رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

»مكافحة الإرهاب« المثقفون يتفقون علي المبدأ.. ويختلفون حول القانون

المؤيدون: يواجه مشعلي الحرائق.. والرافضون: بعض نصوصه تطفيء الأفكار!


عائشة المراغي
7/8/2017 10:13:41 AM

«لا تعني عبارة لا للعنف تجنب العنف الجسدي الخارجي فحسب، وإنما العنف الروحي أيضا». مارتن لوثر كنغ
تتعدد صور عنف الروح، لكن تبقي الكراهية أقواها وأشدها تأثيرا. معها لا يمكن التقدم أو البناء. تظل تنهش في الجذور إلي أن يتهدم المعبد يوما ما. وغالبا ما تتطور إلي ارتكاب العنف الجسدي. وربما ذلك ما جعل الكثير من البلدان تلجأ إلي سن قوانين تناهض الكراهية ومن يحضون عليها، في مقدمتها فرنسا، وكندا، وأستراليا، والمملكة المتحدة، وبولندا، وأحدثها ألمانيا. إِلا أن هذه القوانين يتفاوت تطبيقها من بلد لآخر، وتعتمد في المقام الأول علي رؤية القضاة، فمعظم المتهمين في فرنسا ينالون البراءة عند محاكمتهم بمواد هذا القانون، بينما ينالون أقصي عقوبة في بولندا. وقد وصفت العديد من الدراسات البحثية ذلك بأنه «فراغ تنفيذي»، حيث تحتاج هذه النصوص إلي آليات واضحة وقاطعة لتحديد حجم الجُرم والعقوبة التي يستحقها من ارتكبه بدقة متناهية.
في مصر؛ وُضعَت العديد من المواد القانونية عقب وقوع حوادث محددة، كان الهدف منها منع تكرار ذلك، لكنها تحولت مع الوقت ـ بفضل هذا الفراغ التنفيذي-  لأداة تقييد للحريات، يُلاحَق بها كل صاحب فكر مختلف. ولعل هذا ما أوجد حالة من الخوف انتابت بعض أبناء الوسطين الثقافي والإعلامي، بعد إعلان الأزهر الشريف عن مقترح مشروع قانون «مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين» أعدوه وتقدموا به لرئاسة الجمهورية، ليأخذ مساره إلي البرلمان للتصويت عليه. نضعه بين أيديكم، ونرصد ردود الأفعال تجاهه، التي جاءت متباينة ما بين القبول والدعم من ناحية، والرفض القاطع من ناحية أخري، وفيما بينهما رأي جاء محايدا؛ لا يرفضه مطلقا، ولا يقبله بحالته الراهنة.



مقترح مشروع قانون مكافحة الكراهية والعنف باسم الدين

الفصل الأول «أحكام عامة»
مادة 1
في تطبيق هذا القانون يقصد بالكلمات والعبارات التالية المعاني المبينة قرين كل منها:
- الدولة: جمهورية مصر العربية.
- المجتـمع: المجتْـمع المصري.
- الأديان: اليهودية والمسيحية والإسلام.
- الكتب السماوية: التوراة والإنجيل والقرآن.
- دور العبادة: المساجد والكنائس والأديرة والمعابد والأماكن المرخصة للعبادة.
- خطاب الكراهية: كل قول أو سلوك أو فعل علني يحرض علي العنف أو يدفع إلي إثارة الفتنة المجتـمعية.
- التـمييز: كل تفرقة أو استثناء بين الأفراد أو الجماعات علي أساس الدين أو العقيدة أو المذهب أو الطائفة أو الملة أو العرق أو اللون.
- وسائل العلانية والنشر: هي الوسائل المحددة بنص المادة 171 من قانون العقوبات المصري.
- المؤسسات التعليـمية: هي الكيانات المعنية بالتعليم أيا كان نوعها أو طبيعتها.
مادة 2
يهدف هذا القانون إلي تحقيق الأغراض الآتية:
1- الحفاظ علي نسيج المجتـمع وروابطه وقيم الإخاء والتسامح والتعايش بين أصحاب الديانات المختلفة في الدولة.
2- إعلاء مبادئ المواطنة والمساواة أمام القانون وحرية العقيدة وحسن النية وقبول الآخر.
3- منع التطاول علي الذات الإلهية والأنبياء والرسل أو الكتب السماوية تصريحا أو تعريضا أو مساسا أو سخرية.
4- احترام الاختلاف بين العقائد واحترام المؤمنين بها، وعدم جواز اتخاذها مادة للتـمييز أو الإساءة أو السخرية.
5- وقاية المجتـمع من محاولات غرس مفاهيم مغلوطة قد تباعد بين أفراده، وتمس حقائق دينهم بما يثير الكراهية
مادة 3
لا يخل هذا القانون بحقيقة اختلاف العقائد أو
تعارضها أو حرية البحث العلمي فيها، أو حرية البحث العلمي في الأديان.
مادة 4
لا يجوز الاحتجاج بحرية الرأي والتعبير أو النقد أو حرية الإعلام أو النشر أو الإبداع للإتيان بأي قول أو عمل ينطوي علي ما يخالف أحكام هذا القانون.
مادة 5
تسري أحكام هذا القانون علي كل شخص يرتكب خارج إقليم الدولة فعلًا يجعله فاعلًا أو شريكا في الجريمة إذا وقع الفعل كله أو بعضه أو أنتج أثره في إقليم الدولة.
الفصل الثاني »‬التجريم»
مادة 6
لا يجوز طرح المسائل العقائدية محل الخلاف أو التعارض للنقاش العلني في وسائل الإعلام علي نحو يدفع المؤمنين بها للتصادم أو العنف.
مادة 7
يحظر بأي وسيلة من وسائل العلانية والنشر المساس بالذات الإلهية أو الأنبياء أو الرسل، أو التحريض علي ذلك.
كما يحظر امتهان الأديان أو التعدي علي أي من الكتب السماوية بالتغيير أو الإتلاف أو التدنيس.

