رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

بحثًا عن النهار الآتي


أحمد سراج
1/7/2017 1:08:10 PM

1
‮»‬ ‬من تخصب تخير‮ «
‮» ‬من تخصب تحير‮ »‬‬
يمكنك اختبار صدق المقولتين بالتطبيق علي أي صاحب مشروع مهم؛ فأين تضع يدك،‮ ‬تجد زادًا،‮ ‬ومتي أردت أن تنشغل بثمر دون سواه،‮ ‬تلقَ‮ ‬قلبا متحيرًا بين ما في يدك،‮ ‬وما في عينك،‮ ‬وما يتوقع قلبك أن يعثر عليه‮.. ‬إذن أنت بين زاد وأمل وشفقة من أن تُترك ما لا يُترَك‮.‬
ومع رفعت سلام ستجد أن المقولتين متجسدتان تماما؛ فأنت أمام صحفي ترك بصمة في مكان عمله،‮ ‬انتقلت نظرًا لطبيعة المكان إلي جهات عدة،‮ ‬وأنت أمام ناقد يبحث عن الدهشة لا ليقبض عليها بل ليطلقها من أجل الجمال،‮ ‬وأنت أمام مترجم لا يتوقف عن البحث عن القيمة لينقلها بتوازن القابض علي جمرة فلا يفلتها لتحرق،‮ ‬ولا يشدد عليها فتؤلمه؛ إنه حامل النار المقدسة،‮ ‬وأنت أمام مؤسس من طراز رفيع؛ فهو يبدأ‮ «إضاءات‮»‬ ‬لتعيد للمشهد حيويته،‮ ‬ثم يعود بـ‮ «كتابات‮»‬ ‬ثم يحلق بالمائة كتاب،‮ ‬أما الدور الأول فهو السبب في الأدوار السابقة؛ إنه الشاعر‮.. ‬الذي كانت لأجله الأدوار الأربعة؛ الشعر الذي يحيا رفعت سلام لأجله،‮ ‬مهما اختلف دوره فالصحافة لتوفير حياة كريمة تسمح للشاعر بأن يكتب بحرية واستقلال،‮ ‬والترجمة هي‮ - ‬كما يقول‮ - ‬اكتشاف الآخر،‮ ‬ومعرفة المساحات المشتركة‮. ‬أما النقد فتؤوله أولي كلمات عناوينه‮: (‬بحثًا‮) ‬وقد أجلت ذكر أحد أسباب بحثه لأقولها هنا،‮ ‬وهي تجاوز الدهشة،‮ ‬بإدهاش أكثر،‮ ‬فالشاعر الذي يقف في سلام‮  - ‬متواريا كأنه‮ ‬غير موجود‮  -‬يعرف أن مهمته قائمة علي التجاوز،‮ ‬وأنه إن أراد أن يكون ذا مكان في عالم الشعر؛ فعليه أن‮ (‬يعمر المدن الخربة عمرانا‮ ‬غير مسبوق،‮ ‬فتصير عرائس ومروجًا وشجرًا يحتاج قطافه للذة،‮ ‬لذة المغامرة‮) ‬أما مشاريعه التأسيسية من مجلات شعرية‮ (‬إضاءة‮) ‬ثم أدبية‮ (‬كتابة‮) ‬ثم ترجمة‮ (‬المائة كتاب‮) ‬فكلها تصب في الاتجاه ذاته‮: ‬فتح الأفق للفارس القادم بلا نبوءة ولا كهانة ولا أبوية‮.. ‬فتح الأفق لصوت الألم في هذا العالم‮ - ‬الشعر وفق تعريف سلام‮.‬
الوفاء لنذر‮ ‬غير مرئي،‮ ‬لا تدركه الحواس أولاً،‮ ‬لكنها تستبينه شيئًا فشيئًا،‮ ‬إنه الشاعر الآتي من رحم البراءة| الألم| الأرض| الأساطير| الطير| الرياح‮. ‬حاملا من التربة| الخبز| الثوب| الأسرار| اللغة| الأقوال‮. ‬ليبدأ رحلته‮ (‬ريادة الفارس الشعبي‮) ‬في سفر الهناءة‮ (‬التغريبة وهجرة النبي‮) ‬من أجل أن يمنح آله‮: (‬تعويذة الخصب‮.. ‬وتراتيل اللقاح المتجدد‮)‬
