رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

يري أنها لصيقة الصلة بالإبداع، لكن بشروط الإبداع نفسه

السيد إمام: الاشتغال بالسياسة يقتل الفن


حوار: عمروالشيخ
10/14/2017 11:33:49 AM

لستُ من المغرمين بعمل الحوارات الصحفية فلستُ إلا شاعرًا، وأحيانًا ناقدًا، أوكاتب مقال لكن عندما يتعلّق الأمر بكبيرٍ مثل السيد إمام المترجمa والناقد والمفكر فإن الأمر يختلف؛ لأنّك أمام رجل عاش الحياة بمنتهي الوعي والتجاوز الحداثي في ابتسامة طفولية وسخرية الفيلسوف. فهم الحياة فلم يتورّط فيها، فهم أن طبيعتها الألم فقرّر أن يبتسم. خاض أعتي المعارك السياسية والفكرية وسخريته سلاحه الرادع ..
أدرك بوعيه أنّ زبانية الإخوان يتلوّنون ويحاولون اختراق حائط الصد الثقافي وتفكيكه فتصدّي لهم بوعيه اللمّاح مفسدًا عليهم محاولاتهم للتلوّن والظهور من جديد في مدينته الحبيبة دمنهور.. إنه السيد إمام أحد أهم رواد التنوير المعاصرين.

حدثني عن مولدك وطفولتك الأولي؟
مولدي؟! تسألني عن مولدي؟! حسناً. ولدت في مدينة شبين الكوم التي لا أعرف عنها شيئاً سوي أنها عاصمة محافظة المنوفية. لا تربطني بشبين الكوم علاقةٌ من أي نوع. لقد ولدت هناك مثلما يولد طفلٌ في قطار. أما مدينتي الحقيقية، المدينة التي شهدت طفولتي وصباي، تلميذاً في مدارسها الابتدائية والإعدادية والثانوية، سائحاً في حواريها وأزقتها، فهي دمنهور. المدينة التي لي في كل  شارع من شوارعها ذكري: أول حب، أول تجربة جنسية، أول كتاب قرأته في حياتي (أظنه كتاب ألف ليلة وليلة) في مكتبة البلدية (التي يُحْتفظ بكنوزها النادرة الآن في صناديق محكمة مختومة برصاص طبع بخاتم السلطات)، أول مشاجرة في سينما »الأهلي»‬ في »‬الترسو» مع عربجي كادت تودي بحياتي لولا عناية الله، أول تعرفي علي السينما الأمريكية : جريجوري بيك، بيرت لانكستر، كيرك دوجلاس، أودي مورفي، سيدني بواتييه، ستيف ريفز، صوفيا لورين، آفا جاردنر، إليزابيث تايلور، كلوديا كاردينالي، مارلين مونرو، بريجيت باردو، إلخ، قطار الدلتا الذي كان يشق المدينة نصفين، انخراطي في منظمة الشباب وكتابتي لمجموعة من اللافتات بخط يدي: »‬سوف ندمر إسرائيل» قبل حرب 67 بساعات، اندفاعي مع الجموع الهادرة الرافضة للتنحي بعد الهزيمة، انخراطي في المعركة الانتخابية لمجلس الشعب عام 90 تأييداً للدكتور زهدي الشامي مرشح اليسار، ومخاطبتي للجماهير الهادرة وترديدها للهتاف الذي أطلقته وقتها، والذي راحت أصداؤه تتردد في أرجاء المدينة كلها: »‬جواز عتريس من فؤادة باطل» وكان المقصودُ بالطبع، الزواجَ السياسي الذي تم وقتها بين السلطة السياسية ومرشحة الحزب الوطني. إلخ، إلخ.          
أما متي ولدت، ففي19 مارس عام 1945 (هل لهذا التاريخ مغزي؟ هل تسربت أخبار الحرب العالمية وأهوالها إليَّ وأنا جنين في بطن أمي- بكيفية ما لا أعلمها- وصاغتني علي الطريقة التي أنظر بها للعالم الآن؟) ، نفس العام الذي أَمَرَ فيه الرئيس الأمريكي هاري ترومان بقصف مدينتي هيروشيما وناجازاكي بالقنابل النووية والذي أسفر عن مقتل مائة ألف إنسان في الحال وإصابة عدد مماثل بإصابات مخيفة، بالإضافة إلي محو مدينتين كاملتين من الوجود.