مادة 8
يحظر نشر أو تكرار نشر أخبار أو صور أو حوارات أو أي مواد إعلامية، سواء كانت مرئية أو مقروءة أو مسموعة إذا كان نشرها يؤدي إلي الحض علي الكراهية أو زيادتها أو تأكيدها أو تعميقها.
مادة 9
يحظر ممارسة أي فعل أو سلوك من شأنه التمييز بين أفراد المجتـمع ونشر الأفكار الداعية إلي ذلك.
مادة 10
تلتزم جميع المؤسسات التعليـمية بنشر ثقافة التسامح والإخاء واحترام عقيدة الآخر والمواطنة وآداب الاختلاف ونبذ الكراهية والعنف والتعصب والتـمييز علي أساس الدين، كما تلتزم المؤسسات الإعلامية بصون ما تقدم وعدم الخروج عليه، ويعتبر الالتزام الوارد بالفقرة السابقة جزءاً لا يتجزأ من ترخيص ممارسة النشاط لهذه المؤسسات.
الفصل الثالث »‬العقوبات»
مادة 11
مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها أي قانون آخر، تطبق العقوبات المنصوص عليها في هذا القانون علي الجرائم الواردة به.
مادة 12
 يعاقب بـــ:        كل من يخالف الحظر الوارد بالمادة السادسة والثامنة من هذا القانون.
مادة 13
 يعاقب بـــ:        كل من يخالف الحظر الوارد بالفقرة الأولي من المادة السابعة من هذا القانون.
  يعاقب بـــ:        ـكل من يخالف الحظر الوارد بالفقرة الثانية من المادة السابعة من هذا القانون.
مادة 14
 يعاقب بـــ:        كل من يخالف الحظر الوارد بالمادة التاسعة من هذا القانون.
مادة 15
يلغي الترخيص الممنوح للمؤسسات التعليـمية والإعلامية حال مخالفتها الالتزامات الواردة بنص المادة العاشرة من هذا القانون.
مادة 16
مع عدم الإخلال بالمسؤولية الجنائية إذا ارتكب موظف عام أيا من الأفعال المحظورة الواردة بهذا القانون، يجب علي السلطة المختصة وقفه عن العمل للمصلحة العامة لمدة 3 أشهر أو لحين الفصل في مسؤوليته التأديبية.



