رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

‮» ‬يارا‮ ‬غابةٌ‮ ‬من الضَّحِك‮ «‬


محمد رياض
1/7/2017 12:56:18 PM

كان ذلك في أواخر أيام ديسمبر من عام اعتقال‮ "‬يارا‮".‬
هاتفني الصديق الروائي علي سيد علي‮: ‬ـ أنا في‮ "‬الحرية‮" ‬مع عم رفعت،‮ ‬وعاوز يكلّمك‮. ‬من الطرف الآخر،‮ ‬يأتي صوته خشنًا وصارمًا ومهيبًا كما توقعت،‮ ‬رغم أننا لم نتصادف معًا في يوم من الأيام،لا عَجَب،‮ ‬فقد كنتُ‮ ‬أعرف الشاعر رفعت سلّام جيدًا،‮ ‬أعرفه منذ أربعة وعشرين عامًا،‮ ‬عندما كنتُ‮ ‬صبيًا في السادسة عشرة،‮ ‬أحاولُ‮ ‬أن أبدأ الشعر،‮ ‬أن أرتكبَ‮ ‬أولي الخطايا وأجملها علي الإطلاق،‮ ‬كانت تصوراتي عن رفعت سلّام مرتبطةً‮ ‬دائمًا بالسموق،‮ ‬والكبرياء،‮ ‬بالخشونة التي تقترب من تخوم العنف،‮ ‬ربما لأنني عرفته منذ البداية متمردًا،‮ ‬داخلَ‮ ‬أرض الشعر وخارجها علي السواء‮..‬إنني لا أزال أتذكر الحوار،‮ ‬الذي أجرته معه‮ "‬أخبار الأدب؛في أوائل التسعينيات،‮ ‬كان عنوانه‮: "‬أنا مفجّر لغة‮".‬

بدا لي‮ "‬سلّام"آنذاك شاعرًا مثيرًا للجدل والزوابع الشعرية،‮ ‬تصريحاته التي يُصدرها عن تثوير القصيدة لا تجد من يلقفها ويؤسس عليها،‮ ‬أو يبني حوارًا حقيقيًا معها،‮ ‬لذا حمل عدد الجريدة التالي لنشر الحوار،‮ ‬هجومًا علي الشاعر من بعض المتابعين في صفحة البريد،‮ ‬لكن دعونا ننتقل إلي مشهدٍ‮ ‬آخر،‮ ‬فقد كان الموقف مختلفًا بالنسبة لصبيّ‮ ‬السادسة عشرة،‮ ‬الذي يحاول أن يبدأ الشعر‮.‬
كان الديوان الرابع للشاعر،‮ "‬هكذا قلت للهاوية‮"‬،‮ ‬صدر عن هيئة الكتاب في‮ ‬1993،‮ ‬واستقر في حوزتي،‮ ‬اشتريته ضمن أول مجموعة دواوين أقتنيها في حياتي من المعرض،‮ ‬الآن وقد أصبحنا نِدّين أيّها الشاعر،‮ ‬ووقفنا معًا في مناسبات عديدة مشهودة،رأسًا برأس،‮ ‬فإن لدي من الشجاعة لأقول إنني عدتُ‮ ‬وقتها مرارًا إلي ديوانك،‮ ‬فوجدتُني أتخبّط في مسالكَ‮ ‬بالغةِ‮ ‬الوعورة والقسوة والوحشية،‮ ‬كانت الجماليات التي قذف بها السبعينيون،‮ ‬وأنتَ‮ ‬أحد قادتهم،‮ ‬وجهَ‮ ‬القصيدة المصرية،‮ ‬ثقيلة الوطأة علي روحي ووعييَ‮ ‬الصبيّ،‮ ‬وقد بقيت قصائدُك شاخصةً‮ ‬أمامي زمنًا طويلاً،‮ ‬بكل جمالها الخَشِن وفتنتها الغامضة،لكنها قطّلم تمنح نفسها بالكامل‮.‬
