رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

« فتوش » الباحثة عن السكينة

أحلام ضائعة بين سطور مذكراتها


عائشة المراغي
12/2/2017 11:25:15 AM


أحب الشروق لأنه رمز التفاؤل والأمل، أما الغروب فيعني الوداع والرحيل والنهاية‬. كان ذلك إحساس شادية وإيمانها الدائم، والذي تحقق مع مغيب شمس الأربعاء الماضي، حيث رحلت عن عالمنا، وودعت دنيانا، ووُضِعت كلمة النهاية لحياتها العامرة، التي تجاوزت 86 عامًا، دون أن تشعر بها. ظلت «‬فاطمة أحمد شاكر» علي اقتناع بأنها وُلدت لتشقي، وتيقنت بعد بلوغها الخمسين من عمرها أن سعادتها ليست علي سطح البسيطة، فقررت أن تبذل الأعوام المتبقية لها في سبيل خلاص روحها، لتظفر بما تمنته من الحياة الأولي ولم تحصل عليه.   

نشأة دافئة لـ ‬ابنة أبيها
عاشت «‬فاطمة» طفولة مليئة بالحب والدفء، في أحضان أسرة راقية بسلوكها وتعاملاتها، تضم بنتين – بخلافها – وولدين آخرين، ترعرعوا في كنف أبوين متآلفين غمروهم بالحنان، وسط الطبيعة الساحرة في مدينة أنشاص بالدقهلية، حيث عمل والدها كمهندس زراعي.
تأثرت بأبيها كثيرًا، حيث رأت فيه الزوج المثالي في رقة تعامله مع والدتها، وكانت تتظاهر بالنوم لكي «‬تتنصت» علي أحاديثهما، فسمعت منه أجمل كلمات يمكن أن يطرب بها رجل مسامع امرأته، وامتزج ذلك بقوة الشخصية، والصوت الجميل الذي أخذته عنه.

بتبص لي كده ليه.. الأغنية الكاشفة
في السنوات العشر الأولي في حياتها الدراسية، كانت فتوش «‬فاطمة بالتركية» تلميذة «‬بليدة» ، ولم تكن تنجح سوي في مادة المحفوظات لأن المُدرِّسة كانت معجبة بصوتها، وانتقل ذلك للناظرة، التي أحبتها أيضًا، وظلت تطلبها خصيصا لتستمع إلي غنائها، وعلي أثر ذلك لم تعد فاطمة تهتم باستذكار دروسها، فهي صديقة الناظرة. حتي جاءت نهاية العام وكانت الطالبة الوحيدة الراسبة في كل المواد رغم كل تلك الأغاني التي شدَت بها.
أول فيلم شاهدته فاطمة كان «‬ليلي» بطولة حسين صدقي وليلي مراد، فتأثرت به بشدة، وظلت تقف بالساعات أمام المرآة لتقلدها وتغني مثلها، منتظرة أن يلتفت أحدا لصوتها ويشجعها، لكن هذا لم يحدث، لأن أختها عفاف سبقتها إلي ذلك وكانت هي مطربة العائلة، إلي أن سمعتها «تيزة حكمت» التركية، إحدي قريباتها التي تجيد العزف علي العود، فجمعت نساء العائلة ذات يوم وجعلتها تغني أمامهم، وكانت تلك اللحظة اكتشافها الحقيقي، مع أغنية «بتبص لي كده ليه» لليلي مراد.
كانت الخطوة الأصعب في طريقها هي إقناع والدها برغبتها في العمل بالفن، فاستخدمت الحيلة من أجل ذلك، واستغلت وجود صديقه المطرب التركي «منير نور» وغنت أمامه، وتحقق لها ما أرادت، حيث أُعجِب بصوتها، ومن ثم اعترف أبيها بموهبتها ومنحها دعمه، وأحضر لها مدرِّس موسيقي ليعلّمها العود والصولفيج، فاستهلت طريقها وهي في عمر السادسة عشر.