درويش:  إعادة صياغة مواده ضرورية .. كي لايستخدم في تكميم الأفواه

يقف الشاعر د.أحمد درويش، الأستاذ بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة؛ في منطقة وسطي بين التأييد والرفض، فهو يؤكد علي أهمية أهدافه، ويرد علي مخاوف البعض من مواد جاءت به، لكنه يرفض تماما مادتين منهم هما السابعة والثامنة،ويقول: «المشروع فكرة جيدة؛ تهدف لمحاربة الكراهية والتقليل من دواعتها والجدل غير المفيد، وواضح أن الميدان الأول له هو ما يمكن أن يدور بين الطوائف والعقائد المختلفة من تناحر وتنابذ وإثارة وخلافات، وهذا شيء جيد نحن بحاجة إليه، خاصة علي مستوي المؤسسات الإعلامية، التي منها المعتدل ومنها المتطرف، في الجانبين الإسلامي والمسيحي. فهناك قنوات بث مسموع أو مرئي تقف مع طائفة وتحرض علي طائفة أخري وتسخر من معتقداتها، وهذا لا يليق ببلد متحضر مثل مصر، في هذا الإطار ينبغي النظر بحرص لتنقية البرامج الدينية علي الجانب الإسلامي والنظر إلي قنوات البث التليفزيونية المسيحية المنتشرة، ولابد أن يؤخذ الأمر دون حساسية».
انتقل درويش بالحديث إلي الأجزاء الخاصة بالمؤسسات التعليـمية؛ واسترسل موضحا: «القانون أوجد استثناء للتخصص وجعل لأهل كل عقيدة فرصة الدراسات المتخصصة المتصلة بهم، ومن هنا فلا أتصور أن تقبل كليات اللاهوت دارسين من غير المسيحيين، ولا كليات الأزهر الدينية دارسين من غير المسلمين، والذين يزايدون ويثيرون جدلا في هذا الإطار يثيرون من البلبلة أكثر مما يثيرون من الفائدة. أما المؤسسات التعليـمية المدنية؛ فبعضها يخضع لإشراف ديني، والظاهرة الجديرة بالاهتـمام أن المدارس المدنية التي تخضع لرقابة الكنيسة ذات مستوي تعليـمي متقدم ويقبل عليها كثير من التلاميذ، وهي تؤدي خدمات تعليـمية جليلة، لا شك في ذلك، وخدمات خلقية أيضا. لكن بعض ظواهر التـمييز الديني لاتزال موجودة حتي هذه اللحظة في هذا النوع من المدارس، ينبغي أن نسارع إلي معالجتها. فأنا أتفهم أن تُخصَص محاضرات للتلاميذ في كل ديانة للتعمق فيها، لكن يجب انتقاء المبادئ التي لا تحرض علي الآخر ولا تبث الكراهية ضده ولا التفرقة بينه وبين غيره، والمجالات واسعة جدا في الكتب الدينية لانتقاء العناصر الملائمة لهذا النوع واستبعاد بعض العناصر الأخري الصغيرة والتي قد تكون رأي قلة».
يستعرض درويش بعضا من النقاط التي تثير قلقه في القانون قائلا: «في بنود القانون خوف من أن يختلط احترام الرأي بتقييد حرية الفكر، وأنا أشير علي نحو خاص إلي البند الثامن في الأهداف الذي يتحدث عن أدعياء العلم، فهو اتهام يمكن أن يلصق بكل من يقدم رأيا معارضا لبعض الفقهاء مثلا، فيقال أنه من الأدعياء. أفهم أن يتم النص علي المتخصصين أو المتأهبين بحججهم أو المستعدين للنقاش أو الذين يأخذون الأمر مأخذ الجد، ولكن لا أفهم أن تطلق كلمة الأدعياء لكي يحارب بها من لا نرتاح إلي قوله. فكما حرص القانون علي أن يستبعد من آراء القدماء ما هو موجود ويثير الكراهية أحيانا، فإنه ينبغي أن يحرص علي استبعاد ما يثير جمود الفكر وعدم التجديد في الأشياء غير الجوهرية، والذين وضعوا القانون يعلمون أن علماء الأصول في الشريعة الإسلامية كانوا يقولون أن القرآن نفسه قطعي النص وغني الدلالة، فينبغي ألا يحارب كل رأي تجديدي يناقش آراء الفقهاء القدماء أو أعلام الحديث أو غيرهم مناقشة علمية، ولا ينبغي أن يوصم بأنه من الأدعياء  ويحجر الباب أمامه، بل ينبغي أن تقرع الحجة بالحجة وأن نتعلم كيف ننقي التراث مع المحافظة علي جوهره، وكيف نسمح بمزيد من حرية التفكير لا حرية الترديد والحفظ دون النظر لملائمة العصر الذي نعيش فيه».
ويستكمل درويش: «أخاف أيضا في المادة السابعة أن تمتد ظلال عدم المساس بكثير جدا من أجزاء تاريخنا، نحن جميعا نتفق علي عدم المساس بالذات الإلهية وبالأنبياء وبتاريخهم وبما يتصل بهم، لكن لا ينبغي أن نحرم النقاش علي الأجيال التالية كذلك، لأن تحريم دائرة النقاش ونقد التاريخ إذا امتد من جيل لآخر، فستـمتد القداسة ويمتد معها الجمود ونُحرم من الكثير من ألوان التفكير. لتكن الفكرة الرئيسية هي احترام الأسس والمقدسات الحقيقية، وليكن النقد قائما علي أسس علمية ولغوية وموضوعية، وقابلا لسماع الرأي الآخر، فليفتح الباب ما دمنا قد أزحنا حاجز الكراهية وحاجز ما يؤلم الغير أو ما يؤذي شعورهم».
ويختتم درويش مؤكدا: «ينبغي أن يُمنع أي عمل يحرض علي الكراهية مسموعا أو مرئيا أو مقروءا، ولا يسمي حرية بأي حال من الأحوال، فأي عمل يسخر من الرموز الدينية المقدسة للآخر أو للتراث يجب منعه. ليست هذه هي الحرية في مجتـمع يريد أن يقوم علي أسس وطنية ويبني نفسه، فمصر هي الدولة الوحيدة التي لم تتعصب لمذهب فقهي معين، لا نريد الإساءة بمثل هذه الأمور للآخرين ولا التعصب بحجة حرية الرأي. لكن ربما مواد القانون تحتاج لإعادة صياغة دقيقة حتي لا تكون حجة عند التنفيذ لكتم الأفواه وتقييد الحريات، وبما أن العقوبات لم تحدد، فأري أنها ينبغي أن نستبعد منها العقوبات الحسية كالسجن، وأن تكون معنوية وتدرجية في البداية، ويكون للرأي المخالف رأي آخر يرد عليه».



