رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

بعد جيل عبد المنعم تليمة‮:‬

من‮ ‬يسد الفجوة النقدية؟‮!‬


إيهاب محمود الحضري
7/1/2017 11:21:26 AM

في كلمته التي ألقاها في حفل تأبين الدكتور الراحل عبد المنعم تليمة بكلية الآداب جامعة القاهرة،‮ ‬والمنشورة في العدد قبل السابق من أخبار الأدب،‮ ‬قال الدكتور سيد البحراوي‮: »‬‬ما‮ ‬يؤلمني ليس رحيل عبد المنعم تليمة وأبناء جيله،‮ ‬ما‮ ‬يؤلمني هو أن الأجيال الجديدة لم تقدم منجز ما لم‮ ‬ينجزوه أو حتي‮ ‬يستكملوه‮».‬
هل هذا قطع من جانب البحراوي بأن كل هذه الأجيال التي تلت جيل عبد المنعم تليمة لم تقدم جديدًا ولم تضف شيئًا،‮ ‬وهل‮ ‬يعني ذلك أننا أمام فجوة زمنية بمعني أنه منذ جيل تليمة لم‮ ‬يخرج علينا جيل حقيقي من النقاد ليقدم لنا أطروحاته ورؤاه الخاصة؟
يوضح البحراوي‮: «كان عبد المنعم تليمة عالمًا متخصصًا في علم الجمال ولم أجد أحدًا بعده اهتم بذلك المجال وقدم فيه ما‮ ‬يمكن أن نسميه إضافة حقيقية‮ ‬يمكن أن نلتفت إليها،‮ ‬وعلي مستوي النقد التطبيقي أيضًا لا أجد سوي إنجازات تطبيقية محدودة ولا أجد رؤي نظرية متكاملة أو مناهج متبلورة واضحة‮»‬.‬
غالبية النقاد الذين جاءوا بعد تليمة اعتمدوا علي الفتات مما تركه الجيل الذي سبقهم وبعض مما تربوا عليه في مجلة فصول ولا أحد قدم اجتهادًا متميزًا خاصًا في مجال النقد الأدبي بشكل عام،‮ ‬في نظر البحراوي‮.‬
يؤكد‮: «النقد التطبيقي موجود أما النقد النظري فلا‮ ‬يوجد فيه إنجاز مهم حتي الآن،‮ ‬وهذه قناعة عندي ولها ما‮ ‬يبررها ولم أقرأ حتي الآن ما‮ ‬يجعلني أبدل تلك النظرة،‮ ‬وأتمني أن‮ ‬يهتم الجيل الجديد بأنواع أخري من النقد بخلاف النقد التطبيقي الذي‮ ‬يمارسه الكثيرون‮»‬.‬
يري الدكتور جابر عصفور،‮ ‬وزير الثقافة الأسبق،‮ ‬أن النقد العربي بوجه عام‮ ‬يواجه أزمة كبيرة تتعلق بالنقد النظري وليس التطبيقي،‮ ‬الذي‮ ‬يصفه عصفور بأنه‮ «سهل‮»‬ ‬نوعًا ما،‮ ‬بخلاف النظري الذي‮ ‬يحتاج من الباحث ثقافة واسعة ورؤي فلسفية خاصة‮.‬
يشرح‮: «اهتم عبد المنعم تليمة وأبناء جيله بالتركيز علي النقد النظري،‮ ‬غير أنه اهتمام لم‮ ‬يتواصل وهذا أمر في‮ ‬غاية الخطورة،‮ ‬لأن النقد الأدبي،‮ ‬في تصوري،‮ ‬يشبه إلي حد كبير،‮ ‬القاطرة،‮ ‬ومن وقت لآخر‮ ‬يجب التوقف وإعادة تقييم الرحلة ومعاينة القاطرة نفسها لمعرفة ما إذا كانت تروسها ما زالت تعمل بنفس الكفاءة أم لا،‮ ‬وهل تسير في الطريق الذي‮ ‬ينتهي بها إلي الهدف الذي تريده أم لا‮»‬.‬
يشك عصفور في وجود إسهامات نقدية لاحقة علي ما قدمه الدكتور عبد المنعم تليمة في مجال النقد النظري‮. ‬يقول‮: «لعل أهم ما ميَّز تليمة وأفرد له مكانًا خاصًا هو اهتمامه بذلك النوع من النقد الذي لا‮ ‬يمكن الاستسهال معه،‮ ‬وأنا أتفق مع ما قاله سيد البحراوي بخصوص أن الأجيال التالية علي عبد المنعم تليمة لم تُضف جديدًا إلي هذا المجال الهام‮»‬.‬
