رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
كتب

التفكير اللماح لرجل الشرطة:في البدء كان المنطق!


أشرف البولاقي
10/14/2017 12:20:51 PM

قليلةٌ هي تلك الكتب التي يقدّر لها من الذيوع والانتشار ما يتفق مع أهميتها وخطورتها في ثقافتنا المعاصرة، تلك الثقافة التي اعتمد متعاطوها علي الدعاية والترويج لأطروحاتهم ومطبوعاتهم علي وسائلَ وآليات لا علاقة لها بمادة ما يطرحون، فمواقع التواصل الاجتماعي بآلياتها الدعائية والترويجية ومشاركات أصدقاء وأقارب المؤلفين دائمًا ما تقوم بهذا الدور بغض النظر عن قيمة المادة المروّج لها، فضلا عما نطالعه جميعًا عبر وسائل الإعلام من مجاملات لتسليط الضوء علي كتاب بعينِه واستضافة مؤلفين دون غيرهم عبر برامجَ فضائية  وإذاعية دون التفات حقيقي للمضامين والمحتويات في إطار سياسة المحاباة والترضيات في أوساطنا الثقافية والإعلامية مما هو معروف وشائع ومنتشر.
ووسط كل هذه العتمة، وداخل كل هذا اليأس والإحباط الذي قد يصيب المخلصين والحقيقيين بسبب هذا المناخ البراجماتي النفعي يصدر كتاب »التفكير اللماح لرجل الشرطة »‬ لمؤلفه عمرو بركات، عن الهيئة العامة للكتاب دون صخب ودون ضجيج، ليصنع الكتاب صخبَه الخاص وضجيجه الثقافي الذي عوّض مؤلفه عن صبره لأكثر من عشر سنوات بحثًا ودراسةً وتنقيبًا مذ كان مسوّدة أولي عام 2010 نال عنها جائزة وزارة الداخلية في عيد العلم بلجنة محكمة من أساتذة الجامعة الأمريكية في مصر، وسعي الوزارة آنذاك لتكريم مؤلفه لولا قيام ثورة يناير 2011 ليظل الكتاب أملا وحلمًا في ضمير مؤلفه ليعود إليه مرة أخري مضيفًا ومنقحًا ليصدر أخيرًا ولتتلقفه موسوعة العلوم الشرَطية، وليدخل ضمن مناهج التعليم والتدريب الشرَطي في دول الخليج العربي. وإذا كان كتاب »‬التفكير اللماح لرجل الشرطة»  منتميًا في مادته ومنهجه  للعلوم البحثية الاجتماعية التي قد لا يُقبِل عليها للوهلة الأولي إلا المتخصصون أو المهتمون بالشأن الذي يطرحه من عنوانه، إلا أن هذا لا يفسر وحده ما تمتع به الكتاب من شهرة وذيوع وانتشار، لكن مطالعة عدد من صفحاته تكشف السر وراء ذلك،فالكتاب يعتبر بعيدًا عن مادته ومنهجه - فتحًا جديدًا في قدرة مؤلفه علي المزج بين البحث العلمي وبين الأدب والفكر والثقافة، ليس فقط بسبب أسلوب وطرائق الكاتب في عرض مادة كتابه، لكن بالأساس في براعته في استحضار أجواء وفضاءات أدبية وفنية وسياسية واجتماعية جعلت الكتاب مادة ثقافية لا يستشعر القارئ العادي غير المتخصص خلاله سأمًا ولا مللا، وربما كان السبب في ذلك خبرة مؤلفه السابقة في فن الكتابة واهتماماته النقدية والأدبية والفنية، فهو صاحب كتاب »‬ سيدات الطرب والغناء من أيام المماليك حتي القرن العشرين»  الصادر عن دار الهلال مركز التراث 2015، كما أنه صاحب آلاف المقالات والبحوث المنشورة عن الشأن الثقافي والديني والاجتماعي والسياسي، وأطروحاتُه في نقد الفكر الديني منشورة في مختلف الصحف والدوريات، فإذا أضفنا إلي ذلك كله أنه قاص وسارد أدركنا حجم ومستوي ما يتمتع به من وعي وفكر تجسّدا في كتابه الأخير هذا.
