رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتابة

كتابة

زمن القليوبي ( 23 ) في حارة الزير المعلّق


محمود الورداني
8/12/2017 12:03:43 PM

هناك بيت آخر تحمل ضجيجنا ورذالاتنا ولم يئن أو يشك علي مدي عدة سنوات بدأت في أوائل سبعينيات القرن الماضي، وهو بيت صديقنا الراحل الكاتب المسرحي محمد الفيل الذي رحل في هدوء في أواخر التسعينيات أو أوائل الألفية الجديدة، من دون أن يدري أحد، أو يتذكره أحد، لكنه كان عمودا من أعمدة تلك الفترة.الفيل لم يكن اسمه، بل حجمه، وأطلقنا عليه ذلك الاسم الذي عُرف به وكتب مسرحياته وسائر كتبه باسم محمد الفيل، بينما كان اسمه الحقيقي محمد عبد العال.
  هُدم بيته الذي كنا نلتقي فيه، وكان يحتل طابقا كاملا في »بدروم»‬ بناية عتيقة في حارة الزير المعلّق في عابدين وقريبة جدا من سور قصر عابدين، وقريبة أيضا من حارة السقايين.مررتُ علي المكان منذ عدة سنوات ووجدت مبني شائها سخيفا يشبه الزمن الحالي، برج عال يطل علي حارة ضيقة مما يؤكد مخالفته. لكن ملامح شقته التي كان يستقبلنا فيها مازالت محفورة في الذاكرة:الحجرات البالغة الاتساع المترامية والأسقف الشاهقة والصالة التي يرمح فيها الخيل.
  لا أتذكر بالتحديد كيف تعرفت عليه، ولم يكن ذلك يمثل أي مشكلة، فالكل يتعارف بالمصادفة، وكان الفيل طالبا في الجامعة وبدأ الناس يتقاطرون علي بيت أسرته المفتوح للجميع. أظن أن يوم الثلاثاء تحديدا هو اليوم الذي كنا نلتقي فيه أسبوعيا وتبدأ المناقشات الصاخبة والتي قد تصل إلي حد الاشتباكات الخفيفة. مناقشات سياسية وثقافية، وكان سؤال الهزيمة يلح علي الجميع ويفرض نفسه، سؤال ضرورة مواجهة ما آلت إليه بلادنا.
  أظن أننا كنا جميعا يساريين، بل ان الصديق سامي الرزاز حكي لي ضاحكا، في حضور الفيل أنه زاره في إحدي الليالي، ووجده يقرأ في كتاب كان عنوانه» التصنيع الثقيل في الاتحاد السوفييتي»!!، ولم ينكر الفيل واكتفي بالابتسام.
  في هذا البدروم كان يلتقي مايزيد علي عشرة من الطلاب والشعراء والقصاصين ربما يوميا، وقد يتضاعف العدد يوم الثلاثاء : صلاح هاشم وأحمد حسان ومحمد سيف وعبد العظيم الورداني وسامي الرزاز ومحمد بدوي ومحمود الشاذلي وبدر الرفاعي .. وغيرهم وغيرهم . لايتناقشون ويتجادلون فحسب، بل يقرأون قصصهم وقصائدهم .
  للأسف لم يؤرخ أحد لتلك الأماكن أو لهؤلاء الأشخاص، وغابت تلك الفترة بتفاصيلها، وربما يكون المكان الوحيد الذي مازال يحتفظ ببعض تلك التفاصيل هو مكتب مكافحة الشيوعية بوزارة الداخلية، وكنا نعرف جيدا المخبرين الذين يراقبون المكان، ومالبث الفيل ومحمد سيف والشاذلي  وغيرهم من المترددين أن هوجمت بيوتهم وطُلبوا للاعتقال في حملة شتاء 1975، لكنني وبعض الأصدقاء ساعدنا في تهريب بعضهم وأقامت إحداهن مثلا عندنا في شقة الهرم وفي ضيافة الرفيقة نعمات مايزيد علي شهرين، وكانت المشكلة في تهريب الفيل هي لونه الأسمر الفاحم، واقترح سيف أن ندهنه بلون أبيض حتي لاتتعرف عليه المباحث!!
  وعلي الرغم من ملامحه وحجمه الضخم إلا أنه لم يكن هناك من هو أرق من الفيل. كان بالفعل مثل نسمة الصباح، وتستطيع أن تطرق بابه في أي وقت من أطراف الليل والنهار، وإذا حكيت له أي شئ وشددت عليه أن يمتنع عن قوله لسريته وخطورته، فاضمن أنه في خلال ساعات قليلة ستعرف القاهرة بكاملها تفاصيل ماقلته للفيل، إلي جانب إضافات وتحابيش الأصقاء وفي مقدمتهم الفيل بالطبع!!.
  شهدت حارة الزير المعلق بدايات تأسيس جمعية كتاب الغد، إحدي أكثر الجمعيات الأدبية راديكالية وجذرية، وشهدت أيضا إصدار بعض مجلات الماستر، وشهدت أيضا تشكّل وعي الكثيرين الأدبي والسياسي، وربما كان أهم ما شهدته هو أصواتنا العالية وشراهتنا للتدخين ومناقشاتنا ومجادلاتنا الصاخبة طوال الليل..سأستكمل الأسبوع القادم إذا امتد الأجل..

تعليقات القرّاء