رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
البستان

عندما كتبت عن اليابان انفتح كل شئ


أحمد صلاح الدين
10/7/2017 1:09:51 PM

الرجل الذي كتب رواية »بقايا اليوم»‬ بصوت خادم إنجليزي علي نحو مثالي هو ذاته إنسان شديد التهذيب. بعد استقبالي علي باب منزله في لندن جولدرزجرين، عرض علي الفور أن يعد لي الشاي، علي الرغم من أن الحكم عليه من ارتباكه في الاختيار من خزانته، إلا أنه لا يبدو عليه أنه ليس ممن يشربون في الساعة الرابعة بعد الظهر في مقاطعة أسام. عندما زرته في المرة الثانية، كانت أدوات الشاي جاهزة علي الطاولة في هذا المنزل البسيط. بدأ بصبر يسرد تفاصيل حياته، ودائما مع قدر من التسامح المضحك لشخصه عندما كان في سن صغيرة، خاصة ذلك الهيبي عازف الجيتار الذي كتب مقالاته أثناء دراسته في الكلية باستخدام عبارات مجردة مفصولة بنقاط. وقال إيشيجورو: “شجعني الأساتذة علي هذا”، “باستثناء محاضر محافظ جدا من أفريقيا.” لكنه كان مهذبا جدا. كان يقول:يا سيد إيشيجورو، أنت تعاني من مشكلة في أسلوبك. إذا كتبت هكذا في ورقة الامتحان، “سأعطيك درجة أقل من مرضية “.
في منزله الأبيض الجميل، يعيش إيشيجورو مع ابنته ناعومي البالغة من العمر ستة عشر عاما، وزوجته لورنا، وهي ناشطة اجتماعية سابقة، هناك ثلاث جيتارات كهربائية لامعة وستيريو حديث. هناك مكتب صغير في الطابق العلوي حيث يكتب إيشيجورو. صمم المكتب تصميما خاصا من الخشب الأشقر من الأرض إلي السقف، مع صفوف من المجلدات المرتبة في الفجوات بعناية تميزها أكواد ملونة. هناك نسخ من رواياته المترجمة بالبولندية، الإيطالية، والماليزية، وغيرها من اللغات. هناك أيضا كتب للبحث. علي سبيل المثال، بوستوار: تاريخ أوروبا منذ عام 1945 لتوني جودت، إدارة الفنادق بشكل فعال لإديستون نيبيل.    
حققت نجاحا مع الأدب من البداية، ولكن هل هناك أية كتابات في شبابك لم تنشر أبدا؟
بعد الجامعة، عندما كنت أعمل مع أشخاص بلا مأوي في غرب لندن، كتبت مسرحية إذاعية لمدة نصف ساعة وأرسلتها إلي هيئة الإذاعة البريطانية، ورفضت، ولكن حصلت علي استجابة مشجعة. كان نوع من الذوق السيئ، لكنه أول قطعة من جوفينيليا لا أمانع أن يراها الآخرون. كان اسمها “البطاطس والعشاق”. عندما قدمت المخطوطة، لم أنطق البطاطس بشكل صحيح. تحكي عن اثنين من الشباب الذين يعملون في مقهي السمك ورقائق البطاطس. يعاني الإثنان من الحول، ويقعان في الحب، لكن لا يعترف أيا منهما بحقيقة أنهما يعانيان من الحول. إنها الحقيقة غير المعلنة بينهما. في نهاية القصة يقرران عدم الزواج، بعد أن رأي الراوي حلما غريبا، حيث يري عائلة قادمة نحوه علي الرصيف البحري. الوالدان يعانيان من الحول، والأطفال أيضا، حتي الكلب كذلك. قال: حسنا، لن تتزوج.
ما الذي دفعك لكتابة تلك القصة؟
في هذا الوقت الذي بدأت فيه التفكير في ما ستكون عليه مسيرتي. فقد فشلت في أن أصير موسيقيا. كان لدي العديد من المقابلات مع رجال الفن والريبريتوار. بعد ثانيتين، يقولون: لن يحدث يا رجل. لذا كان علي أن أذهب إلي المرسحية الإذاعية.