كنتم أبناء الحركة الطلّابية الذين عادوا من الحرب،‮ ‬ثم تفرّق بعضهم في المنافي،‮ ‬وظل آخرون عاكفين فيما يشبه الوطن،‮ ‬ما يعني أنكم ورثة المحنة الوحيدون،‮ ‬حمل مشروعكم،‮ ‬الذي تجلّي في أنصع صوره بإصدار‮ "‬إضاءة‮ ‬77‮"‬،‮ ‬وعدًا بالثورة،‮ ‬لا من أجل الأحلام العظيمة التي باتت وهمًا عظيمًا،‮ ‬لكنها ثورة علي اللغة بالأساس،‮ ‬لتحريرها من وطأة القضايا التي أثقلت كاهلها،‮ ‬بعد أن أكدت الأيام والأحداث فشلها في نهاية المطاف‮:‬
قتلوني،
فانفرطتُ‮:‬
قطاراتٌ‮ ‬تعوي،‮ ‬قبائلُ‮ ‬مدججةٌ،‮ ‬جرةٌ‮ ‬مقلوبةٌ،‮ ‬صمتٌ‮ ‬يهوِي علي حجرٍ،‮ ‬خنجرٌ‮ ‬معلقٌ‮ ‬في سماء الذاكرة،‮ ‬ليلٌ‮ ‬قرويٌ،‮ ‬صبيٌ‮ ‬يهربُ‮ ‬خوفًا من الخميس،‮ ‬طائرٌ‮ ‬يلوح في نافذةٍ‮ ‬غامضة،‮ ‬قاعدٌ‮ ‬علي حافةٍ‮ ‬من رماد،‮ ‬مرأةٌ‮ ‬تمضي إلي قبرٍو أخري تجيء،‮ ‬يارا‮ ‬غابةٌ‮ ‬من الضَحِك‮".."‬هكذا قلت للهاوية‮".‬
‮»‬‬يارا‮» ‬غابةٌ‮ ‬من الضَحِك‮»‬.. ‬هل أخبرتُك،‮ ‬أيّها الشاعر،‮ ‬قبل اللحظةِ‮ ‬التي تقرأ فيها سطوري هذه،‮ ‬أن‮ «يارا‮»‬ ‬استقلت عن بقية القصيدة،‮ ‬وحلّقت بعيدًا في روحي،‮ ‬وصاحبتني خلال ترحالي الطويل من دروب القرية البعيدة المغبرّة وحتي ميادين المعارك؟وهل كنتَ‮ ‬تعلم،‮ ‬أيّها الشاعر،‮ ‬أن عبارةً‮ ‬واحدة،‮"‬يارا‮ ‬غابةٌ‮ ‬من الضَّحِك‮"‬،‮ ‬كافيةٌ‮ ‬بذاتها لأن تحدّد مصيرَ‮ ‬إنسان‮ ‬ٍصغير،‮ ‬أن ترسمَ‮ ‬له الطريق،‮ ‬وأن تحاصره لكي لا يحيد،‮ ‬تدفعه،‮ ‬وتدوّي في أذنيه بلا موعدٍ‮ ‬مسبق،‮ ‬بلا مبررٍ‮ ‬واحد؟ عبارةٌ‮ ‬واحدةٌ‮ ‬في قصيدة،يقولها فوق الدروبِ‮ ‬والشطآنِ‮ ‬والجسور،‮ ‬يقولها للنوارسِ‮ ‬والأشجارِ‮ ‬العاليةِ‮ ‬والسحاب،‮ ‬يقولها للبراءةِ‮ ‬والحقولِ‮ ‬والقناطرِ‮ ‬والأطفال‮ ‬ِوالفقراء،‮ ‬يقولها للنسوةِ‮ ‬العائدات من السوق يحملن السّلال،‮ ‬للعجائزِ‮ ‬والأشباحِ‮ ‬والشبابِ‮ ‬والمغامرةِ‮ ‬والتجارب،‮ ‬يقولها بلا منطقٍ‮ ‬واضح،‮ ‬بلا ادعاءٍ‮ ‬أو دليل،‮ ‬ولا يعلم،‮ ‬وهو في ريعان الأحلام المشتعلة بألق الشعر والازدهار الذي يلوح من بعيد،‮ ‬أنه،‮ ‬في يومٍ‮ ‬من الأيام،‮ ‬سيقولها للطّاغية‮.‬
‮«يارا‮»‬ ‬هي الخيط الذي يربطنا معًا منذ البدايةِ‮ ‬أيّها الشاعر،‮ ‬هي الوقدة التي خرجت من أتون المآلات القاسية،‮ ‬لتُلهم شاعرًا آخرَ‮ ‬سيأتي من بعيدٍ،‮ ‬ليقفَ‮ ‬إلي جوارك،‮ ‬ليقولَ‮ ‬هو أيضًا شهادته علي مآلاتٍ‮ ‬جديدة،‮ «يارا‮»‬ ‬هي القصيدةُ‮ ‬الأولي،‮ ‬وكل قصيدةٍ‮ ‬أولي،‮ ‬هي الغموضُ‮ ‬والواقعُ،‮ ‬والشاهدُ‮ ‬والغيابُ،‮ ‬والأحلامُ‮ ‬والحقيقةُ،‮ ‬والآنُ‮ ‬والمصير‮.‬
ها أنت‮ ‬َيأتيني صوتُك عميقًا وقويًا عبر الهاتف،‮ ‬ها أنتَ‮ ‬تدعوني للقاء‮:‬