بدران: أدعو إلي استثناء الإبداع من هذا القانون

يدعم د.أبو الفضل بدران، الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلي للثقافة ونائب رئيس جامعة جنوب الوادي؛ القانون، مؤكدا أهميته البالغة، وضرورة تعليـمه للأطفال في المدارس والجامعات ودور العبادة، موضحا أن الأمر نجح في بعض الدول التي وضعت قوانين ضد التـمييز والكراهية واحتقار الآخر، فقد أقرت ألمانيا وبعض البلدان الأوروبية قوانين ضد كراهية اليهود مثلا، وأصبح من يشكك في عدد ضحايا الهولوكوست حبس بموجب هذه القوانين رغم أنها دول تُعلي قيـمة حرية الفرد. أما في مصر؛ فقد تُرك ذلك ــــ بكل أسف ــــ للأخلاق الشخصية، والتي لا تكُفي وحدها. يضيف: «لابد من وضع قوانين، فالأديان نفسها جاءت بمثابة قوانين لتنظيم العلاقات بين الناس ونشر التسامح والمودة، لكن الناس دائما تخالفها، لذلك من الضروري وجود تشريع يضمن العقاب الدنيوي، حتي لا تترك الأمور إلي الأمزجة والتربية، فهي غير كافية لرد من يثيرون الفتن والكراهية بين الناس، ومن ثم فأنا مع القانون تماما؛ بل كنت أطالب به من قبل. حيث أن القانون الحالي غير محدد الجُرم، مما يجعل المجرمين يفلتون من العقاب، ممن يقومون بأفعال ضد بعض الشخوص أو العرقيات أو الأديان، وتتكرر الحوادث. يساعد علي ذلك أيضا؛ مجالس الصلح، التي رغم أهميتها وقت الأزمة، لكنها تساعد الجاني عند انعقادها وإنهاء الخلاف، فالاعتذار ليس كافيا».
ويستطرد بدران: «أنا مع حرية الإعلام وضد الرقابة، لكن بما لا يمس الوحدة الوطنية لهذا الشعب أو نسيجه الاجتـماعي. فأنا ضد أي شخص يتسبب في إشعال نار فتنة طائفية أو نعرات قومية، وأتذكر في ذلك صورة نُشرت بإحدي الصحف تسببت في وقوع 14 قتيلا». ويضيف: «يجب أن نعترف أننا نعاني من عدم احترام بعض فئات الشعب لبعضها الآخر وآرائها، لذا كان لابد للمشرع وضع قانون ليحد من هذه الكراهية. فالبعض إذا ما تكلموا يقولون أنهم يحترمون الرأي الآخر، لكنهم بكل أسف عندما يطبقون هذا الاحترام النتيجة تكون صفر، والأمثلة كثيرة. نحن في حاجة إلي تعظيم احترام الرأي والرأي الآخر.. (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين).. هذا الاختلاف نحن لا نطبقه في المدرسة ولا البيت ولا الجامعة ولا المؤسسات ولا الوزارات ولا أي شيء. المختلف دائما هو الضد من وجهة نظر المجتـمع العربي. كل شخص يعتبر أن رأيه هو الصحيح والحقيقة هي ما يراها، وهذا خطأ في التربية والمدارس والمناهج. لهذا أدعو إلي أن يكون هذا القانون مقررا علي المدارس والجامعات حتي يعرف أبناؤنا وشبابنا مدي الجُرم الذي من الممكن أن يقع فيه والخطأ الذي من الممكن أن يقترفوه إذا لم يحترموا الآخر أو حريته وعقيدته. بالإضافة إلي وعي ثقافي يبدأ من البيت والمدرسة والحضانة والجامعة والأندية ومراكز الشباب والجمعيات الأهلية والمجتـمع المدني بشكل عام، حتي يكون هناك نوع من الصدق في التعامل مع الآخر».
لكنه يطالب باستثناء الكتابات الإبداعية، موضحا: «القانون (لا يخل بحرية البحث العلمي في الأديان)، لكني أناشد المشّرع أن يراعي خصوصية الإبداع، لأن المبدع لا ينبغي أن يُحَدّ؛ وحرية الإبداع من الصعب ــــ إن لم يكن من المستحيل ــــ تقييدها، لذا فإن المادة التي أدخلت الإبداع أرجو تغييرها وجعل الإبداع غير مُدرج في هذا القانون، لأن الإبداع لا يُمس ولا يُنقد إلا من خلال النقاد الأدبيين وليس من أية جهة أخري لا تعرف خوافي الإبداع ورسالته السامية. بمعني واضح أرجو استثناء الإبداع الأدبي من هذا القانون وعقوباته».