 متي وكيف بدأت علاقتك بالفن عمومًا، والأدب تحديدًا؟
اعتقد ان المسألة لها علاقة بالجينات لا تنس أن أخي الأصغر رضا قصاص موهوب، وطارق ابني روائي ولبني ابنتي الكبري مصورة فوتوغرافية موهوبة ومترجمة قصص أطفال، وأختها الصغري شاعرة عامية يمنعها زوجها من نشر أعمالها في الصحف حتي الآن، أضف إلي هذا كله صلة القرابة التي تجمعنا بابن عم أمي أمين يوسف غراب.
 بدأت علاقتي بالفن والأدب عموماً، في سن مبكرة مع مجلة »‬سندباد» للأطفال التي كان أبي يحرص علي إحضارها لي كل خميس، والتي كان يرسمها تقريباً من الغلاف للغلاف الرسام الكبير حسين بيكار، وتضم قصصا عربية ومترجمة مكتوبة بأسلوب أدبي مشوق بالإضافة إلي العديد من القصص المسلسلة التي تنشر في حلقات. ثم في مرحلة أخري مع مكتبة البلدية في دمنهور، حيث قرأت لأول مرة »‬ألف ليلة وليلة» (التي كان يعدها للإذاعة طاهر أبوفاشا ويخرجها محمد محمود شعبان) وأبهرني عالمها السحري. وفي مرحلة تالية، نجيب محفوظ (زقاق المدق، وخان الخليلي ثم الثلاثية) أعمال إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله ويوسف الشاروني وأجاثا كرستي ويوسف إدريس. ثم تعرفت في ذات الفترة علي أندريه جيد، وجراهام جرين، وأرسكين كولدويل وشتاينبك وغيرهم من الكتاب العالميين من خلال سلسلة »‬روايات عالمية» التي كانت تصدرها الدار القومية للطباعة والنشر بانتظام، كما كنت حريصاً أيضاً علي اقتناء »‬كتاب الشعب» الذي كانت تصدره شهرياً دار الشعب، بالإضافة إلي مجموعة سلاسل: »‬الألف كتاب» »‬اقرأ» »‬المكتبة الثقافية» (كتاب بقرشين)، أعلام العربس »‬تراث الإنسانية» »‬كتب سياسية، روائع المسرح العالمي»‬ و»‬مسرحيات عالمية» ثم مجلات »‬المجلة» التي كان يرأس تحريرها يحيي حقي والتي أفردت عدداً خاصاً عن الكتاب الجدد: وحيد حامد، محمد حافظ رجب، محمد إبراهيم مبروك، الغيطاني، إبراهيم أصلان، أسامة أنور عكاشة، محفوظ عبد الرجمن الذين شكلوا بعد ذلك ما يعرف بجيل الستينيات، بالإضافة إلي مجلات »‬الكاتب» و»‬الطليعة» و »‬المسرح» إلخ.

لم تكن طريقك ممهدةً في بداياتك كقاصٍّ أوكناقدٍ أوكمترجمٍ فقد واجهت منذ بدايتك جيلاً من أصحاب الاتجاه المحافظ .. كيف  تنظر إلي تلك الفترة الآن؟ وما دور شريكك في بداية المشوار الراحل إبراهيم العشري؟  
 بدأت بكتابة القصة القصيرة ونُشِرت بعض أعمالي متفرقة في الصحف والمجلات المتاحة في أوائل السبعينيات (الجمهورية، الزهور، أدب ونقد، ومصرية إلخ). كنت مولعاً بالتجريب إلي أقصي حد. في نفس الفترة تقريباً، تعرفت علي المنسي قنديل وجار النبي الحلو وفريد أبوسعدة وأحمد الحوتي ومحمد الشهاوي وعلي قنديل وأحمد سماحة، وتاج الدين، وعبد الدايم الشاذلي، وعفيفي مطر أيام إقامته في كفر الشيخ. قُلْتُ التجريب. احْذَر! التجريب المطلق، طريق مسدود، هلاكس. هذا ما حدث مع محمد حافظ رجب ومحمد إبراهيم مبروك ومحمود عوض عبد العال وآخرين علي سبيل المثال. إلي أن ظهر طارق ورضا. قلت في نفسي: بيتٌ واحد لا يحتمل قصاصَيْن، فما بالك بثلاثة؟ ومن ثم اتجهت إلي الترجمة والنقد بوصفهما نشاطاً إبداعياً موازياً. فكتبت عن حلمي سالم، وعفيفي مطر، ورفعت سلام، وأحمد الحوتي، وفريد أبوسعدة، وصلاح اللقاني، ومحسن يونس، وكثيرين.