الفن شريك حياتي
قبل ثلاث سنوات من اعتراف والدها بصوتها، تقدم لفاطمة أول عريس؛ مهندس طيران في الثانية والعشرين من عمره، وافق عليه أبويها وتمت خطبتها له، ومعه انهارت أحلامها الفنية في الغناء والتمثيل وأن تكون مثل ليلي مراد أو أسمهان، لكن شرودها الدائم جعل ذلك الخطيب يذهب بلا عودة بعد ثلاثة شهور، عندما شعر بانصرافها عنه.
وبعد عامين جاءها العريس الثاني، عندما بلغت سن الخامسة عشرة. يعمل مدرسًا. لكن هذه المرة لم تكن مجرد خطبة، وإنما عقد قران. أي لم يعد يفصلها عن عش الزوجية سوي خطوات قليلة، خاصة أن هذا الزوج لم يتأثر بعدم اهتمامها أو صمتها، مما جعلها تفكر في خطة بديلة، فهددت والديها بالانتحار إن اكتملت هذه الزيجة. نجحت الخطة، وحصلت علي الطلاق بعد بضعة أشهر، ولم يعد أحدا يحدثها عن الزواج داخل العائلة، خاصة بعد طلاق أختها عفاف.
لعبت الصدفة دورها مع فتوش، وحالفها الحظ لتقترب من حلمها، حيث كان مدرِّس الموسيقي صديقا للمخرج أحمد بدرخان، فقدمها له، وحصلت علي أول ظهور في دور »‬كومبارس» بفيلم »‬أزهار وأشواك» تحت اسم هدي. لم يرض القدر بذلك، فدفع بالحظ ليغازلها مرة أخري، وكانت النتيجة حصولها علي دور البطولة في فيلم «العقل في أجازة» أمام مطربها المفضل محمد فوزي، من إخراج حلمي رفلة؛ الذي أطلق عليها اسم «شادية».

رجل تتلاشي أمامه أحلامي
البنت العنيدة التي تحدت الجميع من أجل تحقيق أحلامها الفنية؛ لم يصمد قلبها كثيرًا، فبعد عام من بدء مشوارها السينمائي وقعت عيناها علي شاب أسمر صعيدي – في حفل يخص أحد «الجيران» دُعيت له ولم تتمكن من الرفض – ولم تستطع إغماضهما في تلك الليلة، بل وفي ليال لاحقة، حتي وصلها أول خطاب منه يخبرها بأنه طالب في السنة الأخيرة بالكلية الحربية، وتوالت الخطابات، حتي كان ذلك الخطاب الموجه لأبيها، الذي يطلبها فيه زوجة له، ومع تخرجه من الكلية كانت «دبلته» تُزِّين إصبعها، وبدأت أحلام الحياة الزوجية السعيدة تداعب خيالها.  
الغريب في الأمر هنا ليس موافقتها علي الزواج في بداية طريقها وقبل تحقيق أحلامها، وإنما موافقتها علي التخلي عن تلك الأحلام للأبد، حيث طلب منها حبيبها الصعيدي أن تكون ملكًا له وحده وألا تظهر علي الشاشة مرة أخري، فقبلت بطيب خاطر دون تفكير. بل وظلت طوال عمرها، كلما ازدادت نجاحا ونجومية؛ تتمني لو أن تلك الزيجة اكتملت، وعاشت فيها حياة هادئة وبسيطة ومستقرة.

ومعه أدركت حب مصر
بعد شهور قليلة من الخطبة تحطمت أحلامها، وقلبها، حيث سقط حبيبها شهيدًا في حرب 1948، وسقطت شادية في الأحزان. لم يعد وجهها ضاحكا كما كان، وأصبحت الدموع رفيقة جفونها، وكادت تنسي السينما والفرص التي تتلقاها، لكنها أدركت أن العمل هو منقذها الوحيد، لتهرب من ذكرياتها، فقبلت حفلاً غنائيًا في الإسكندرية.
في عروس البحر المتوسط فقدت فتوش صوتها، وأشار الدكتور علي والدها بضرورة سفرها للخارج، وهي الفكرة التي رحب بها، معتقدًا أن ذلك هو العلاج الوحيد لحالة ابنته النفسية المتدهورة. ومن ثم قررت بناء علي اقتراح والدتها؛ الذهاب إلي خالها في إسطنبول بتركيا، ومع تحرك الباخرة من ميناء الإسكندرية بدأ قلبها يخفق بعنف وشعرت بحبها الشديد لمصر، وأدركت عشقها لبلدها عندما أخذت الإسكندرية تغيب عن ناظريها، ومع مرور السنوات ازدادت تلك العلاقة عمقًا حتي استحقت لقب «صوت مصر».

