‮ ‬ومن ثم جاء عنوان القصة‮ "‬سقوط رجل جاد‮"‬،‮ ‬ليكون العنوان الأمثل لتلك الحالة القصصية المدهشة‮.‬
ومحاولة تلخيص القصة من ناحيتي،‮ ‬لا تبغي تحليل وتأمل القصة التي انطوت علي ثقافة عميقة وواعية وإيجابية،‮ ‬ولا‮ ‬يريد الكاتب أن‮ ‬يخلص إلي نوع من التسلية أو دغدغة عواطف القارئ،‮ ‬بقدر ماكان‮ ‬يحلل أعماق الانسان عموما،‮ ‬وعلاقة تلك الأعماق الدفينة بالحياة‮  ‬الاجتماعية وتطوراتها،‮ ‬بالإضافة إلي المتعة الفنية التي تتبدي من خلال الحوار،‮ ‬والقفشات اللافتة،‮ ‬والإشارات الذكية إلي طبيعة التناقضات بين الناس،‮ ‬تلك التناقضات التي تحتمل كل أنواع العلاقات،‮ ‬والتي نخلص منها إلي أبعاد التسامح التي كانت تنتشر في كل كتابات ضياء الشرقاوي،‮ ‬ومن هنا جاءت قصته‮ "‬الحديقة‮"‬،‮ ‬والتي كانت ملهمة له لتكون رواية،‮ ‬أو بمعني أدق رواية في ثلاثة وجوه،‮ ‬أو رواية تحكي مسارات ثلاثة أجيال،‮ ‬وفيها تؤكد الرواية الجيلية علي شغف الإنسان لاكتشاف ذاته من خلال استدعاء ماضيه وذكرياته بشكل شبه شامل‮ .‬
في الجزء الأول من رواية‮ "‬الحديقة‮"‬،‮ ‬ذلك الجزء الذي‮ ‬يحمل العنوان الرئيسي للرواية،‮ ‬نجد شخصا ما،‮ ‬يحكي لآخر،‮ ‬ذلك الآخر عمله دكتور،‮ ‬يقول له‮ :"‬ربما ماتت‮ ‬يادكتور،‮ ‬بل من المؤكد أنها ماتت،‮ ‬فكل من‮ ‬يصبح ذا صلة بهذا العجوز المجنون‮ ‬يصير محكوما عليه بالموت‮ ‬،سوف تراه،‮ ‬وسوف‮ ‬يحدثك عن حديقته وكأنها حديقة حقيقية مليئة بالأشجار والأزهار‮...".‬
ويظل ذلك الشخص‮ ‬يتحدث بتلك الصيغة التهكمية والعدائية للعجوز،‮ ‬حتي نكتشف حكايته من خلال التداعي متعدد الوجوه الذي‮ ‬ينزلق إليه السرد المحكم،‮ ‬وأنا أعني تماما علاقة الانزلاق بالسرد المحكم،‮ ‬حيث أن الراوي‮ ‬يوهمنا بأن الحكايات مرسلة،‮ ‬رغم أنه‮ ‬يريد أن‮ ‬يصل بنا إلي حقيقة ما،‮ ‬تلك الحقيقة القصصية،‮ ‬أي التي تكمن في القصة،‮ ‬تنتهي بنا إلي أن العجوز ليس مجنونا،‮ ‬وليس مخرفا،‮ ‬وكذلك ليس كل مايقترن به‮ ‬يموت،‮ ‬رغم أن تلك الأمور قد حدثت بالفعل،‮ ‬والحكاية ومافيها،‮ ‬أن ذلك العجوز‮ ‬يحاول إحياء حديقة كانت في ذلك المكان منذ أزمنة بعيدة،‮ ‬تلك الحديقة التي كان جده‮ ‬يرعاها ويزرعها دائما،‮ ‬ويحافظ علي إنمائها عاما بعد عام‮ ‬،ولكن الأعوام