رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

الطواف‮ ‬حول السيد البدوي


إسراء النمر
6/17/2017 10:40:04 AM

لم‮ ‬يكن السفر طويلاً‮. ‬من القاهرة إلي طنطا حوالي ثمانين دقيقة‮. ‬وصلتُ‮ ‬قبل أن‮ ‬يهم المؤذنون برفع أذان الظهر‮. ‬الشمس في أشد قسوتها‮. ‬يركض الناس من حولي،‮ ‬بينما الطريق واقف،‮ ‬حيث تكدست السيارات والتاكسيات ذات اللون الكُحلي وراء بعضها البعض‮. ‬حمدت الله أن ضريح السيد البدوي قريب من محطة القطار‮. ‬مشيتُ‮ ‬إليه،‮ ‬وأنا أحاول تفادي الحشود‮. ‬محال الحلوي متراصة علي جانبي الشارع حتي بوابة المسجد‮. ‬يعرض أصحابها المشبّك بمختلف أحجامه وأسعاره‮. ‬كما‮ ‬يعرضون الحمص وحَبّ‮ ‬العزيز‮. ‬لا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يذهب أحد إلي هناك إلا وتغريه أي منها،‮ ‬وإن لم‮ ‬يكن له في المشبك والحمص وحَبّ‮ ‬العزيز،‮ ‬بإمكان البسبوسة أن تعوضه وتلبي شهيته‮. ‬
بدا المسجد بقبابه ومآذنه الثلاث شامخاً‮ ‬من بعيد‮. ‬كلما اقتربتُ‮ ‬منه اتضح جمال معماره وبراعة تصميمه‮. ‬يجلس عدد من رجال الشرطة عند بوابة سوره الحديدي،‮ ‬بينما تقف عربية أمن مركزي بالقرب منهم‮. ‬أحدهم‮ ‬يمسك بأطراف أصابعه طبقاً‮ ‬مشكلاً‮ ‬من الحلوي‮. ‬يأكل بنهم،‮ ‬غير مبال بقطرات العرق التي تتساقط من وجهه عليها‮. ‬اثنان منهم‮ ‬يدخنان السجائر ويتحدثان بوجه مقتضب،‮ ‬وبصوت خفيض‮. ‬وواحد فقط هو من‮ ‬يتولي مهمة التفتيش بيده،‮ ‬حيث‮ ‬يقوم بفحص حقائب النساء،‮ ‬والتأكد من أن الرجال لا‮ ‬يحملون معهم سلاحاً‮ ‬ولا‮ ‬يربطون علي بطونهم حزاماً‮ ‬ناسفاً‮. ‬وحدهم الشحاذون والمساكين الذين‮ ‬يمرون دون تفتيش،‮ ‬إذ‮ ‬يعرفهم رجال الأمن جيداً،‮ ‬ويعرفونهم هم أيضاً‮.‬
لا‮ ‬يزاحم هؤلاء الذين‮ ‬يمدون أيديهم ويتوسلون زائري البدوي أن‮ ‬يعطوهم شيئاً،‮ ‬أيا من الباعة،‮ ‬حيث تخلو ساحة المسجد منهم،‮ ‬فغابت رائحة المسك والبخور،‮ ‬لتحل محلها رائحة الأجساد الهزيلة‮.. ‬المُتعبة‮. ‬ملابسهم جميعها بالية‮. ‬لا‮ ‬يرتدي بعضهم أحذية،‮ ‬وهؤلاء‮ ‬يمدون أرجلهم المتسخة في وجوه الناس‮. ‬يجلسون في حلقات،‮ ‬أو مُتفرقين‮. ‬ينامون في أماكنهم كلما أحسوا بالتعب‮. ‬ولا فرق هنا بين رجل وامرأة‮. ‬الكل سواسية‮. ‬لا‮ ‬يتقاسمون الرزق الذي‮ ‬يأتي لكل واحد منهم،‮ ‬لكنهم‮ ‬يتقاسمون الطعام،‮ ‬ويراعون الأكثر جوعاً‮ ‬بينهم،‮ ‬فكان هناك مثلاً‮ ‬من‮ ‬يوزع الفطائر التي جمعها علي زملائه الذين لم‮ ‬يأخذوا،‮ ‬وكانت هناك مجموعة تأكل من‮ "‬حلة‮" ‬واحدة،‮ ‬كانت‮ "‬حلة محشي‮".‬
