رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

صخرة بيتهوفن:موسيقي الصخب والزحام والمعاناة الأبدية!


محمد سليم شوشة
10/14/2017 12:18:51 PM

تمثل رواية »صخرة بيتهوفن»‬ للكاتب المصري محمد داوود والصادرة عن دار ميريت 2017 صوتا سرديا خاصا وله شكله المميز وقدراته السردية وينتج قدرا كبيرا من القيم الجمالية والدلالية. فالرواية تأخذ نسقا بنائيا مميزا وواضحا، فيهيمن عليها مشاهد رئيسية هي مشاهد الركوب من موقف سيارات الأجرة والانتقال في الميكروباصات العامة، وتغير فرص الركوب بما يمثل كل منها شكلا من الفرص الحياتية التي يصارع الإنسان لاقتناصها، ومن هذه المشاهد الرئيسية تتفرع بشكل شجري - إن جاز التعبير - المشاهد والقصص الفرعية الأخري، في نوع من السرد المتشعب أو المتشظي بما يجعله يشبه الحياة بل يطابقها في تشعبها وتشظيها والتقائها ــ بقصصها وحكاياتها الفرعية ــ في نقطة التقاء معينة مثل موقف الأجرة هذا.
في الرواية ثمة تعامل مميز مع مشهد الركوب من أحد مواقف سيارات الأجرة العامة، بحيث يبدو هذا المشهد الممتد نموذجا اختزاليا للوجود، يعكس تنوع البشر وتنوع مآربهم وكلٌّ يكافح لتحقيق أهدافه الخاصة المختلفة والمضمرة في عقل كل شخصية، وربما تكشف عنها بعض التحركات أو التصرفات. مشهد موقف سيارات الأجرة منتشر في حياة المصريين والمجتمع المصري إلي الدرجة التي يمكن وصفه معها بالهيمنة والحضور الطاغي الذي يجعله لا يغيب عن عقل أي إنسان مصري، فالجميع يرونه ويعيشونه باستمرار ويبدو في الرواية مثل لوحة سوريالية يعمل خطاب الرواية علي مزج قراءة هذا المشهد الأبدي في مضمون الرواية وقصتها الخاصة بالبطل بشكل رمزي وغير مباشر، فيما يشكل في المجمل أو الصورة الإجمالية لخطاب الرواية طبقتين متقابلتين من السرد، الأولي داخلية خاصة بذاكرة المعيد/ الشخصية الرئيسة في الرواية والثانية خارجية خاصة بظواهر وعلامات مشهد الركوب من موقف السيارات المزدحم بكافة المشاهد والأنماط البشرية. علي أن قراءة السرد لهذا المشهد تأتي نابعة من إيمان بأن المظاهر خادعة كما يصرح خطاب الرواية السردي بذلك، ومن هذا الإيمان يحدث نوع من التنقيب في داخل الشخصيات واستعراض تخاطرهم وأفكارهم الداخلية ورؤيتهم لأنفسهم وللآخرين المشاركين لهم في المواصلات العامة، وتتحول الشخصيات في هذا الإطار إلي رموز عامة تسيطر عليها الصفة أكثر من الاسم، فالمرأة الفلاحة تصبح باستمرار (ذات القفة) بما لها من مآرب مضمرة ترتبط بها مثل نيتها ورغبتها في (التزويغ) من دفع الأجرة، وهيمنة ابنتها الطالبة بالكلية علي تفكيرها بحيث تقارنها بالآخرين وبالبنات في مثل سنها. والبنت ذات الفم اللامع بمعدن تقويم الأسنان المرافقة لحبيبها تصبح (أم ضبّ)، وكذلك (رجل الرصيف)، ويسمي واحدا آخر (عملاق الصلابة)، وغيره (القافش المجهول) و(راكب الشلتة) و(الرجل الفتلة) كناية عن نحافته وضعفه، وهذا النمط من تعريف الشخصيات بصفاتها هو أمر طبيعي في عالم (الموقف/المحطة) الذي يتلاحم الناس فيه ببعضهم برغم أنهم مازالوا غرباء عن بعضهم لا يجهلون أسماءهم جميعا إلا من جاءوا بارتباط مسبق بخلاف المشاركة في الرغبة في الانتقال وأن تقلهم سيارات الأجرة إلي أماكنهم. ويتحول مشهد (موقف السيارات) إلي ساحة لكشف التحولات الاجتماعية والثقافية التي طالت المجتمع والتبدل الأخلاقي في عالم الطلبة تحديدا بحيث أصبح الطالب الجامعي يقفز إلي داخل الأتوبيس من شباكه محاولا تفادي الزحام ويحاول حجز أكثر عدد من المقاعد لزملائه، فيدخل في مشادة مع السائق وبقية الراغبين في الركوب من المتزاحمين.