والعقود وربما القرون تعاقبت عليها،‮ ‬وفتر حماس الأسلاف،‮ ‬وعانت الأجيال من أشكال عدوانية أقعدتها عن رعاية الحديقة،‮ ‬فصارت خربة،‮ ‬بل خرابة ولا توحي بأنها كانت حديقة علي وجه الإطلاق،‮ ‬ولكن العجوز‮ ‬يظل‮ ‬يشرح لأي مريد بشيئين،‮ ‬الشئ الأول‮ : ‬أن كانت هنا حديقة عظيمة جدا،‮ ‬وتنطوي علي كل أنواع الفاكهة،‮ ‬وللتدليل علي ذلك،‮ ‬يروح العجوز لكي‮ ‬يحفر الأرض ليصل إلي تلك الجذور التي تثبت بحقيقة الحديقة،‮ ‬أما الشئ الآخر‮: ‬هو إمكانية عودة تلك الحديقة مرة أخري للحياة،‮ ‬وبالفعل‮ ‬يذهب العجوز للتبشير بإعادة الحديقة مرة أخري إلي سابق عهدها‮ ‬

البعيد،‮ ‬ويقنع ولديه بذلك الأمر،‮ ‬ولكن‮ ‬يموت الولدان تباعا،‮ ‬ولكن العجوز لا‮ ‬ييأس،‮ ‬ويظل قابضا علي جمرة الأمل‮ ‬يوما بعد‮ ‬يوم،‮ ‬وعاما بعد عام،‮ ‬ويجذب بعض المغامرين إلي مشروعه الذي اعتبره البعض نوعا من الجنون‮.‬
وأنا لا أريد‮ ‬_هنا_ أن ألخّص القصة،‮ ‬لأنها تنطوي علي جماليات تفوق كثيرا من كتابات أخري،‮ ‬تم الترويج لها آنذاك،‮ ‬وأعتقد أن تلك الرواية،‮ ‬مع فصليها الآخرين‮ "‬عيون الغابة،‮ ‬والصورة‮"‬،‮ ‬تحتاج إلي تحليل فني عميق،‮ ‬ربما فعل ذلك بعض النقاد،‮ ‬ولا أريد هنا أن أقول بأن الكاتب‮ ‬يرمز بالحديقة التي ذهبت،‮ ‬إلي بلادنا التي أصبحت جرداء،‮ ‬وعلينا أن نعيد مجدها الغابر،‮ ‬وربما‮ ‬يكون ذلك الهاجس بعدا قائما بالفعل،‮ ‬ولكن الأعمق من ذلك،‮ ‬والذي‮ ‬يتبدي في العمل كله،‮ ‬هو أن لا مستحيل أبدا علي الإنسان،‮ ‬طالما أنه قادر علي الامتلاء بالأمل،‮ ‬حتي لو كانت الحياة كلها مشحونة بالخراب واللا أمل،‮ ‬ومن هنا جاء رأيه في كافكا،‮ ‬ذلك الرأي المدهش،‮ ‬والذي‮ ‬يقول فيه بأن كافكا لم‮ ‬يكن‮ ‬يكتب عن خراب العالم وسوداويته،‮ ‬بقدر ماكان الفرد الكافكاوي‮ ‬يبحث عن أشكال خلاصه في العالم،‮ ‬هذا البحث لا‮ ‬يمثل سوي الأمل الذي كانت شخصيات كافكا تتذرع به طوال حالات السرد الروائية والقصصية عنده‮.‬
