رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

حكايات يوسف تادرس‮:‬ الانحياز إلي الفن ومعني الحياة‮!‬


اعتدال عثمان
5/6/2017 10:43:30 AM

يقول عادل عصمت،‮ ‬الفائز بجائزة نجيب محفوظ لعام‮ ‬2016‮ ‬عن روايته‮ " ‬حكايات يوسف تادرس‮" ‬إنه‮  ‬كلما احتار في أمر من أمور الحياة أو وقع في مشكلة فنية كان يتخيل نجيب محفوظ سائرا إلي جواره في شوارع طنطا يجري معه حوارا‮. ‬وبالرغم من أنه لم يلقه أبدا إلا أنه كان يستحضر صورته ويتخيل طريقته في التفكير،‮ ‬وكان نجيب محفوظ يجيب من واقع الخيال علي سؤاله‮: ‬كيف يمكن أن أتعامل مع الأمر؟

تري هل فكر كاتب‮ " ‬حكايات يوسف تادرس‮" ‬أن يستحضر نجيب محفوظ ويطرح عليه سؤالا ملحا بعد الأحداث الأخيرة لتفجير كنيسة مارجرجس بطنطا حيث تدورالرواية ؟‮ ‬
ربما يكون عادل عصمت قد استنبط إجابة قبل وقوع الحدث،‮ ‬فعكف علي نسج رواية بديعة،‮ ‬مذاقها الهادئ العذب بروحه المصرية الصميمة يتسلل إليك خفية حتي يسيطر عليك تماما طوال القراءة،‮ ‬ويصحبك أيضا بعد الفراغ‮ ‬منها‮. ‬يجذبك البناء الفني البسيط المحكم والمفعم بتفاصيل الحياة والشوق والأسي والمكابدة والضياع الذي يصل إلي حافة الجنون‮.  ‬ينقل إليك الكاتب تجربة إنسانية لفرد،تصادف أن كان من عائلة قبطية،‮ ‬وهو يتقلب في مسار رحلة البحث عن النور،‮ ‬رحلة بحث عن الذات واكتشاف جوهر الفن وجوهر الإنسان‮.‬
عادل عصمت هنا لم يكتف بطرح السؤال المضمر علي كاتبه الأثير واستنباط إجابته،‮ ‬لكنه وضع يده علي سر الصنعة المحفوظية الرهيفة التي لا تعلن عن نفسها،‮ ‬بل تسري في خلايا السرد الروائي سريان الروح في الجسد‮. ‬لقد استطاع استحضار روح العلاقة الحميمة التي برع محفوظ في مد مساراتها الخفية بينه وبين قارئه،‮ ‬فيشعر هذا القارئ أنه يعيش عالم الرواية التي يقرأها الآن في زمان أحداثها ومكانها،‮ ‬وأنه يعرف شخصياتها معرفة وثيقة،‮ ‬فهو واحد من العائلة أو صديق أو جار من أهل الزقاق الذي يعيش سكانه من المسلمين والأقباط‮  ‬كأسرة واحدة،‮ ‬مركزها بيت الخواجة تادرس،‮ ‬والد الراوي‮.‬
‮"‬أخوك يوسف تادرس‮"‬،بعد أن جعلك فردا من العائلة أو جارا حميما في الزقاق،‮ ‬يروي عليك حكاياته البسيطة العميقة ومعاناته لاكتشاف حقيقة الذات وسر الموهبة الفنية في مونولوج طويل علي امتداد الرواية‮. ‬إنه يروي علي مسمع من صديق مقرب،‮ ‬تقتصر مهمته علي تسجيل الرواية من خلال مقاطع سردية متتالية،‮ ‬تقطعها عبارة‮: ‬يقول يوسف تادرس‮. ‬هذه العبارة المتكررة تشبه النغمة الموسيقية التي تربط النغمات‮/ ‬الحكايات علي تنوعها وتغلغلها في وعي ولا وعي السارد الأساس‮. ‬هي كذلك صيغة تقترب من الأدب الشعبي حين يبدأ منشد السيرة بعبارة‮ " ‬يقول الراوي يا سادة يا كرام‮"‬،‮ ‬فينتبه الحضور ويتهيأ الجمهور لسماع الوقائع الشائقة‮.  ‬وعلي مستوي آخر تتيح هذه الصيغة للكاتب الانتقال الحر بين الضمائر:ضمير المتكلم،‮ ‬الراوي المركزي إذ يدلي باعترافاته وكأنه يخاطب نفسه أو كأنه أمام كاهن الاعتراف‮. ‬هناك أيضا ضمير المُخاطَب المجهول المروي له ومن ورائه القراء،‮ ‬إضافة إلي ضمير الغائب المروي عنه كشخصية قصصية رئيسية أو فرعية،‮ ‬بينما يقوم الراوي المركزي بطرح الرؤية السردية علي مهل،‮ ‬وملء فراغات العلاقة الجامعة بين الشخصيات،‮ ‬كما يدفع بحكاياته الموقف الدرامي إلي مداه‮.‬
‮"‬أخوك يوسف تادرس‮" ‬يصحبك في رحلته عبر مرحلة تاريخية تمتد من منتصف ستينيات القرن الماضي حتي بداية القرن الحالي،‮ ‬عاشتها ثلاثة أجيال من عائلة الخواجة تادرس بشري،‮ ‬كما عاشها الوطن بكل ما لحق بالوعي المصري خلالها من تخريب وتشّوه،بينما تدور معظم أحداث الرواية في مدينة طنطا بأسماء شوارعها وحواريها الأصلية ومعالمها المعمارية الشهيرة،‮ ‬إلي جانب تميز موقعها الفريد في قلب الدلتا‮. ‬
لا شك أن نجيب محفوظ وعادل عصمت والقراء يعرفون أن طنطا ثالث مدن مصر المحروسة بعد العاصمتين تضم مقام السيد البدوي وفي الطرف الآخر من المدينة تنهض كنيسة مارجرجس،‮ ‬أقدم الكنائس بالمنطقة‮ (‬أنشئت عام‮ ‬1939‮) ‬كما تضم المدينة بعضا من أقدم العائلات القبطية،وبعضا من أعرقها في بر مصر،‮ ‬فيما تشتهر بتاريخها الصناعي والتجاري الطويل في قلب الدلتا‮. ‬
من تلك المدينة العريقة وغيرها خرج النسيج الفريد للشعب المصري بمسلميه وأقباطه،‮ ‬الأمر الذي يستدعي يقظة عاجلة لمعالجة جذور الأحداث الأخيرة وآثارها،‮ ‬لكن بداية اليقظة لا بد أن تكون الاعتراف بوجود مشكلة في المنظومة المعرفية السائدة في واقعنا الراهن،‮ ‬والاعتراف يقتضي التعرف الأمين علي الواقع أولا،‮ ‬قبل التقدم خطوة في طريق الحل‮. ‬
وإذا كانت حكايات يوسف تادرس قد نشأت في قلب طنطا وتفرعت خارجها لتعود إليها في النهاية،‮ ‬وقد وجد الراوي طريقه أخيرا كفنان تشكيلي متميز صاحب رؤية مجاوزة للوجود وللفن،‮ ‬فإنه يحكي أيضا عن الأحلام المكسورة في واقعه وعن الخوف الذي سكنه منذ الطفولة فهو"ابن خوف‮" . ‬إنها حكايات عن الإنسان العادي في خوفه وهواجسه وقلقه ومغامراته العاطفية المحبطة وعزلته وافتقاد الثقة في نفسه واجتراره لمعاناته‮. ‬أما تكامل رؤية العالم لديه فتحدث حين يستطيع تجاوز قصوره وانغلاق رؤيته،‮ ‬حين يري أن حقيقة الإنسان تتمثل عندما‮ " ‬يدرك بفطرته أنه مجرد حبة رمل،‮ ‬مخلوق بسيط زائل،‮ ‬عليه أن يعبر علي الأرض كما يعبر ظل السحاب‮" ‬عندئذ يدرك أن‮ "‬متعة الحياة في خوض‮ ‬غمارها رغم يقينه أنه‮  ‬فان وعابر إلا أن شجرة الحياة لا بد أن يسقيها ذلك العابر‮." ‬لذلك علي المرء أن يعيش‮ "‬مثل فلاح،‮ ‬يعرف أنه مخلوق مثل كل المخلوقات من حوله،‮ ‬ويعرف أنه عابر،‮ ‬ورغم ذلك يزرع شجرة لأنه يقدس الحياة ولا يقدس ذاته‮."‬