حلم الثنائي
قبل دخولها مجال التمثيل، كانت شادية مبهورة بالثنائيات الفنية بين النجوم، وعلي رأسهم «أنور وجدي وليلي مراد»، وتمنت لو تتاح لها فرصة كتلك، وكاد ذلك أن يتحقق مع الفنان محمد فوزي، الذي التقي معها في أكثر من عمل فني، إلا أن الأمر لم يستمر طويلا.
تحققت تلك الأمنية مع ظهور كمال الشناوي، فأصبحا «دويتو» فني ناجحا، وقدما معا سلسلة من الأفلام الغنائية الناجحة علي مدار خمس سنوات، مثل «ليلة الحنة»، »‬في الهوا سوا»، «ارحم حبي»، «عش الغرام»، و«وداع في الفجر»، حتي شعرا بأنهما يكرران أنفسهما ويقدمان نفس الأدوار، فقررا الانفصال فنيا.

الفيلم الذي لم يُكتَب
أراد الشناوي أن يجتمع مع شادية في فيلم جديد يحكي قصة حياتهما، يدور حول »‬ممثل وممثلة كانا يعملان سويًا أمام الكاميرا، وسارا معًا في طريق النجاح والحياة خطوة خطوة، حتي تزوجا فأبعدهما الزواج وفرق بينهما، وأصبح كل منهما يعمل وحده بعيدًا عن الآخر، ثم شاءت الصدفة أن يلتقيا مرة أخري ولكن في وسط ظروف جديدة مختلفة عن ظروف العمل في أفلامهما القديمة».
كان ذلك الفيلم مجرد فكرة في مخيلة كمال الشناوي لم تُسنح لها الفرصة للخروج، لأنها لم تجد كاتب سيناريو جيد، إلا أن مضمونها إن تمعنا فيه، سنجده يدلِّل علي صحة ما صرح به نجل الشناوي مؤخرا بأن والده كان عاشقا لشادية، لكن خوفه من خسارتها بسبب الزواج جعله يتراجع عن ذلك، بل ويتزوج من شقيقتها عفاف ليبقي قريبا منها. إلا أن تعليق شادية علي الأمر في مذكراتها عام 1976 كان »‬الارتباط الفني الطويل بيني وبين كمال الشناوي صوَّر للكثيرين قصصا وحكايات عن أصل هذه العلاقة الإنسانية والفنية، لقد كانت علاقة حب الفن، ونجاح وكفاح مشترك، علاقة تفاهم ودور عميق».

حلم الاستقرار
وُلدت شادية في عائلة مستقرة، فأدركت معني ذلك وقدَّرته، وسعت طوال عمرها إلي تحقيق الاستقرار علي مستوي حياتها الخاصة، وفي سبيل ذلك تخلت عن حبها تارة، وعن أمنيتها بالجلوس في »‬الكوشة» وارتداء الفستان الأبيض و«الطرحة» تارة أخري، بل واندفعت من أجله لترتكب الخطأ الأكبر في تاريخها، الذي دفعت ثمنه من عمرها وسمعتها وابتسامتها.

فتي الشاشة.. بعيدا عن الشاشة
في أحد أيام عام 1952، اتفق عدد من الفنانين والفنانات من بينهم شادية، علي الاشتراك في مشروع إنساني خيري اسمه »‬قطار الرحمة»، متجه إلي أقاصي الصعيد لجمع التبرعات. وسط الإجهاد والعناء شق الحب طريقه إلي قلبها، وأمام بريق عيني عماد حمدي لم تعبأ بفارق السن أو كونها الزوجة الثانية، وإنما اكترثت فقط بحنانه في التعامل معها، وضيقه من أجلها، وخوفه علي صحتها. وقعت أسيرة في شباك شخصيته الرزينة وصوته الوقور، وقامته المشدودة وجسده الفارع، فتحول قطارهما إلي «قطار الحب» وليس فقط الرحمة.
لم يستمر حبها سريًا لفترة طويلة، فسرعان ما علم آل الصحافة وأخذوا يؤلفون الحكايات ويضيفون علي الوقائع، حتي وصل الأمر إلي التهديد بنشر رسائلهما العاطفية، فكان الزواج هو الحل، إنقاذًا لسمعتهما وكرامتهما. كانت تلك الزيجة هي النهاية السعيدة لقصة حبهما، مثلما تعيشها علي الشاشة، لكنها لم ترتد - كالأفلام - ملابس الزفاف أو تجلس وسط «الكوشة» بين المدعوين كما حلمت دائمًا، لأن عماد حمدي كان متزوجًا قبلها، ويصعب عليه أن يفعل ما يفعله الأزواج الجدد، فتزوجته بهدوء وانتقلت معه إلي شقة الزوجية في الجيزة لتحقق حلمها الأسمي والأكبر.
«لقد وُلدت وسط أسرة مترابطة، وهذا هو السبب الذي يجعلني أحب الاستقرار وأميل إليه مع كل زوج يحب زوجته، وهو بالنسبة لها الأب والأم وكل العطف الذي تحتاجه وتعيش عليه».
لكن السعادة لم تكتمل، والاستقرار لم يدم طويلاً. فخلال أربع سنوات، ذاقت حلاوة الحياة ومرارتها، ورغم السعادة التي عاشت فيها لشهور طويلة، والحنان الذي أغدقه عليها »‬فتي الشاشة»؛ إلا أن غيرته هدمت كل شيء، وبعيدًا عن الشاشة ظهرت العيوب الخفية التي لم ترها شادية وسط الأضواء. تصاعدت الخلافات واستحالت الحياة معها، وكان لابد للقطار أن يتوقف، فوقع الطلاق، وبدأت تشعر بمرارة لقب »‬مطلقة» في مجتمعنا.

