رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

عربة خشبية ورثها عن أبيه‮ ‬حمادة‮: »‬الزبون مرضي مني


6/17/2017 1:07:53 PM

‮»‬‬فول خالص‮.. ‬زيت حلو‮.. ‬زيت حار‮.. ‬كتر الشطة‮.. ‬قطع عليها بيضة‮.. ‬شقتين فول‮.. ‬طلب‮.. ‬سلطة أو من‮ ‬غير‮ ».‬
تتداخل عشرات الأصوات والجميع في عجلة،‮ ‬بينما يقف عم حمادة علي عربته كعازف ماهر يتحرك بمرونة بين أدواته التي تتنوع بين الزجاجات الملونة التي تحمل الزيت والخلطة والطحينة وبين أنصاف الليمون والكبشة التي يخرج بها الفول‮. ‬وعلي الرغم من تمرسه الشديد وابتسامته في وجه الزبائن وصبره علي عشرات الطلبات يصف حمادة مهنته بأنها مهنة مرهقة جدا حيث يقف لساعات طويلة،‮ ‬قائلا‮: ‬أبدأ يومي في الخامسة،‮ ‬واستمر في العمل حتي الثالثة عصرا قبل أن أبدا في تجهيز طلبات اليوم التالي،‮ ‬فنقوم بتقشير البطاطس وتسوية الفول،‮ ‬أما في الصباح فنقوم بتقطيع البطاطس وقليها وتقطيع السلطة وتجهيز باقي الأشياء‮. ‬وهو في الغالب يعمل دون انقطاع ودون إجازات إلا إجازة العيد،‮ ‬أما عدا ذلك فهو دائما علي عربية الفول‮.‬
لم يعرف محمد عمر والشهير بعم حمادة مهنة‮ ‬غيرها،‮ ‬فمنذ أن ورث المهنة عن والده بدأ العمل وهو في السابعة من عمره،‮ ‬حيث كان يستيقظ باكرا ليساعد والده قبل أن يرتدي المريلة ويذهب إلي المدرسة علي أن يعود في المساء ليعاود العمل‮. ‬
ورث عم حمادة العربة الخشبية أيضا عن والده،‮ ‬الذي جاء من الوادي الجديد إلي القاهرة ليعمل بهذه المهنة،‮ ‬ولم يكن وحده من يعرف أصول الصنعة بل أيضا والدته التي كانت علي دراية كبيرة بأسرار المهنة وكانت تساعد والده بالتجهيز‮. ‬وعلي الرغم من أن عم حمادة استطاع أن يحصل علي محل إلا أنه لم يستغن عن عربية الفول الخشبية التي يقف عليها بنفسه،‮ ‬فانتشار محال الفول والطعمية لم يفقد عربية الفول التقليدية رونقها،‮ ‬حيث تجذب الكثير من الزبائن سواء في المناطق الشعبية أو المناطق الارستقراطية‮.. ‬ولذا كثيرا من أصحاب المحلات يحتفظون بالعربة تيمنا بها‮.. ‬عم حمادة الذي يقف بمنطقة القلعة واحد منهم‮.‬
مهنة تحتاج لصبر وذاكرة‮ ‬
مهنة بائع الفول تحتاج ذاكرة قوية حيث يستمع إلي طلبات كثير من الزبائن معا ويري أيادي ممدودة كثيرة أمامه وعليه أن يحفظ كل طلب ويحاسب الزبون بينما يده تعمل لتجهيز الطلب التالي،‮ ‬بل ومع الوقت أصبح حمادة علي معرفة جيدة بكثير من الزبائن وبطلباتهم،‮ ‬كما أنها تحتاج لمرونة وصبر لتحمل كل تلك الأصوات المتداخلة والتعليقات المستمرة من الزبائن الذين يكونون في الغالب علي عجلة من أمرهم‮.‬
يروي عم حمادة مشادة وقعت بينه وبين أحد الزبائن حيث أرسل الجد حفيده لشراء الفول،‮ ‬وحين تأخر جاء الجد ليتشاجر مع عم حمادة وكان في‮ ‬غاية العصبية إلا أن عم حمادة لم يرد وظل صامتا،‮ ‬يخبرني وهو يبتسم‮: "‬كثيرا ما أسكت احتراما للقمة العيش‮".‬
موقف آخر يحكيه قائلا‮: ‬كان أحد الضباط بقسم القلعة من زبائني المستديمين،‮ ‬وذات مرة بعد أن أعددت الطلب وأغلقت الكيس البلاستيك وكنت أقوم برجه لتقليب الفول،‮ ‬انفجر الكيس بيدي وأغرق بدلته البيضاء،‮ ‬إلا أنه كان متفهما الحمد لله ولم تحدث مشكلة‮.‬