كل جيل له إسهاماته ورؤاه وأطروحاته،‮ ‬التي تستند،‮ ‬بالضرورة،‮ ‬علي ما سبق من كتابات نقدية،‮ ‬ولكن الإسهامات في مجال النقد التطبيقي كثيرة ومتنوعة،‮ ‬أما في ما‮ ‬يخص نقد النقد أو النقد النظري بمعني التأصيل،‮ ‬فإن ذلك‮ ‬يعد أمرًا مستبعدًا في تقدير عصفور‮.‬
يؤكد عصفور علي اعتزازه بما قدم من دراسات وكتابات في مجال النقد عبر مسيرته الطويلة،‮ ‬غير أن إسهاماته في مجال النقد النظري تبقي أعز ما أنجز،‮ ‬وهي الكتابات التي‮ ‬يقول عنها‮: «هي أهم ما قدمت عبر مسيرتي العلمية،‮ ‬وذلك النوع من النقد لا‮ ‬يقدر عليه ناقد عادي،‮ ‬لأن الثقافة العادية والقراءات العابرة‮ ‬غير المتعمقة لا تجدي معه،‮ ‬ولكنها تليق بالنقد التطبيقي‮»‬.‬
يوضح عصفور أن النقد التطبيقي ليس نوعًا سهلًا‮ ‬يمكن لأي أحد أن‮ ‬يمارسه،‮ ‬ولكنه‮ ‬يقصد النقد التطبيقي بمعناه الحقيقي الذي‮ ‬يعتبر بمثابة خلق نص موازٍ‮ ‬للنص الأدبي‮.‬
يتابع‮: «كان أستاذنا شكري عياد‮ ‬يهتم بفكرة التأصيل ويتحدث عنها كثيرًا،‮ ‬وإذا ما بحثنا في الأجيال الجديدة من النقاد فإننا لن نجد من‮ ‬يعمل في ذلك المجال أو حتي‮ ‬يحاول أن‮ ‬يقدم فيه شيئًا‮. ‬المحاولة نفسها والاهتمام بالإنجاز فيها‮ ‬غير موجودة بالأساس‮»‬.‬
يتابع‮: «هذا ليس معناه أننا لا نملك نقادًا جيدين ولهم إسهامات،‮ ‬ولكن ما أقصد هو أن هذه الإسهامات تنحصر في مجال‮ ‬يمكنني أن أصفه بأنه أسهل أنواع النقد الذي لا‮ ‬يؤسس لاتجاه معرفي جديد أو‮ ‬يحاول تطبيق نظرية ما‮»‬.‬
يختتم وزير الثقافة الأسبق‮: «النقد النظري‮ ‬يحتل مكانة هامشية علي مستوي النقد العربي،‮ ‬الذي‮ ‬ينشغل كثيرًا بالنقد التطبيقي وهذه مشكلة كبري وآفة تخص رؤيتنا النقدية كأمة عربية وعلينا الالتفات لها‮»‬.‬
للدكتور محمد عفيفي،‮ ‬أستاذ التاريخ بجامعة القاهرة‮ ‬،‮ ‬وجهة نظر ترفض فكرة القطيعة بين الأجيال،‮ ‬وتري أن التواصل بفعل التاريخ أمر واجب،‮ ‬فلا‮ ‬يمكن لجيل أن‮ ‬يبدأ من نقطة ما دون الاطلاع أولًا علي منجزات الجيل الذي سبقه لاستكمال ما بدأ أو العمل علي إثبات خطأ تصورات آمن بها‮.‬
يشرح عفيفي‮: «هذا جدل مستمر منذ أواخر القرن التاسع عشر،‮ ‬ويتأكد ذلك لدينا عندما نتابع الجرائد والصحف في ذلك الوقت‮. ‬من الناحية التاريخية البحتة فلابد لكل جيل أن‮ ‬يكون قد قدم شيئًا‮»‬.‬
يتابع‮: «أذكر جدلًا دار بين محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس حول تلك المسألة،‮ ‬وقد قدم الاثنان الكثير وأضافا إلي النقد بقدر معقول جدًا،‮ ‬وهم مع تلك الإضافة قد استندا علي ما أنجز السابقون،‮ ‬ولذلك لا أنحاز إلي فكرة أن‮ ‬يقف الإبداع أو‮ ‬يتوقف الجهد البحثي في مجال ما عند جيل معين‮»‬.‬