فريد الأطرش.. حب حتي الممات
عقب انفصالها عن عماد حمدي، عاشت شادية أوقاتا عصيبة، لكن المساندة التي تلقتها من أخويها عفاف وطاهر ساعدتها علي تجاوز تلك المحنة والوقوف علي قدميها مرة أخري، قبل أن يقتلها اليأس وتضيع في غياهب الأحزان. ووسط هذا الضباب الكثيف وسحابة الكآبة التي غطت حياتها، ظهر فريد الأطرش ليكون حبيبًا وليس جارًا.
كان الأطرش جارها في العمارة الكائن بها شقتها مع عماد حمدي، لكنها لم تكن تحب صوته أو تتحمس للتعامل معه، كانت تجمعها به فقط بعض اللقاءات عن طريق زوجها. عندما أُتيحت لها أول فرصة عمل معه في فيلم «ودعت حبك» للمخرج يوسف شاهين، اكتشفت شخصًا آخر؛ «جنتلمان» يتعامل مع المرأة باحترام، وإنسان طيب وحنون وكريم إلي أبعد الحدود، لا يعرف الخبث. وبدأ حبه يملأ قلبها وحياتها بعد شهور من الدموع أعقبت طلاقها من حمدي، وتمنت لو أن مشهدهما معًا في نهاية الفيلم حقيقة بدون كاميرات وأضواء وممثلين.
خفق قلبها بقوة هذه المرة، لكن حلم الاستقرار لم يكن له وجود في قصة الحب تلك، لأن حياة الأطرش كانت مرهقة، مليئة بالسهر والأصدقاء طوال الوقت، حاولت شادية أن تتقبلها من أجل الفنان الذي أحبته وأحبها، لكنها لم تستطع ذلك، ولم تتمكن من تغييرها وإقناعه بالتخلي عنها، فهربت منه وتزوجت بعزيز فتحي!.
كان قرارا متسرعا، كلَّفها الكثير، وتعلمت معه التأني فيما بعد وعدم الاندفاع. فخلال عشرة أيام كانت في منزل زوجها، لتعيش تسعة أشهر - مدة الزواج - من أتعس الفترات في حياتها، أربعة منهم داخل بيت الزوجية، وخمسة بين أروقة المحاكم، بعد أن طلبها فتحي في «بيت الطاعة»، ووجدت نفسها مضطرة للوقوف أمام القاضي لتدافع عن نفسها وتطلب الإغاثة من العذاب الذي أوقعت نفسها فيه بسبب تهورها.
 بعد الطلاق عادت صداقتها مع فريد الأطرش أقوي مما كانت عليه، وعادت أوقاتهما السعيدة، لكن «المستغلين» من الأصدقاء لم يرضوا بذلك، كانوا يعلمون أن زواجه بشادية سيحرمهم من مزايا كثيرة يحصلون عليها منه، فبدأت محاولات الوقيعة بينهما، التي كادت أن تنجح بسبب طيبته وتصديقه لكل ما يقال له، فعادت تعاني من متاعب «الغيرة» مرة أخري، وكان صعبا عليها الاستمرار. هربت مجددًا، لكنها لم تتزوج هذه المرة، وإنما وجدت في الابتعاد راحة لهما سويًا.
سافر الأطرش إلي لبنان هربًا من حبه، وبعد غيبة طويلة عاد إلي القاهرة لتصوير فيلمه الأخير »‬نغم في حياتي»، ولكن بصحة متدهورة، فذهبت شادية إلي بيته بعد سنوات طويلة من الفراق. طلب منها أن تغني معه في لبنان فوافقت واتفقا علي اللقاء هناك. في الموعد وقف الأطرش تحت الأمطار الغزيرة يغني بحرارة وانفعال لساعات طويلة، ناسيًا مرضه وتحذيرات الأطباء، وخطر الموت.
في الخامسة صباحًا ترك فريد «الميكروفون» لتصعد شادية إلي الغناء، بعد أن صافحها وطبع علي خدها قبلته الأخيرة لها، ولم تره بعدها. عقب عودتها للقاهرة بأيام، استيقظت فلم تجد صحف الصباح التي اعتادت علي بدء يومها بها، وفوجئت بأخيها طاهر في البيت - علي غير العادة - فعلمت أن هناك أخبارا سيئة، تصف شادية تلك اللحظة «كاد قلبي أن يقفز من بين ضلوعي، وشعرت بألم مفاجئ يسيطر علي جسدي كله، ولاحظ أخي طاهر أني ارتعش وانتفض، حاول أن يهدئني ويخفف عني، لكني قرأت الخبر المؤلم في عينيه ونظراته المواسية. صرخت وأنا أكاد أتمزق: ماذا حدث لفريد؟ ورد قائلا: البقية في حياتك.. فريد مات».

