رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

أدباء وكتاب أسقطهم التاريخ الأدبي 13

بدر الديب‮.. ‬غياب واقع‮ ‬واضح وحضور فني عميق


شعبان‮ ‬يوسف
10/29/2016 11:14:28 AM

دائما ما تحضرني جملة عابرة أرسلها الشاعر العراقي الكبير سعدي‮ ‬يوسف في حوار أجرته معه مجلة الكرمل منذ ثلاثة عقود علي وجه التقريب،‮ ‬ويقول فيها سعدي متأثرا بحال الثقافة العربية الذي لا‮ ‬يسرّ‮ ‬أحدا‮ :"..‬أعيش في الظل،‮ ‬ولكنني أكتب في المواجهة‮.."‬،‮ ‬وفي ذلك الحوار أيضا،قال عن نفسه بأن تطوره بطيئا،‮ ‬ويصف سعدي‮ ‬_بخجل معهود لديه_ هذا التطور بالعمق،‮ ‬ويضيف بأنه ليس صاحب انقلابات مفاجئة في الشعر العربي،‮ ‬لأنه ابن تلك البيئة التي تتأثر بما تتلقاه علي مهل‮.‬
تلك الجمل المقتطفة من سياقها،تنطبق علي فريق من كتّابنا العرب،‮ ‬ذلك الفريق الذي آثر أن‮ ‬يكتب من بعيد،دون أن‮ ‬يشارك بأن‮ ‬يكون موجودا بجسده_دائما_ في قلب الأحداث،‮ ‬وحاضرا في كل مناسبة،‮ ‬ومشاركا في كل فاعلية هنا أو هناك،‮ ‬ومحاضرا في كل المؤتمرات والمنتديات علي حد سواء،‮ ‬إن هؤلاء الكتّاب الذين‮ ‬يملأون الدنيا صياحا ووجودا جسديا،‮ ‬ربما لا توجد مقابل كل هذا جملة واحدة مفيدة أو مؤثرة أو فاعلة،‮ ‬وتلك افتراضات جزئية،‮ ‬فليس كل مشارك ونشيط بغزارة،‮ ‬ليس فعّالا وليس مؤثرا،‮ ‬وفي المقابل ليس كل مبتعد وناء عن المشاركات،‮ ‬يصبح مؤثرا وطليعيا‮.‬
لكنني أسوق تلك المقدمة التي طالت نسبيا،‮ ‬لكي أتحدث عن كاتب،‮ ‬يكاد المثقفون‮ ‬يعرفون اسمه بصعوبة،‮ ‬وإن عرفوا اسمه،‮ ‬فربما لم‮ ‬يهتدوا إلي كتاباته التي تنوعت بين شعر وقصص قصيرة وروايات وكتابات نقدية وترجمة ونقد في الفن التشكيلي وغيره،أقصد الكاتب والشاعر بدر الديب،‮ ‬ذلك الرجل الذي ذهب إلي جميع أقطار الأرض،‮ ‬واشتغل بتدريس تاريخ المسرح والنقد المسرحي‮ ‬_حسب ادوار الخراط_ واشتغل بالتوثيق والبيبلوجرافيا في جامعة كولومبيا،واليونيسكو،وفي معهد الفنون المسرحية بالقاهرة،وكان المستشار الثقافي لجريدة الجمهورية المصرية،‮ ‬ورأس تحرير جريدة المساء،وألّف وكتب في البيبلوجرافيا والفهرسة والتصنيف وتاريخ الأدب وتاريخ التعليم والنقد الأدبي،والنقد المسرحي،وتاريخ علم الجمال،وكتب دراسات عن الصهيونية،‮ ‬وترجم عن شيكسبير ووليم سارويان وتشيكوف وكوفمان وغيرهم،وأشرف علي تحقيق‮  ‬كتب من أمهات التراث العربي هي طبقات ابن سعد،ورحلة ابن جبير وخطط المقريزي‮.‬
