رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

هوامش ثقافية:اللغة والزمن والذهن

ربّما لن تري النور أبدًا!


د.محمد الشحات
8/5/2017 11:50:29 AM


تشتغل دراسة الباحث المغربي عبد الكبير الحسني (البنيات الدلالية للزمن في اللغة العربية: من اللغة إلي الذهن) علي تناول مفهوم االزمنب من زاوية علم الدلالة العربية؛ وذلك من خلال الانتقال بمجال الدراسة من مستوي إدراك اللغة إلي مستوي إدراك الذهن. ومقولة االزمنب من المقولات المركزية التي شكّلت واحدة من أهم التطورات التي عرفها الدرس اللساني العربي.
وإذا كانت الدراسات اللسانية قد أنتجت عددا كبيرا من التحليلات والقراءات لفهم آليات اشتغال الإنسان باللغة، فإن علم البيولوجيا (علم الأحياء) قد حاول الاستفادة من ذلك في فهم طرائق اشتغال الذهن البشري من خلال اللغة، بحيث انتقل مجال البحث من مستوي الوصف والتحليل إلي مستوي إدراك الذهن البشري. وكان من نتيجة مثل هذا الدرس التوصّل إلي أن الإنسان يملك آليات ذاتية (ميكانيزمات) تساعده في إدراك المدة الزمنية وفق شبكة دلالية مقسمة علي اللحظة والتواتر والورود والقياس الزمني، .. إلخ.  إن بناء الأنساق الزمنية يرتبط بالنظام الاستعاري الذي تنتجه اللغة العربية بالنسبة إلي متكلّميها؛ الأمر الذي يدفعنا إلي تصور الزمن استعاريا كأنه نهر جارف أو وحش كاسر غادر أو كنز ثمين أو سيف بتّار،.. وغير ذلك من تصورات مجازية تشكّل الوجوه الخفية للزمن من جهة، وتساعد الباحثين المختصّين علي تشريح مقولة الزمن من منطلقات إبستمولوجية جديدة لا علاقة لها بالماضي أو الحاضر أو المستقبل من جهة أخري.
في هذا السياق، تأتي أهمية هذه الدراسة التي تنتمي إلي حقل اللسانيات العربية الحديثة التي اشتغلت علي علاقة اللغة بالذهن من خلال دراسة موضوعة االزمن»‬، وهي بذلك تسدّ ثغرة في المكتبة اللسانية العربية، تتمثّل في ندرة عدد الدراسات في هذا المجال.
قسّم الباحث فصول كتابه -الذي يقع في 280 صفحة من القطع الكبير- إلي مقدمة، وأربعة فصول، وخاتمة، وقائمة مصادر ومراجع. في الفصل الأول (البنية التصورية للزمن)، عالج الباحث أهم التصورات والجوانب المتداخلة في تكوين البنية الزمنية، سواء من حيث التمثيل التصوري للزمن، أو  من حيث المعايير المنهجية للزمن (كمعيار المعني، ومعيار بلورة التصور، ومعيار النحوية)، أو من حيث تصورات المدة واللحظة والمصفوفة الزمنية. وفي الفصل الثاني (بنية النماذج المعرفية)، تناول الباحث طرق بناء الإحالة الزمنية وتصنيف النماذج المعرفية وكذلك الأطر المرجعية للنماذج المعرفية. وفي الفصل الثالث (بنية النماذج الدلالية للزمن)، تناول الباحث قضية التعدد الدلالي، وبنية المعجم الدلالي، ومعني التمديد الدلالي، والشبكة الدلالية للزمن. أما في الفصل الرابع والأخير (التصور الاستعاري للزمن)، فقد استعرض المؤلف أغلب الخصوصيات الدلالية التي ينبني عليها مفهوم الزمن في اللغة العربية، وهي تصورات ذات بعد استعاري قوي يتصل بالكثير من القوالب المعرفية والتصورية التي تسمح للإنسان بإمكانية التواصل مع الآخرين بطرائق استعارية شتّي.
لقد كان سؤال الاستعارة في علاقتها بمفهوم الزمن حاضرًا في أغلب فصول الكتاب ومباحثه، تلك التي قاربت موضوع االبنية الدلالية للزمنب. ويبدو أن سؤال الاستعارة ذالذي طرحه جورج لايكوف ومارك جونسون في كتابهما المهم االاستعارات التي نحيا بها»، وكتاب لايكوف الأحدث االنظرية المعاصرة للاستعارةب- هو ما يستبطنه الكتاب في بنيته العميقة. وهنا، تكمن أهمية المقاربة الحالية للزمن من منظور البنية الدلالية.
ينهض الإطار المنهجي العام لهذا الكتاب، الصادر عن دار كنوز المعرفة العلمية، علي معالجة مشكلين محوريين؛ أولهما: مشكل ميتافيزيقي يتمثّل في ازدواجية إدراكنا للزمن، والآخر مشكل لغوي يتجسد في اعتبار اللغة وسيلة نعبّر من خلالها عن تصوراتنا حول الزمن؛ أي أننا ننطلق من التراكيب اللغوية في محاولة منا لهم طبيعة التصورات (وهذا ما يقوله الظاهراتيون).وعلي الرغم من أن الكاتب لم يفصح عن منهجيته مباشرة، فهو مثله في ذلك مثل أغلب البحوث والدراسات اللغوية أو اللسانية، حيث تنحو الدراسة الحالية منحي منهجيا وصفيا تحليليا واضحا. ومع ذلك، فلم يعتمد الباحث في معالجة معطيات البنية الدلالية للزمن علي إطار نظري موحّد أو منسجم منبثق من مشروع الدلالة المعرفية، بل إنه سوف يسعي إلي الإفادة من الافتراض الذي يتبنّاه، ممثلا في كون الإدراك والمعرفة معا هما ما يحدّدان البنية التصورية للزمن، بناء علي »لا قالبية الذهن».

تعليقات القرّاء