 الدلوعة تنضج
«دلوعة الشاشة» كان اللقب الذي اشتهرت به شادية مع سطوع نجمها الفني، حيث تمحورت غالبية أدوارها في سنواتها الأولي علي درج النجومية حول البنت الجميلة »‬الشقية» خفيفة الظل. لم يأتِ ذلك من فراغ، ولم تكن تلك الشخصيات علي الشاشة فقط، فقد بدأت شقاوة فتوش منذ الطفولة، إلي حد أنها تجاوزت في ذلك أشقائها الفتيان، فأسموها »‬العفريتة»، إلا أن أفعالها كانت مغفورة من قبل عائلتها، لأنها «آخر العنقود»، ولأنها - أيضا - لا تتجاوز حدود الأدب والاحترام، فعندما تسببت تلك «الشقاوة» في إصابة أخيها الأكبر بجرح اعتذرت.
مع تصاعد الأحداث في حياة شادية والتطورات التي أصابتها إثر التجارب التي مرت بها؛ لم تعد مهيأة نفسيًا لتقديم الأدوار الخفيفة، ولم تعد تلك «الدلوعة»، حيث بدأت شخصيتها وطريقة تفكيرها تتغير، وبالتالي أدوارها أيضا. كان فيلم «المرأة المجهولة» هو نقطة التحول، حينما قدمت دور امرأة في الستين من عمرها. ترددت قليلا في البداية، ثم قبلت خوض التجربة، وبنجاحه ودَّعت الأفلام الغنائية المرحة إلي الأفلام الدرامية، التي لا تستخدم الغناء إلا في الضرورة كخلفية للأحداث مثل «نحن لا نزرع الشوك».