وفي رسائله التي كان‮ ‬يرسلها الشرقاوي إلي صديقه محمد الراوي،‮ ‬كان‮ ‬يثير كثيرا من تلك الإشكاليات الفكرية والأدبية والفنية،‮ ‬ويبدو من تلك الرسائل تركيزه علي الحديث عن كافكا،‮ ‬ومحاولة عقد مقارنات خفيفة بين كتابته،‮ ‬وبين كتابات كافكا،‮ ‬لدرجة أنه ذهب إلي مقارنة حياتيهما بشكل ما،‮ ‬علي الأقل في تشابه قسوة الوالدين،‮ ‬تلك القسوة التي جعلت كافكا‮ ‬يبحث عن أشكال للخلاص دائما لأبطاله،‮ ‬هؤلاء الأبطال الذين وجدوا أنفسهم متورطين بالحياة في عوالم‮ ‬غير مفهومة،‮ ‬وغير عادلة،‮ ‬وهنا راح أبطال الشرقاوي كذلك تبحث عن أشكال العدل الاجتماعي والإنساني والوجودي دائما،‮ ‬وهذا ما‮ ‬يتبدي في الجزء الثاني من رواية الحقيقة،‮ ‬وهو الجزء المعنون بــ‮ »‬‬عيون الغرباء‮»"‬،‮ ‬وهو‮ ‬يشبه نوعا من الأمثولة،‮ ‬تلك الأمثولة التي تتعرض للصراع بين المرأة والرجل،‮ ‬الصراع الخفي والمعلن،‮ ‬والذي‮ ‬ينتصر الراوي فيه للمرأة بكل وضوح،‮ ‬فالرجل في ذلك الجزء‮ ‬يحاول أن‮ ‬يتلصص علي زوجته بكل الطرق،‮ ‬للدرجة التي تجعله‮ ‬يصنع لها فخاخا مخيفة،‮ ‬تلك الفخاخ التي‮ ‬يمكن أن تؤدي إلي هلاك زوجته،‮ ‬وهو لا‮ ‬يتلصص علي حاضرها فقط،‮ ‬ولكنه‮ ‬يتلصص علي ماضيها،‮ ‬ويحاول بكل الطرق أن‮ ‬يستدرجا لكي تحكي له كل ما حدث لها قبل أن‮ ‬يلتقيا،‮ ‬ولكنها كانت تصرّ‮ ‬علي أنه لا‮ ‬يعنيه ذلك الماضي علي وجه الإطلاق،‮ ‬وصارت تواجه زوجها لكي لا‮ ‬يخترق حياتها الماضية،‮ ‬تلك المواجهة التي بدت في القصة،‮ ‬وكأن الزوجة تدافع عن كيانها ككائن اجتماعي كامل،‮ ‬وإنسان حرّ‮ ‬التصرف في كيف عاش وكيف‮ ‬يعيش،‮ ‬وبالتالي الاستقلال في الحياة المستقبلية‮.‬
ويبدو أن الشرقاوي كان‮ ‬يخوض في قضايا إشكالية ووجودية مركبة تخص الإنسان ووجوده في كافة صوره،‮ ‬ولم‮ ‬ينزلق إلي ذلك المأزق السياسي الذي كان ومازال‮ ‬ينزلق إليه كثير من الكتاب،‮ ‬وبالتالي فلم تغر كتاباته هؤلاء النقاد المفتونين بالأبعاد السياسية المجتمعية المباشرة في الفن،‮ ‬وظلّ‮ ‬ضياء الشرقاوي في حياته وبعد رحيله مستبعدا ومهمشا بدرجات قصوي،‮ ‬ولو راجعنا قائمة النقاد الذين تابعوا أعماله الأدبية،‮ ‬لن نجد فيهم النقاد المؤثرين وجهيري الصوت،‮ ‬وكذلك كان ضياء‮ ‬يتحمل تبعات كتاباته التي تنحو ناحية الفن بكل صوره الحقيقية،‮ ‬ومن هنا كان البيان الذي أصدره مع محمد الراوي عام‮ ‬1976،‮ ‬وركز فيه علي عدد أفكار حيوية،‮ ‬منها‮ :"‬أن العمل الفني عمل‮ ‬غير سياسي،‮ ‬فالعمل السياسي عمل مرحلي تكتيكي،‮ ‬متغير في جوهره،‮ ‬وإن اتخذ طابع المنهج