ــ إزيك يابو حميد‮.. ‬لو فاضي تعالي نقعد شويه مع بعض‮.‬
ــ يسعدني ويشرفني،‮ ‬أنا جاي حالاً‮.‬
كانت‮ «يارا‮»‬ ‬رهينة الحبس الاحتياطي قبل خمسة عشر يومًا،‮ ‬عندما كتبت قصيدتي إلي يارا سلّام ورفاقها،‮ ‬نشرتها‮ "‬أخبار الأدب‮"‬،‮ ‬13‮ ‬يوليو‮ ‬2014،‮ ‬لم أكن أعلم وقتها أنني سأقود مظاهرة شعرية تضم أكثر من أربعين شاعرًا،‮ ‬كلّهم جاء يُدلي بشهادته حول ضحكتها السجينة،‮ ‬حتي موعد لقائي الأول مع الشاعر،‮ ‬والدِها الذي نقل القضية إلي منطقةٍ‮ ‬أبعدَ‮ ‬من مجرّد التضامن،‮ ‬كانت‮ "‬يارا‮" ‬تقضي يومها الرابع والثمانين بعد المائة في سجون النظام،‮ ‬بدعوي خرق قانون التظاهر،‮ ‬وإتلاف المنشآت العامة،‮ ‬واستخدام العنف،‮ ‬وتهديد السلم العام‮.‬
لم يكن رفعت سلّام يعرف أي شيءعني قبل قضية‮ "‬يارا‮"‬،‮ ‬في‮ ‬11‮ ‬أكتوبر‮ ‬2014،‮ ‬نشرت له‮ "‬أخبار الأدب‮" ‬حوارًا تحدّث فيه عن‮ "‬يارا المعتقلة‮"‬،‮ ‬قال‮: "‬اعتقالها وزميلاتها وزملائها نتاج للفشل في تحقيق أهداف الثورة،‮ ‬ولانقضاض قوي الثورة المضادة علي أجهزة الدولة،ليست الثورة هي التي اعتقلتهم،‮ ‬بل إن الثورة نفسها معتقلة الآن‮".‬
وقال‮: "‬لم يُكتب حتي الآن شعرٌ‮ ‬يليق بالثورة،‮ ‬أو يرقي إبداعيًّا إلي مستواها وقيمتها كفعل إبداعي إنساني فريد‮. ‬هو أقرب إلي إثبات الحضور وأداء الواجب واستغلال المناسبة‮. ‬نعم،‮ ‬هو شعر مناسبات عابر،‮ ‬شعر مديح للثورة من الخارج،‮ ‬يصلح للمناسبات الخطابية،‮ ‬الحماسية،‮ ‬لا أكثر‮"‬،‮ ‬لكنه أضاف‮: "‬سيأتي الشعر اللائق بالثورة،‮ ‬إبداعيًّا،‮ ‬إن آجلاً‮ ‬أو عاجلاً‮".‬
كان مقدّرًا أن نلتقي،‮ ‬أيّها الغريم الشاعر،‮ ‬بعد شهرين من هذا التاريخ،‮ ‬لكي نحقق معًا النبوءةَ‮ ‬التي توقعت،وها نحن نتحدثُ‮ ‬الآن،‮ ‬وجهًا لوجه،‮ ‬عن‮ "‬يارا‮"‬،‮ ‬وعن الشعر الذي ينبغي أن يسود،‮ ‬عن البلد والثورة والقضية.لقد كان لقاؤنا مدهشًا‮: ‬ها كَبُرتْ‮ ‬ملامحُك،أيّها الشاعر،منذ طالعتُها في الصحيفة قبل أكثر من عشرين عامًا،‮ ‬لكن النظرةَالقوية بقِيَت علي عهدها،‮ ‬ما زلتَ‮ ‬عنيدًا دون شك،‮ ‬أكادُ‮ ‬أري طيشكَ‮ ‬القديم خلفَ‮ ‬الصلابةِ‮ ‬التي تُبديها لمن قَدِموا للتحيّة،‮ ‬خلفَ‮ ‬حزن الملامحِ‮ ‬التي كَبُرت،‮ ‬وخلفَ‮ ‬الهدوءِ‮ ‬الذي يغلّف الكلام‮.‬