وعلي النحو نفسه من القدرة علي التقاط المشاهد والنماذج التمثيلية لما هو أكثر اتساعا من دلالتها الخاصة نجد كذلك نموذج رجل الرصيف الذي يمثل نموذج الإنسان الصامت المراقب لحركة الكون ويتفرج علي الجميع بدأب وصبر وكأنه خرج عن طبيعته البشرية إلي كينونة مغايرة.
في الرواية ثمة نوع من اللغة المتسعة المتجاوزة حدود اللغة المنطوقة، بحيث نعيش عالما صاخبا بدلالات الإشارات والإيحاءات والتعبيرات، تصبح فيه تعبيرات الوجه دلالة مصيرية علي نحو ما نري من الإشارات الصادرة عن صاحب الكشك وما تبثه من التاريخ السابق له في الشقاوة والبلطجة وما يمثل هيبة ورهبة في قلوب الوافدين والعابرين تجاهه دون أن ينطق بكلمة واحدة، ومثلها تعبيرات وجه الفتاة (أم ضب) تجاه المرأة (ذات القفة) التي جعلت صاحبها يحجم عن مساعدة هذه المرأة ويتجاهل دعواتها الطيبة. ليكون خطاب الرواية علي نحو جيد قد حاول الاقتراب من عمق عالم موقف سيارات الأجرة وما يجول فيه من المعاني وما يعبئ قلوب الشخصيات من الرغبات والمآرب دون أن تصدر عنهم لغة كلامية صريحة.
تمثل الرواية بشكل رمزي عبر نسق الاختزال في موقف الركاب وداخل الميكروباص ساحة لصراع رغبات البشر واجتهاداتهم في تحقيق طموحاتهم وتخيلاتهم، ويمثل الراوي العليم نوعا من الغوص في ضمائرهم وخواطرهم يعري الجميع بشكل من التوازي وهم مجتمعون في المكان، ليكون لدينا كذلك من الحركة والتنقل بين الداخل الخارج أو من الداخل إلي الخارج والعكس، فزاوية الرؤية تكون مركزة في لحظات من المشهد علي تفاصيل الميكروباص/ السيارة الجماعية وموقع كل واحد فيها، ثم يحدث التحول منها إلي التفاصيل الداخلية الماثلة في وجدان الشخصيات وذاكرتهم وآمالهم ورغباتهم، وما يخطط له كل واحد منهم، بين المشغول بالبحث العلمي الذي أعده في الفلسفة لأجل أستاذه الذي يستغله ليقدمه هو في المؤتمر، والباحث يعرف أنه بحث ضعيف وبرغم ذلك يفرح بهذا الضعف النابع منه لأنه في زاوية منه يمثل نوعا من الانتقام من المشرف. والمرأة ذات القفة المشغولة طوال الوقت بالتزويغ من دفع الأجرة ومراكمة المال تحت البلاطة بتعبير خطاب الرواية، حتي تتمكن من تأجير العيادة المناسبة لابنتها. وكذلك الرجل الفقير صاحب الفلات فوت والجالس علي الشلتة والمبتسم دائما بنوع من الرضا الأشبه بالبله. وكذلك شخصية ربيع الذي يحلم بالفوز بالمراكز الأولي في الشطرنج في الجامعة من أجل الجائزة المالية الكبيرة، وفي الميكروباص يتخيل نفسه فائزا ويفكر فيما سيفعل بالفلوس. وعلي هذا النحو من التراكب يصبح الميكروباص هو النموذج الثاني لمشهد رئيسي متحرك ويصبح رابطا أو فرعا من شجرة تتشعب منه القصص الفرعية الجديدة، فكل شخصية لها قصتها الخاصة، ليكون هناك نوع من التنوع والتداخل للقصص الفرعية بما يزيد من مستوي التشويق ويسهم في جعل خطاب الرواية نموذجا تمثيليا للحياة بامتدادها وتنوعها.
في مستوي ظاهر من أسئلة الرواية وقضاياها نجد فكرة الانفجار السكاني حاضرة بقوة، ومقابلة هذا الانفجار بالتطور العلمي والتكنولوجي وكيف أن هذا الانفجار منع كثيرا من الاستمتاع بمنتجات التطور الصناعي في السيارات علي سبيل المثال بحيث تطورت المواصلات وأصبحت أسرع وأفضل لكنها أكثر زحاما. ليكون في الرواية مستويان من إنتاج الدلالة؛ المباشر الواضح المتمثل في الفساد الاجتماعي والأخلاقي ومظاهر التهدم التي تستوعب قطاعات كثيرة من المجتمع وتحول دون الاستمتاع ويصنع التهدم نوعا من المزاحمة الممتدة في كافة أهداف الحياة. وفي المستوي الأعمق لإنتاج الدلالة نكون أمام طرح خاص بالنموذج الإنساني المعذب باستمرار بالوجود ومشاكله وغياب الرضا وأن الإنسان في كفاح مستمر وهو نموذج سيزيف المعذب باستمرار بحركة لا تنقطع من أجل أهداف وهمية لا تنتهي، ويدور في حلقة مفرغة دون انقطاع.