حمودة: أتصور أن روح المشروع لا تستهدف تقييد الحريات
يصف د.حسين حمودة، أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة؛ المشروع بالممتاز، موضحا: «ينطلق من قيم ومبادئ أساسية يجب أن يؤمن بها الجميع، وأن يراعوها في تعاملاتهم وسلوكياتهم، كما أنه يدفع إلي تبني «قيم المساواة والتسامح والمودة والتعايش والاحترام والسلام الاجتـماعي»، كما تقول بعض عباراته. وهو يؤكد معاني العدل والتعامل المتكافئ بين أبناء الديانات المختلفة. والمواد التي يتضمنها هذا المشروع تستطيع أن تحقق الكثير من هذه القيم والمبادئ. وأتصور أنه يمكن أن يتحول من كونه مشروعا إلي أن يكون جزءا من القانون الذي يجب الالتزام به. كما أنه يحتاج، بالإضافة لتحويله إلي قانون ملزم، إلي أن يتم بث ونشر قيـمه ومبادئه الأساسية علي نطاق واسع، بمعني ضرورة العمل من أجل إشاعة هذه المبادئ والقيم في مناهج التعليم المختلفة، وفي أجهزة الإعلام المتنوعة، وعلي المنابر الدينية كلها. أي يجب أن يتحول هذا المشروع إلي مكون أساسي من مكونات الثقافة المصرية، وهو في هذه الناحية سوف يلقي تجاوبا مع روح التسامح التي كانت ولا تزال، رغم كل شيء، جزءا من التكوين المصري عبر التاريخ».
يتابع حمودة: «هناك عبارات في هذا المشروع، كما هو الحال في أية عبارات قانونية، يمكن تأويلها بشكل سيء أو بشكل مخالف لما تتبناه. لكن هذا الأمر يتصل دائما، كما هو الحال في كل قانون، بالبحث عن روح القانون وليس عن نصه. أتصور أن الروح الكامنة وراء هذا المشروع لا تهدف إلي تقييد الحريات بقدر ما تهدف إلي محاولة التعايش بعيدا عن روح الكراهية التي يحاول البعض منذ سنوات نشرها وإشاعتها في هذا المجتـمع».



