رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

في دراسة أكاديمية‮:‬ أثر الفكر الإسلامي علي فلاسفة عصر التنوير‮ "‬ليسنج‮" ‬نموذجاً


مني نور
7/1/2017 11:20:12 AM

عن‮ "‬التأثيرات الإسلامية في فكر الإصلاح الديني،‮ ‬وفي عصر التنوير من خلال بعض أعمال ليسنج الأدبية‮" ‬حصل الباحث محمد عبدالصمد محمود،‮ ‬علي درجة الدكتوراة بمرتبة الشرف الأولي،‮ ‬في قسم اللغة الألمانية بكلية اللغات والترجمة جامعة الأزهر‮.‬
تناولت الرسالة علاقة الإسلام بعصر الإصلاح الديني الأوروبي،‮ ‬وعصر التنوير الألماني من زاوية التأثيرات الإسلامية التي أسهمت في نشأتهما‮.‬
فأوضح الباحث أنه دائماً‮ ‬ما‮ ‬يأتي عصر التنوير في سياق كونه حاجزاً‮ ‬ثقافياً‮ ‬وحضارياً‮ ‬بين العالمين الغربي والإسلامي،‮ ‬سواء عند عموم الباحثين الغربيين أو من جانب معظم المفكرين الإسلاميين،‮ ‬مشيراً‮ ‬إلي أن عصر التنوير نشأ لأسباب دينية وسياسية واقتصادية واجتماعية متعلقة بالغرب،‮ ‬لذا‮ ‬يراه الغربيون أنه تجربة‮ ‬غربية خالصة كان لأوروبا السبق إليها‮.‬
ولفت الباحث إلي أنه بالبحث في علاقة الإسلام بعصر التنوير ليس اجتراراً‮ ‬للماضي،‮ ‬بل هو موضوع‮ ‬ينعكس علي الأوضاع السياسية والاجتماعية الراهنة،‮ ‬وباستدعاء التنوير‮ ‬يترجم الحديث عن جذور أوروبا وتراثها إلي مواقف سياسية متشددة تجاه القضايا التي تخص المسلمين في أوروبا،‮ ‬كمسألة رفض الحجاب في المؤسسات الرسمية،‮ ‬أو التحاق تركيا بالاتحاد الأوروبي‮.‬
وأكد الباحث أنه‮ ‬يهدف من خلال رسالته إلي دراسة العلاقة بين عصر التنوير من جذوره الأولي التي امتدت إلي عصر الإصلاح الديني لمارتن لوثر،‮ ‬طارحاً‮ ‬بعض الأسئلة التي تدور حول‮: ‬هل حقاً‮ ‬يمثل عصر التنوير حاجزاً‮ ‬حضارياً‮ ‬بين العالمين الغربي والإسلامي،‮ ‬وفجوة لا‮ ‬يمكن ردمها كما‮ ‬يدعي الكثير من المفكرين الغربيين والإسلاميين؟ وكيف تناول رواد التنوير وفلاسفته الفكر الإسلامي الديني والفلسفي إبان معركتهم مع اللاهوتيين المسيحيين ومحاولتهم تفكيك الانغلاقات التراثية المسيحية المتراكمة؟ وهل كانت علاقة الإسلام بعصر التنوير علاقة سطحية عابرة،‮ ‬جاءت علي هامش الصراع الفكري بين التنويريين والأصوليين اللاهوتيين،‮ ‬أم‮ ‬يعد التراث الإسلامي أحد روافد عصر التنوير ومكوناً‮ ‬من مكوناته؟
وأخيراً‮ ‬هل كان احتفاء‮ "‬ليسنج‮" ‬بالإسلام حالة استثنائية بين فلاسفة عصر التنوير،‮ ‬أم كان هناك آخرون ضربوا جسوراً‮ ‬أخري إلي العالم الإسلامي‮.‬
أوضح الباحث في عرضه رسالته أنه مما لاشك فيه أن الصورة النمطية المشوهة للإسلام التي رسمتها أوروبا في العصور الوسطي،‮ ‬وزاد من حدتها عصر الإصلاح الديني،‮ ‬كانت حاضرة في عصر التنوير،‮ ‬إلا أن اللافت للنظر وجود علاقة وطيدة بين فلسفة التنوير والإسلام،‮ ‬علاقة تاريخية وفكرية،‮ ‬حيث بدأ الاهتمام الحقيقي بالحضارة الإسلامية من عصر التنوير،‮ ‬وذلك بعد انتهاء حدة المواجهات بين أوروبا والأتراك،‮ ‬وقد امتد تأثير الفلسفة الإسلامية من العصور الوسطي ليصل إلي عصر التنوير في القرنين الـ17،‮ ‬18‭.‬