المدن الصغيرة الهادئة البعيدة عن صخب وأضواء وإعلام العاصمة قد تكون عقبة أمام بعض المواهب، وقد تكون مسرحًا مناسبًا لمواهب أخري ..وأنت من الفريق الثاني، فماذا وضعت نصب عينيك شابًا؟ وإلام طمحت؟ واليوم .. هل خسرت القاهرة؟ أم خسرتك القاهرة؟
كان بإمكاني بالطبع النزوح إلي القاهرة مثلما فعل بعض أقراني لكنني فضلت البقاء في دمنهور حيث الأجواء أكثر هدوءاً والمعارك أقل ضجيجاً. القاهرة مدينة لا تحتفي في النهاية إلا بساكنيها.
قدمت من خلال ترجماتي أعمالاً مهمة فيما أعتقد : الشعرية البنيوية (أوفي عرض للشعرية البنيوية في أي لغة من اللغات، كما يقول ناشروه)، وقاموس السرديات(القاموس الأول من نوعه باللغة العربية في هذا المجال)، موسوعة ألف ليلة وليلة وتعليم ما بعد الحداثة وشعرية ما بعد الحداثة والعولمة وعلم السرد وإنتاج النص وأقنعة بارت العمل بالبنيوية وغيرها . وفي الطريق والخروج من مصر وتحولات ما بعد الحداثة وبراءة جذرية لإيهاب حسن وفكرة ما بعد الحداثة لهانز بيرتنز. لقد كنت أول من قدم إلي العربية جوناثان كلر، وديفيد لودج وجيرالد برنس. هي محاولة  ــ متواضعة بكل تأكيد ــ تضاف إلي محاولات رواد عظام للعصف بالذهن العربي ومساعدته علي الخروج من شرنقة التقليد والانطلاق إلي آفاق جديدة في النظر والتفكير، وأعتقد أن هناك قلة تقدر هذا الجهد، وهذا يكفيني علي أي حال.
دمنهور مدينة محافظة بطبيعتها.  حين ذهبت إلي نادي الأدب في بداية السبعينيات كان معقلاً للكتاب المحافظين (التيموريين في القصة من جهة، والكلاسيكيين العموديين في الشعر من جهة أخري). وتسيد المشهد أسماء أبوتمام، البحتري، المتنبي، إيليا أبوماضي، العقاد، صالح جودت، جبران خليل جبران. وماذا عن عبد الصبور وحجازي والسياب والبياتي وأدونيس وعفيفي مطر.. محمد إبراهيم مبروك ومحمد حافظ رجب ومجيد طوبيا وإبراهيم أصلان والغيطاني؟ لا شيء..لا شيء. كنا أصحاب حساسية جديدة، قرأنا همنجواي، وشتاينبك وتي إس إليوت وأطلعنا علي جويس وبروست وبودلير ويونسكووبيكيت وأرابال وجورج شحاته ومالارميه ونيرودا وبرخت وفرجينيا وولف وألان روب جرييه وناتالي ساروت ولوركا وغيرهم. وكانت النتيجة مذهلة: انسحب كل المحافظين التقليديين رويداً رويداً، ما يذكرني بـ »‬غسق الآلهة» العنوان الذي اتخذه فاجنر للحلقة الأخيرة من رباعيته الموسيقية »‬النيبلوج» ورحنا نرسي قيمنا الجديدة واحدة تلوالأخري.. ومن ثم راحت حساسيةٌ جديدة تحل محل الحساسية القديمة المبنية علي تقديس الموروث ومحاكاة القديم.