ويعتبر بدر الديب هو أحد المجددين في الشعر بامتياز،‮ ‬فقد كتب قصيدة النثر في عقد الأربعينيات،‮ ‬ويذهب الشاعر كريم عبد السلام إلي أن بدر الديب هو الرائد والمجدد الحقيقي لقصيدة النثر بين أربعة شعراء ومبدعين كتبوها،‮ ‬وهم لويس عوض وابراهيم شكرالله ومحمد منير رمزي،‮ ‬واعتبره عبد السلام بأنه أكثرهم مصداقية وغزارة وفاعلية،‮ ‬ثم طرح كريم عبد السلام سؤالا افتراضيا،‮ ‬وهو‮ "‬ماذا لو كان بدر الديب نشر أشعاره في زمن كتابتها؟،‮ ‬هل كانت ستترك أثرا علي الحركة الشعرية المصرية والعربية ؟،‮ ‬ويجيب كريم‮ :"..‬إن حرف الحاء‮ ‬_وهو أحد دواوين بدرالديب المكتوب في الأربعينيات_ لو قيض له التلقي الإيجابي والفهم النقدي الواعي بعد نشره في زمن كتابته أي في نهاية الأربعينيات،‮ ‬لتغير مسار الشعر المصري،ولما أصبحنا الآن علي تلك الصورة الكاريكاتورية‮..".‬،ربما‮ ‬يكون ذلك الرأي إفراطا من كريم عبد السلام في التفاؤل،‮ ‬وعلي أي حال هو محق في أهمية ماكتبه الديب في تلك المرحلة المبكرة من تاريخ قصيدة النثر،‮ ‬وليس بالضرورة أن‮ ‬يجد طريقه إلي التأثير،‮ ‬لأن قضية التأثير والـتأثر تلزمها عوامل متعددة،‮ ‬ليس شرطها الوحيد نشر المادة الفنية،‮ ‬ولكن هناك العوامل الأخري التي تحيط بالقارئ،‮ ‬وقدرته علي التلقي والفهم والإدراك والتفاعل‮.‬
ورغم أن بدر الديب بدأ شاعرا ومجددا واسع المعرفة،وذا موهبة طازجة ولافتة للنظر،إلا أنه أبدع‮ ‬_ــ كذلك ــ في القصة والرواية والنقد الأدبي،‮ ‬وقد اقترن اسمه بأهم مقدمة نقدية في الشعر العربي الحديث،‮ ‬وهي مقدمة ديوان‮ "‬الناس في بلادي"الذي صدر عن دار الآداب عام‮ ‬1957،‮ ‬وتعدّ‮ ‬تلك المقدمة النقدية الرصينة والمغامرة بمفاهيم جديدة في الوقت نفسه،إحدي الأيقونات الفكرية التي دفعت عجلة الشعر الحرّ‮ ‬أو الحديث إلي الأمام،‮ ‬والتي كتب بعدها رجاء النقاش مقدمته الشهيرة لديوان‮ "‬مدينة بلاقلب‮" ‬للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي عام‮ ‬1959،‮ ‬ورغم أن المقدمات لم تكن جديدة علي الحياة الثقافية في مصر أو في العالم العربي،‮ ‬ولكن مقدمة بدر الديب للناس في بلادي،‮ ‬وبعدها مقدمة رجاء النقاش لمدينة بلا قلب،‮ ‬أعطيتا تميزا خاصا للمقدمات النقدية،‮ ‬ولم تصبح‮ ‬_كما كانت من قبل_ عبئا‮ ‬يوضع قبل أن‮ ‬يقرأ القارئ الديوان،‮ ‬فهناك قبل ذلك بعض دواوين صدرت من قبل،‮ ‬وكتبت لها مقدمات،‮ ‬ولكنها لم تترك الأثر البالغ‮ ‬الذي لعبته مقدمة بدر الديب للناس في بلادي،‮ ‬وهذا‮ ‬يعود لارتباط بدر بحركة التجديد الشعري والإبداعي بشكل عام‮.‬
وبعد أن ذاع اسم بدر الديب بعد صدور ديوان صلاح عبد الصبور عام‮ ‬1957،‮ ‬راح بدر الديب‮ ‬يجوب العالم منذ عام‮ ‬1951،‮ ‬وكان بدر حسب أصدقائه د شكري عياد وادوار الخراط ومحمود أمين العالم قارئا موسوعيا،‮ ‬وله علاقة وطيدة بالكتب،‮ ‬علاقة قرائية فريدة،‮ ‬وعلاقة تبويب وتصنيف وجدولة،‮ ‬كان خبير مكتبات بامتياز،‮ ‬واستعانت به معظم الهيئات والمؤسسات الكبري،‮ ‬وعلي رأسها منظمة اليونسكو في تصنيف وتبويب وجدولة الكتب،‮ ‬وكذلك عمل في مكتبات الرياض وبعض الدول العربية الأخري لأزمنة طويلة‮.‬