ينتظم خطاب الرواية راو عليم لكنه يتجاوز اللغة الفوقية المنمقة إلي لغة تداولية ساخرة في كثير من الأحيان، له تعليقاته الهزلية والكاريكاتورية علي نحو ما يحدد في إحدي الصور أن المزاحم في مواقف سيارات الأجرة يحتاج إلي ست أذرع لكل منها يد مكتملة الأصابع، يدان للمزاحمة، يد لحماية العينين، يد لحماية السفلية كلاعبي كرة القدم عند تنفيذ الضربات الحرة، ويد تتحرك هنا وهناك لحماية باقي الجسم... ومثلها الصورة الكاريكاتورية التي يصور بها الأبلة عنايات المدرسة كريهة الرائحة وقدر معاناة زميلها المدرس المسيحي (الرجل الفتلة) من رائحتها. وغيرها من الصور التي تبرز راويا عليما يأتي في هذا الخطاب السردي علي هيئة خاصة، فهو لا يفارق طبيعته البشرية في اللغة والموقف النفسي الساخر مما يري ويروي، وفي الوقت ذاته يبدو من حيث المعلومات والإحاطة المعرفية بالشخوص وتكوينهم النفسي بشكل خاص ويحيط إحاطة تامة بآلامهم علي نحو ما نري من معرفته بآلام الفلات فوت أو خشونة فقرات العنق لدي الرجل (الفتلة)، وغيرها من مظاهر الإلمام بتفاصيل قصصهم الفرعية. وهذا الراوي مزيج الملامح يفتح الباب علي شكل من التجريب وتجاوز القوالب النمطية والمعهودة، فكثيرا ما تكون هذه السمات وبخاصة السخرية والتعليقات لدي الراوي المشارك أو الداخلي الذي هو جزء من القصة أو إحدي الشخصيات فيها، بينما الصورة الحاضرة هنا مزيج من مزايا النوعين من الراوي؛ العليم بمعرفته وإحاطته والمشارك بتعليقاته وسخريته ولغته التداولية كما لو كان يعيش معهم اللغة ويستخدمها في الحياة لا في السرد فقط.فنجد السرد مثلا يعلق حتي اللغة الفصحي بأسلوب ساخر مثل ( أعاد السماعة إلي أذنه، وتنفس ما يقال لها الصعداء فيما تصعد الفتاة، وتمر فينتشر عبقها، وينفذ إلي أنوفنا، مخترقا الظلام)، ليحدث هنا نوع من تجاور لهذه السخرية من الراوي مع ظهوره بصفة المشاركة، ليؤكد هذه الصفة من المراوغة والتبدل بين النمطين، وهو في تقديري يحفز المتلقي علي الترقب وتتبع هذا الحضور المراوغ لتلك الشخصية صاحبة الإحاطة بكل الحكاية والتفاصيل لشخصيات أخري جاورته أو شاركته في سيارة أجرة أو موقف للسيارات. ويعلق هذا الراوي كذلك علي بعض القصص بأنها قصص مكررة ومعهودة ويبدي رأيا فيها مثل قصة (مدام سعاد) التي تخون زوجها وهو في غربته وتلمح ذات القفة عشيقها في إحدي المرات وتبتزها بهذه المعرفة وتزيد في الأسعار لتعوض ما فاتها مع المرأة نفسها من الأموال نتيجة الفصال. ليكون الراوي علي هذا النحو من التعليق واضعا نفسه في موضع المتلقي الذي يبدي رأيه في القصة ومحتواها، ويفعل الأمر نفسه مع قصص أخري. أو أن يصف وصفا ساخرا أو يخترع تسمية أساسها السخرية والفكاهة علي نحو تسمية (العظة الميكروباصية) للدلالة علي ما يمارسه كثيرون من وصلات الوعظ داخل الميكروباصات وكأنه يحقق ذاته في هذه الأوقات الصعبة داخل المواصلات العامة بما فيها من الزحام والمعاناة، لتصبح فرصة، ونجد المسيحي جزءا من هذه العظات بحكم الاعتياد وتكرار الكلام، فيشارك إما بالسماع أو بالحديث أحيانا، ويردد مع جموع الموعوظين والواعظين بعفوية قول: آمين. في وصف كاريكاتيري هزلي يعمق من الطبيعة السريالية العبثية لهذه اللوحة التي يصنعها السرد من هذا الزحام.