يقولون إن الإيدلوجيا كهوفٌ معزولةٌ والاشتغال بالعمل السياسي يعوق الإبداع.. فكيف تسنّي لك وأنت أحد رموز اليسار وحزب التجمع أن نطلق من أُطُر السياسة والأحزاب المحددة إلي رحابة الفكر الإنسانيّ المنفتح المتّسع؟
كنت أحد مؤسسي حزب التجمع في دمنهور ولا زلت أتشرف بعضوية هذا الحزب حتي الآن. السياسة جزء لا يتجزأ من تكوين أي كاتب، ومن ثم الأدب والفن، السياسة نشاط إنساني لا يمكن فصله ــ تعسفياً ــ عن النشاط الإبداعي، السياسة لصيقة الصلة بالإبداع، ولكن بشروط الإبداع نفسه. الإنسان في النهاية موقف. كيف تري العالم وإلي أي قوي تتحاز؟ قوي التقدم أم قوي التخلف والظلام؟ قوي الاستنارة والبناء أم قوي الهدم والدمار؟ حتي أدب العبث ذاته سياسيٌ بمعني ما. سياسيٌ ولو بالسلب. ألم يكن كافكا ونيرودا وجويس ويونسكوولوركا، وجورج أورويل وهمنجواي وسلمان رشدي  وبرخت وبيكاسووإزرا باوند، وبابلونيرودا، وفؤاد حداد، وجاهين، وبيرم التونسي، وجون دوس باسوس وسولجنستين، وتولستوي، وبوريس باسترناك سياسيين بهذا المعني؟ وإلا فقل لي لماذا اغتيل لوركا، وناجي العلي، وغسان كنفاني؛ ونفي بيرم التونسي وشارلي شابلن وعبد الرحمن منيف، واضطهد سولجنستين، وباسترناك وعُذِّب عفيفي وأُحل دم سلمان رشدي وهاجر برخت، ووُضِع آرثر ميلر وإيليا كازان في القائمة السوداء للجنة مكافحة الشيوعية في الخمسينيات؟ ولماذا تحتفي السلطة السياسية بالكُتِّاب الموالين (المحافظين) وتُقَرِّبَهُم من عتباتها، وتجزل لهم العطاء؟ .. لم أسع في حياتي لاحتراف السياسة. الاشتغال بالسياسة والغوص في دهاليزها المعقدة يقتل الفن. يحولك إلي آلة أيديولوجية. كن دائما علي مسافة حتي يمكنك رصد المشهد بكل أبعاده وتحولاته، ومن كل الاتجاهات. الانغماس في العمل السياسي قَتَل- مبكراً- موهبة مبشرة في القصة القصيرة هوزميلنا إبراهيم العشري، ولو كان قد ابتعد ولو قليلاً عن هذه »‬المعمعة» لكان له شأن أي شأن. خسره الفن ولم تكسبه السياسة. هل تعرف  أن أسوأ شيء في الحياة هوأن »‬تتشرنق» حول نفسك ولا تري العالم سوي من ثقب صغير. من زاوية واحدة فقط لا غير. تلك هي آفة الأيديولوجيا أوالتمسك بفكرة واحدة حول العالم. العالم أرحب مما نعتقد. أكثر اتساعاً مما نظن. للحقيقة ألف وجه ووجه، شأنها في ذلك شأن الكائن الخرافي »‬خيميرا» أو»‬سولا» الذي تحدث عنه أفلاطون في محاورةسفايدروسس.
التنوير والتبشير بالشباب الجديد كانا انحيازك وخاصة من نهاية عقد الثمانينيات حتي اللحظة الراهنة .. فماذا قدّمت في هذا الإطار؟ ومن أبرز من بشّرت بهم؟
حين توليت مهمة رئاسة نادي الأدب في دمنهور كان شغلي الشاغل أن أفتح آفاقاً جديدة أمام المبدعين الجدد في ذلك الوقت ومساعدتهم علي الخروج من شرنقة التقاليد، والتحلي بروح المغامرة والتجديد، والتعرف علي تيارات جديدة في الأدب والفن- لا تنس أنني دارس للأدب الإنجليزي، ما أتاح لي الاطلاع علي أحدث التيارات الفكرية والفلسفية والأدبية بلغتها الأصلية- كنت حريصاً أيضاً علي أن يتعرف المبدعون الجدد في دمنهور علي أقرانهم من الكتاب الجدد في العاصمة ممن يجترحون طرقاً جديدة في التعبير. قلت لنفسي: إن لم يستطع هؤلاء الشبان السفر إلي القاهرة، فلا أقل من أن نستضيف هؤلاء في دمنهور وبهذا نصنع جسراً بين أولئك وهؤلاء. ومن ثم استضفت ذات مرة دفعةً واحدة إيمان مرسال، وأحمد يماني، وياسر عبد اللطيف، ومجدي الجابري، ومحمود الحلواني، وصفاء عبد المنعم، ومسعود  شومان.  