ويدل علي ذلك الرواية الفلسفية العربية‮ (‬حي بن‮ ‬يقظان‮) ‬للفيلسوف أبوبكر بن طفيل‮ (‬1105‮-‬1185‮)‬،‮ ‬والتي ترجمت في البداية إلي اللاتينية عام‮ ‬1671،‮ ‬وانتشرت بسرعة مدهشة بين فلاسفة التنوير أمثال‮ "‬لايبنتس‮" ‬1646‮-‬1671،‮ ‬سبينوزا‮ ‬1632‮-‬1677،‮ ‬جون لوك‮ ‬1632‮-‬1704،‮ ‬فريدريش نيكولاي‮ ‬1733‮-‬1811،‮ ‬ليسنج‮ ‬1729‮-‬1781،‮ ‬وقد لاقت هذه الرواية إعجاباً‮ ‬كبيراً‮ ‬في أوروبا،‮ ‬وخصوصاً‮ ‬في عصر التنوير‮.‬
كما ذكر الباحث خلال عرضه لدراسته أن التاريخ الإسلامي قدم لفلاسفة عصر التنوير نماذج واقعية في التسامح الديني والتعايش السلمي بين أتباع الأديان السماوية المختلفة‮.‬
مؤكداً‮ ‬أن الكثير من فلاسفة التنوير أكثروا من الإشارة إلي الإسلام باعتباره نموذجاً‮ ‬للدين العقلاني الطبيعي،‮ ‬الخالي من الأسرار أو من المؤسسات الدينية،‮ ‬كما أنه دين‮ ‬يدعو إلي استغلال العقل وحرية الإرادة،‮ ‬وهو أيضاً‮ ‬مدافع عن المساواة والعدالة الاجتماعية،‮ ‬فضلاً‮ ‬عن كونه دينا لا‮ ‬يقيم حجته علي المعجزات المتخبطة للعقل،‮ ‬خصوصاً‮ ‬لدي ليسنج ولايبنيتس ورايماروس‮ ‬1694‮-‬1768‭.‬
كما لفت الباحث إلي أن عصر التنوير مد جسراً‮ ‬قوياً‮ ‬إلي الحضارة الإسلامية عن طريق المستشرق‮ ‬يوهان‮ ‬يعقوب رايسكه‮ (‬1716‮-‬1774‮)‬،‮ ‬الذي واجه علماء اللاهوت ودعا إلي دراسة العربية كعلم مستقل بعيداً‮ ‬عن الدراسات اللاهوتية،‮ ‬حيث رفض أن تبقي الدراسات العربية في خدمة الفيلولوجيا الدينية وتفسير التوراة‮.‬
الرسالة بإشراف د‮. ‬محمد أبوحطب خالد،‮ ‬د‮. ‬يسري أحمد حسن‮ (‬مشرف مشارك‮) ‬كلية اللغات والترجمة،‮ ‬وقام بالمناقشة والتحكيم د‮. ‬ناهد الديب أستاذ اللغة الألمانية بآداب القاهرة،‮ ‬د‮. ‬طه بدري‮ (‬أستاذ الألمانية بكلية اللغات والترجمة‮)‬،‮ ‬وجاءت الرسالة في أربعة فصول‮: ‬تناول الباحث في الفصل الأول منها التأثيرات الإسلامية علي عصر الإصلاح الديني والتي مهدت الطريق أمام ظهور فلسفة التنوير،‮ ‬وقدم من خلاله‮ (‬الباحث‮) ‬نبذة تاريخية مختصرة عن أهم مواضع التقاء الحضارة الإسلامية وتواصلها مع أوروبا من العصور الوسطي وحتي عصر التنوير،‮ ‬والتي كانت في معظمها ناجمة عن الحروب بين العالمين الغربي والإسلامي،‮ ‬كما تناول الصراع الفكري الذي خاضه مارتن لوثر‮ (‬1483‮-‬1546‮) ‬ضد الإسلام ممثلاً‮ ‬في الدولة العثمانية حيث وضع لوثر نفسه في مواجهة عدوين،‮ ‬الأول بابا روما وما‮ ‬يمثله من فساد للكنيسة الكاثوليكية آنذاك،‮ ‬والعدو الثاني هو الأتراك الذين الذين اجتاحوا أوروبا في ذلك الوقت،‮ ‬وهذا ما دفع‮ "‬لوثر‮" ‬للتعرف علي الإسلام عن كثب،‮ ‬من منطلق خوفه علي المسيحية والمسيحيين حتي إنه أوصي بنشر ترجمة للقرآن آنذاك،‮ ‬وضمن الباحث هذا الفصل أيضاً‮ ‬بعض من كتابات لوثر ضد الإسلام‮.‬