سنوات طويلة من الخبرة ومواقف عدة جعلت من حمادة واحدا من أشهر باعة الفول في المنطقة،‮ ‬وعن سر الصنعة يقول‮: ‬لا شك أن الخبرة لها ثمن فأنا الآن علي دراية بالفولة الجيدة وطريقة التخزين،‮ ‬أنقي الفول بنفسي وأخزنه من السنة للسنة،‮ ‬حيث أعمل بالفول البلدي لأن طعمه لا يعلي عليه،‮ ‬كما أقوم أيضا بالتسوية في مخزني‮.. ‬ومن الضروري أيضا متابعة الفول أثناء التسوية لأن الأنبوبة لو فرغت قبل انتهاء التسوية وبردت الفولة،‮ ‬ستجعلها‮ "‬تسمر‮" ‬أي يصبح لونها‮ ‬غامقا،‮ ‬ويتغير طعمها‮.‬
علي الرغم من أن خلطة الفول لا تزيد علي الفول والعدس والأرز وأحيانا الفول المدشوش،‮ ‬إلا أن سر الفول دائما في الخلطة والمقادير‮.. ‬وكذلك في راحة الزبون،‮ ‬فعلي الرغم من وجود أكثر من ثلاثة مساعدين يقومون بمساعدته،‮ ‬يفضل حمادة أن يقف بنفسه علي عربة الفول،‮ ‬فحين اضطر مرة للسفر لمدة يوم لأداء واجب العزاء،‮ ‬عاد ليجد شكاوي كثيرة من الزبائن،‮ ‬فهو يري أن الناس اعتادت علي وجوده قائلا‮: ‬الزبون مرضي مني حتي لو أعطيته أقل من المعتاد‮. ‬ولكن ذلك في الغالب لا يحدث،‮ ‬لأنه حسبما ذكر عم حمادة؛ أصبحت يده ميزانا فيما يعطيه للزبون‮.‬
وعن مصاعب المهنة الأخري يقول حمادة‮: ‬طبعا‮ ‬غلاء الأسعار،‮ ‬فكيلو الطحينة كان بخمسة جنيهات وكيلو الزيت الحار ثلاثة جنيهات الآن وصل‮ ‬18‮ ‬جنيها،‮ ‬والزيت الحلو أصبح بـ‮ ‬22‮ ‬جنيها‮.. ‬أحيانا يطلب بعض الزبائن بجنيه زيت حار علي طحينة في كيس،‮ ‬الآن أصبح هذا المبلغ‮ ‬لا يساوي شيئا بالنسبة أسعار الخامات ولكن رضا الزبون عندي أهم شيء‮.‬
ويضيف حمادة‮: ‬أحيانا أيضا تحدث أزمات في الليمون والطماطم أو‮ ‬غير ذلك،‮ ‬وأنا لا أستطيع أن أتوقف عن تقديم أي شيء مهما كان سعره‮.. ‬إضافة إلي يومية الصنايعية،‮ ‬فأقل صنايعي يوميته‮ ‬100‮ ‬جنيه،‮ ‬غير ثمن العيش والأكياس البلاستيك‮. ‬حيث يقول حمادة‮: ‬كان الناس في الماضي يشترون الفول في أطباق أو أواني يحضرونها من البيت أما الآن فنادرا ما يأتي أحد بطبق،‮ ‬حيث يأخذون الفول والطلبات في أكياس بلاستيكية‮.‬
وعن سر احتفاظه بعربة الفول رغم شرائه محل ووجود عدد من المساعدين يقول حمادة‮: ‬عربة الفول هي الأساس حتي لو عندي عشرة محلات،‮ ‬وهذه العربة لدينا منذ أكثر من‮ ‬15‮ ‬سنة،‮ ‬كل فترة نقوم بتجديد ألوانها‮.. ‬وقد اختار حمادة أن يزين عربته بآيات من القرآن الكريم،‮ ‬وبعض الرسومات،‮ ‬وعبارة بياع اللوز حضر،‮ ‬إضافة إلي قائمة أسعار والتي تشمل طلب كامل‮ ‬5‮ ‬جنيهات ويشمل الطلب فول وسلطة وعيش،‮ ‬ورغيف سندوتشات بـ‮ ‬3‮ ‬جنيهات،‮ ‬طبق السلطة بجنيه وطبق مخلل جنيه‮.‬
وعن علاقة الفول برمضان يقول حمادة‮: ‬بالنسبة لي ليس هناك اختلاف سوي في المواعيد،‮ ‬ففي رمضان يتركز الشغل كله قبل السحور بساعتين،‮ ‬ونحن نبدأ الشغل من بعد الفطار حتي السحور،‮ ‬في الغالب أجهز الفول وأفطر وأترك العربة للمساعدين حتي الانتهاء من صلاة التراويح،‮ ‬وأقف حتي صلاة الفجر‮.‬
ورغم شهرته وذيع صيته لا يتناول عم حمادة الفول في الغالب،‮ ‬حيث يكتفي بوجبة واحدة في اليوم عقب عودته إلي البيت،‮ ‬إلا أنه يتناول الفول كوجبة رئيسية في سحور رمضان وهو يفضله بالزيت الحار والليمون‮. ‬

تعليقات القرّاء