رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

هَكَذَا أَجِيئُكُم عَارِيًا بِلاَ‮ ‬نُبَوَّةٍ‮ ‬وَلاَ‮ ‬شَهَادَةٍ‮ ‬وَلاَ‮ ‬رِسَالَةٍ‮ ‬تَدَّعِي قَدَاسَةً

أن تتورط في حدائق رفعت سلام


مسعود شومان‮ ‬
1/7/2017 12:58:57 PM

‮ ‬تَرحَلُ‮ ‬القِطَارَاتُ‮ ‬لِلشَّـرقِ‮ ‬بِالأبنَـاء،
‮  ‬لَكِن‮.. ‬لاَ‮ ‬تَعُـود‮.‬
هكذا يفتتح رفعت سلام ديوانه‮ »‬‬وردة الفوضي الجميلة‮«،‮ ‬معلنا عن رحيل للشعر وفيه؛ رحيل إلي عالم يبدأ انطلاقته من‮ «منية شبين‮»‬ ‬إلي جغرافيا جديدة للشعر،‮ ‬يرسم من خلالها إحداثيات تحققه كشاعر‮/ ‬علامة،‮ ‬لا تستسلم قصائده لنموذج نعرفه سلفا،‮ ‬ولا تقيم نموذجا يهتدي به ليعيده في تجاربه اللاحقة،‮ ‬حيث الولع بالتجريب واللعب،‮ ‬كونه يمنح الفوضي مكانتها لتفرض نظامها،‮ ‬يرسم طريقا في خريطته لكنه سرعان ما يبهرك بالظلال فتنشغل عن البلدان والأماكن والأصوات بالجمال،‮ ‬فتسأل نفسك‮: ‬أين أنا،‮ ‬وما كل هذا السحر،‮ ‬فتتورط في رحلته متماوجا بين الأصوات والروائح واصطكاكات الحروف،‮ ‬فيغويك بألعابه محتفيا مرة بالتراكم الذي يشع بالدلالات عاكسا بنية النثار التي تحكم الوجود،‮ ‬لكنه لا يجعلك تقر فتهدأ روحك،‮ ‬إنما يوقعك في صخب فوضاه الجميلة حيث‮: «الغُبَارُ،‮ ‬الجَلاَبِيبُ،‮ ‬الطَّوَاقِي،‮ ‬رِحلَةُ‮ ‬العَودَةِ،‮ ‬صَرخَةٌ‮ ‬مَكتُومَةٌ،‮ ‬سِربُ‮ ‬الحَمَامِ‮ ‬يَطِيـرُ‮ ‬لِلشَّرقِ‮ ‬البَعِيدِ،‮ ‬سَنَابِلُ‮ ‬القَمحِ،‮ ‬الصِّغَارُ،‮ ‬حَوَائِطُ‮ ‬الطِّينِ،‮ ‬النَّخِيلُ،‮ ‬التُّوتُ،‮ ‬صَمتٌ‮ ‬صَارِخٌ،‮ ‬ظُلمَةُ‮ ‬القَريَةِ،‮ ‬الحَارَةُ،‮ ‬البَابُ‮ ‬الخَشَبِيُّ‮ ‬العَتِيقُ،‮ ‬الجَرَّةُ‮ ‬المَقلُوبَةُ،‮ ‬الصَّمتُ،‮ ‬السَّوَادُ،‮ ‬الطَّرحَةُ‮ ‬البَالِيَةُ،‮ ‬بَكَاء‮»‬.‬
إنه الميلاد الذي أسلمه مفتاح الشعر حيث لا باب ولا مكان يمكن أن تشير إليه بيقين،‮ ‬هو شاعر لا يقر،‮ ‬طائر علي كل الغصون ولا أشجار سوي شجرة الشعر التي يزرعها في حديقة تتسع،‮ ‬وتتسع بكل الصنوف من مقاطع تحتفي بتزويج المفردات وأخري تعلي من قيمة المفارقة،‮ ‬وثالثة تحتشد لجدارية شعرية تستدعي كل مفردات الكون بأصوات كائناته ورابعة تكتب علي متنها هوامش تصير متنا