ينجذب يوسف تادرس إلي سحر الفن والألوان وهو طفل،‮ ‬يصاحب أمه إلي جمعية الكتاب المقدس حيث تقام ورشة تعلم النسيج للأطفال،‮ ‬كما يتعلم الرسم في شبابه في قصر الثقافة بطنطا،‮ ‬ويلتحق بجماعة فنية تسمي‮ "‬عنخ‮"‬،‮ ‬يثور فيما بعد علي منهجها المتعالي علي الناس في فهم طبيعة الفن،‮ ‬ولا ينسي طوال حياته كلمات حبه الأول ماري لبيب دميان،‮ ‬مدرسة الرسم في المدرسة الابتدائية،‮ ‬وهي تطل علي موهبته المبكرة و‮" ‬تقول‮: ‬ارسم ما تشاء،‮ ‬لا تخف،‮ ‬ارسم‮" ‬فقد ظلت الكلمات حية في كيانه إلي أن ترجمها فيما بعد فأصبحت‮ " ‬الرسم يخلصك من الخوف‮".‬
يظل يوسف تادرس يبحث عن هويته الفنية إلي أن يكتشف حين عاد إلي زقاق بيته القديم بطنطا أن‮ "‬الفن يمنحك هذه الوحدة بين العضوي والروحي والماضي والحاضر،‮ ‬إنه اللحظة التي يتجمع فيها الزمن ويطل عليك خاليا من تفتته داخل حياتنا اليومية‮." ‬هنا يجد نفسه حين يستجمع نثار حياته،‮ ‬فيجد أن كل لمحة من طفولته ساعدته ومنحته النور‮. ‬وأنه لم ير النور إلا عندما رأي نفسه كائنا صغيرا عابرا،‮ ‬يقول‮" ‬رأيت الحياة بلا أوهام،‮ ‬بلا أساطير،‮ ‬عندها بدأت أعيش‮."‬وعندما بدأ يعيش أدرك أن‮ " ‬العمل الفني لا يتأتي من محاكاة شكل الكائنات،‮ ‬مثلما علمونا،‮ ‬بل من محاكاة عمليات الخلق في الطبيعة‮".‬
وخلال رحلة البحث عن النور بالمعني البصري كعنصر تشكيلي أساسي،‮ ‬وبالمعني العرفاني أو الإشراقي الذي يضيء النفس المبدعة لتهتدي إلي بصمتها الشخصية الخاصة،‮ ‬يختبر الراوي تجربة تشكيلية باطنية مدهشة في محاولة للتعرف علي الذات،‮ ‬فيقوم برسم صورته الشخصية‮ ‬99‮ ‬مرة في أوقات مختلفة لسطوع الضوء ليكتشف أنه لم يجد نفسه الحقيقية في هذه الوجوه جميعا سوي في لوحة واحدة عبارة عن مساحة داكنة تحددها خطوط بسيطة.هذا الاكتشاف مثل بالنسبة له لحظة تنوير حقيقية،‮ ‬تعرف خلالها علي جوهر شخصيته،‮ ‬واكتشف ذاته في حقيقتها البسيطة مثل سائر الناس،‮ ‬وذلك بعيدا عن الأساطير التي ينسجها المرء حول نفسه أو ينسجها له من حوله‮.‬