الكاتب الكبير لم يحبذ الزواج
هذا النضج في التفكير والأدوار؛ صاحبه أيضًا نضج في علاقات شادية الشخصية، فتعرفت في تلك الفترة بالكاتب الكبير نجيب محفوظ، الذي تعتبره مسئولا عن حياتها الجديدة العاقلة، وتلك المرأة الناضجة التي أصبحت تفكر بعقلها قبل قلبها، إلا أن تلك الصداقة لم تكن شأن شخصي كما كانا يعتقدان، بل أصبحت إحدي المسائل العليا في الدولة. ففي أحد الأيام تلقي محفوظ
دعوة من رئاسة الجمهورية لحضور إحدي حفلات العشاء مع الرئيس عبد الناصر، واندهش من اشتمال الدعوة علي اسم زوجته «الفنانة شادية»، وعندما هاتف الرئيس الراحل ليسأله عن مصدر تلك المعلومة فأخبره أنها مخابرات صلاح نصر!
مع محفوظ اكتشفت شادية عالما جديدا لم تعرفه من قبل، وهو أن تجلس مع الكتاب والفنانين والمفكرين أمثال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ وكمال الطويل وكامل الشناوي وأحمد رجب وموسي صبري وسعيد سنبل وكمال الملاخ وأنيس منصور وغيرهم، ليتناقشوا في السياسة والأدب والفكاهة، حيث يمثِّل فكر كل منهم آلة موسيقية، تعزف لحنًا علي انفراد وأحيانًا يعزفون معا.
تلك الصداقة بين شادية ومحفوظ - التي نتج عنها خمسة أعمال سينمائية هي الأكثر تميزًا في مسيرتهما الفنية والأدبية - أنقذتها من الضياع، ووجدت فيها نفسها التائهة، حيث جعلها تحب الحياة مرة أخري، لكنه لم يستطع أن يقدم لها أكثر من ذلك، تقول شادية «المرأة تبحث دائما عن الإنسان العاقل، فما قيمة العواطف الملتهبة التي تصدر عن إنسان معتوه؟ أنا لا أريد (مجنون شادية) الذي يهدم حياتي فوق رأسي، وقد جربت من قبل ذلك النوع من الحب المجنون، حب الغيرة والشك وعدم الثقة، لكن الرجل العاقل هو الذي يقدم لي الحب العاقل. العقلاء وحدهم هم الذين يشعرون المرأة بالأمان. لكن للأسف (الصديق العاقل) لم يكن يحبذ فكرة الزواج وكان صعبًا أن أقنعه بالزواج مني. رغم ذلك لم أكن حزينة، فالحب كما يقولون هو العطاء، وهذا الكاتب الكبير أعطاني الكثير. كانت أمنيتي أن أتزوج ويكون لي أولاد، لكني وجدت في ذلك الوقت أن عمله هو بيته وحياته، وأولاده هم الأعمال الأدبية التي يكتبها، فانسحبت لأني أريد بيتًا حقيقيًا وأولادًا حقيقيين وحياة علي الأرض».

