رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

أسباب كثيرة تدعو لمحبته


عزمي عبد الوهاب
1/7/2017 1:06:08 PM

علي إحدي صفحات موقع التواصل الاجتماعي‮ "‬فيسبوك‮"‬،‮ ‬التقطت عيناي صورة التمثال،‮ ‬كان بوشكين،‮ ‬وكانت القصيدة،‮ ‬التي خلت من اسم مترجمها،‮ ‬قبل أن أسأل الصديق صاحب الصفحة،‮ ‬عن اسم المترجم،‮ ‬كان حدسي يقول‮: "‬إنه رفعت سلام‮" ‬لا تستطيع عيناي إغفال هذا التأنق في تشكيل كل حرف من حروف القصيدة،‮ ‬ولا تلك الدقة،‮ ‬التي يبدو،‮ ‬وكأن صاحبها يزن كلماته بميزان الذهب،‮ ‬حتي وإن كان يترجم للآخرين‮.‬
كان المترجم بالفعل هو رفعت سلام،‮ ‬ذلك الشاب الذي جاوز الستين بقليل،‮ ‬ولا يزال يتمتع بقامة مديدة،‮ ‬ويحسب كل خطوة قبل أن يخطوها،‮ ‬وهو خارج للتو من وكالة أنباء الشرق الأوسط،‮ ‬حيث كان يعمل،‮ ‬فكلما مررت بذلك المبني،‮ ‬تغيب الشخوص،‮ ‬وتبقي صورة رفعت سلام،‮ ‬الذي التقيته خلف جدرانه أكثر من مرة،‮ ‬لأسباب صحفية،‮ ‬أو لمجرد السلام العابر والدردشة‮.‬
‮ ‬أذكر أن حوارا من هذه الحوارات الصحفية،‮ ‬التي أجريتها معه،‮ ‬جعل رئيس تحرير‮ "‬الأهرام العربي‮" ‬يبحث عني،‮ ‬كأنني‮ "‬رغيف خبز‮" ‬في بلد جائع،‮ ‬كان د‮. ‬جابر عصفور وقتها أمينا عاما للمجلس الأعلي للثقافة،‮ ‬وكان عنوان الحوار‮: "‬رفعت سلام‮: ‬جابر عصفور سرقني‮" ‬يزين‮ ‬غلاف المجلة،‮ ‬كان عصفور‮ ‬غاضبا في اتصاله برئيس التحرير،‮ ‬وكان لابد من مصالحته بحوار آخر،‮ ‬استنكف خلاله أن يجيب عن السؤال،‮ ‬موضوع وسبب الحوار‮.‬
كان موضوع السرقة هو اصطلاح‮ "‬شعراء السبعينيات‮" ‬الذي أطلقه سلام،‮ ‬ثم استخدمه عصفور فيما بعد،‮ ‬في إحدي دراساته النقدية،‮ ‬وكنت أري في بداية الطريق أن كل شاعر من شعراء السبعينيات،‮ ‬يختلف إنسانيا عن الآخر،‮ ‬وبالتالي فإن قصيدة حسن طلب تختلف عن قصيدة جمال القصاص،‮ ‬عن قصيدة رفعت سلام،‮ ‬عن قصيدة الراحل حلمي سالم،‮ ‬وهو ما كان واضحا في باب‮ "‬تجارب‮" ‬في مجلة‮ "‬إبداع‮" ‬الذي خصصه د‮. ‬عبد القادر القط للتجارب الطليعية،‮ ‬التي يكتبها أبناء هذا الجيل،‮ ‬وبالطبع اتضح ذلك بعد أن أصدر كل شاعر من هؤلاء الشعراء أكثر من ديوان‮.‬
كنت أكثر ميلا لشعراء جماعة‮ "‬إضاءة‮ ‬77‮" ‬لأنهم مثلي جاءوا من قراهم وراء حلم واحد وحيد،‮ ‬وهو ألا يصبحوا مجرد رقم في جهاز التعبئة والإحصاء،‮ ‬وما يعنيني في تلك المساحة هو رفعت سلام،‮ ‬الذي انفصل عن تلك الجماعة،‮ ‬ليعمل علي مشروعه الخاص،‮ ‬وكانت البداية بإصداره مجلة‮ "‬كتابات‮" ‬وما زلت أذكر فرحتي،‮ ‬عندما عثرت علي أحد أعدادها في سور الأزبكية،‮ ‬منذ ما يقرب من ربع قرن‮.‬
