رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

الدعاء في الأضرحة‮.. ‬الملاذ الأخير‮ ‬3‮- ‬3


إسراء النمر
6/17/2017 10:59:39 AM

في العددين السابقين تناولنا طقس الدعاء في ضريحي الحسين والمرسي أبي العباس،‮ ‬ووجدنا أن لكل منهما طبيعته الخاصة،‮ ‬فالحسين مثلاً‮ ‬كان الأكثر ازدحاماً‮ ‬حيث يأتي إليه باستمرار زوار من مختلف المحافظات،‮ ‬بينما كان أبو العباس هادئاً‮ ‬لا يتردد عليه سوي أهل الإسكندرية أو بالأحري أهل الحي الذي يوجد فيه،‮ ‬وذلك يعود‮ -‬من ملاحظاتنا‮- ‬إلي أسباب عديدة،‮ ‬من بينها أن الناس يميلون أكثر إلي قصد آل البيت لما لهم من مكانة عظيمة عند الله،‮ ‬ورغم الاختلاف الأزلي بين السنة والشيعة حول آل البيت إن كان القصد بهم زوجات الرسول وبناته أم أنهم فقط علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء وابناهما الحسن والحسين،‮ ‬إلا أن العوام من المصريين لا يشغلون بالهم بذلك،‮ ‬إذ يعتبرون آل البيت هم كل من له علاقة نسب بالرسول،‮ ‬بل وكل من كان قريباً‮ ‬منه‮.‬
لذا ليس‮ ‬غريباً‮ ‬أن نجدهم لا يشغلون بالهم أيضاً‮ ‬بمن يقول إن رأس الحسين لم يصل إلي مصر،‮ ‬لأنهم يريدونه أن يكون موجودا،‮ ‬حتي تشبع حاجاتهم النفسية في الاعتماد علي أحد أحبة الله ورسوله ليكون مخلصهم الأول من حالات العوز والضيق‮. ‬ربما لأجل هذا هم يفضلون زيارة الحسين عن أي ضريح آخر‮. ‬وإن لم يقدروا علي الذهاب إليه بسبب المسافات،‮ ‬يلجأون إلي أشهر الأولياء في مدينتهم كما الحال في الإسكندرية إذ يقصد الناس المرسي أبا العباس عن‮ ‬غيره من الأضرحة الموجودة هناك،‮ ‬أو يتحاملون علي أنفسهم ويسافرون إلي أقرب مدينة إليهم كي يلجأوا إلي ولي يعتقدون فيه أكثر،‮ ‬كما الحال مع ضريح السيد البدوي الكائن في مدينة طنطا‮.‬
لا توجد إحصاءات لعدد الذين يزورون السيد البدوي سنوياً،‮ ‬لكنهم يقدرون بالملايين،‮ ‬ففي أسبوع الاحتفال بمولده فقط يأتي إليه نحو‮ ‬2‮ ‬مليون في المتوسط،‮ ‬غالبيتهم من فلاحي الدلتا،‮ ‬فطنطا كما هو المعروف عاصمة محافظة الغربية التي تقع في قلب الدلتا حيث يحدها شمالاً‮ ‬محافظة كفر الشيخ وجنوباً‮ ‬محافظة المنوفية وشرقاً‮ ‬محافظتا القليوبية والدقهلية وغرباً‮ ‬محافظة البحيرة،‮ ‬لذا يعد ضريح السيد البدوي الأقرب إلي أهل هذه المحافظات كي يشدون الرحال إليه،‮ ‬وهذا لا يعني أن ليس في مدنهم وقراهم أضرحة،‮ ‬إنما لأنهم يتصورون أن السفر إلي الولي دليل علي حاجاتهم الشديدة إليه وعلي رغبتهم في أن تُجاب دعواتهم‮.‬