عيسي: مادته الرابعة مخالفة للدستور

في المقابل يرصد الكاتب الصحفي صلاح عيسي، رئيس مجلس إدارة جريدة القاهرة؛ بعض الملاحظات حول المشروع، مؤكدا أنه يحتاج لمناقشة دقيقة يتم في جوهرها مراجعة كل المواد القانونية المرتبطة بهذا الجانب في قانون العقوبات حتي لا تكون مواده مكررة، فلا يجوز أن يأتي هذا القانون منفصلا عن هذه الكوكبة من المواد القانونية، ويضيف: «المشروع لم يحدد نوع العقوبات التي سيفرضها هذا القانون، لكن بشكل عام؛ كل العقوبات المتعلقة بالأديان أو الحض علي الكراهية وغيرها من قوانين النشر، الدستور صريح فيها، حيث يؤكد أن جرائم النشر ليس بها عقوبة سالبة للحرية، وبالتالي العقوبة الواردة بالنسبة للأفعال التي يشير إليها مشروع القانون هي الغرامة».
اقترح عيسي منذ أسابيع في مقال له إضافة مادة قانونية تمنع المقارنة أو المناظرة بين الأديان في وسائل الإعلام العامة، موضحا أن هذه القضايا لا يجوز مناقشتها في محافل يحضرها العوام لحساسيتها، كالمقارنة بين المسيحية والإسلام أو الإسلام واليهودية وهكذا، لأن العقول تكون غير قادرة لتحمل تلك المناقشة لذا أفضل أن تكون بين المتخصصين. أما ما هو أكثر من ذلك فيعتبرا نوعا من التشدد، يقول: «كان لابد أن تكون بوصلة أساسية لهم أثناء وضع المقترح؛ مسألة تفسير المحكمة الدستورية للمادة رقم 2 بأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، حيث أوضحوا أن المقصود بالشريعة الإسلامية هي الأحكام قطعية الثبوت والدلالة التي لا يجوز الاجتهاد فيها. أما ما غير من ذلك من أحكام فيجوز فيها الاجتهاد. لكنهم للأسف يتجهون للتشديد، وبهذا الشكل هم لا يستهدفون منع الكراهية، وإنما يسعون إلي التكريس للخطاب الديني الحالي، وجاء هذا المقترح كرد فعل علي مشروع القانون الذي قدمه حامد أبو أحمد بنفس العنوان».
ويختتم عيسي مشددا علي أن المادة الرابعة في القانون مخالفة للدستور، وبقية المواد تحتاج ضبط في الصياغة، فلا يمكن المنع المطلق. كما يجب توضيح المقصود بالمسائل العقائدية محل الخلاف، لأن هناك خلافات بين الفقهاء داخل الدين الواحد وهذا ليس محظورا النقاش فيه.




الكفراوي: مواجهة فوضي الإعلام بالثقافة .. وليس القمع
دفع مقترح هذا المشروع القاص سعيد الكفراوي إلي تأمل ما يحدث علي أرض الوطن من تدخل جهات، سواء بإدعاءات دينية أو إدعاءات مدنية، لفرض ما تراه وما يجوز وما لا يجوز، فقال: «أعتقد أن كل هذا التدخل سببه غياب ثقافة حقيقية، ثقافة تمارس العقل وتكون ضد الإتباع الفكري. ففي النهاية؛ هذه المقترحات تدفع قيم المجتـمع ومؤسساته إلي خلق أشكال من القمع ويأتي بالأزمات التي تعيشها مصر، ومثل هذه المواقف تكون ضد التنوع والاختلاف وخلق رؤي جديدة. والواقع أن الأزهر عبر تاريخه يعطي نفسه حق امتلاك الحقيقة، التي تواجه في أحيان كثيرة ممارسة حرية الرأي، المكبلة أصلا في المجتـمع، بسلطة الدولة والقيم القديمة والثابت من التراث وغياب العقل. علي الأزهر أن يهتم بالحفاظ علي قيم تدفع الناس إلي حياة كريمة تقوم علي حرية التعبير والرأي، ولا يتدخل في القيم المدنية التي كفلت لمصر في فترة من فترات حياتها خلق مساحة من حرية القول والفعل».
لكن رأيه لا يعني أنه يتفق مع الممارسات الإعلامية الراهنة، فيقول: «يعاني الإعلام في مصر الآن من فوضي عارمة والاهتـمام بما هو هابط وإنتاجه وتقديمه، فوضي في البرامج المغيبة للوعي، ومقدمي البرامج الذين ليسوا علي مستوي الإرشاد والتوجيه وعرض القضايا، المسلسلات والبرامج التافهة، كل ذلك لا يمثل ما هو إيجابي في ممارسة الإعلام وخلق علاقة جيدة مع الناس، علي العكس. وهذا ينطبق علي إعلام الدولة وإعلام القطاع الخاص، سواء تليفزيون أو إذاعة. ففي ظل غياب القيم الحافظة والمهمة عبر أجهزة الدولة الثقافية؛ لابد لأجهزة الإعلام من تقديم خدمة جيدة من شأنها خلق مناخ يحترم العقل ووعي الناس وحرياتهم ودور المرأة وقيـمتها وسيادة القوانين. مع الاستفادة من خطاب ثقافي منفتح يتجاور ويتفاعل مع ثقافات الآخرين المستنيرة، ويواجه كل أشكال القمع التي تمنع الناس من ممارسة الحرية. فاستدعاء تلك القيم المحترمة يخلق ثقافة جادة».