وخامسة تداعب الخليل بن أحمد الفراهيدي وسادسة تحول السياسي لقناع شعري وسابعة وثامنة،‮ ‬إنه الشاعر‮ / ‬الحديقة الذي لا يقر تحت شجرة ولا يرضي بطعم واحد ولا يعترف بنموذج للشعر يصير سجنا لأصواته المدهشة،‮ ‬فمن الموقع،‮ ‬للموزون،‮ ‬ومن التفعيلي للعمودي ومنها جميعا للنثري،‮ ‬ومن المجازي،‮ ‬للعادي،‮ ‬ومنها جميعا يولد الشعر،‮ ‬فالشعر لا يكمن عند حد ولا يستسلم لأرض خطي عليها‮:‬
غَرَسنَاكَ‮ ‬فِي تُربَةِ‮ ‬الغَرَابَة‮.‬
سَلَّمنَاكَ‮ ‬أبوَابَ‮ ‬الفُصُولِ‮ ‬الأربَعَة‮.‬
وَوَهَبنَاكَ‮ ‬سِرَّ‮ ‬الكِلمَةِ‮ ‬الرُّمحِ،‮ ‬وَمفتَاحَ‮ ‬الكِتَابَة،
كَي تَكتُبَنَا فِي فَاتِحَةِ‮ ‬الرُّؤيَا جِيَادًا نَافِرَة؛
كَي تَكتُبَنَا فِي مَملَكَةِ‮ ‬الجُوعِ‮ ‬ثِمَارًا وَرَغِيف‮.‬
وَنَذَرنَاكَ‮ ‬لِشَمسِ‮ ‬الفَاجِعَة،
كَي تُعِيدَ‮ ‬الرُّعبَ‮ ‬لِلوَطَنِ‮ ‬الألِيف‮.‬
رأيته يقول دعني وحالي،‮ ‬ثم يتورط في أمواج من الدهشة المغوية ـ هكذا يقول قارئ رفعت سلام ـ ليواصل معه التجوال في لغته الخاصة ونبشه المتواصل للعثور علي صوت جديد وأسئلة جديدة لا تضع حاجزا بين السياسي والجمالي،‮ ‬فالمفارقة سيدة الشعر التي تأخذه من قلبه إلي أسطورتها‮:‬
وَبَينَمَا أنبِشُ‮ ‬فِي نُقُوشِ‮ ‬مَعَابِدِ‮ ‬الوَادِي،
عَثَرْتُ‮ ‬عَلَيْهَا بِالهِيرُوغْلِيفِيَّة‮.‬
أيْنَ‮ ‬كُنْتِ؟
مَحْفُورَةً‮ ‬فِي معبَدِ‮ ‬المَلِكِ‮ ‬الأكْبَر‮.‬
‮    ‬هَل تُخْرِجُنِي؟
وَتَخَفَّيْنَا زَمَنًا فِي أشْجَارِ‮ ‬البَرْدِي،‮ ‬نُعَلِّمُ‮ ‬الفَلاَّحِينَ‮ ‬الشِّعرَ‮ ‬وَالحِكْمَة‮.‬
وَلَمَّا ضَجَّ‮ ‬الشَّعبُ‮ ‬فِي الوَادِي مِن فَسَادِ‮ ‬المَلِكِ‮ ‬الأكْبَرِ‮ ‬وَكَهَنَتِه‮.. ‬فَثَار،
قَبَضَ‮ ‬عَلَيْنَا حُرَّاسُ‮ ‬المَلِكِ‮ ‬الأكْبَرِ،
وَأعَادُونَا إلَي الهِيرُوغْلِيفِيَّـة‮. (‬قصيدة وردة الفوضي الجميلة‮ )‬
تتوالد الكلمات حاملة ظلالها‮ ‬غير عابئة بالنمذجة التي أقرها بعض الشعراء فصار لهم حبيبة واحدة،‮ ‬ورموز يمكن أن تتعرف إليها،‮ ‬وصور يمكن أن تشير إليها بوصفها ملامح جيل أو مرحلة،‮ ‬لكن رفعت سلام لا يقف في طابور،‮ ‬ولا يسلم نفسه لحركة القافلة ولا يرتوي أبدا مما عثر عليه من أنهار شعرية،‮ ‬إنه الظمآن أبدا للمغامرة،‮ ‬والعودة من الإشراقات بجموحها الإيقاعي إلي انتظام سرعان ما سيسعي لهدمه من جديد في إشراقاته‮: ‬