ولا أعتقد أن انشغال بدر بتلك الوظائف،‮ ‬هو الذي منعه عن نشر أعماله في حينها،‮ ‬ولكنه كان كمن‮ ‬يكتب لمتعته الخاصة،‮ ‬وكذلك كان لديه شكوك واسعة حول أثر الشعر في الذائقات المعاصرة للكتابة الطليعية،‮ ‬ومن‮ ‬يتأمل ما كتبه في مقدمة ديوانه‮ "‬تلال من‮ ‬غروب‮.. ‬مقطوعات في الدين والحب والسياسة‮"‬،‮ ‬سوف‮ ‬يدرك ذلك الأمر،‮ ‬إذ إنه‮ ‬يقول‮ :"..‬إنني لا أعتقد أن الشعر العربي الحديث قد حقق فعلا حريته واكتسب قدرة علي التعبير عن مشاعر وأحاسيس ومعرفة القرن الذي نعيش فيه،إنه_ في نظري_ في الطريق إلي ذلك ولم‮ ‬يحقق إلي الآن إلا التخلص من بعض القيود الغربية عن اللحظة الحاضرة‮.."‬،‮ ‬وربما‮ ‬يزداد لدينا الاقتناع بأن بدر الديب كان قلقا تجاه مايكتب،‮ ‬وتجتاحه أسئلة عن نوعية مايكتب،‮ ‬ولكنه عندما قرر النشر بعد أربعين عاما،‮ ‬ونشر‮ "‬حرف الحاء،‮ ‬والسين والطلسم،‮ ‬والمستحيل والقيمة،‮ ‬وتلال من غروب‮ "‬،‮ ‬كتب‮ ‬يقول‮ :"..‬وأخير ا،‮ ‬ليس من المهم ماذا‮ ‬يطلق علي هذه المقطوعات أو إلي‮ ‬‮ ‬ماذا تنتسب،‮ ‬إن النسبة إلي شكل أو أسلوب أو مدرسة هي دور منطقي فيه قدر كبير من العقم،والقصة أو القصيدة أو المقال،‮ ‬أو‮..‬أو‮..‬أو،‮ ‬كلها صور فنية ذات تاريخ وقواعد‮ ‬يصنعها التاريخ الأدبي،‮ ‬وإن استخرجت من التعبير الفني وصناعة التعبير‮..".‬
وأنا ــ شخصياــ‮  ‬لا‮ ‬يهمني ــ كذلك ــ ما‮ ‬يكتبه بدر الديب من تخوفات،‮ ‬ولكنني موقن أن ما أتي به،‮ ‬ينتمي إلي الفنّ‮ ‬في معناه الواسع،‮ ‬وعلي المتلقي أو القارئ أو الباحث أن‮ ‬يصنّف علي مهل،‮ ‬وها هو ادوار الخراط‮ ‬يقول عن ذلك الجنس الأدبي بأنه‮ ‬ينتمي إلي كتابة‮ "‬عبر النوعية‮"‬،‮ ‬ولكن كريم عبد السلام‮ ‬يقطع بأن ذلك شعر،‮ ‬أما شكري عياد فيحتار في تصنيف تلك الكتابة،‮ ‬ويكتب الفنان التشكيلي الكبير عدلي رزق الله قائلا‮ :"‬كتاب حرف الحاء عمل فريد،‮ ‬متميز،‮ ‬لم أقرأ مثيلا أوقرينا له،‮ ‬لا‮ ‬يندرج تحت أي تصنيف مما عرفناه من شعر أو أدب سابق عليه،‮ ‬يمكنك تصفح الأوراق في نصف ساعة لا‮ ‬غير،‮ ‬لكن قراءتها شئ آخر،‮ ‬تقرأ النص فيمسك بتلابيبك لا‮ ‬يفارقك،‮ ‬ولا تقدر علي مفارقته،‮ ‬ينفرد بك ويحيلك إلي جنة الإبداع الحق‮.."‬،‮ ‬وفي استطراد كلام أو كتابة عدلي رزق الله الذوّاقة،‮ ‬والعارف بروح الفنون عموما،‮ ‬سندرك أن عدلي نفسه محتار أمام ذلك الجنس الأدبي‮ ‬غير الشائع،‮ ‬ولكنه‮ ‬ينطوي علي تلك القيمة الإبداعية النادرة والناصعة والتي تعطي شرعية كبيرة لانتماء تلك الكتابة إلي الفنون من باب واسع‮.‬