ثم، تقريبا عن طريق الصدفة، عثرت من خلال إعلان صغير عن ماجسيتير في الكتابة الإبداعية من قبل مالكولم برادبوري في جامعة إيست أنجليا. إنها اليوم دورة تعليمية شهيرة، ولكن في تلك الأيام كانت فكرة مضحكة، أمريكية بشكل مقلق. اكتشفت في وقت لاحق أن الكورس لم يتم في العام السابق لأنه لم يكن هناك ما يكفي من الناس للدراسة. أخبرني أحدهم أن إيان ماكوان قام بذلك قبل عقد من الزمان. كنت أؤمن أنه كان الكاتب الشاب الأكثر إثارة في تلك المرحلة. ولكن الجاذبية الأساسية هي أنني يمكن أن أعود إلي الجامعة لمدة عام، بتمويل كامل من قبل الحكومة، وفي نهاية المطاف سيكون علي أن أقدم فقط ثلاثين صفحة من الأدب. أرسلت المسرحية الإذاعية إلي مالكولم برادبوري جنبا إلي جنب مع طلبي.
اندهشت قليلا عندما تم قبولي، لأن الأمر صار فجأة حقيقية واقعة. ظننت أن هؤلاء الكتاب سيدققون في عملي وسوف يكونون مهينين. أخبرني أحد الأشخاص عن كوخ للإيجار في كورنوال الذي كان يستخدم من قبل كمكان لإعادة تأهيل مدمني المخدرات. اتصلت وقلت أني بحاجة إلي مكان أستأجره لمدة شهر واحد لأنني أريد أن أعلم نفسي الكتابة. وهذا ما فعلته في صيف عام 1979. كانت هذه هي المرة الأولي التي أفكر فيها حقا في بنية قصة قصيرة. قضيت عصورا أحاول الوصول إلي أشياء مثل وجهة النظر، وكيف تروي القصة، وهلم جرا. في النهاية كان لدي قصتان لعرضهما، لذا شعرت بقدر أكبر من الأمان.
هل كتبت عن اليابان لأول مرة خلال تلك السنة في إيست أنجليا؟
نعم. اكتشفت أن خيالي صار حيا عندما انتقلت بعيدا عن العالم من حولي. عندما حاولت أن أبدأ قصة: “خرجت من محطة مترو كامدن تاون وذهبت إلي ماكدونالدز وكان هناك صديقي هاري من الجامعة،” لم أستطع أن أفكر في ما سأكتب بعد ذلك. بينما عندما كتبت عن اليابان، انفتح شيء ما. إحدي القصص التي عرضتها في الفصل، جرت أحداثها في ناجازاكي في وقت سقوط القنبلة، روتها سيدة شابة. حصلت علي دفعة هائلة للثقة التي حصلت عليها من زملائي الطلاب. قالوا جميعا، هذه الاشياء اليابانية هي حقا مثيرة جدا، وأنت ترحل في الأماكن. ثم حصلت علي رسالة من فابر تفيد بقبول ثلاث قصص لسلسلتهم التقديمية، التي كان لها سجل حافل ممتاز. كنت أعرف أن توم ستوبارد وتيد هيوز قد تم اكتشافهمابهذه الطريقة.   
هل كان هذا عندما بدأت في كتابة “مشهد شاحب للتلال”؟
نعم، منحني روبرت ماكروم في فابر الخطوة الأولي حتي أتمكن من الانتهاء منها. كنت قد بدأت قصة تجري في مدينة كورنيش، تدور حول امرأة شابة مع طفل يعاني اضطرابا، له خلفية غامضة. كان في ذهني أن هذه المرأة سوف تتأرجح بين قول، سأكرس نفسي للطفل، و لقد وقعت في الحب مع هذا الرجل وهذا الطفل هو مصدر إزعاج. كنت قد التقيت الكثير من الناس علي تلك الشاكلة عندما كنت أعمل مع المشردين. ذلك تجاوبا بديعا علي خلفية تلك القصة القصيرة اليابانية من زملائي، عدت ونظرت في القصة التي وضعت في كورنوال. أدركت أنه إذا رويت هذه القصة بالطريقة اليابانية، كل ما بدا ضيقا وصغيرا سوف يتردد صداه.