والتفكير اللماحس نوع من التفكير المتقدّم الذي تجاوز التفكير النمطي والمنطقي والتجريبي، الذي اعتمده رجال الشرطة فتراتٍ طويلة خاصة في البحث الجنائي - كمناهجَ ووسائل وآليات تقودهم نحو الاستدلال أثناء تصدِّيهم ومواجهاتهم الدائمة والمستمرة لكل أنواع الخروج عن القانون أثناء تعقب الجناة ومطاردتهم لهم، وهي أنواع التفكير التي استطاع المؤلف عبْر كتابه أن يبيّن عوارها وعدم قدرتها حاضرًا ومستقبلا علي مواجهة ما يتمتع به الجاني المعاصر من تفكير مختلف يتفق مع ثقافة العصر، ففي الوقت الذي ما يزال فيه رجل البحث الجنائي أسيرًا للقوالب التفكيرية القديمة، يبدو المجرم المعاصر كما يشير الكاتب متحررًا تمامًا ومتجددًا مع كل جريمة يرتكبها أو حتي يفكر في ارتكابها، وهو ما دفع المؤلف بعد استعراضه لأنماط التفكير الكلاسيكية إلي أن يدعو لتطوير مناهج التدريس الشرَطية، وتنمية قدرات رجال الشرطة عبر دورات تدريبية تعتمد المناهج السيكولوجية الجديدة والمعاصرة، ولم يجد حرجًا في دعوته لإنشاء وتأسيس معهد شرطي متخصص في تعليم طرائق التفكير الجديدة لتكون عنوانًا متسقًا مع ما وصل إليه العلم الحديث.
عبر أكثر من عشرين فصلا يتناول عمرو بركات مكونات الاستدلال عند رجل الشرطة، مبينًا أنواعه من استدلال مباشر وغير مباشر، متنقلا بين أنواع التفكير المنطقي القياسي والتفكير الرجعي والتفكير الابتكاري الإبداعي والمتجدد، مستعرضًا مهارات التفكير عند رجال الشرطة، محلقًا في فضاءات المعلومات وتعريف الأزمة الجنائية، مع الإشارة إلي النماذج الإرشادية للبحث الجنائي، واستحضار مسرح الجريمة والتعامل مع الجناة وكل ما يخطر علي البال مما له علاقة بعمل الشرطة ومفردات البحث الجنائي ... ويعزي عمرو بركات في كتابه الأخطاءَ التي يرتكبها رجال الشرطة إلي أخطائهم في عملية التفكير نفسها، فحرية التفكير وحدها علي إطلاقها ليست كافية لتحرير رجل الشرطة من معتقله القديم، فـ زرجل الشرطة الذي يفكر بحرية لا يعني أنه يفكر بمهارة، فالكثير من الحجج تكون خالية من الأخطاء الظاهرة، ولكن بتمحيصها تكون خاطئة تمامًا، كما أن رجل الشرطة الذي يتحدث بطلاقة أو هذا الذي لديه رصيد كبير من المعلومات والعبارات والمفاهيم الاصطلاحية والمرجعيات لا يعد مفكرًا عظيمًا قادرًا علي حل المعضلات، ليصل إلي أنه ليس ثمة طريقة تفكير ماهرة محددة يتم حصر خصائصها حتي يتمسك بها رجال الشرطة، لينطلق بعد ذلك في استبعاد أخطاء التفكير ليتم تجنّبها، ليقف بعد ذلك طويلا أمام وضْع رجل الشرطة بين الإدراك والمنطق والتفكير وقفة تحليلية فلسفية يبين خلالها استخدامَ المنطق في إعادة قراءة الوقائع الثابتة ليقطع بأن »‬كثيرًا ما قام رجال الشرطة بمراعاة قواعد التفكير المنطقي، وأدي ذلك للحد من قدراتهم علي الإدراك أثناء مرحلة توجيه الانتباه الأولي، وتنمية هذا الإدراك تتم عن طريق طرق التفكير المتجدد».
لكنه في كل ذلك لا يكتفي بالتنظير، بل يستدعي الشواهد ويستحضر الأمثلة، فنطالع قصة محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق »‬رونالد ريجان» ويقف بنا علي مسرح الحادث بكل تفاصيله في سرد مشوّق لأحداث القصة ليكون الغرض منها الوقوف أمام أخطاء المحققين وحراس الرئيس ومقارنة تفكيرهم لحظة إطلاق النار بتفكير مطلِق النار!! ويقف بنا أمام ما قد يبدو مفاجأة للبعض عندما يشير إلي أن 90% من رجال الشرطة قد يقضون سنوات خدمتهم كاملة دون أن يطلقوا رصاصة واحدة من أسلحتهم بعكس ما تصوره لنا الأفلام السينمائية، ويظل إطلاق النار دروسًا تعليمية في ميادين التدريب فقط، كما يقدّم لنا صورة نموذجية لعمل دوريات الشرطة والفرق بين يكون في الدورية ضابط واحد أو ضابطان، مؤكدًا أن وجود ضابط واحد أفضل وأنجع كثيرًا في إتمام المهام الشرطية بالتحليل النفسي والمنطقي، وقراءة ردود أفعال المستهدف أو حتي الشهود علي عمليات الضبط أو المداهمات .. كما يقف بنا المؤلف وقفة أخري أمام  »‬منطق شرلوك هولمز »  و باعتباره المنطق وليس المحقق - مادةً حية في الاستدلال، لينتهي المؤلف في نهاية كتابه بنتائج مادته الذي اعتبرها بحثًا في مناهج البحث، في البنية الأساسية لطرق تفكير رجال الشرطة.