تجاوزتهم بصعوبة‮. ‬وعلي عكس ما اعتدت،‮ ‬وجدتُ‮ ‬الرجال والنساء‮ ‬يدخلون من باب واحد‮. ‬وقفت أتأمل الكتابات المنحوتة في الجدران والزخارف الملونة الموجودة في السقف الخارجي الذي تدلي منه فانوس متوسط الحجم‮. ‬فوق الباب كانت هناك لوحة رخامية تحمل إحدي آيات سورة الفتح وهي‮ "‬إنا فتحنا لك فتحاً‮ ‬مبيناً‮". ‬لم‮ ‬يكن ضريح السيد البدوي أول ما صادفني حين دخلت،‮ ‬إنما ضريح‮ (‬سيدي مجاهد‮) ‬الذي هو محمد أبو النجا،‮ ‬أول شيخ للمسجد الأحمدي ورئيس مشيخة العلماء به‮. ‬ولد في محافظة الدقهلية،‮ ‬بمركز أجا‮. ‬كان علامة في النحو‮. ‬وقد سلك طريقة البدوي حتي أصبح خليفة من خلفائه‮. ‬وكان عند علي بك اعتقاد فيه،‮ ‬وهو‮ (‬سيدي مجاهد‮) ‬من أشار عليه بتوسعة الجامع وتشييد قبابه ومآذنه‮. ‬
يزور الناس في البداية ضريح سيدي مجاهد حيث‮ ‬يلقون عليه السلام ويقرءون له الفاتحة ويدعون عنده قليلاً،‮ ‬بلا بكاء،‮ ‬أو توسلات‮. ‬ثم‮ ‬يدخلون إلي ضريح السيد البدوي مقصدهم الأول‮. ‬للضريح ثلاثة أبواب‮. ‬الباب الأول‮ ‬يواجه باب ضريح‮ (‬سيدي مجاهد‮)‬،‮ ‬والباب الثاني‮ ‬يطل علي ساحة المسجد الداخلية،‮ ‬والباب الثالث موصل إلي ضريح‮ (‬سيدي عبد العال‮). ‬كان الأزواج‮ ‬يندفعون بتلقائية تجاه السيد البدوي دون أن‮ ‬يدركوا أن ثمة قوانين للضريح سوف تطبق عليهم،‮ ‬حيث‮ ‬يوجد ثلاثة عمال‮ ‬ينظمون وقوفهم أمام الضريح وجلوسهم حوله،‮ ‬وذلك لأن‮ ‬غرفة الضريح منقسمة بجدار خشبي إلي نصفين‮. "‬من هنا الرجالة،‮ ‬ومن هنا الحريم‮".. ‬العبارة الأكثر ترديداً‮. ‬لا‮ ‬يملون‮ ‬منها،‮ ‬ولا‮ ‬ينسوها‮. ‬تليها‮ "‬مفيش تصوير،‮ ‬مفيش سيلفي‮ ‬ياخونا‮".‬
العامل المسئول عن الجزء المخصص بالنساء كان‮ ‬يتحكم في كل حركة تصدر منهن،‮ ‬ولا أبالغ‮ ‬لو قلت‮: ‬وفي كل نفس‮. ‬إذ‮ ‬يحدد هو المكان الذي‮ ‬ينبغي أن تجلس فيه كل واحدة،‮ ‬وماذا عليهن أن‮ ‬يفعلن ولا‮ ‬يفعلن؛‮ "‬ماتسنديش علي الحيطة‮ ‬يا آنسة،‮ ‬سيبي الحيطة للستات الكبار‮" "‬انت‮ ‬يا ست كفاية رغي،‮ ‬انت في مسجد،‮ ‬مش في الشارع‮" "‬الأستاذة اللي قاعدة علي الكرسي هناك،‮ ‬قاعدة كدا،‮ ‬ولا تعبانة‮" "‬يا ماما ماتقعديش في وش الباب‮" "‬مفيش نوم هنا،‮ ‬كل واحدة تروح تنام في بيتها‮" "‬يا حاجة كفاية نهنهة،‮ ‬قطعتي قلبي‮"‬،‮ ‬لكن أغلبهن‮ ‬يضربن بكلامه عرض الحائط،‮ ‬وينمن ويتحدثن مع بعضهن،‮ ‬قليل منهن من كانت تعطيه عدة جنيهات‮ - ‬التي‮ ‬يسمونها‮ "‬البركة‮" - ‬كي‮ ‬يحل عن دماغها،‮ ‬بل ويجعلها تجلس في المكان الذي تريده،‮ ‬وبالطريقة التي تحبها‮.‬