  دسوقي: يتضمن نصا لا يصح وجوده في أي قانون
يحاول د.عاصم دسوقي، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة حلوان؛ توضيح مقصد المقترح الذي لم يُذكَر، فيقول: «يهدف القانون إلي منع الحديث في الشئون الدينية لغير المتخصصين، لكنه لم يذكر ذلك. لأن المشكلة تبدأ من التفسير، فالنصوص الدينية واحدة، ولكن لدينا مدرستين في التفسير؛ إحداهما تقرأ النص خارج سياقه في التاريخ وتحكم به علي أحداث معاصرة لم تكن قائمة وقت نزول الآية أو قول الحديث، اعتمادا علي القياس، ومن هنا يتم تحريم أشياء كثيرة. والمدرسة الأخري تحاول أن تقرأ النصوص في سياقها التاريخي فقط، وهؤلاء يجدون معارضة من المؤسسة الدينية. لذلك أتي هذا القانون ليمنعهم».
يستكمل دسوقي مقترحا: «في رأيي، إذا أرادوا الاحتفاظ بالتفسير القرآني بعيدا عن المهاترات وعمن لا يفقهون في الدين شيئا؛ فليمنعوا الأحاديث الدينية في الإعلام تماما، ويصبح الدرس الديني في مقره بالمسجد، والذي يريد التزود يذهب إليه، مع فرض رقابة علي ذلك. فليبقي الدين في مؤسساته، لمنع خلط المدني بالديني». ويستطرد: «اللافت في القانون أنه لا يكتفي بمراقبة الذي يحدث في مصر، وإنما المادة الخامسة تلاحق من هم في الخارج، ولم يتم تحديد جنسيتهم، أي تشمل غير المصريين. هذا من الخيال، ومادة لا يصح وجودها في أي قانون».



  النقاش: محاولة للهروب من تجديد الخطاب الديني

تري الكاتبة الصحفية فريدة النقاش أن هذا المشروع ما هو إلا محاولة للهروب من المهمة الرئيسية التي كلف بها الرئيس السيسي الأزهر، المتمثلة في تجديد الخطاب الديني، موضحة: «هذه مهمة كبيرة وخطيرة وأكثر إلحاحا، وذات تأثير كبير جدا في العلاقات الاجتماعية والسياسة وفي وجود الأحزاب الدينية.....إلخ. لا يصح تجاهل هذه المهمة والتقدم بقانون لتجريم الكراهية. أنا لست ضد القانون من حيث المبدأ؛ لكن ذلك من المفترض أن يكون قيمة شائعة في المجتمع بدون قانون، عن طريق الثقافة والحريات الديمقراطية واحترام الآراء المختلفة. فنحن نحتاج ثورة ثقافية وثورة لتجديد الفكر الديني، وليس لتجريم الكراهية، إلا لو كان ذلك ضروريا. لكن الأزهر يعطي لنفسه حقوقا ليست له بحكم الدستور وخاصة في مجال تقييد حرية الرأي باسم الحفاظ علي الدين».


  عبلة: الأزهر يغلق الباب في وجه دعاوي التجديد
كان الفنان محمد عبلة عضوا في إعداد وثيقة الأزهر التي صدرت منذ سنوات قليلة بالتعاون مع مثقفي مصر وممثلين عن مختلف التيارات، لكنها بقيت في طورها ولم تتجاوزه إلي حيز التنفيذ، يقول عبلة عنها: «كانت متقدمة جدا، وضعها مجموعة كبيرة من داخل الأزهر وخارجه. لكن ما حدث بعد ذلك أن كل أداءات الأزهر كانت تقريبا ضد الوثيقة، فلم تتطور. حيث أن أي مقترح من خارج كتب التراث القديمة يعتبرونه أفكار دخيلة وهدما للمجتمع. لذلك لابد للمثقفين الوقوف ضد هذا القانون. الأزهر يريد تأكيد وجوده ليس أكثر، وغلق الباب في وجه أي دعاوي لتجديد الخطاب الديني، لأنهم لا يريدون فعل ذلك».



  القعيد: يعود بمصر إلي العصور الوسطي
لم يقرأ الكاتب يوسف القعيد، عضو البرلمان؛ تفاصيل القانون، لكنه كوَّن رأيا من قراءاته حوله بأنه سيعود بمصر للعصور الوسطي. ويعلن رفضه له قائلا: «أنا ضده، علما بأن ما أقوله خطأ، لكنه خطأ أفضل مائة مرة من أي صواب يأتي من وراء هذا القانون الخطير جدا والذي يجب أن نقاومه جميعا. أين اتحاد الكتاب؟ أين اتحاد النقابات الفنية؟ أين لجان الدفاع عن الحريات؟ أين نقابات الرأي في مصر؟ لابد من وجود وقفة حقيقية في وجه هذا القانون، بصرف النظر عمن قدمه أو مصدره. فالكراهية مثل الحب، مشاعر شخصية داخل الإنسان، لا يمكن المحاسبة عليها إلا إذا ترجمت إلي أفعال».