ورغم أن كل النصوص الشعرية والمسرحية التي كتبها بدر الديب،‮ ‬بدأ في كتابتها من منتصف الأربعينيات،‮ ‬إلا أنه لم‮ ‬ينشرها إلا في الثمانينيات،‮ ‬بعد أن حقق شهرته كناقد وكمترجم وكخبير دولي في تصنيفات وفهرسة الكتب،‮ ‬ونشر أول كتب له مؤلفة عام‮ ‬1982،‮ ‬أي بعدما تجاوز الخمسين من عمره بست سنوات،‮ ‬فنشرت له الهيئة المصرية العامة للكتاب‮ "‬حديث شخصي‮"‬،‮ ‬ذلك الكتاب الأول الذي‮ ‬ينطوي علي ثلاث قصص قصيرة هي‮ "‬رشدي حمامو،وترتيب الغرف،‮ ‬ومقابلة صحفية‮"‬،‮ ‬وكذلك رواية فريدة من نوعها،‮ ‬وهي رواية‮ "‬أوراق زمردة أيوب‮"‬،‮ ‬وكتب د شكري عياد تذييلا نقديا للكتاب جاء فيه‮ :"‬بدر الديب في‮ ‬غير حاجة إلي تقديم،‮ ‬الذين‮ ‬يعرفونه‮ ‬يعرفون وجها من الوجوه المشرقة في أمتنا العربية القليلة الحظ من كل خير،‮ ‬وإذا جهله الكثيرون فليس هذا ذنبه بل ذنب حياتنا الثقافية التي تسلمها المهرجون،‮ ‬فبدر الديب لم‮ ‬يكف عن الكتابة منذ أكثر من ثلاثين سنة،‮ ‬وإن لم‮ ‬ينشر من كتاباته إلا أقلها كمّا وشأنا،‮ ‬ومن صنع الله للثقافة العربية أنه وأمثاله لم‮ ‬يفقدوا رشدهم ولا إيمانهم،‮ ‬بل صمموا علي مواصلة السير في الطريق الذي اختاروه منذ مطلع شبابهم مع علمهم بصعوبته‮...".‬
وشكري عيّاد محق في بعض ماذهب،‮ ‬أي أن الحياة الثقافية كانت ــ ومازالت ــ تعاني من تلك الفوضي العارمة،‮ ‬ومن ذلك الاعوجاج الخلقي بكسر الخاء وضمها،‮ ‬لأنها ترفع من تصفّق له،‮ ‬وتهبط من لا تفهمه،‮ ‬أو من لا‮ ‬يلائم مصالحها وأذواقها المتنافرة،‮ ‬ولكن في حياتنا الثقافية،‮ ‬أصبحت ضرورة امتلاك أي كاتب لمواهب أخري‮ ‬غير موهبة الكتابة،‮ ‬هي السلاح الأمضي لمروره وشهرته ورواجه،‮ ‬تلك المواهب وهي إدارة شئون التسويق التي تفترض ضمنا،‮ ‬أن‮ ‬يريق الكاتب الموهوب ماء وجهه،‮ ‬ويذهب إلي ذلك الناقد المتغطرس حتي‮ ‬يكتب عنه،‮ ‬وهو ما لم‮ ‬يكن‮ ‬يمتلكه بدر الديب،‮ ‬كما كان شقيقه الكاتب الكبير علاء الديب‮.‬
لذلك كان بدر الديب‮ ‬غريبا في‮ ‬غابة المبدعين،‮ ‬رغم أن إبداعاته الشعرية والروائية‮  ‬بدأت تتواتر،‮ ‬وتعرف طريقها إلي القارئ والناقد علي حد سواء،‮ ‬فنشرت أعماله منفردة أولا،‮ ‬ثم نشر المجلس الأعلي للثقافة مجلدين كبيرين،‮ ‬الأول للشعر،‮ ‬وضم دواوين‮ "‬كتاب حرف الحاء،‮ ‬وتلال من‮ ‬غروب،‮ ‬والسين والطلسم،وأقسام وعزائم،‮ ‬والمستحيل والقيمة‮ " ‬عام‮ ‬2009،‮ ‬والمجلد الثاني للروايات،‮ ‬وضم‮ "‬إجازة تفرغ،وأوراق زمردة أيوب،‮ ‬وعادة حكاية حاسب كريم الدين‮"‬،‮ ‬ولكن هناك كتابات كثيرة جدا في النقد لم تأخذ حقها في الخروج بعد،‮ ‬بالإضافة إلي مسرحيتين كان قد كتبهما في الأربعينيات،‮ ‬ونشر إحداهما وهي‮ "‬الأصل والفراق‮" ‬في مجلة الآداب الصادرة في‮ ‬يناير‮ ‬1977‭.‬