يوضح عفيفي أنه عندما‮ ‬يتشكل جيل جديد في أي مجال،‮ ‬فإن مراحل هذا التشكل لا‮ ‬يمر بها ولا‮ ‬يراها الجيل السابق عليه ثم‮ ‬يتفاجيء القديم بالجديد دون مقدمات فيذهب للتقليل مثلًا من منجزه،‮ ‬وهي فكرة تشبه كثيرًا نظرة الآباء للأبناء حيث‮ ‬يظل الأب متمسكًا بنظرته لابنه علي أنه صغير ومهما تقدم في العمر لا تتغير النظرة إليه،‮ ‬رغم أن هذا الصغير قد كبر وصارت له رؤاه وأفكاره الخاصة التي تطورت مع الزمن‮.‬
من وجهة النظر التاريخية فإن الجديد‮ ‬يحمل دائًما في داخله بعضًا من القديم بالضرورة،‮ ‬علي الرغم منه ودون أن‮ ‬يدري،‮ ‬وفي مجال النقد ومع اختلاف فروعه الكثيرة،‮ ‬يري عفيفي أن كل جيل‮ ‬يقدم أو‮ ‬يحاول تقديم ما‮ ‬يثبت تفرده وانفصاله واستقلاله عن السابق،‮ ‬ولكن بعد مرور فترة زمنية وعندما‮ ‬يجلس ليري أو‮ ‬يعيد النظر لما حدث‮ ‬يتأكد لديه أنه ضحية تأثر واضح بما سبق،‮ ‬ولعل بدون هذه الأفكار السابقة لم‮ ‬يكن للجديد أن‮ ‬ينجز شيئًا مما أنجزه‮.‬
يتصور الدكتور حسين حمودة أن النقاد الجدد،‮ ‬إن صح التعبير،‮ ‬يواجهون مشكلة كما‮ ‬يواجه النقاد السابقون عليهم المشكلة نفسها‮.‬
يشرح‮: «هذه المشكلة التي‮ ‬يواجهها النقاد من أعمار مختلفة هي مشكلة عابرة للسن‮. ‬ونحن نعرف عما‮ ‬يقول عنه الكثيرون‮: ‬أزمة النقد أو موت النقد أو المسافة الكبيرة بين الأدب والنقد‮. ‬هذه الأزمة تتصل بأسباب كثيرة جدًا منها عدم إمكانية وجود ناقد متفرغ،‮ ‬ومنها‮ ‬غياب المنابر النقدية الجماهيرية،‮ ‬ومنها عزلة النقد الأكاديمي،‮ ‬ومنها عدم وجود الناقد الجسر الذي‮ ‬يصل بين القراء العاديين والعمل الأدبي‮»‬.‬
هذه الملاحظات كلها لا‮ ‬يواجهها النقاد الجدد فقط وإنما‮ ‬يواجهها كل النقاد من الأجيال المختلفة،‮ ‬في نظر حمودة الذي‮ ‬يتابع‮: «النقاد الجدد‮ ‬يحاولون أن‮ ‬يقدموا تجاربهم،‮ ‬وأن‮ ‬يبحثوا عن أصواتهم،‮ ‬لكن تحت الشروط التي‮ ‬يتحرك النقد مقيدًا بها وهي شروط لا تتجاوز هؤلاء النقاد الجدد فقط إلي‮ ‬غيرهم،‮ ‬بل ربما تسري علي مجتمع بأكمله تكاد تغيب عنه الروح النقدية بوجه عام‮»‬.‬
يري حمودة أن الأجيال الجديدة تحاول أن تضيف شيئًا وبالضرورة سيحدث ذلك،‮ ‬ولكن لكل جيل أفكاره وأدواته التي قد تساعده علي إنجاز الكثير وقد تمثل عليه عبئًا لا‮ ‬يستطيع تجاوزه أو تخطيه،‮ ‬ولكن تبقي الجهود مطلوبة والبحث المستمر لا‮ ‬يتوقف،‮ ‬أما مسألة أن‮ ‬يتم فصل الأجيال فهو أمر صعب نوعًا ما وهذا أمر موجود في كافة المجالات وليست منحصرة فقط‮ ‬في مجال النقد أو الأدب‮.‬

تعليقات القرّاء