لم تهد إلي اليابان منذ كنت في الخمسة، ولكن كيف مثل والداك النموذج الياباني؟
أمي سيدة يابانية جدا في جيلها. لديها نوع معين من الأخلاق - اليابانية قبل النسوية وفقا لمعايير اليوم. عندما أري الأفلام اليابانية القديمة، وأنا أدرك كيف تتصرف الكثير من النساء وتتحدث، تماما مثل والدتي لا. وتستخدم المرأة اليابانية التقليدية لغة رسمية مختلفة قليلا عن الرجال، ولكن في الوقت الحاضر أصبحت الأمور مختلفة علي نحو كبير. عندما زارت والدتي اليابان في الثمانينات، قالت إنها تفاجأت أن الفتيات الصغيرات يستخدمن لغة الذكور.
وكانت والدتي في ناجازاكي عندما أسقطت القنبلة الذرية. كانت في أواخر سن المراهقة. تشوه بيتها، أدركوا مدي الضرر مع سقوط المطر. بدأ الماء يتسرب من السقف في كل جزء، كأن إعصار ضربه. وكما حدث، كانت والدتي الوحيدة في عائلتها - أربعة أشقاء، ووالدين - أصيبوا عندما سقطت القنبلة. أصابتها قطعة من الحطام. كانت في المنزل تتعافي عندما خرج بقية أفراد عائلتها إلي أجزاء أخري من المدينة لتقديم المساعدة. لكنها تقول إنها عندما تفكر في الحرب، فإن القنبلة الذرية لم تكن مخيفة أكثر من غيرها. وتذكر أنها كانت تجلس في مأوي تحت الأرض في المصنع حيث عملت. اصطفوا جميعا في الظلام والقنابل تهبط فوق رؤوسهم تماما. كانوا يعتقدون أنهم سوف يموتون.
لم يكن والدي يابانيا تقليديا علي الإطلاق، لأنه نشأ في شنجهاي. كان له سمات شخصية صينية، وقد كان يبتسم عندما يحدث أمر سيء.
لماذا انتقلت عائلتك إلي إنجلترا؟
في البداية كانت النية تتجه للقيام برحلة قصيرة فقط. كان والدي عالم بحار، دعاه رئيس المعهد الوطني البريطاني لعلوم البحار إلي متابعة اختراع له، له علاقة بحركات العواصف. أنا لم يكتشف طبيعته أبدا. وقد أنشئ المعهد الوطني لعلوم البحار أثناء الحرب الباردة، وكان هناك جو من السرية بشأنه. ذهب والدي إلي هذا المكان في منتصف الغابة. ذهبت فقط لزيارته مرة واحدة.
ما هو شعورك حيال هذه الخطوة؟
أنا لا أعتقد أنني فهمت الآثار المترتبة عليه. كان جدي في متجر في ناجازاكي لشراء هذه اللعبة الرائعة: كانت هناك صورة من الدجاجة، ولديك بندقية، وأطلقت النار علي الدجاجة. إذا أصبت الجزء الأيمن، فإن بيضة تسقط. ولكن لم يسمح لي أن أخذ لعبة معي. كان هذا هو الشيء الرئيسي الذي شعرت بخيبة أمل بشأنه. استغرقت الرحلة ثلاثة أيام علي طائرة بواك. أتذكر محاولة النوم علي كرسي، بينما يحضرآخررون الجريب فروت، وإيقاظي في كل وقت تحتاج فيه الطائرة للتزود بالوقود. وصلت سن التاسعة عشر قبل أن استقل طائرة مرة أخري.
أنا لا أتذكر أني كنت غير سعيد علي الإطلاق في إنجلترا، برغم كل شيء. لو كنت أكبر سنا، أعتقد أن لكان الأمر أكثر صعوبة. وأنا لا أتذكر أية معاناة مع اللغة كذلك، علي الرغم من أنني لم أتلقي دروسا فيها. أحببت أفلام رعاة البقر والمسلسلات التلفزيونية، وتعلمت القليل من اللغة الإنجليزية منها. كان المفضل لدي ارامي، مع روبرت فولر وجون سميث. اعتدت مشاهدة الحارس الوحيد، الذي كان مشهورا في اليابان أيضا. وضعت هؤلاء الرعاة في منزلة مثالية. كانوا يقولون بالتأكيد بدلا من نعم. وقال أستاذي، كازو، ماذا تقصد بكلمة “بالتأكيد”؟ كان علي أن أعرف الفارق بين الطريقة التي الحارس الوحيد، وبين تلك الطريقة التي يتحدث بها قائد الأوركسترا.
باريس ريفيو