رفعت سلام لدي هو صاحب الوجوه المتعددة،‮ ‬والمنجز الذي يسعي بقدر الإمكان إلي الكمال،‮ ‬من خلال الشعر والترجمة والنقد،‮ ‬والرسم أحيانا،‮ ‬إنه لا ينقل لنا نصا أجنبيا في لغتنا العربية،‮ ‬إنه يعمل بروح المحقق،‮ ‬فهو يعرف أن الترجمة ليست مجرد أن تكون‮ "‬شاطرا‮" ‬في اللغة التي تنقل منها أو إليها‮.‬
فقط عليك أن تقرأ الأعمال الكاملة لبودلير،‮ ‬أو كفافيس،‮ ‬أو رامبو،‮ ‬أو والت ويتمان،‮ ‬حتي تعرف كيف يضعك في سياق الثقافة التي ينقل عنها،‮ ‬لا اللغة فحسب،‮ ‬إنه يكتب مقدمة ضافية للعمل الذي يترجمه،‮ ‬تحتوي علي كل ما يمكن أن تحتاجه في رحلتك وأنت تقرأ،‮ ‬إنه ينقل لك صورا فوتوغرافية،‮ ‬تمثل الشاعر في مراحل عمره المختلفة،‮ ‬يترجم الرسائل المتبادلة بين الشاعر وبين أصدقائه أو المقربين منه،‮ ‬ونماذج مختلفة من خطوطه،‮ ‬ينقل لك المقدمات التي كتبها النقاد والشعراء،‮ ‬إنه باختصار يضعك في قلب اللحظة،‮ ‬التي كتب فيها الشاعر ما كتبه‮.‬
إنه يسعي إلي تحقيق الكمال فيما يعمل،‮ ‬كأحد فلاحي مصر القديمة،‮ ‬وهو أكثر أبناء جيله صمتا،‮ ‬لا يتورط في حفلات النميمة،‮ ‬ولا يترفع عن الإشادة بشاعر شاب،‮ ‬من خلال الكتابة عنه،‮ ‬لا يكتفي شأن كثيرين منهم بالكلام الطيب علي المقهي،‮ ‬أو بين جدران‮ ‬غرفة مغلقة،‮ ‬تأملوا مقدمته الرائعة لأنطولوجيا قصيدة النثر التي أعدها الصديق الشاعر عماد فؤاد،‮ ‬حتي تعرفوا الفارق بينه وبين‮ ‬غيره من شعراء جيله،‮ ‬أولئك الذين يريدون جمهورا من الشعراء لا أندادا لهم،‮ ‬أولئك الذين حاولوا أو يحاولون أن يمارسوا دورا أبويا،‮ ‬أو نوعا من أنواع الوصاية علي أسماء بعينها،‮ ‬لقد تحولوا إلي كهنة فرعون بصورة أو بأخري،‮ ‬ويمارسون طقوس حرق البخور كأي مشعوذ عتيد،‮ ‬علي المقاهي وصفحات الفيسبوك‮.‬
رفعت سلام ليس كهؤلاء،‮ ‬منذ أن عرفته في‮ "‬وردة الفوضي الجميلة‮" ‬إلي أن تأكدت صداقتي الشعرية له،‮ ‬مع إصداره ديوان‮ "‬إشراقات رفعت سلام‮" ‬و"هكذا تكلم الكركدن‮" ‬وغيرها من أعمال إبداعية،‮ ‬وتوالي ترجماته لماياكوفسكي وريتسوس وبوشكين وليرمنتوف وغيرهم،‮ ‬أليس وجود هذه الأسماء في مكتبتي يجعلني أقول لرفعت سلام‮: ‬شكرا؟ فهناك أسباب كثيرة تدفعني لمحبتك،‮ ‬وكلها يجعلني أتذكر دائما أنني التقيتك في ذلك المكان،‮ ‬كلما مررت بشارع هدي شعراوي في وسط البلد،‮ ‬حيث كنت تعمل في وكالة أنباء الشرق الأوسط‮. ‬

تعليقات القرّاء