وفي مرحلة تالية، استضفنا أهم شعراء السبعينيات: حلمي سالم، رفعت سلام، جمال القصاص، ماجد يوسف، انتهاءً بأحمد عبد المعطي حجازي، وعقدنا أربع مؤتمرات باسم البحيرة- ساعدني في كل هذا قيادة ثقافية واعية علي رأسها الأستاذ أحمد أبوشلوع والسيدة الفاضلة إجلال هاشم- أربعة مؤتمرات (ثلاثة أيام بلياليها)، هي علي التوالي: مؤتمر علي الجارم (صلاح فضل رئيساً)، مؤتمر محمد عبد الحليم عبد الله (يوسف القعيد رئيساً)، مؤتمر أمين يوسف غراب (خيري شلبي رئيساً)، مؤتمر »‬يوسف القعيد» (محمد صدقي رئيساً)، بالإضافة إلي المؤتمر العام الذي ألقيت فيه الكلمة باسم أدباء مصر ورأسه المفكر عبد الوهاب المسيري، وحضره الوزير فاروق حسني والدكتور أسامة الباز المستشار السياسي لرئيس الجمهورية وقتذاك والذي أثار- وقتها- (أي المؤتمر)  ضجة بما طرحناه علي الوزير وسياسته الثقافية- في كلمتي- من أسئلة شائكة. كان انعقاد المؤتمر في دمنهور وقتها حدثاً مميزاً بكل المقاييس. في هذا المناخ ظهر أدباء متميزون مثل حمدي عبد العزيز، ناصر دويدار، رابح بدير، سعيد عبد المقصود، ومحمد خميس، ومجدي المناديلي، ومحمد رجب عباس، وعمروالشيخ، ورضا إمام، وبهجت صميدة، والسعداوي الكافوري، وهاني قطب، والشعراء الكبار أحمد شلبي، وسعد مكاوي، وكمال عبد الرحمن، وصلاح غانم . وأصدرنا كتباً لكل من محمد داود، وسعد مكاوي، ورضا إمام، وأحمد شلبي، وصلاح غانم، وعبد اللطيف أبوخزيمة، ومحمد رجب عباس، والسعداوي الكافوري وبهجت صميدة ، وهشام عمر، وماهر حسن، وعيد عبد الحليم وغيرهم. كما أصدرنا مجلة »‬حور» التي تشرفت برئاسة تحريرها والتي كانت تعني بنشر الأعمال الجديدة لكُتاب البحيرة الشبان. أما أبرز من بشرت بهم فهم : حمدي عبد العزيز، ناصر دويدار، سعيد عبد المقصود، ومحمد خميس، وعمروالشيخ، وبهجت صميدة، ومجدي المناديلي، وهشام عمر، وبعضهم يملأ الدنيا الآن إبداعاً وصخباً في ذات الوقت. لقد أسفر هذا التراكم، عن ظهور جيل جديد من المبدعين المتميزين أذكر منهم : محمد القليني، عمر مكرم، عماد عامر، عمروالعزالي ،عمروالرديني، محمد الحديني،عمرومجدي، محمد أبوفاطمة، محمد الحناطي، هاني قدري، باسم حسن، محمد شاكر، نوال شلباية، الشيماء تاج الدين، شيماء زايد، وغيرهم. وفي الطريق محمود يوسف، أحمد هنداوي، إيهاب الراقد، وسامي الفقي .









طاقة الحياة والشباب الدائم والسخرية اللاذعة عميقة الفلسفة كلها سمات في تشكيل خصوصية ووعي سيد إمام .. كيف تواجه الحياة بتلك الأسلحة الوديعة؟
آه! السخرية!  قلت لك إن المسألة فيما يبدولها علاقة بالوراثة. كان أبي رحمة الله عليه، ساخراً عظيماً، يسخر من كل شيء، كل شيء، حتي من نفسه في بعض الأحيان، يخلط المقدس بالمدنس ببساطة يحسد عليها كبار الزنادقة، لكنه كان شديد الإيمان في الأعماق، كان إذا ارتكب هفوة في حق الدين أوالأولياء، يأتيه سيدي إبراهيم الدسوقي في المنام زاجراً ومؤدباً. كثيراً ما كانت توقظنا صرخاته في قلب الليل، وحين نوقظه ونسأله عن السبب، يخبرنا أن سيدي إبراهيم الدسوقي كان يطارده في المنام، يضربه بجريدة خضراء في يده. وعنه ورثت هذا الحس الساخر الفريد. دعني أذكرك بقول فولتير العظيم: زالسخرية هي سلاح الأعزل المغلوب علي أمرهس. لا تنس أيضاً أن السخرية هي أحد مكونات الشعب المصري العريق، بها يتغلب علي كل مصاعبه ويتجاوز محنه المزمنة ما دام عاجزاً- بالفعل- عن تغيير أوضاعه المتردية. السخرية هي الطاقة التي أعانته علي الاستمرار والبقاء، الطريقة التي كان يمكن بها البصق في وجه قامعيه، كل الطغاة الذين تعاقبوا عليه. السخرية ليست سلاحاً وديعاً كما تظن. السخرية في بعض الأحيان تكون سلاحاً أشد فتكاً من القنابل وأمضي من السيوف.