كانت المرأة التي تجلس إلي جواري منزعجة من وجوده،‮ ‬ومن شيء آخر‮. ‬أخبرتني بصوت متهدج‮: "‬أحياناً‮ ‬لا أحب أن أأتي إلي هنا بسبب هذا الرجل‮". ‬حسبت أن الكلام سينتهي عند ذلك،‮ ‬لكنها أردفت‮: "‬أنا لا أحب الرجال عموماً‮". ‬صعقتني‮. ‬هذه هي المرة الأولي التي أسمع فيها هذه العبارة من امرأة ريفية،‮ ‬غير متعلمة،‮ ‬لم‮ ‬يصل إليها ما تنادي به الحركات النسوية،‮ ‬لأن الرجل بالنسبة لمثلهن هو السند الوحيد،‮ ‬والظل الذي لا ظل‮ ‬غيره‮. ‬سألتها عن السبب‮. ‬قالت وهي تحتضن نفسها بذراعيها‮: "‬لا أعرف،‮ ‬حين‮ ‬يلمسني أحدهم،‮ ‬أحس بالخوف،‮ ‬وتنتابني حالة قرف شديدة‮".‬
اسمها هانم‮. ‬لا تعرف بالضبط كم عمرها،‮ ‬ولا تريد‮. ‬تسألني‮: "‬ماذا‮ ‬يهم إذا عرفت أنني وصلت إلي السن كذا‮.. ‬ماذا‮ ‬يهم أيضاً‮ ‬لو عرفت أن الساعة الآن الثالثة أو الرابعة؟‮".. "‬أنا لا‮ ‬يعنيني الزمن‮". ‬تزوجت هانم وهي في الحادية والعشرين،‮ ‬لكن زواجها لم‮ ‬يدم سوي شهرين،‮ ‬إذ أخبرت زوجها أنها لا تريد أن تستمر معه،‮ ‬وبررت له رغبتها بأنها لا تحب الزواج‮. ‬أسألها‮: "‬وهل فعلاً‮ ‬لا تحبين الزواج؟‮". ‬أجابت‮: "‬نعم،‮ ‬ولم أفكر فيه طيلة عمري،‮ ‬ولم‮ ‬يحدث مثلاً‮ ‬أن أحببت رجلاً،‮ ‬وتمنيت أن‮ ‬يصير زوجي‮". ‬الآن تعيش هانم بمفردها،‮ ‬في بيت صغير،‮ ‬بلا ابن أو ونيس،‮ ‬حتي أخوتها لا‮ ‬يهتمون بشئونها،‮ ‬ولا‮ ‬يعنيهم إن كانت ماتت،‮ ‬أو لا تزال تسعل‮.‬
وجدتها تسألني بهمس وبوجه‮ ‬يملؤه الحذر‮: "‬هل تريدين الحقيقة؟‮"‬،‮ ‬قلت‮: "‬لا أريد‮ ‬غيرها‮". ‬فقالت‮: "‬لم أكذب عليك فيما حكيته،‮ ‬إلا في شيئ واحد،‮ ‬أنني أعيش بمفردي‮!". ‬
لقد عرفت بعدما طلقها أن ثمة روحا دبت فيها‮. ‬لم تستوعب أن‮ ‬يحدث ذلك بهذه السرعة،‮ ‬بكت كثيراً،‮ ‬وشعرت بأنها سوف تظلم ابنها معها،‮ ‬لكن ما حدث كان العكس،‮ ‬هو الذي ظلمها وأهانها‮. ‬تحكي‮: "‬أسميته أحمد،‮ ‬ورضيت بأن‮ ‬يكون رجلي الوحيد‮. ‬لم أحرمه من شيء،‮ ‬وحاولت أن أعوضه عن‮ ‬غياب أبيه الذي لم‮ ‬يكن‮ ‬يسأل عنه،‮ ‬ظناً‮ ‬منه أنه هكذا‮ ‬يعاقبني لأنني تركته‮. ‬عملت كبائعة خضار حتي أوفر له ما‮ ‬يريده،‮ ‬وكان الله‮ ‬يرزقني بالكثير،‮ ‬حتي إنني ادخرت مالاً‮ ‬يكفينا لبقية العمر‮. ‬حين صار أحمد رجلاً،‮ ‬سلك طريق السوء،‮ ‬وبدأ في تعاطي المخدرات صنفاً‮ ‬صنفاً،‮ ‬حتي صار مدمناً‮. ‬لقد ضيّع كل مالي،‮ ‬حتي المال الذي تركته للحج ضيّعه‮. ‬الآن،‮ ‬حين لا‮ ‬يجد معي شيئاً،‮ ‬يضربني،‮ ‬ويصفعني‮. ‬هل عرفتِ‮ ‬إذن لماذا لا أحب الرجال؟‮".‬
