رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

شادية.. فكرة الجمال عن نفسه!


من فيلم الطريق

من فيلم الطريق

منصورة عز الدين
12/2/2017 11:27:33 AM

أفكر في عقد الثمانينيات الآن فيلوح لي بعيداً نائياً كأنه لم يكن قط. هو بعيد بالفعل لو لجأنا إلي معيار التغيرات الهائلة من وقتها حتي الآن، لكن في زمن طفولتي ذاك لم تكن الخمسينيات بعيدة علي هذا النحو. كانت كأنها زمننا المعاش.

كنا نشاهد أفلامها أكثر مما نتابع الأفلام المعاصرة لنا، ونتعامل مع فنانيها باعتبارهم نجوم مرحلتنا. لا أتذكر الآن متي وقعت الطفلة التي كنتها في غرام شادية، ما أذكره أنني ارتبطت بسينما الأبيض والأسود في عمر الرابعة تقريباً دون قدرة علي تمييز الاختلاف بين الممثلات.
عرفت اسم فاتن حمامة أولاً، ومن فرط حضورها ظننت أن الاسم يُطلَق علي كل معاصراتها كأنه توصيف أو مهنة. هكذا أطلقت علي نادية لطفي لقب »فاتن حمامة الشقرا»‬، وماجدة: »‬فاتن حمامة اللي صوتها غريب»، وسعاد حسني: »‬فاتن حمامة الشقية»، واختصصتُ شادية بلقب: »‬فاتن حمامة الحلوة».
وحتي الآن لا أفهم ما الذي كنت أعرفه حينذاك عن »‬الحلاوة» وامتيازها علي »‬الجمال» حتي أقرنها بشادية دون غيرها. لم أندهش حين كبرت قليلاً وعرفت أن »‬الحلوة» (بألف لام التعريف) أحد ألقاب شادية بالفعل. بدا هذا طبيعياً، كأنه حقيقة علمية ليس بإمكان أحد المجادلة بشأنها.
كانت شادية قريبة وأليفة كأنها من العائلة أو جارة مقربة، وكانت أيضاً بعيدة لا تطال ولا تُلمس كما الأحلام. شكلت بذكائها وأناقتها وخفة روحها جزءاً من أحلام طفولتي البسيطة. رغبت أولاً في قص شعري علي طريقتها، ولمَّا كان طويلاً جداً، رفضت أمي الأمر وصمدت أمام توسلاتي، فتقلص حلمي إلي قص »‬غُرة» اعتاد المصريون تسميتها بـ»‬قُصّة شادية».. ثم سكنني ثانياً حلم آخر: أن تكون حياتي كأفلام شادية، تختلط الأغنيات فيها بالأحداث والمواقف.
لم أكن مدركة طبعاً في سنواتي الأولي تلك أن الفيلم كما يُعرض علي الشاشة يمر بمراحل مختلفة من كتابة سيناريو وتأليف الأغاني وتصوير وخلافه. كنت أظن أن الأغنيات تحضر في ذهن شادية عفو الخاطر، وطمعت- عبثاً - في موهبة مماثلة.
مع الوقت تعرفت علي فنانات أخريات، لكن محبة شادية لم تنقص يوماً، لأنني بدأت أري وجوها أخري لها. فالممثلة والمطربة الكبيرة لم تتوقف عن النضج. تمردت علي صورة الصغيرة الشقية خفيفة الظل، ولم تسمح لأحد بحبسها في أدوار الفتاة المظلومة المغلوبة علي أمرها، بل نوَّعت أدوارها وطرق أدائها بدرجة لا تكاد ممثلة أخري تنافسها فيها وصولاً إلي دور الأم لأبناء ناضجين في فيلمها الأخير »‬لا تسألني من أنا».
ومع هذا لطالما اقترنت في ذهني وأذهان الكثيرين بشخصيات نجيب محفوظ الذي حين سُئل عن أهم ممثلة مصرية، اختارها بلا تردد. من منا ينسي تجسيدها لـ»‬حميدة» في »‬زقاق المدق»، أو »‬نور» في »‬اللص والكلاب»، أو »‬زهرة» في »‬ميرامار»، أو »‬كريمة» في »‬الطريق»؟ أجازف هنا بقول إن أداءها لشخصية »‬كريمة» تحديداً أضاف زخماً وحيوية وقوة مضاعفة للشخصية المكتوبة، بحيث لا يمكنني قراءة رواية »‬الطريق» بمعزل عن بصمة شادية عليها.
كمطربة اشتهرت صاحبة »‬يا حبيبتي يا مصر» أولاً بالأغنيات الخفيفة قبل التدرج مع نضجها إلي أغنيات أكثر شجناً وطرباً مثل: »‬قولوا لعين الشمس»، »‬غاب القمر»، »‬قال لي الوداع»، وغيرها.
ومن طرائف مرحلتها الأولي أن جليل بنداري (إن لم تخنّي الذاكرة) اتهمها بإساءة استغلال النفوذ بعد أغنية »‬خمسة في ستة بتلاتين يوم»، مفصلاً تهمته بأنها تسئ استغلال نفوذها علي قلوب الجمهور باختيارها أغنيات يراها هو خفيفة ومسلية لا أكثر. غير أن الوجه الآخر لهذا الاتهام الطريف يتمثل في تأكيده علي سلطة شادية المعنوية منذ بدايتها، فحتي في هذه المرحلة المبكرة نسبياً كانت ملكة متوجة علي قلوب المصريين.
إنسانياً وفنياً اتسمت شادية بشخصية قوية لا تتعارض مع صورتها (المختزلة؟) كـ»‬دلوعة». فحين كان الأمر يتعلق بفنها لم تكن تجامل، كما أنها في التمثيل كانت تختار وتتعامل بعقلية وأحاسيس الممثلة لا المطربة. فأثناء تصوير »‬زقاق المدق» مثلاً، كانت قد جهزت أغنيتين للفيلم هما: »‬نو يا جوني نو» ولحنها الموجي و»‬بسبوسة» ولحنها محمد عبد الوهاب. لكن في النهاية طلب منها المخرج الاستقرار علي أغنية واحدة ففضلت أغنية الموجي لأنها أكثر ملاءمة لأحداث الفيلم، فغضب عبد الوهاب غضباً شديداً حين علم بالأمر وقاطعها لسنوات، ولم يجعلها هذا تندم علي اختيارها لأنها بنته علي معيار فني له علاقة بمدي ملاءمة الأغنية بالعمل ككل. ومن حسن الحظ أن »‬بسبوسة» رأت النور في نهاية المطاف بعد أن هدأ غضب عبد الوهاب.