الاَ‮ ‬الشِّعرُ‮ ‬يُروِي شَهوَتِي الظَّمأَي
وَلاَ‮ ‬امرَأَتِي،
فَمَن لِي بِالعَزَاء‮.‬
جُثَّتِي‮ ‬
زَمَنٌ‮ ‬تَقَضَّي فِي المَرَاثِي
وَاحتِفَالاَتِ‮ ‬البُكَاء‮.‬
يَتَّكِي قَلبِي
عَلَي بَيتٍ‮ ‬مِنَ‮ ‬الغَيمِ‮ ‬المُرَاوِغِ،
أَو‮ ‬
عَلَي قَوسِ‮ ‬السَّمَاء‮.‬
وَقتِي يُرَاوِغُنِي،
فَلاَ‮ ‬الذِّكرَي تُعِيدُ‮ ‬الطَّائِرَ‮ ‬البَحرِيَّ،
لاَ‮ ‬
وَلاَ‮ ‬لِلقَلبِ‮ ‬أَن يَغفُو
عَلَي خَطِّ‮ ‬الهَوَاء‮.‬
هَا أَنَا
جَمرَةٌ
بَينَ‮ ‬مَاءٍ
وَ
مَاء
هكذا تموج خريطته الشعرية بالتضاريس والبحور،‮ ‬بالصخور والأمواج الناعمة،‮ ‬لا تعتني بالزخرف ولا تعترف بنبوة الشعراء،‮ ‬إنها قصيدة تتعري من المجازات القديمة لتخترع مجازاتها،‮ ‬وتلقي بالانتظام الكمي خارجها لكنها تشتاق له وحين يأتيها تختار منه ما يروق لحركتها،‮ ‬إنها قصيدة تعري معرفتنا عن الشعر وأعرافه المستقرة،‮ ‬فينتفض رفعت سلام معلنا بجسارة‮ (‬هَكَذَا أَجِيئُكُم عَارِيًا بِلاَ‮ ‬نُبَوَّةٍ‮ ‬وَلاَ‮ ‬شَهَادَةٍ‮ ‬وَلاَ‮ ‬رِسَالَةٍ‮ ‬تَدَّعِي قَدَاسَةً‮ ‬مَا كَمَا يَدَّعِي الشُّعَرَاءُ‮ ‬عَـادَةً‮ ‬أَو مَا تَدَّعُونَ‮ ‬هَكَـذَا أَجِيئُكُم رَصَاصَةً‮ ‬أَو خِيَانَةً‮ ‬أَو فَضِيحَةً‮ ‬وَأُسَمِّي نَفْسِيَ‮ ‬انتِهَاكًا وَالوَطَنَ‮ ‬مُسْتَنقَعًا وَالبَحْرَ‮ ‬قُبَّرَةً‮ ‬وَأَنتُمُ‮ ‬القَتَلَةُ‮ ‬لِي أَن أَجِيءَ‮ ‬عَارِيًا مِنَ‮ ‬الصِّفَاتِ‮ ‬وَالخُزَعْبَلاَتِ‮ ‬وَالتَّوَاطُؤَاتِ‮ ‬وَمِن نَفْسِي وَأَقُولُ‮ ‬هَا أَنَا هَاوِيَةٌ‮ ‬بِلاَ‮ ‬قَرَارٍ‮ ‬تَقْطَعُ‮ ‬الطَّرِيقَ‮ ‬دُونَ‮ ‬شَارَةٍ‮ ‬أَو بِشَارَةٍ‮ ‬أُسَمِّي الأَشْيَاءَ‮ ‬بِأَسْمَائِهَا الأُولَي وَأَمْضـِي فِي اتِّجَاهِ‮ ‬البَحْرِ‮ ‬رأسِيًّا‮ ) .‬
إن قصيدة رفعت سلام تأسيس مدهش لنمط الخروج علي المستقر من شعر،‮ ‬لاكتشاف المهمل في حدائقه،‮ ‬لكسر عبادة الأسلاف والآباء،‮ ‬للخراب الدائم الذي هو مصير الكتابة،‮ ‬حيث تظل حديقة الشعر خربة علي الدوام لأنها مرهونة بالهدم المتواصل للمستقر والجاهز،‮ ‬فكل الكلمات تصلح للشعر إذا كان شاعرها يملك