لسيرة أحمد البدوي‮ (‬596‮ ‬هـ‮/‬1199‮ ‬م‮ - ‬675‮ ‬هـ‮/‬1276م‮) ‬عامل أساسي أيضاً‮ ‬وراء حرصهم علي زيارته،‮ ‬فهو الشيخ التقي،‮ ‬الزاهد،‮ ‬الذي ينتهي نسبه إلي الحسين‮. ‬ولد في مدينة فاس بالمغرب وهاجر إلي مصر في نهاية عقده الثالث،‮ ‬حيث استقر في طنطا لتكون موطن انتشار طريقته البدوية‮. ‬له عدة ألقاب من أشهرها‮ " ‬البدوي‮.. ‬الملثم‮.. ‬جياب الأسري‮.. ‬أبو الفتيان‮.. ‬السطوحي‮.. ‬شيخ العرب‮". ‬عاصر عددا من حكام مصر منهم الصالح نجم الدين أيوب وسيف الدين قطز والظاهر بيبرس،‮ ‬وكان له قدر كبير عندهم ويسعون لنيل بركته حتي بعد وفاته،‮ ‬إذ يذكر المؤرخ ابن إياس أن السلطان قايتباي كان معجباً‮ ‬به،‮ ‬ويعتقد في كراماته،‮ ‬للحد أن قايتباي زار ضريحه سنة‮ ‬888‮ ‬هـ وأمر بتوسيع مقامه‮.‬
وفي فترة حكم علي بك الكبير من عام‮ ‬1763م إلي عام‮ ‬1773م،‮ ‬تم بناء المسجد الحالي للسيد البدوي،‮ ‬ليضم أكثر من ضريح،‮ ‬أولها بالطبع ضريح البدوي،‮ ‬وثانيها ضريح تلميذه وخليفته الشيخ عبد العال الذي أقام إلي جوار قبر البدوي زاوية صغيرة عُرفت بالزاوية الأحمدية والتي بقيت علي حالها حتي عصر قايتباي الذي قام بتحويل الزاوية إلي مسجد صغير عام‮ ‬901‮ ‬هـ،‮ ‬وثالثها ضريح الشيخ مجاهد خليفة البدوي أيضاً‮ ‬وشيخ المسجد في عهد علي بك‮. ‬وأقيمت لهذه الأضرحة ثلاث قباب،‮ ‬كانت أكبرها علي ضريح السيد البدوي،‮ ‬الذي أقيم له مقصورة من النحاس نُقش عليها اسمه ونسبه‮. ‬
كما أوقف علي بك الأوقاف للمسجد،‮ ‬للإنفاق عليه،‮ ‬وذلك في فترة انفصال مصر عن الدولة العثمانية،‮ ‬وجعل المستفيد من هذه الأوقاف‮ - ‬كما جاء في كتاب‮ "‬رحلة أولياء الله في مصر المحروسة‮" ‬لــسعيد أبو العينين‮ - ‬هم خلفاء السيد البدوي وخدم ضريحه والقائمين به من العلماء،‮ ‬إلي جانب الفقراء والمساكين والعجزة والأيتام وأرباب الأشاير المنسوبين للطريقة الأحمدية‮.‬
ظل اهتمام الحكام بضريح البدوي ومسجده حتي عهد السادات،‮ ‬الذي شهد آخر مراحل البناء حسب اللوحة الرخامية المُعلقة بداخله،‮ ‬والمكتوب عليها أنه‮ " ‬تنفيذاً‮ ‬لتوجيهات الرئيس محمد أنور السادات وتحت رعاية السيد أحمد القصبي محافظ الغربية تولت شركة المقاولون العرب‮ (‬عثمان أحمد عثمان وشركاه‮) ‬مهمة ترميم وتجديد وتوسعة مسجد العارف بالله سيدي أحمد البدوي‮ ‬2‮ ‬شوال سنة‮ ‬1390‮ ‬هـ‮ - ‬6‮ ‬أكتوبر سنة‮ ‬1975م‮". ‬وفي عام‮ ‬2005‮ ‬تم ترميم المسجد بقيمة‮ ‬17‮ ‬مليون جنيه،‮ ‬دون إحداث أي توسعات،‮ ‬فقط تم عمل أرضية ساحته بالرخام اللامع‮.‬
في هذا العدد نكتب عن ضريح السيد البدوي،‮ ‬وما يمارسه قاصدوه فيه من طقوسٍ،‮ ‬التي تشابهت كثيراً‮ ‬مع الطقوس التي تحدث عند الكعبة‮.‬