لكنني أعرفُ‮ ‬أن الشعراء لابد أن ينتصروا في نهاية المعركة،‮ ‬ورأيتُكَ‮ ‬تخوض حربًا مفتوحةَعلي كل الجبهات لتحرير‮ "‬يارا‮" ‬ورفاقها من السجن،‮ ‬رأيتُ‮ ‬كيف جعلتَها وجعلتهم قضيةَ‮ ‬اللحظةِالسياسيةِالراهنة،‮ ‬قضيةَ‮ ‬الثورةِ‮ ‬والضميرِ‮ ‬والمبادئ،‮ ‬لكنك تركتَ‮ ‬لي أعباءَ‮ ‬الشعر،‮ ‬أحتملها وأمضي بها حتي النهاية‮.‬
هكذا نَمَت القصيدةُ‮ ‬التي كتبتُهاقبل أن أراك،‮ "‬يارا‮"‬،‮ ‬لتشكّل ديوانًا كاملاً‮ ‬سيصدر قبل أيام من إطلاق سراحها،‮ ‬هكذا امتدت القصيدةُمع أحكام البراءة المتعاقبة لـ"مبارك‮" ‬وسدنةِ‮ ‬القمعِ‮ ‬واللصوص،‮ ‬هكذا كبرت مع مقتل شيماء الصباغ‮ ‬وهي تحمل طوقَ‮ ‬الورود لمن رحلوا من الرّفاق،‮ ‬هكذا اشتعلت القصيدة بدماء‮ ‬22‮ ‬شابًا في مذبحة الدفاع الجوي،وهكذا صارت وطنًا بكامله،‮ ‬تدور في أرجائه عرباتُ‮ ‬الإسعاف وعرباتُ‮ ‬التراحيل‮.‬
وتحررتْ‮ "‬يارا‮"..‬
أيُّ‮ ‬سعادةٍ‮ ‬تغمرني،‮ ‬أيّ‮ ‬انتصارٍ‮ ‬يصعدُ‮ ‬بي ملكًا علي الشوارعِ‮ ‬والجسورِ‮ ‬والمياه،‮ ‬أيُّ‮ ‬كبرياءٍرفيعةٍ‮ ‬تمنحني القصيدة،‮ ‬لأربعةٍ‮ ‬وعشرين عامًا لم أخسر رهاني عليكَ‮ ‬أيّها الشِعْر،‮ ‬وأنتَ‮ ‬الذي حلّقَ‮ ‬بعيدًا فوق الأسوارِالعاليةِ‮ ‬وأبراجِ‮ ‬الحراسةِ‮ ‬والأسلاكِ‮ ‬الشائكةِ‮ ‬والعساكرِالمدجّجين،‮ ‬ليصل إلي سريرها في عنبر السجينات،‮ ‬ليبلغها رسائلي إليها،‮ ‬إلي‮ ‬غابة الضَّحِك التي أطلّت قديمًا من الهاوية،‮ ‬وما زالت تملأُني إلي الآن‮.‬
إنني مدينٌ‮ ‬لك بالطريق التي قطعتُها إلي هنا،‮ ‬بالرّوحِ‮ ‬الهائلةِ‮ ‬التي تلفُني،‮ ‬بالجرأةِ‮ ‬والمقاومةِ‮ ‬والاندفاع،‮ ‬مدينٌ‮ ‬بالشّغَف،‮ ‬بالقوة التي منحْتَني لكي أحرّرَ‮ ‬البراءة المعتقلة،مدينٌ‮ ‬بالابتسامات التي أوزّعها الآن،‮ ‬بلا حسابٍ،‮ ‬علي الشوارعِ‮ ‬والبشرِ‮ ‬والكائنات،‮ ‬مدينٌ‮ ‬بهذا الصباحِ‮ ‬الذي لا يُقاوَم‮.‬
أقضي نهار العيد،‮ ‬يوم خروجها من السجن،‮ ‬أتابع علي‮ "‬فيس بوك‮" ‬آخر مشهدٍ‮ ‬لها في الثياب البيضاء،‮ ‬بينما تعانقُ،‮ ‬لأول مرةٍ‮ ‬منذ عامين،‮ ‬رفاقَها علي الأسفلت،‮ ‬في الطريق إلي‮ ‬غرفتي،‮ ‬أبعث برسالتي عبر الهاتف إلي رفعت سلاّم‮: "‬مبروك الحرية‮"‬،‮ ‬من جديدٍ‮ ‬سنلتقي أيّها الشاعر،‮ ‬يجمعنا ضميرٌ‮ ‬واحد،‮ ‬وقصيدتان متمايزتان في كل شيء سوي‮ "‬يارا‮"‬،‮ ‬فسلامًا لها وهي خلف الأسوار،‮ ‬سلامًا لها بعيدًاعن الأسوار،‮ ‬سلامًا لضحكتها الرائقة،‮ ‬سلامًا لهتافها الحيّ،‮ ‬سلامًا لطيورها الورقيةِ‮ ‬الملوّنة،‮ ‬سلامًا لروحِها الوضيئة وقلبِها الملاك،‮ ‬سلامًا إليك‮. ‬




تعليقات القرّاء