أؤمن بفكرة التطور، بدينامية الحياة، بقدرتها الفريدة علي التجدد والتحول والاستمرار (القَدَم لا تطأ النهر مرتين، هكذا علمنا هراقليطس العظيم) وبأن الثابت الوحيد الذي لا يخضع للتغيير هوقانون زالتغييرس نفسه. كلُّ تغير يحدث علي المستوي المادي يعكسُ، أويواكبه ذ بالضرورة - تغيرٌ علي المستويات الفكرية والفلسفية والقيمية وأساليب التعبير. لا يمكن فصل الأدب أوالفن بحال من الأحوال عن مجموع ملابساته الاجتماعية والاقتصادية وظروفه المحيطة. سَمِّه - إذا شئت - الجدل الدائر المتبادل الفعال بين البنية التحتية والبنية الفوقية. ولذا تختلف طرائق التعبير من جيل لجيل، ومن عصر لعصر، ومن لحظة لأخري. كل لحظة من لحظات الحياة تأتي مصحوبة بطرائق تعبيرها الجديدة. ومن هنا اختفت بعض أشكال التعبير القديمة (الملحمة مثلاً التي كانت تمجد البطل الخارق الإله أونصف الإله) وحلت محلها أشكال جديدة للتعبيرأكثر مناسبة لظروف إنتاجها (الرواية مثلاً التي تعبر عن إنسان العصر الحديث الذي لم يعد بطلاَ منتصراً مثل سابقه، وإنما نوعاَ من البطل - الضد، الإنسان النسبي المحدود القدرة والمعرفة معاً (سَمِّه إن شئت الإنسان الضحية أوالمنسحق أوالمحبط أوالمهزوم- دون كيشوت، ميرسو، ك، سامسا، أوسعيد مهران). لا يمكن مطلقاً أن تجلب قيماً من عصور بائدة لكي تستزرعها في تربة أومناخ لا يلائم نموها. الفكر هوالآخر مثل الكائن العضوي، عرضة للتغير المستمر، وتاريخيٌ أيضاً، يرتبط لا مناص بشروط إنتاجه وتلقيه.
قديما أدرك العرب الحضارة من خلال الترجمة، وحين حاول محمد عليّ بناء مصر الحديثة لجأ إلي الترجمة، فماذا قدمت للوطن والإنسانية كمترجم؟
الترجمة ! يؤسفني أن يهون البعض من نشاط الترجمة (أوالنقد) باعتباره نشاطاً ثانوياً تالياً للإبداع. أقول لهؤلاء، كيف تعرفتم علي الحداثة وما بعد الحداثة والسوريالية والتكعيبية وقصيدة النثر والإبيجرام والهيكووتيار الوعي والواقعية والرومانسية وموت المؤلف والمونتاج والكولاج والديكوباج والتفكيك والنص وإنتاج النص والتناص، والخطاب والكثير من الألفاظ والمصطلحات التي تلوكونها - وبلا وعي أحياناً- صباح مساء إلا بفضل المترجمين. من أين تأتي لكم معرفة بودلير ورامبووتي إس إليوت، وهمنجواي، وماركيز وبورخس أوكتافيوباث ودوستويفسكي وشكسبير وتشيكوف وتولستوي وسارة برنار إلا من خلال مترجمين عظام أضاءوا لكم الطريق؟ من أين كان يتأتي لكم معرفة فوكووبارت ودريدا وسارتر وهيدجر وفتجنشتاين ورسل وكامووكافكا ودولوز وإيزر إلا بفضل هؤلاء العظام؟
وأنا أعرفك عن قربٍ كواحدٍ ممن تخرّجوا في مدرستك، وأعرف مدي وطنيتك، وقدراتك المذهلة علي استشراف المستقبل.. من قبل ادّعي بعض متطرفي الجماعات الفاشية المراجعات ثم عادوا أكثر تطرّفا كما شاهدنا في اعتصام رابعة، واليوم يدّعي بعض أعضاء الجماعة الإرهابية المراجعات ويتسلّلون للحياة العامة والثقافية .. فكيف يواجه الوطن ذلك؟ وما دور المبدع والمثقف؟
الإخوان!! تحدثني عن توبة الإخوان، الفاشيين، العنصريين!! لا أصدقهم، لا أصدقهم أبداً!! البعض ربما تاب توبة نصوح (أعرف بعض هؤلاء)، والبعض الآخر لا أصدقه، لا أصدقه أبداً، إلا إذا صدقت أن الأفعي يمكن أن تتخلي يوماً عن سمها الناقع!! إلا إذا صادق الذئبُ الحمل!! ربما يتخذ البعض من التقية ملاذاً يقيه شر التحولات العاصفة. أعرف عدداً من هؤلاء، تفضحهم تحركاتهم المريبة  وتكتيكاتهم المشبوهة، واستخدامهم لنفس الأساليب القديمة التي نشأوا عليها في حظيرة الإخوان. إنهم يحاولون بإصرار مريب التسلل من الأبواب الخلفية، وبأقنعة علمانية هذه المرة، وإلا، قل لي، لماذا يصر بعضهم باستماتة علي احتلال المواقع الثقافية المؤثرة في هذا الظرف بالذات؟ (لقد برزوا فجأة مثلما تبرز زالخراريجس السامة تحت الإبط) دون زاد معرفي حقيقي أورصيد من العمل الثقافي يؤهلهم لاحتلال هذا الموقع أوذاك. إنهم يدركون جيداً خطورة القوي الناعمة التي لا يدرك خطرَها ذ للأسف الشديد -  البعضُ حتي الآن؟ مستغلين في ذلك أصحاب البطون الخاوية والجيوب الخالية، والعقول اللاهية في كل مكان. وأخيراً هناك مثل شعبي شهير ينطبق علي هؤلاء، لن أجد حرجاً من ذكره :س إن تابت الـ ...س وأترك لك قارئي العزيز إكمال المثل علي الطريقة التي تحبها!!.