 للإعلام مجالس تحميه.. وتحاسبه
أعضاء بالهيئات الوطنية: نرفض رقابة الأزهر

عندما تم إعلان تشكيل المجلس الأعلي للإعلام وهيئتين لتنظيم الإعلام والصحافة، كانت اختصاصاتها واضحة، فهي المسئولة عن الاهتمام بكل ما يخص وسائل الإعلام وقوانينها، لكن الأزهر تجاوزها أثناء وضع مواد القانون وقرر القائمون عليه وضع المحاذير وفق ما يرونه صحيحا.
يقول الإعلامي جمال الشاعر، عضو الهيئة الوطنية للإعلام: «ميثاق الشرف الإعلامي والقانون المنظم للكيانات الإعلامية الجديد المتمثل في المجلس الأعلي للإعلام وهيئتي الإعلام والصحافة؛ تضمن كل ما جاء في هذا المقترح. فهذا عملنا، حيث لا يستقيم العمل الإعلامي والصحفي بدون المهنية التي تقوم أساسا علي الدقة والموضوعية وعدم الحض علي الكراهية واحترام الآخرين، وغيرها من القيم الإنسانية. كما أنه موجود في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي مواثيق الشرف الإعلامية، وفي السياسات التحريرية للمؤسسات الإعلامية الكبري في العالم».
وعن الموضوعات التي يحظر القانون علي الإعلام الخوض فيها، يوضح: «هناك قاعدة في الإعلام تقول «لا يوجد سؤال غبي ولكن يوجد مذيع غبي»، فالإعلام  بما فيه الصحافة  يستطيع أن يناقش أي موضوع بمهنية عالية لا توقعه في المهاترات، أما ما يقصده القانون فهو الأداء غير الإعلامي لبعض الدعاة الجدد والمجتهدين، الذين يبتعدون عن المهنية الإعلامية ويسببون نوعا من الصدمات للجمهور والأطراف الأخري، فليس هناك إعلامي يفعل ذلك، وإنما يصدر هذا من المتخصصين في أمور الدين مثل سالم عبد الجليل وإسلام بحيري وسعد الدين الهلالي. لذلك أولي بالأزهر أن يهتم بتجديد الخطاب الديني والتحاور معهم، ولا يشغل باله بالإعلام لأنه ليس طرفا، فليطمئنوا أن للإعلام مجالس وهيئات تحميه، وتحاسبه حينما ينحاز لاتجاه علي حساب الآخر».
وبشكل قاطع؛ يعلن الشاعر: «أرفض أن يمارس الأزهر دورا رقابيا علي الإعلام أو وصاية. فالإعلام عليه أن يساعد الأزهر في أداء دوره في تجديد الخطاب الديني ومكافحة التطرف والإرهاب والطائفية والبلبلة الدينية والعقائدية، بالتعاون مع المجلس والهيئتين. ولكن لا يجوز الالتفاف حول مواد الدستور، فمن الذي سيحدد إن كان ما يقدًّم حرية رأي أم مخالفة؟ وأخشي أن يصل هذا الأمر لعودة محاكم التفتيش الدينية. فالقضاء علي الكراهية يتطلب قانوناً مهنياً وميثاق شرف أخلاقياً لحل المشكلات الإعلامية بعيدا عن الملاحقات القضائية في المحاكم، ولهذا السبب أنشأت الهيئات، بها عقوبات ولجان شكاوي وتحقيق وتأديب، لنحترم الدستور لكي لا يكون هناك حبس في قضايا الرأي والنشر».
من جانبه؛ قال الكاتب الصحفي محمد الهواري، عضو الهيئة الوطنية للصحافة: «الكراهية كلمة عامة ومطاطة لا يمكن تقنينها. ونسبية من شخص لآخر. لا أفهم المغزي من مقترح هذا القانون. هل تم إعداده من أجل إسلام بحيري مثلا؟! كان لابد أن يتم عرضه علي الهيئات أولا، ومراجعة القوانين جيدا. فالمشكلة أن الأزهر أراد مواجهة الحملة التي تعرض لها بأي شيء. لكن هذا ليس مقبولا، ولا أظن أن مجلس النواب سيوافق عليه».