وعيه وخياله الخاص،‮ ‬فيستدعي ـ متناصًّا ـ الأماكن والأسماء والأصوات لا لنمسكه متلبسا بارتكاب التناص ولكن لنتعرف من جديد علي ما تشعه الحروف وما يختبئ خلف الظلال‮ «فَلاَ‮ ‬يَتَبَقَّي‮ ‬غَيْر أَن أَكْتُبَ‮ ‬أُهْجِيَةً‮ ‬لِلعُمْرِ‮ ‬الكَئِيبِ‮ ‬مُوَشَّاةً‮ ‬بِحُوشِيِّ‮ ‬الكَلاَمِ‮ ‬وَمَهْجُورِ‮ ‬الأَلفَاظِ‮ ‬وَسَقْطِ‮ ‬مَتَاعِ‮ ‬الشُّعَرَاءِ‮ ‬الصَّعَالِيكِ‮ ‬وَمَن لَفَّ‮ ‬لَفَّهُم وَأَتَأَبَّطَ‮ ‬شَرًّا أَصْفَعُ‮ ‬بِه وَجْهَ‮ ‬العَالَمِ‮ ‬وَقَفَاه بِلاَ‮ ‬افتِعَالٍ‮ ‬أَو مُدَارَاةٍ‮ ‬وَأَسْتَدِيرُ‮ ‬فَأَبْكِي قِلَّةَ‮ ‬حِيلَتِي وَضَعْفِي وَهَوَانِي عَلَي النَّاسِ‮ ‬دُونَ‮ ‬استِثْنَاءٍ‮ ‬فَلَسْتُ‮ ‬نَبِيًّا‮»‬.‬
إن شعر رفعت سلام يوقعك في‮ ‬غواية الجمالي،‮ ‬لكنه ليس جمالا نابعا من السعي وراء التشكيل والمفارقات والنثار فحسب،‮ ‬لكنه يوقعك لتبحث في راقاته الثقافية والسياسية،‮ ‬ويقترح عليك طرقا في خريطة الجمال ما إن تمسك بها ستجد نفسك في حضرة المعرفي حين يتشح بالجمال الذي يفيض دهشة،‮ ‬فياله من أنس حين تعي تنادي معه‮ » ‬يَا سَمِيحَ‮ ‬يَا سَيِّدَ‮ ‬دَرْوِيش يَا طَه حُسَيْن وَبِيكَاسُّو يَا تَلَّ‮ ‬الزَّعْتَرِ‮ ‬يَا يَارَا يَا لُوركَا يَا حِيدَر حِيدَر يَا جِيفَارَا يَا مَايكِل أَنجِلُو تَعَالَوْا جَمِيعًا بِأَسْلِحَتِكُم الُمُشْهَرَةِ‮ ‬المَاضِيَةِ‮ ‬فِي وَضْعِ‮ ‬الاسْتِعْدَادِ‮ ‬وَالأَيْدِي عَلَي الزِّنَادِ‮ ‬مَعًا دُفْعَةً‮ ‬وَاحِدَةً‮ ‬بِلاَ‮ ‬رَحْمَةٍ‮ ‬إِنَّهُ‮ ‬خَطُّ‮ ‬الدِّفَاعِ‮ ‬الأَخِيرِ‮ ‬عَن مَالِكِ‮ ‬الحَزِينِ‮ ‬وَذِكْرَيَاتِ‮ ‬بَيْتِ‮ ‬المَوْتَي وَسِيمْفُونِيَّةِ‮ ‬البُطُولَةِ‮ ‬وَالشِّعْرِ‮ ‬الجَاهِلِيِّ‮ ‬وَشَخْصٍ‮ ‬غَيْرِ‮ ‬مَرْغُوبٍ‮ ‬فِيهِ‮ ‬وَغَيْمَةٍ‮ ‬فِي بَنطَلُون وَالأَخْضَرِ‮ ‬بنِ‮ ‬يُوسُف وَشَرْقِ‮ ‬المُتَوَسِّطِ‮ ‬وَجُرْنِيكَا وَعُرْسِ‮ ‬الدَّمِّ‮ ‬وَوَلِيمَةٍ‮ ‬لأَعْشَابِ‮ ‬البَحْرِ‮ ‬وَالسِّيمْفُونِيَّةِ‮ ‬الرَّابِعَةِ‮ ‬وَيُوجِين أُونِيجِين وَفَصْلٍ‮ ‬مِنَ‮ ‬الجَحِيمِ‮ ‬وَاقْتِحَامِ‮ ‬سَانت كلاَرَا وَبِلاَدِي بِلاَدِي خَطُّ‮ ‬الدِّفَاعِ‮ ‬الأَخِيرِ‮ ‬الأَخِير‮»‬.‬

تعليقات القرّاء