طاقة الحياة والشباب الدائم والسخرية اللاذعة عميقة الفلسفة كلها سمات في تشكيل شخصيتك  .. كيف تواجه الحياة بتلك الأسلحة الوديعة؟
آه! السخرية!  قلت لك إن المسألة فيما يبدو  لها علاقة بالوراثة. كان أبي رحمة الله عليه، ساخراً عظيماً، يسخر من كل شيء، كل شيء، حتي من نفسه في بعض الأحيان، يخلط المقدس بالمدنس ببساطة يحسد عليها كبار الزنادقة، لكنه كان شديد الإيمان في الأعماق، كان إذا ارتكب هفوة في حق الدين أوالأولياء، يأتيه سيدي إبراهيم الدسوقي في المنام زاجراً ومؤدباً. كثيراً ما كانت توقظنا صرخاته في قلب الليل، وحين نوقظه ونسأله عن السبب، يخبرنا أن سيدي إبراهيم الدسوقي كان يطارده في المنام، يضربه بجريدة خضراء في يده. وعنه ورثت هذا الحس الساخر الفريد. دعني أذكرك بقول فولتير العظيم: »‬السخرية هي سلاح الأعزل المغلوب علي أمره» . لا تنس أيضاً أن السخرية هي أحد مكونات الشعب المصري العريق، بها يتغلب علي كل مصاعبه ويتجاوز محنه المزمنة ما دام عاجزاً- بالفعل- عن تغيير أوضاعه المتردية. السخرية هي الطاقة التي أعانته علي الاستمرار والبقاء، الطريقة التي كان يمكن بها البصق في وجه قامعيه، كل الطغاة الذين تعاقبوا عليه. السخرية ليست سلاحاً وديعاً كما تظن. السخرية في بعض الأحيان تكون سلاحاً أشد فتكاً من القنابل وأمضي من السيوف.
أؤمن بفكرة التطور، بدينامية الحياة، بقدرتها الفريدة علي التجدد والتحول والاستمرار (القَدَم لا تطأ النهر مرتين، هكذا علمنا هراقليطس العظيم) وبأن الثابت الوحيد الذي لا يخضع للتغيير هو قانون »‬التغيير»  نفسه. كلُّ تغير يحدث علي المستوي المادي يعكسُ، أويواكبه - بالضرورة - تغيرٌ علي المستويات الفكرية والفلسفية والقيمية وأساليب التعبير. لا يمكن فصل الأدب أوالفن بحال من الأحوال عن مجموع ملابساته الاجتماعية والاقتصادية وظروفه المحيطة. سَمِّه - إذا شئت - الجدل الدائر المتبادل الفعال بين البنية التحتية والبنية الفوقية. ولذا تختلف طرائق التعبير من جيل لجيل، ومن عصر لعصر، ومن لحظة لأخري. كل لحظة من لحظات الحياة تأتي مصحوبة بطرائق تعبيرها الجديدة. ومن هنا اختفت بعض أشكال التعبير القديمة (الملحمة مثلاً التي كانت تمجد البطل الخارق الإله أونصف الإله) وحلت محلها أشكال جديدة للتعبيرأكثر مناسبة لظروف إنتاجها (الرواية مثلاً التي تعبر عن إنسان العصر الحديث الذي لم يعد بطلاَ منتصراً مثل سابقه، وإنما نوعاَ من البطل - الضد، الإنسان النسبي المحدود القدرة والمعرفة معاً (سَمِّه إن شئت الإنسان الضحية أوالمنسحق أوالمحبط أوالمهزوم- دون كيشوت، ميرسو، ك، سامسا، أوسعيد مهران). لا يمكن مطلقاً أن تجلب قيماً من عصور بائدة لكي تستزرعها في تربة أومناخ لا يلائم نموها. الفكر هوالآخر مثل الكائن العضوي، عرضة للتغير المستمر، وتاريخيٌ أيضاً، يرتبط لا مناص بشروط إنتاجه وتلقيه.