حلم الأمومة
في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، ارتبط اسم شادية بصلاح ذو الفقار، وكانا مثالاً للثنائي الذي طالما تمنته، في الفن والحياة، بعدما تسللت المشاعر الجارفة إلي قلبيهما وسط الطبيعة بمرسي مطروح أثناء تصوير فيلم «أغلي من حياتي»، لدرجة أن وقف ذو الفقار عند جذع شجرة كبيرة في جزيرة النباتات لكي يحفر الحروف الأولي من اسميهما. ولم يمر شهران علي انتهاء التصوير إلا وكانا متزوجين.
لم يكن قرارها هذه المرة - رغم سرعته - مندفعا تحكمه العواطف، وإنما خاضعا لتدابير العقل أيضا، فقبل لقائها مع صلاح ذو الفقار، اتخذت شادية قرارا بأن تصبح أمًا، وفاجأت المنتجين والمخرجين برفض الكثير من الأدوار التي تُعرض عليها. ظنوا في البداية أن السبب هو رغبتها في رفع أجرها، ففعلوا ذلك. لكنها أدهشتهم بالكشف عن نيتها الحقيقية، بأن تعمل فقط لمدة شهرين أو ثلاثة لكي تتفرغ بقية العام لطفلها وبيتها وزوجها.
«مهما نجحت المرأة في عملها، فهي تشعر دائما بأن هذا النجاح لا قيمة له إذا لم تكن قد أنجبت أطفالاً. الأمومة أعظم شيء في حياة المرأة، بل حياتها كلها. وأنا لم أعش هذه التجربة، لذلك ظلت حياتي ناقصة. إنها أمنية بسيطة تحققها كل يوم عشرات الأمهات، لكن حياتي غير المستقرة حرمتني منها».
كان ذو الفقار هو السبيل للاستقرار وتحقيق حلم الأمومة، حيث كان النظام من أهم مميزاته، نظرا لعمله السابق كضابط شرطة. بدأ ينظم لها حياتها المرتبكة، وخاصة مع الضرائب. لم يعبه سوي «صوته العالي» الذي كان كفيلا بإفساد يومها وإصابتها بالتوتر.
حاولت التعايش مع ذلك العيب من أجل عيون طفلها، خاصة بعدما بدأ الجنين يتحرك في أحشائها، ومعه وُلد شعورها بحياة جديدة تنمو داخلها، فنسيت العالم كله وبدأت تعد الأيام والشهور في انتظار مجيئه للوجود بفارغ الصبر، لكنه لم يأت، فقدته بعد سبعة أشهر من الحلم الجميل، الذي تحول إلي كابوس مزعج.
مع مرور الوقت حاولت التماسك والعودة لحياتها الطبيعية، فبدأت تنشغل بمجموعة من الأفلام الكوميدية استهلتها بفيلم «مراتي مدير عام»، حيث كانت تؤدي بصحبة ذو الفقار دور الزوجين في البيت وعلي الشاشة أيضا، لكن مع انتهاء هذه المجموعة المشتركة من الأفلام بدأ كل منهما ينشغل بأدواره الخاصة، وبعد يوم عمل مرهق وطويل يعودان للمنزل بكثير من التوتر، وتجلي بوضوح عدم توافقهما، ففكرت شادية في الانفصال، وترك صلاح المنزل.
بعد فترة قصيرة، تدخلت أختها عفاف لتجمع شملهما من جديد، وكان اللقاء في محطة قطار «باب الحديد»، حيث فوجئت به شادية ولم تنطق بكلمة، وهو أيضًا، فقط فتح ذراعيه، ليعانقها بشوق كبير وسط ذهول كل الركاب الواقفين فوق رصيف المحطة، ثم بدأ يمطرها بالقبلات الحارة، وكانت تلك بداية مرحلة جديدة في حياتهما الزوجية.
في ليلة العودة عقدا اتفاقًا؛ جاء كنتيجة لساعات طويلة من العتاب، ووعد كل منهما الآخر بمحاولة تجنب الصدام وتحاشي الخلافات، للهروب من المشاكل والبحث عن الاستقرار، لكن هذا الحرص الشديد جعل الحياة تبدو غير طبيعية.
«إنها المرة الثالثة ولابد أن أتمسك بها مهما كانت الظروف. ماذا سيقول الناس عني؟ هل يقولون إني إنسانة أحب المغامرات ولا أسعي للاستقرار، أحب التغيير ولا أطيق الحياة مع رجل واحد. إذا فكروا بهذه الطريقة فإنهم سيظلمونني ظلمًا شديدًا. لقد كان منتهي آمالي أن أستقر وأعيش مع رجل أحبه ويحبي، أثق فيه ويثق فيه. لو أن حبيبي الضابط الشهيد لم يمت، لكنت الآن زوجة سعيدة معه، ولكنا الآن نحتفل بعيد زواجنا الخامس والعشرين مع أولادنا وبناتنا، ولكنت قد انسحبت بعيدا عن الشاشة والأضواء وعشت حياة عادية مثل ألوف الزوجات».
بدأ الملل يتسلل للحياة، ولم يكن تنفيذ الاتفاقية سهلاً، لكن حركة الجنين للمرة الثانية في أحشائها جعلتها تتماسك وتتحمل مرة أخري، وتسيطر علي أعصابها. إلا أنها بعد شهور طويلة ظلت مستلقية فيها علي ظهرها؛ فقدت طفلها أيضا، فاقتنعت أن الأمومة ليست مقدرة لها، وضاع الأمل الأخير الذي كان من شأنه إنقاذ هذه الزيجة. 
شاءت الأقدار أن ينفصل أخوها طاهر عن زوجته التركية، التي عادت لبلادها وقررت أن تترك ابنها «خالد»  لشادية لترعاه، فكان عوضًا لها ولمشاعرها المكبوتة، وكانت هي عوضًا له عن أمه وحنانها المفقود.
«خالد هو الحب الحقيقي في حياتي، إنه ابني، البسمة المضيئة التي جاءت متأخرة لتزيل بعضا من الأحزان الطويلة، بسمة أم عاشت تحلم بطفل، فأرسلته لها السماء، ليس من أزواجها الثلاثة، بل من أخيها الطيب».

شخصيات أثرت حياتي
علي مدار حياتها؛ تعاملت شادية مع أشخاص كثيرين، لكل منهم تأثيره عليها، لكن البعض فقط من كان لهم الأثر الفارق في شخصيتها، ومن حفروا لأنفسهم مكانًا داخل قلبها، وعلي رأسهم سيدة الغناء العربي أم كلثوم، التي أحبت فاطمة، البنت الصغيرة التي أحضرها والدها ليبارك موهبتها أمام كوكب الشرق، فظلت تشملها بالنصيحة والحب حتي وفاتها.
«علمتني كيف أحب عملي، وكيف أكون متواضعة، وكيف أتعامل مع زملائي من الفنانين، وكيف أساعد الجدد إذا كانوا فعلا موهوبين، فقد كانت أم كلثوم تساند كل فنان حقيقي. وتعلمت أيضا احترامي لمواعيد عملي، وحرصي عليه. لقد شعر الألوف والملايين في كل أنحاء الوطن العربي بالحزن الشديد لفراقها وغيابها، لكن حزني عليها يفوق كل أحزان البشر».