نهضت هانم وهي في حالة من الانهيار‮. ‬وقفت أمام الضريح‮. ‬فردت ذراعيها علي وجهته،‮ ‬وظلت تدعو لأكثر من ربع ساعة‮. ‬ثم طافت حوله،‮ ‬إلي أن وصلت إلي الركن الذي‮ ‬يوجد فيه قطعة مستطيلة من الحجر الأسود تحمل آثار أقدام،‮ ‬يقال إنها أقدام الرسول‮. ‬قبّلت هانم الجدار الزجاجي الذي‮ ‬يفصلها عن الأقدام مرتين،‮ ‬ثم مسحت بكفها عليه،‮ ‬وغادرت‮. ‬ما فعلته كان هو الطقس الذي‮ ‬يمارسه الكثيرون داخل ضريح السيد البدوي،‮ ‬خصوصاً‮ ‬كبار السن،‮ ‬الذين لم تسنح لهم الظروف لأن‮ ‬يحجوا ويزوروا الرسول،‮ ‬حيث‮ ‬يعتبرون رؤيتهم للأقدام والدعاء أمامها،‮ ‬كأنهم زاروه بالفعل‮. ‬كانت هناك مثلاً‮ ‬سيدة عجوز جداً،‮ ‬تجاوزت الثمانين تقريباً،‮ ‬يسندها ابنها وزوجة ابنها،‮ ‬وهي تطوف حول الضريح‮. ‬لم‮ ‬يكن بإمكانها التحكم في حركة جسدها‮. ‬كانت ترتعش،‮ ‬وتبتسم،‮ ‬في آن واحد‮. ‬ظلت تردد‮: "‬بيتك الحرام‮ ‬يا رب‮".‬
بعد أن‮ ‬ينتهي الناس من الطواف،‮ ‬وزيارة الأقدام المحمدية،‮ ‬وترتيل الدعوات،‮ ‬يدخلون أخيراً‮ ‬إلي ضريح‮ (‬سيدي عبد العال أو عبد المتعال‮)‬،‮ ‬الذي قد‮ ‬يتخذونه وسيطاً‮ ‬بينهم وبين السيد البدوي،‮ ‬وذلك في حال‮ ‬يأسهم‮  ‬الشديد من عدم استجابة دعوة بعينها،‮ ‬لأن هذا‮ ‬يعني في اعتقادهم أن الولي لم‮ ‬يتوسط لهم عند الله،‮ ‬وأنه‮ ‬يحتاج أيضاً‮ ‬إلي وسيط،‮ ‬وليس هناك أقرب إلي السيد البدوي من تلميذه الأكبر،‮ ‬وارث علومه وأحواله،‮ ‬الذي أوصاه من بعده بالفقراء‮.‬
الطقس الوحيد الذي‮ ‬يمارسه الناس داخل‮ ‬غرفة عبد العال،‮ ‬هو الوقوف أمام ضريحه،‮ ‬وأمام المقامات الثلاثة التي تجاوره،‮ ‬إذ‮ ‬ينسب اثنان منهما إلي إخوته،‮ ‬بينما الثالث‮ ‬فينسب إلي‮ (‬سيدي أحمد محمد حجاب‮)‬،‮ ‬أحد الذين طلبوا العلم في المسجد،‮ ‬والذي لُقب بالابن الروحي للسيد البدوي‮. ‬توفي عام‮ ‬1978،‮ ‬ودُفن في المسجد،‮ ‬وأنشئ له مقام،‮ ‬بناء علي رؤيا جاءته في المنام،‮ ‬وبموافقة من محافظ الغربية‮. ‬
يُقال إن السيد البدوي كان‮ ‬يأتي له،‮ ‬ويوقظه من نومه مرة أو مرتين في اليوم،‮ ‬ليريه بعض المشاهدات‮ ‬غير العادية‮. ‬ويُقال أيضاً‮ ‬إن السادات كان‮ ‬يزوره ويطلب منه الدعاء‮!‬




تعليقات القرّاء