قديما أدرك العرب الحضارة من خلال الترجمة، وحين حاول محمد عليّ بناء مصر الحديثة لجأ إلي الترجمة، فماذا قدمت للوطن والإنسانية كمترجم؟
 يؤسفني أن يهون البعض من نشاط الترجمة (أوالنقد) باعتباره نشاطاً ثانوياً تالياً للإبداع. أقول لهؤلاء، كيف تعرفتم علي الحداثة وما بعد الحداثة والسوريالية والتكعيبية وقصيدة النثر والإبيجرام والهيكو  وتيار الوعي والواقعية والرومانسية وموت المؤلف والمونتاج والكولاج والديكوباج والتفكيك والنص وإنتاج النص والتناص، والخطاب والكثير من الألفاظ والمصطلحات التي تتلونها - وبلا وعي أحياناً- صباح مساء إلا بفضل المترجمين. من أين تأتي لكم معرفة بودلير ورامبو وتي إس إليوت، وهمنجواي، وماركيز وبورخس أوكتافيو باث ودوستويفسكي وشكسبير وتشيكوف وتولستوي وسارة برنار إلا من خلال مترجمين عظام أضاءوا لكم الطريق؟ من أين كان يتأتي لكم معرفة فوكووبارت ودريدا وسارتر وهيدجر وفتجنشتاين ورسل وكامو  وكافكا ودولوز وإيزر إلا بفضل هؤلاء العظام؟
وأنا أعرفك عن قربٍ كواحدٍ ممن تخرّجوا في مدرستك، وأعرف مدي وطنيتك، وقدراتك المذهلة علي استشراف المستقبل.. من قبل ادّعي بعض متطرفي الجماعات الفاشية المراجعات ثم عادوا أكثر تطرّفا كما شاهدنا في اعتصام رابعة، واليوم يدّعي بعض أعضاء الجماعة الإرهابية المراجعات ويتسلّلون للحياة العامة والثقافية .. فكيف يواجه الوطن ذلك؟ وما دور المبدع والمثقف؟ تحدثني عن توبة الإخوان، الفاشيين، العنصريين!! لا أصدقهم، لا أصدقهم أبداً!! البعض ربما تاب توبة نصوح (أعرف بعض هؤلاء)، والبعض الآخر لا أصدقه، لا أصدقه أبداً، إلا إذا صدقت أن الأفعي يمكن أن تتخلي يوماً عن سمها الناقع!! إلا إذا صادق الذئبُ الحمل!! ربما يتخذ البعض من التقية ملاذاً يقيه شر التحولات العاصفة. أعرف عدداً من هؤلاء، تفضحهم تحركاتهم المريبة  وتكتيكاتهم المشبوهة، واستخدامهم لنفس الأساليب القديمة التي نشأوا عليها في حظيرة الإخوان. إنهم يحاولون بإصرار مريب التسلل من الأبواب الخلفية، وبأقنعة علمانية هذه المرة، وإلا، قل لي، لماذا يصر بعضهم باستماتة علي احتلال المواقع الثقافية المؤثرة في هذا الظرف بالذات؟ (لقد برزوا فجأة مثلما تبرز »‬الخراريج» السامة تحت الإبط) دون زاد معرفي حقيقي أورصيد من العمل الثقافي يؤهلهم لاحتلال هذا الموقع أوذاك. إنهم يدركون جيداً خطورة القوي الناعمة التي لا يدرك خطرَها ذ للأسف الشديد البعضُ حتي الآن؟ مستغلين في ذلك أصحاب البطون الخاوية والجيوب الخالية، والعقول اللاهية في كل مكان. وأخيراً هناك مثل شعبي شهير ينطبق علي هؤلاء، لن أجد حرجاً من ذكره : »‬إن تابت الـ ... » وأترك إكمال المثل علي الطريقة التي تحبها!!.