كذلك يختبر الراوي الفنان تجربة تراسل الحواس،‮ ‬فالأصوات التي يسمعها في ليلة ممطرة تتحول إلي نغمات متغيرة تماثل إيقاع قطرات المطر بحسب شدته علي سطح مشمع مفروش،‮ ‬والنغمات تتحول إلي عزف يوقظ الحواس،‮ ‬فيشعر وكأن الرغبة في الرسم تتحول إلي رغبة حسية مثل النداء الجسدي،‮ ‬وهذا الإحساس يوقظ الروح،‮ ‬فتشعر بلحظة إشراق،‮ ‬معني الحياة يحل في تلك اللحظة‮.‬
وفي تجربة بصرية مألوفة وعابرة كرؤية شال منشورعلي حبل‮ ‬غسيل في البلكونة المقابلة،‮ ‬تحركه الريح،‮ ‬وتشكل من خلال هذه الحركة الحرة أشكالا متماوجة لا يمكن التكهن بها،شعر الفنان أنه وضع يده علي سر الفن وسحره،‮ ‬فالشال له روح،‮ ‬وأن الروح عموما هي شكل للحركة،‮ ‬شكل للوجود الذي يكون عليه الإنسان،‮ ‬وكذلك الشال‮. ‬كل كائن له شكل وجود،‮ ‬له روح‮. ‬من هذه المعرفة المتحصلة من مراقبة الموجودات المتناثرة في حياتنا اليومية استطاع أن يصل إلي قانون من قوانين الوجود،‮ ‬فأدرك طبيعة الطاقة المبدعة في الكون،‮ ‬وأن تحولات هذه الطاقة المبدعة مفتوحة علي إمكانات جديدة دائما،‮ ‬علي شكل لم يوجد من قبل،‮ ‬فكل شكل يتواري يخلف شكلا‮ ‬غيره‮ ... ‬إنها حيوية الحياة وقدرتها علي الخلق‮. ‬لقد تبين حكمة الحياة حين شعر بالشال حيا له روح مثل بقية الكائنات في الكون،‮ ‬وأصبح هدفه من الرسم أن يمسك بتلك الروح السائلة التي تكمن وراء الأشياء،‮ ‬أن يترجم هذه الروح الي شكل مرسوم‮.‬
وعبر حكايات رحلة يوسف تادرس الممتدة تتشابك حكايات أخري عن الحركة الفنية في مصر،‮ ‬أيام كانت قصور الثقافة في الأقاليم نقطة تجمع وانطلاق إلي رحاب الفن،‮ ‬كما تتقاطع لقطات عن فنانين مصريين وعالميين مثل جورج البهجوري وسيف وانلي ومحمود سعيد،‮ ‬وفان جوخ وبيكاسو وهنري مور،‮ ‬إضافة إلي إطلالة دالة علي وجوه الفيوم وأسلوب رسمها العبقري حيث‮ " ‬الحياة والموت يتعايشان في نظرة العين‮"‬،‮ ‬وحيث تمكن الفنان المصري المجهول من التقاط تلك‮ " ‬الروح السائلة خلف الملامح،‮ ‬هذا الشرود فيه من الحيوية ما يعادل الطاقة المتفجرة لقنبلة ذرية‮." ‬
ويتوقف الراوي الفنان عند ذلك السحر الخاص الذي بهره في أسلوب محمود سعيد،‮ ‬والمنظور الذي اختاره في لوحاته حيث أبدع الفنان أجمل حمار في تاريخ الفن التشكيلي،‮ ‬يبدو رشيقا ونظيفا وكأنه استحم لفوره واكتحل لينافس بنات بحري في بهائه،‮ ‬وفي احتلاله مساحة مركزية في اللوحة،‮ ‬تدل علي قيمته في حياة الإنسان المصري،‮ ‬بينما يبدو بعيدا عن تقليد تراث الرسم الأوروبي،‮ ‬لأنه خرج من طين هذه الأرض،‮ ‬يحمل روحها وإيمانها‮.‬
وإذا كانت رواية عادل عصمت تنحاز في مجملها إلي الهوية الحضارية المصرية بمكوناتها المتلاحمة عبر التاريخ،‮ ‬فإنه ينجح في تقديم رؤيته عبر سرد شجي محكم ينساب في عذوبة،‮ ‬منحازا إلي الفن ومعني الحياة وجوهرالإنسان في كل زمان ومكان‮.‬