غَرَسنَاكَ‮ ‬فِي تُربَةِ‮ ‬البَرَاءَة‮.‬
أطعَمنَاكَ‮ ‬خُبزَ‮ ‬الألَمِ‮ ‬المُوحِشِ،
ألبَسنَاكَ‮ ‬ثَوبَ‮ ‬الأرض‮.‬
عَلَّمنَاكَ‮ ‬أسرَارَ‮ ‬الأسَاطِيرِ‮ ‬الخَفِيَّة‮.‬
عَلَّمنَاكَ‮ ‬لُغَةَ‮ ‬الطَّيرِ،‮ ‬وَأقوَالَ‮ ‬الرِّيَاحِ‮ ‬الوَثَنِيَّة،
كَي تَبدَأ الرِّحلَةَ‮ ‬فِي سِفرِ‮ ‬الهَنَاءَة‮.‬
كَي تَمنَحَنَا تَعوِيذَةَ‮ ‬الخِصبِ،‮ ‬تَرَاتِيلَ‮ ‬اللِّقَاحِ‮ ‬المُتَجَدِّد‮.‬
2
يمكن للمرء أن يكتفي بما يقال عن شاعر السبعينيات ــ المصطلح لرفعت سلام وسرقه آخرون ادعاء،‮ ‬ورفضه بعض حينًا ثم حاولوا الانتساب إليهم ــ من‮ ‬غموض وقطيعة متعمدة واتجاه للتغريب‮. ‬ويمكن له أن يكتفي بما يقولون عن صرامة الرجل وحدته وخشونته،‮ ‬ويمكن له ألا يمد يده لما يترجمه سلام لأنه يملأ النص بما حوله،‮ ‬لكنه سيكون كمن وقف أمام بيت فاتنة وسأل عنها امرأة جارها‮. ‬أما إن قرأه فسيجد صوتا شبيها بصوت محمد عبدالمطلب طالعا منه‮: ‬لا شك أن مثل هذه الخشونة في شعر رفعت سلام كانت تستهدف المواجهة المباشرة،‮ ‬فكما أن هناك الإحياء بالدين؛ فهناك الإحياء بالشعر‮.‬
3
كيف تمكن رفعت سلام من أن ينجو من حصار حرس المعبد القديم،‮ ‬ومن أسنة الرماح المسمومة الآتية من الفرسان الجدد،‮ ‬الحق أن الشاعر لم يعبأ كثيرًا بالحرس القديم؛ لأنه لا يريد مزاحمة الأفيال علي ثقب إبرة،‮ ‬ولأن هؤلاء يريدون داني القطاف وثريد السلطة،‮ ‬والشاعر في رفعت سلام يرفض هذين،‮ ‬الشاعر الذي يري في الشعر أنه صوت الألم الإنساني،‮ ‬وأن الشاعر هو حامل ذلك الصوت‮.‬
‮ ‬أما الطالعون من رحم الحلم فها هي يده ممدودة لمن سعي نحوه‮.. ‬ولمن قرأ له إنه كما قال عزمي عبدالوهاب‮: ‬لا يتورط في حفلات النميمة،‮ ‬ولا يترفع عن الإشادة بشاعر شاب من خلال الكتابة عنه،‮ ‬لا يكتفي شأن كثيرين منهم بالكلام الطيب علي المقهي،‮ ‬أو بين جدران‮ ‬غرفة مغلقة،‮ ‬تأملوا مقدمته الرائعة لأنطولوجيا قصيدة النثر التي أعدها الصديق الشاعر عماد فؤاد،‮ ‬حتي تعرفوا الفارق بينه وبين‮ ‬غيره من شعراء جيله،‮ ‬أولئك الذين يريدون جمهورا من الشعراء لا أندادا لهم،‮ ‬أولئك الذين حاولوا أو يحاولون أن يمارسوا دورا أبويا،‮ ‬أو نوعا من أنواع الوصاية علي أسماء بعينها،‮ ‬لقد تحولوا إلي كهنة فرعون بصورة أو بأخري،‮ ‬ويمارسون طقوس حرق البخور كأي مشعوذ عتيد،‮ ‬علي المقاهي وصفحات الفيسبوك‮.‬
4