في بعض الحالات،‮ ‬ويمكن أن‮ ‬يكون العمل السياسي رافدا من روافد العمل الفني،‮ ‬ولكنه لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون هدفه،‮ ‬وإلا سقط العمل الفني في دور التابع‮ ‬ينتهي دوره بانتهاء قضيته أو الحاجة إليه‮"‬،‮ ‬كذلك أكّد الشرقاوي في ذلك البيان المهم علي‮ "‬أن العمل الفني عمل‮ ‬غير اجتماعي،‮ ‬أي أنه‮ ‬غير مستهدف لخدمة فئة اجتماعية معينة،‮ ‬أو ضرب فئة اجتماعية أخري،‮ ‬ولا‮ ‬يكون هدفه الأساسي رصد ومعالجة الظواهر الاجتماعية،‮ ‬فهذا هو دور عالم الاجتماع‮ ..."‬،‮ ‬ولا‮ ‬يجدي هنا سرد كل الأفكار التي جاء بها ذلك البيان المهم،‮ ‬والذي جاء في مرحلة كانت الوجهة الإبداعية والنقدية متجهة بشكل واسع إلي تلك الأعمال المعنية بالحريات والصراع الاجتماعي في مصر،‮ ‬بينما ذهب البيان ومبدعه وكتاباته عموما نحو تأصيل وتعميق‮  ‬الفكرة الفنية بجدارة‮.‬
ومن هنا لم‮ ‬يكن ذلك البيان إلا تكثيفا للتوجهات النقدية التي عبّر عنها ضياء في دراسات نقدية عديدة من قبل،‮ ‬تلك الدراسات التي تناولت أعمالا إبداعية مهمة،‮ ‬مثل مجموعة‮ "‬الزحام‮" ‬القصصية للأستاذ الكاتب‮ ‬يوسف الشاروني،‮ ‬كذلك دراسته‮ "‬المعمار الفني في ساعات الكبرياء‮" ‬للراحل إدوار الخراط،‮ ‬وأيضا دراسته عن رواية السفينة للكاتب الفلسطيني الأصل الراحل جبرا إبراهيم جبرا،‮ ‬وكتاباته الأخري العديدة عن أبو المعاطي أبو النجا ومحمد الراوي ومحمد الشريف وآخرين،‮ ‬وكذلك آراؤه المتناثرة حول كتّاب مثل‮ ‬يوسف إدريس وخيري شلبي ومحمود الورداني وآخرين‮.‬
وأعتقد أن الشرقاوي قد مرّ‮ ‬في مقتبل حياته بمرحلة الواقعية الأدبية،‮ ‬إذا صح التعبير،‮ ‬وهذا‮ ‬يبدو في المقال الذي كتبه الراحل إبراهيم أصلان،‮ ‬وكان عنوانه‮ "‬أنت‮ ‬يامن هناك‮"‬،‮ ‬وذلك كنوع من المقابلة لرواية الشرقاوي‮ "‬أنتم‮ ‬يامن هناك‮"‬،‮ ‬وفي ذلك المقال‮ ‬يتحدث أصلان عن الصداقة التي كانت تربطه بالشرقاوي‮ ‬_علي عكس علاقته بخيري شلبي التي وصلت إلي حد الخصومة_،‮ ‬وذلك عندما كان‮ ‬يمرّ‮ ‬عليه بشكل شبه‮ ‬يومي في البيت،‮ ‬وكان‮ ‬يسيران بمحاذاة نهر النيل كثيرا،‮ ‬وفي إحدي تلك المرات،‮ ‬قابلهما محمد حافظ رجب السكندري،‮ ‬وفاجأ حافظ رجب صديقه الشرقاوي،‮ ‬ويكتب أصلان قائلا‮ : (‬صافح ضياء‮ ‬_أي حافظ رجب_ دون أن‮ ‬يلتفت إليّ‮ ‬وقد ارتسمت علي شفتيه ابتسامة لا تخلو من استهجان،‮ ‬تبادلا عبارات قليلة،‮ ‬ثم سمعته‮ ‬يقول لضياء،‮ ‬الذي كان واقعيا اشتراكيا في ذلك الوقت‮:‬