وفي نهاية الفصل‮ ‬يستعرض الباحث درجة التحسن النسبي والتدريجي في صورة الإسلام مع بدايات عصر التنوير في أوروبا والاهتمام المتزايد بدراسة التراث الإسلامي كما استعرض أهم المصادر التي استقي منها ليسنج معلوماته عن الإسلام‮.‬
في الفصل الثاني اهتم الباحث بدراسة الأثر البالغ‮ ‬لرواية‮ (‬حي بني‮ ‬يقظان‮) ‬للفيلسوف المسلم أبوبكر ابن طفيل،‮ ‬علي فكر عصر التنوير،‮ ‬كأحد مصادر عصر التنوير الغربي،‮ ‬ناقش فيه الباحث أهم الأفكار التنويرية التقدمية التي وردت في الرواية،‮ ‬وتركت أعظم الأثر في فلاسفة عصر التنوير،‮ ‬مشيراً‮ ‬إلي الإهمال الشديد في دراسة هذه الرواية من قبل الدارسين العرب،‮ ‬كما بحث فيه في ضوء هذه الرواية استخدام ليسنج لمصطلح التنوير،‮ ‬واصفاً‮ ‬به الحضارة الإسلامية،‮ ‬وذلك في دعايته للترجمة التي قام بها لـ"تاريخ العرب إبان حكم الخلفاء‮" ‬عام‮ ‬1753،‮ ‬لـ"آوجيردي مارجنيس‮" (‬1690‮-‬1762‮).‬
وخص الباحث الفصل الثالث لمناقشة الدور الإسلامي في إثراء النقاشات الدينية والحضارية إبان عصر التنوير،‮ ‬حيث قام بمناقشة وعرض تناول بعض فلاسفة التنوير للإسلام في ضوء أعمال ليسنج ومخطوطاته الفلسفية الأدبية الدينية مثل‮ (‬دفاع عن السيد كردانيوس‮) ‬عام‮ ‬1754،‮ ‬أو نشره شذرات من مخطوطة رايماروس‮ (‬1774‮-‬1778‮) ‬كما تناول الباحث بالدراسة محاولة ترجمة بعض أجزاء من القرآن الكريم في صورة شعرية عام‮ ‬1774،‮ ‬قام بها الكاتب الألماني‮ ‬يوهان لودفيج جلايم‮ (‬1719‮-‬1809‮)‬،‮ ‬ومناقشة ترجمة ليسنج لأجزاء من‮ (‬تاريخ العرب إبان حكم الخلفاء‮) ‬لـ"أوجيردي مارجنيس‮".‬
وفي الفصل الرابع والأخير،‮ ‬تناول الباحث الجدل الدائر حول مفهوم التسامح،‮ ‬وإسهامات الإسلام في هذا النقاش،‮ ‬فتم الاحتفاء بشخصية صلاح الدين الأيوبي‮ (‬1137‮-‬1193‮) ‬كرمز للتسامح الديني في عصر التنوير من قبل ڤلوتير،‮ ‬ليسنج،‮ ‬وتم تقديم الدولة الإسلامية في الأندلس،‮ ‬وما أنتجته من تراث فلسفي كنموذج تنويري متقدم،‮ ‬وتم الإشارة إلي التعايش السلمي في الدولة العثمانية بعد أن كانت رمزاً‮ ‬للخطر علي المسيحية في أوروبا إبان عصر الإصلاح الديني،‮ ‬وناقش الباحث في هذا الفصل أيضاً،‮ ‬السجال الدرامي الذي دار بين فولتير وليسنج فيما‮ ‬يتعلق بالإسلام‮.‬