إن قراءة أرقام رفعت سلام تضعك أمام حيرة؛ فأولي قصائده نشرت في بيروت‮ ‬1969،‮ ‬وتأسيسه لإضاءة‮ ‬1977،‮ ‬ونشر ديوانه الأول‮ ‬1987،‮ ‬فكيف سارع شاعر ذو نص جدير بالنشر إلي مشروع جماعي،‮ ‬لا إلي طبع ديوان خاص،‮ ‬وكيف كان هذا المشروع مجلة‮ (‬ينشر الرؤي كلها وفتح الآفاق جميعها)؟ وكيف تأخر نشر أول ديوان كل هذه المدة؛ قرابة عشرين عامًا؟ ربما يجيبك عن السؤال الأول إحساس الشاعر بدور جماعة الشعراء في مواجهة المآسي التي أدت بنا‮  ‬الآن إلي عصر التوكتوك واللحي المستعارة والنخب المدجلة‮.. (‬شهوة إصلاح الكون‮) ‬وقد أحدثت إضاءة فقيرة الطباعة قصيرة العمر أثرها الممتد حتي الآن،‮ ‬ربما لم تربح المعركة لكنها صنعت جيلاً‮ ‬وطنيًّا دون شعارات،‮ ‬انفرطت حباته ولم ينفرط عقده،‮ ‬هكذا أقام رفعت سلام وحلمي سالم وجمال القصاص جدارًا يريد أن ينقض،‮ ‬وهكذا تبعتهم‮ (‬أصوات‮) ‬وإن كانت بتجربة مختلفة في الطريقة؛ فالأولي مجلة تعني بالشعر،‮ ‬والثانية تنشر دواوين شعرية لأصحابها،‮ ‬والحق أن كلتا التجربتين باذخٌ‮ ‬ثراؤه،‮ ‬فكيف والكبار يهربون إلي بلاد الله الواسعة؛ بعيدًا عن بطش النظام،‮ ‬وقريبًا من منابع الثراء؛ ليعودوا ذات يوم مهللين للباطش بهم،‮ ‬أو ظهيرًا لمن يهلل‮.. ‬وكيف بنظام يخلع كل شيء ليدخل العصر الجديد للدولة التي تمتلك‮ ‬99٪‮ ‬من أوراق اللعبة‮.. ‬وبتهليل لا حدود له للدخول في زمن السلام مع الذئب‮.. ‬كيف وسط الغلاء العاصف وانفتاح تدوير القمامة المصدر لنا‮.. ‬يخرج‮.. ‬هاتفون باسم مصر ودورها في يناير‮ ‬77؟ وكيف يخرج شعراء فقراء ربما يوفر أحدهم ثمن وجبة أو اثنتين؛ ليفتح الأفق‮.. ‬هنا مصر‮.. ‬هنا أبناء الفلاحين من منية شبين والراهب‮..‬
يَا رِيحَ‮ ‬الصُّبحِ‮ ‬الآتِي‮..‬
إنِّي مُنتَظِرٌ‮ ‬فِي الطُّرقَات‮.‬
النَّجمُ‮ ‬الأوحَدُ‮ ‬غَاب‮.‬
وَالشَّوكُ‮ ‬بِحَلقِي،‮ ‬وَشِفَاهِي‮..‬
تَقتَاتُ‮ ‬المِلحَ،‮ ‬وَبِالأعصَاب
نِيرَانُ‮ ‬حَرَائِقَ‮ ‬لاَ‮ ‬تَخبُو‮..‬
هَل تَأتِين‮..‬
يَا رِيحَ‮ ‬الصُّبحِ‮ ‬الآتِي‮.. ‬هَل تَأتِين‮..‬؟
إنِّي مُنتَظِرٌ‮ ‬فِي المُفتَرَقَات‮.‬
5
أما لماذا تأخر صدور الديوان؛ فما كان لي من معلومات مفادها،‮ ‬أن الشاعر لم يفكر في إصداره أصلاً،‮ ‬وإنما جرت المقادير هكذا‮.. ‬أخذ صلاح عبد الصبور الديوان ليقرأه،‮ ‬ثم قال للساعر لنقرأه مطبوعًا‮ - ‬كان عبدالصبور رئيسًا لهيئة الكتاب‮ - ‬لكن قلب عبدالصبور لم يحتمل اتهامات أصدقائه في بيته وعلي مسمع من أسرته‮: «انت بعت نفسك بمليم‮»‬ ‬ليموت بهذه الطلقة وما سبقها من أقوال لغيره،‮ ‬ومراجعات لنفسه‮.. ‬وظل الديوان حبيس الروتين حتي فوجئ الشاعر بأنه علي وشك الصدور؛ فغير بعض القصائد لاعتبارات فنية واكتشافات أثناء بحثه قرابة عقد من الزمان‮.. ‬وهكذا صدر أول ديوان شعري لرفعت سلام‮.‬
6