بليغ ابن الجيران .. والموجي إنسان
مثلما كوَّنت شادية ثنائيا فنيا مميزا مع الشناوي وذو الفقار؛ فقد شكِّلت مع الموسيقار بليغ حمدي ثنائيًا غنائيًا، حيث قدم لها ما يزيد علي 60 لحنًا ناجحًا، لكن هذا التعاون لم يأتِ بشكل مفاجئ بعد بلوغ النجومية، وإنما بدأ في الطفولة، حيث كان بليغ يعيش في حي شبرا، جارًا لشادية، لم يكن يلعب مع الأطفال، وإنما ينهرهم ليبتعدوا عنه، حتي لا يخرجونه من حالة الإلهام التي يعيشها مع عوده منشغلا بالعزف عليه.
أما محمد الموجي، فلم تُعجَب بفنه فقط، وإنما أسرتها إنسانيته، حيث كان الفنان الإنسان، والفلاح الذي لا يعجبه «الحال المايل»، والصديق «الشهم» الذي يظهر معدنه وقت الشدائد.

فطين.. المخلص العاقل
اعتبرته شادية نوعا نادرا من الرجال، حيث كان لها صديقًا مخلصًا منزهًا عن الأخطاء؛ المخرج فطين عبد الوهاب الذي قدم لها أنجح أفلامها الكوميدية، ولم يكن يكف عن المزاح والضحك في الاستوديو، حتي وإن كانت حياته الشخصية في أوج تعاستها. كان يشعر بها دون أن تتحدث ويحاول التخفيف عنها، ولا يلجأ أبدا إلي الصراخ والصياح داخل الاستوديوهات، بل يحاول قدر الإمكان توفير جوًا مريحاً للأعصاب.
«إنه هادئ عاقل، لا يغضب ولا يصرخ، بل يبتسم ويضحك ويملأ جنبات الاستوديو بالتفاؤل والأمل والمرح».

 هل تأخر الاعتزال؟
في السنوات الأولي من السبعينيات، قررت شادية الاعتزال، وهي في قمة نجاحها، قبل أن تنحسر من حولها الأضواء. قررت أن تترك المجال قبل أن يتركها، بعدما اكتشفت أنها تكرر نفسها.
«إنه أصعب وأخطر قرار في حياة الفنان، لذلك يحتاج إلي شجاعة، فالشجاع هو الذي ينسحب في الوقت المناسب، يختفي وهو في قمة القوة والنجاح والمجد، قبل أن يبتعد عنه الجمهور، وحتي لا يضطر هذا الجمهور أن يحييه ويصفق له بدافع الشفقة وليس الإعجاب».
لكنها عدلت عن قرارها وضعفت، عادت مرة أخري إلي «البلاتوهات» والشاشة والأضواء، وكادت تنسي قرار الاعتزال الذي اتخذته. أعادتها أفلام المخرجين الشباب حينها، مثل حسين كمال وأشرف فهمي. وفي عام 1975 اتخذت القرار مرة أخري، وعدلت عنه أيضًا، لأنها لا تجد إجابة مقنعة لتساؤلها «ماذا أفعل وحدي في البيت؟ لا زوج أحبه ويحبني، ولا طفل أعطيه كل عطفي ووقتي، ولا شيء سوي الصمت الثقيل والوحدة القاتلة».
بعد سنوات قليلة تحلت شادية بالشجاعة، وتوصلت إلي الإجابة عن سؤالها، بأن «الله» هو العون والرفيق الذي ستعتزل من أجله، وتلوذ بالسكينة في معيته، مثلما كان دائمًا ملجأها في مصائبها، حينما قُتل حبيبها الضابط، وعندما مات رفيق روحها فريد الأطرش، ووقتما فقدت أملها في الأمومة.
«يارب.. هذه حياتي أمامك، بكل حلوها ومرها، فسامحني إذا كنت أخطأت، وساعدني إذا كنت ضللت الطريق، وحقق لي في أيامي القادمة السعادة التي عشت أبحث عنها، يا رب.. يا رب».

 خير خاتمة
في الصغر؛ أثناء لعب شادية مع إخوتها، كانوا يقيمون مسرحًا، حيث يشدون ملاءة وكأنها ستار المسرح، ثم يبدأون في الغناء والتمثيل من ورائها. ومثلما بدأت حياتها الفنية مع «الستار»، أنهتها معه أيضا؛ مع مسرحيتها الوحيدة «ريا وسكينة» التي قدمتها في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي وحققت نجاحًا هائلاً استمر لسنوات، فكانت خير خاتمة.