يتسم السرد في الرواية بحس فكاهي مميز وشفيف، يمتد روحا عامة من البداية للنهاية، يمارس نوعا من الوصف العبثي والهزل المستمر ويتقافز برشاقة بين المفارقات والتناقضات الإنسانية والرغبات المتعددة للشخصيات وهو كله مما يزيد من جماليات السرد ويجعل المتلقي أكثر ارتباطا به ويحاول أن يكون شريكا في هذه الحال من السخرية والاستعلاء علي ما يهيمن علي عالم الرواية من التهدم والضعف والزحام والصراعات.
في نسيج الرواية كذلك ثلاثة مستويات من الزمن يتم تضفيرها معا بشكل جيد يكسر الرتابة ويصنع نوعا من الحركة بين الأزمان المختلفة، فالخط الزمني المستحوذ أو الرئيسي هو الزمن الآني المتمثل في معارك الصعود إلي الميكروباص وصراع الركوب، بينما يأتي المستويان الآخران متمثلين في الرجوع للماضي أو الذاكرة العليمة لاستعادة القصص الفرعية لجميع الركاب، أما المستوي الثالث من الحركة في الزمن فيأتي عبر الاستباق وتحديدا ما يكون من سرد لأحداث وتفاصيل الآني التي حدثت في الموقف أو الميكروباص وإخبار زملاء العمل بها بعد انتهاء الانتقال بالمواصلات تماما، تتم الحركة بين هذه المستويات من الزمن بقدر كبير من الأريحية ويخضع استدعاء التفاصيل والأخبار لذاكرة متماسكة بحال واحدة من التأمل وقراءة كل هذه المشاهد واستعراضها ونثر محتوياتها بشكل سريالي أو عاطفي، ومن هذا التنوع ينتج قدر من التنوع في الإيقاع السردي بين الإخبار والتأمل والاختصار والتعليق والحوار النفسي الداخلي وتوهم أشياء لم تحدث بعد.
رمزيا تتطابق تماما طريق الانتقال التي يسلكها العابرون في الميكروباص مع الحياة بتحولاتها وأحداثها وما فيها من تقلبات بين الفوز والوصول بسلامة وبين الموت وفرص الخير والشر. فيما يشكل في الرواية خيطا من الرمزية التي تثري الدلالة وتجعل من الرواية شكلا من القصيدة الشعرية أو المقطوعة الموسيقية التي تحاول عكس صخب الحياة وحركيتها وما يتنازع عليها من الخير والشر واختلاف المصائر وتبدلها. فيما ترمز الصخرة التي بجانب الطريق والتي مثلت ركيزة دلالية لتسببها في حادث مصيري سابق بدل في مصائر الشخصيات وحكاياتهم، حيث مات في هذا الحادث مجدي زميل رجل الرصيف الذي بموته أصبح زميله الذي يليه في الترتيب معيدا في الجامعة،وأصبح ربيع صديقه الذي سيتعرف عليه في المستشفي بعد الحادث قعيدا مشلولا، بينما مات الرجل الذي قفز من الشباك محاولا النجاة، وبقي هو حيا لا يقدر علي رؤية أبناء الرجل الذي أوصاه بهم خيرا دون أن يقدم لهم شيئا. أقول تمثل هذه الصخرة في هذا الإطار الرمزي التأخر الحضاري الذي يعيشه المجتمع المصري، فهي في الحقيقة صخرة التخلف والرجعية والفساد والانهيار الحضاري. يقول السرد عن هذه الصخرة: كل التفاصيل يطمسها الزمن، عدا الصخرة، تزداد التماعا وصلابة وعجرفة، لا تغير مكانها، بل يبدو أنها تزداد حجما، تنمو. الرواية ص78.
فالفساد يتزايد والصخرة تنمو بينما يبقي الطريق إجباريا ولا مفر منه كما الحياة بالضبط؛ تجربة لابد من خوضها بكل الاحتمالات. في مقابل الصخرة تحضر الموسيقي الأوربية محيلة علي وجه حضاري في قمة صفائه، فالموسيقي عنوان للانتظام الصوتي في الفراغ الزمني بشكل هندسي عبقري ينتج الجمال والدهشة، لتكون الصخرة بما تنتج من هلاك وفوضي في وضع المقابلة أو التناقض مع الموسيقي بجمالها وتنظيمها، لنكون في إطار رمزي يحضر صورتين لمجتمعين متناقضين؛ الحضارة الأوربية في أوج جمالها ماثلة في الإنتاج الموسيقي وبيتهوفن تحديدا، والمجتمع المصري في تلك الحال من الفوضي وغياب التنظيم وانحسار القانون.