فقد كتب فولتير مسرحيته التراجيدية‮ (‬محمد‮) ‬عام‮ ‬1741،‮ ‬والتي أساء فيها إلي الرسول بهدف توجيه نقد‮ ‬غير مباشر لتصرفات رجال الكنيسة الكاثوليكية،‮ ‬ثم جاء الرد من ليسنج في مسرحيته التراجيدية‮ (‬فاطمة‮) ‬عام‮ ‬1759،‮ ‬حيث عرض فيها الشخصيات الإسلامية بصورة إيجابية ووصف فيها النبي محمد علي لسان البطلة بأنه‮ "‬أفضل رجل‮" ‬وأوضح الباحث‮: ‬أنه مما‮ ‬يحسب لليسنج‮- ‬أيضاً‮- ‬أنه أدخل الإسلام في النقاش حول مفهوم التسامح الديني،‮ ‬وذلك من خلال مقاله‮ "‬اعتراضات فيسوفاتيوس علي التثليث‮" ‬1773،‮ ‬ومن خلال تناوله لقصة القس‮ (‬آدم نويسر‮) ‬1530‮-‬1576،‮ ‬الذي اعتنق الإسلام بسبب اعتراضه علي نبوة المسيح،‮ ‬واصفاً‮ ‬تحوله للإسلام بأنه عمل‮ ‬يتفق مع العقل السليم،‮ ‬وفي مخطوطته الفلسفية الدينية‮ "‬برهاني عن العرب،‮ ‬بأنهم خلفاء نبي الله إبراهيم وليس اليهود‮" ‬1795،‮ ‬انتقد ليسنج ادعاء حجية الدين اعتماداً‮ ‬علي النصوص المقدسة،‮ ‬وأثبت أنه‮ ‬يمكن ادعاء أن العرب هم الخلفاء الحقيقيون لنبي الله إبراهيم،‮ ‬وليس اليهود،‮ ‬وذلك من خلال الكتاب المقدس نفسه،‮ ‬وأشار الباحث في هذا الفصل إلي التأثير الإسلامي علي مسرحية ليسنج الأشهر‮ (‬ناتان الحكيم‮) ‬عام‮ ‬1779‭.‬
وفي النهاية توصل الباحث إلي أن توظيف عصر التنوير واستدعائه من قبل بعض المفكرين والسياسيين الغربيين،‮ ‬كسبب لرفض إدماج المسلمين في أوروبا،‮ ‬هو استدعاء في‮ ‬غير محله،‮ ‬كما أنه‮ ‬يمثل إساءة لعصر التنوير نفسه لعزله عن الفكر الإنساني وإخراجه من دائرة التأثير والتأثر،‮ ‬فعلاقة الإسلام بعصر التنوير لم تكن أبداً‮ ‬علاقة سطحية عابرة،‮ ‬بل ساهم الإسلام بداية في نشأة هذا العصر من خلال السجال الفكري الذي خاضه مع فكر الإصلاح الديني‮.‬
هذا السجال الفكري أدي إلي ظهور اتجاه عقلاني‮ ‬يزاحم الأصولية المسيحية،‮ ‬ويصارعها مما ساهم في النهاية في ظهور عصر التنوير‮.‬
كما توصل الباحث إلي أن التراث الفلسفي أو الحضاري أو التاريخي الإسلامي لم‮ ‬يكن‮ ‬غريباً‮ ‬عن عصر التنوير نفسه،‮ ‬بل تناول العديد من فلاسفة التنوير هذا الفكر،‮ ‬وأبرزوا الجانب العقلاني منه،‮ ‬وأشاروا إلي أن الإسلام دين عقلاني لا‮ ‬يستند في حجتيه علي الأسرار أو الطقوس والشعائر،‮ ‬وتعد الفلسفة الإسلامية أحد روافد عصر التنوير التي أسهمت كثيراً‮ ‬في فكر هذا العصر،‮ ‬بل‮ ‬يعتبر الفيلسوف المسلم أبوبكر ابن طفيل أحد الملهمين لفلاسفة هذا العصر،‮ ‬وتشير بعض الدراسات إلي أن روايته كان لها بالغ‮ ‬الأثر في فكر بعض فلاسفة التنوير أمثال‮: ‬جون لوك‮.‬
إن الموقف الملتبس بالنسبة لصورة الإسلام في عصر التنوير،‮ ‬لم‮ ‬يمنع كثيراً‮ ‬من التنويريين من الاستفادة من الحضارة الإسلامية واستلهام الصورة المشرقة فيها‮.‬
وأثبت الباحث أن رائد عصر التنوير الألماني جوتهولد أفراييم ليسنج كان شغوفاً‮ ‬بالدراسات الإسلامية،‮ ‬وساهم في كثير من أعماله علي دحض الموروثات والافتراءات التي ألحقها كثير من المستشرقين بالإسلام،‮ ‬مشيراً‮ ‬إلي أنه لم‮ ‬يكن ليسنج في علاقته بالإسلام حالة استثنائية بالنسبة لعصر التنوير،‮ ‬بل كان هناك الكثير من رواد فلسفة التنوير ممن تفاعلوا مع التراث الإسلامي مثل رايماروس ورايسكه‮.‬

تعليقات القرّاء