وأعتقد أن كتابة بدر الديب لم تستقبل بالحفاوة اللائقة بها،‮ ‬رغم كتابة مجايليه إدوار الخراط ومحمود أمين العالم وشكري عياد،‮ ‬وأستثني احتفاء كريم عبد السلام المحدود،‮ ‬رغم عرامة الكتابة التي قدّم بها أعماله الشعرية،‮ ‬ولم تلتفت إليه الذائقة الأدبية المصرية والعربية،‮ ‬ولا أزعم بأن عدم الالتفات هذا‮ ‬يعود إلي تنكيل أو استبعاد لكتابات بدر الديب،‮ ‬ولكن المسئول الأول عن ذلك‮ ‬يتلخص في هؤلاء النقاد الذين لم‮ ‬يكرسوا مبدعا نوعيا كبيرا،‮ ‬ذلك المبدع الذي أتي متأخرا عن موعده،‮ ‬ولم‮ ‬يستطع أن‮ ‬يمارس ذلك الدور المصاحب للكتابة،‮ ‬وهو الدور الذي‮ ‬يقع علي عاتق المؤسسات الثقافية الخاصة والرسمية،‮ ‬ومن الأمانة أن أذكر أن موقع الكلمة التي كان‮ ‬يترأس تحريره الدكتور صبري حافظ أعدّ‮ ‬ملفا عن بدر الديب،‮ ‬وذلك بعد رحيله،‮ ‬ولكن ذلك الملف الإجرائي،‮ ‬لم‮ ‬يأخذ طريقه إلي القارئ حتي‮ ‬يتعرف علي ذلك المبدع الاستثنائي،‮ ‬والذي‮ ‬يحتاج إلي احتفاء نقدي واسع،‮ ‬وتقام حول إبداعاته مؤتمرات وندوات وحلقات نقاش واسعة‮.‬
وأعتقد أن كتاباته تحتاج إلي ذلك التأمل النقدي الواسع والعميق،‮ ‬ولا أستطيع أن أذهب مثلما ذهب شكري عياد فيما‮ ‬_في مجلة الهلال عام‮ ‬1990_،‮ ‬وقال بأن شخصيات‮  ‬بدر الديب تحمل قدرا كبيرا منه،‮ ‬وخصّ‮ ‬بالذكر رواية‮ "‬أوراق زمردة أيوب‮"‬،‮ ‬وفيها شخصية سيدة تتحدث عن أزمنة الناصرية والساداتية بسلبية واسعة،‮ ‬واسترسل عيّاد في دراسته تلك إلي أن الديب لم‮ ‬يكن خبيرا سياسيا،‮ ‬أو عميقا في فهم شئون السياسة،‮ ‬وهو الذي كان‮ ‬يحيا بعض أمجاده في كنف النظام الناصري،‮ ‬ولم‮ ‬يحتج ولم‮ ‬يعترض إلا بعد حين،‮ ‬وذلك الاحتجاج ورد علي لسان شخصيات تلك الرواية البديعة،‮ ‬وذلك التفسير أغضب بدر الديب فيما بعد،‮ ‬مما اضطره للرد علي‮ "‬صديقه‮" ‬شكري عياد في العدد التالي من المجلة‮.‬
ويذهب شكري عياد إلي ما ذهب،‮ ‬حيث إنهما‮ ‬_بدر وشكري_ تزاملا معا في الرياض،‮ ‬وكان سكنهما قريبا،‮ ‬مما فرض عليهما زمالة وصداقة،‮ ‬سمحت لشكري عيّاد معرفة الديبلا،‮ ‬والاطلاع علي بعض خصوصياته،‮ ‬تلك الخصوصيات التي أفشاها شكري عياد في مقاله بمجلة الهلال،‮ ‬وزعم‮ ‬_حسب بدر_ بأنه عرف بدرا جيدا،‮ ‬وقال عنه بأن بدرا‮ ‬يحب الملذات والكتب والابتعاد عن الحياة الصاخبة،‮ ‬وهذا ما جعل بدرا بعيدا عن الحياة العامة،‮ ‬إنه متأمل أكثر منه‮ ‬يشارك في الحياة العامة‮.‬
ومهما ذهب القارئ والباحث والناقد والمؤرخ في محاولة معرفة ذلك الاستبعاد لتلك العبقرية الفنية عن الحياة الثقافية العامة،‮ ‬فلن‮ ‬يستطيع إدراك ذلك التجاهل المفرط من قبل نقاد‮ ‬يعرفون ويدركون قيمة بدر الديب،‮ ‬ولكنهم‮ ‬_دوما_ مشغولون بالعادي والسائد،‮ ‬ويساهمون في تكريس ما لا‮ ‬يصحّ،‮ ‬واستبعاد مالا‮ ‬يستبعد،‮ ‬وهنا أوجّه لومي للنقاد وللمؤسسات التي لم تستطع بتكريس تلك القيمة العظيمة التي‮ ‬نفتقدها في حياتنا الثقافية والإبداعية‮.‬