_أنتم لسه بتكتبوا القصص الواقعية بتاعتكم دي؟‮!‬
ورأيت ضياء‮ ‬يبتسم ويهز رأسه‮  ‬بما‮ ‬يعني‮ : ‬نعم
وقال الآخر‮:‬
ــ إحنا خلاص،‮ ‬عملنا مدرسة جديدة في القصة‮ "‬
ورفع ذراعه الخالية إلي أعلي وقال‮:‬
_ ودلوقت قاعدين فوق،‮ ‬وعمالين نطرطر عليكم،‮ ‬وأنتم قاعدين تحت‮"‬
واستغرق في الضحك وأضاف‮ ‬
_ آه والله‮ ..)‬
ويستكمل أصلان في مقاله الذي أعاد نشره في كتاب‮ "‬خلوة الغلبان‮" :(‬ورأيت ضياء‮ ‬يضحك مرتبكا ويحرك وجهه إلي هنا أو هناك،‮ ‬وينقل ثقله من قدم إلي أخري،‮ ‬حتي أسعفه الموقف بعربة‮ ‬يستوقفها،‮ ‬وينصرف‮).‬
هذه الحكاية تعني بأن ضياء ورفاقه من طراز إبراهيم أصلان كانوا مشغولين بقضايا الفن والتعبير بدرجات كبيرة،‮ ‬وعمل ضياء وأصلان علي تطوير أدواتهما،‮ ‬غير عابئين بالموقف السياسي المباشر أو الرمزي،‮ ‬ذلك الموقف الذي حاول التعبير عنه أدبيا عدد من أبناء الجيل،‮ ‬وحصلوا علي اهتمام النقاد بشكل مبالغ‮ ‬فيه‮ .‬
الشئ الآخر أن ضياء كان‮ ‬يتعرض طوال حياته إلي هجمات شخصية تشبه ذلك الذي حدث له من حافظ رجب،‮ ‬ولكن ضياء لم‮ ‬يكن‮ ‬يثير حول نفسه ولا حول كتاباته ما كان‮ ‬يثيره الآخرون،‮ ‬لذلك عاش ضياء،‮ ‬ورحل دون أن تشمله بركة النقاد المؤثرين،‮ ‬حتي كتاباته الإبداعية الروائية‮  ‬والقصصية التي نشرت في حياته مثل‮ "‬رحلة في قطار كل‮ ‬يوم،‮ ‬وسقوط رجل جاد،‮ ‬والحديقة‮ "‬،‮ ‬ثم التي نشرت بعد رحيله مثل‮ " ‬بيت في الريح ومأساة العصر الجميل،‮ ‬والملح،‮ ‬وأنتم‮ ‬يامن هناك‮"‬،‮ ‬وكذلك دراساته النقدية اللافتة،‮ ‬ومخطوطاته التي لم تنشر،‮ ‬لم تحظ بأن‮ ‬يهتم بها أحد المسئولين في دور النشر الحكومية أو المستقلة،‮ ‬رغم الأهمية القصوي لإبداع ذلك الأديب الكبير،‮ ‬والذي رحل دون أن‮ ‬يكمل عامه الأربعين،‮ ‬حيث أنه ولد في‮ ‬20‮ ‬إبريل‮ ‬1938،‮ ‬ورحل في‮ ‬2‮ ‬نوفمبر عام‮ ‬1977،‮ ‬تاركا ذلك التراث الإبداعي المهم،‮ ‬والذي بدون قراءته لن نستطيع أن نتعرف علي ذلك العصر الذي عاش فيه بشكل صحيح‮.‬


تعليقات القرّاء