تقودنا الحكاية للإجابة؛ فإيقاع النشر الحكومي البطيء يؤخر التجربة عشر سنوات إبداعيًّا وضعفها علي الأقل نقديا‮ - ‬ولعله من الطارئ هنا أن أدعو إلي الاهتمام بالنشر الإلكتروني باعتباره مشروعًا قوميًّا‮ - ‬وسيكون من اللافت أن نضع أيدينا علي إصرار الشاعر الفرد علي أن تصحبه جماعته في رحلة للبحث عن الترياق في كل الآفاق،‮ ‬ولعلنا نري أنه تعمد أن يخرج بشعره مكتملا بلا محاق يمحق ولا زوال يتلو،‮ ‬فيسبقه في النقد المَسرح الشِّعري العَربِي،‮ ‬1986،‮ ‬ويسبق في الترجمة‮: (‬بُوشكين‮: ‬الغَجَر‮.. ‬وقَصَائد أُخرَي،‮ ‬بيروت‮ ‬1982‮) ‬وليتأمل القارئ دلالة صدور ديوانين في عام واحد‮: (‬وردة الفوضي الجميلة‮) ‬و(إشراقات رفعت سلام‮) ‬وليتأمل أخيرًا صدور ديوان رفعت سلام مضمنًا القصائد الأولي في قسم نهائي آخر الجزء الثاني بعنوان‮: (‬حبو‮) ‬تأخر ليظهر في موعده‮.. ‬مكتملاً‮.. ‬ربما كذلك الأخ الكبير في الريف المصري الذي ينهي كل مهماته نحو أهله،‮ ‬مناجيًا حلمه،‮ ‬ومربيًّا إياه‮.. ‬هكذا بني المصريون القدماء الأهرام بأعمارهم ليشتروا بأجورهم‮ (‬أرغفة وحنطة وسمكا‮) ‬كتاب خلودهم؛ ليعبروا إلي مزارع قصب السكر في الآخرة،‮ ‬بعد أن تحكم ماعت بريشتها علي أن هذا القلب خالٍ‮ ‬من الذنوب،‮ ‬وأنه مليء بالمحبة،‮ ‬فيخيب‮ (‬عمعم‮) ‬المتأهب لأكل القلب‮..‬
7
هكذا يقف رفعت سلام حاملاً‮ ‬كتاب حياته؛ شعرًا وشعرًا وشعرًا‮. ‬هكذا سيكمل رفعت سلام اعتلاء الجبل دون أن ينقضي نهاره،‮ ‬هكذا يأتي النقاد والشعراء حافين حوله‮.. ‬اختفت الطيور النواهش فلا أثر‮.. ‬يستوي‮ «برومثيوس‮»‬ ‬بين جباله،‮ ‬ويطلق‮ «أخيل‮»‬ ‬صرخة انتصاره‮. ‬فيما‮  ‬يحيط بسلام‮: (‬بودلير،‮ ‬رامبو،‮ ‬كفافيس،‮ ‬ويتمان،‮ (‬علي مقربة يأتي ريتسوس‮)‬،‮ ‬وفيما يربت سلام روح الطالعين من كل جهة،‮ ‬ناشرًا شموسه‮: "‬وردة الفوضي الجميلة‮"‬،‮ "‬إشراقات رفعت سلام‮"‬،‮ "‬إنها تُومئ لي‮"‬،‮ "‬هكذا قُلتُ‮ ‬للهاوية‮"‬،‮ "‬إلي النَّهَـار المَاضِي‮"‬،‮ "‬كأنَّها نهَايَـة الأَرضب‮"‬،‮ "‬حجَـرٌ‮ ‬يطفُو علَي المَـاء‮"‬،‮"‬هكذا تكلَّم الكَركَـدن‮"‬،‮ "‬حَبْو‮".‬
أخطُو عَلَي وَرَقٍ‮ ‬وَلُغَةٍ‮ ‬أُخرَي،‮ ‬عَكسَ‮ ‬اتِّجَاهِ‮ ‬الرِّيحِ‮. ‬شَجَرَةٌ‮ ‬تَنمُو مِن كِتَابَاتٍ‮ ‬وَحُمَّي‮. ‬فَهَل نَـــــامَ‮ ‬المُخبِرُونَ،‮ ‬وَعُيُونُهُم سَـــــاهِرَة؟ أَم نَــــامَت الكَائِنَاتُ‮ ‬فِي سُطُورِهَا؟‮ ‬غُصنًا‮ ‬غُصنًا تَنمُو،‮ ‬فَتَعلُو أَلسِنَةُ‮ ‬الحُمَّي وَالأَرَقِ،‮ ‬أَحمِلُهَا فِي قَلبِي،‮ ‬أُوَزِّعُهَا‮- ‬بِالعَدلِ‮ ‬وَالقسطَاسِ‮- ‬عَلَي الشَّوَارِعِ‮ ‬وَالمَيَادِينِ‮ ‬وَأَهلِ‮ ‬الطَّرِيقَة‮. ‬هَذَا جَسَدِي،‮ ‬فَكُلُوا‮. ‬هَذَا دَمِي،‮ ‬فَاشرَبُوا‮.‬