رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

يحيي يخلف: لا مستقبل لإسرائيل في الشرق الأوسط


إسراء النمر
7/29/2017 9:45:41 AM

قبل ثلاثة أسابيع، زارنا هُنا في »أخبار الأدب»‬  الروائي الفلسطيني يحيي يخلف »‬1944» ، وهو الذي اعتاد فعل ذلك، كلما أتي إلي القاهرة، إذ إنه صديقٌ لنا منذ أكثر من عشرين عاماً. ولأن للصديق حقاً علي صديقه، قَبَلَ يحيي يخلف بصدر رحب أن يتحدث معنا بشأن عدة قضايا تخص فلسطين »‬ البلد والثقافة» ، رغم أنه كان يود لو اقتصر الكلام علي الكتابة فقط، لكن كيف؟ كيف نتحدث عن الكتابة فقط مع كاتب من بلد مُحتل؟ »‬ خصوصاً لو كان قد شغل مناصب عدة وترأس وفد بلده في مؤتمرات اليونسكو»  كيف نفعل مثلما يفعل الكثيرون أن نتجاهل القضية ونزيدها تهميشاً؟ كيف نغض الطرف عن جرائم ووحشية وبجاحة العدو؟ كيف - وهذا الأهم - أن نأخذ موقفاً حيادياً من الدم؟
ولو كُنا نعلم الغيب، لو كان يحيي يخلف أيضاً يعلم الغيب، أن ما حدث في القدس الأيام الماضية سوف يحدث، أن إسرائيل ستصل إلي هذا الجنون، أن فلسطين ستكون بهذه الشجاعة، أن أجساد الشهداء ستتسلق الجدران لتنال حريتها، أن آلاف الرجال سيصطفون دون تردد في مواجهة مصير واحد، هو الموت، لكُنا ومعنا يحيي، اكتفينا بالحديث عن القدس، والمسجد الأقصي، لكن لا بأس، ما قيل لا يبتعد كثيراً، ما قيل يناسب ما حدث، سواء ما حدث الأيام الماضية، أو ما حدث منذ سبعين عاماً، ما قيل أيضاً يناسب كل ما سوف يحدث، ما قيل كان مليئا بالأمل، رغم ذلك، إذ رأي يحيي يخلف أنه »‬مهما طال الزمن أو قصر، لن يكون هناك مستقبلٌ لإسرائيل في الشرق الأوسط» .
لا يعتقد في هذا من فراغ، ففي روايته راكب الريح - التي حصدت جائزة كتارا لعام 2016 - كان يكرس لإيمانه هذا، إذ تناول مدينة يافا في القرن الثامن عشر، والصراع الذي مرت به آنذاك بين الأهالي وبين قوات »‬ الجندرمة» ، وما قام به الانكشاريون »‬ الذين يشبهون في أيامنا هذه الإسلاميين المتشددين والداعشيين»  من ممارسات تشعل الفتن، كي يمنعوا السلطان من تنفيذ الإصلاحات، كما تناول أيام احتلال جيش نابليون بونابرت ليافا وحصاره لمدينة عكا، والمجازر الدموية التي ارتكبها، والدمار الذي أحدثه، وكيف قاومه الناس ببسالة، وتمسكوا بالبقاء في أراضيهم، وبيوتهم، حتي انسحب نابليون مهزوما، لأنه كان ينوي أن يغزو دمشق، ثم منها إلي الأستانة، عاصمة الدولة العثمانية.
يقول يحيي يخلف: »‬هذه هي الرسالة التي أردتُ إيصالها للفلسطينيين، أن الغزاة يرحلون، ونحن من نبقي. الأرض والإنسان والحكمة. ففي الرواية التي لم تكن رواية تاريخية، إنما زمنها هو التاريخي، كان هناك إسقاطات كثيرة علي الواقع، إذ طرحتُ فيها سؤال التقاء الشرق بالغرب، هل من الممكن أن يحدث بينهما حوار، وأن يلتقي كتاب الحكمة الشرقي الذي حمله يوسف بطل الرواية مع أفكار الثورة الفرنسية التنويرية؟ الرواية انتهت إلي أن هذا مستحيل، لأن الغرب يريد حق أناسه، وكرامتهم، لكنه معنا يريد أن يغزونا ويدمر أراضينا ويستبيح دماءنا. لكن في النهاية، نحنُ من ننتصر. لذا، ليس لدي شك أن الغزوة الصهيونية الراهنة سيكون مصيرها مصير كل الغزوات التي مرت بها فلسطين» .
ليس فقط التاريخ هو من جعله يؤمن أن ما يحدث سوف يأتي له يوم وينتهي، إنما أيضا ممارسات إسرائيل التي يرفضها العالم، حتي لو كان في العلن يدعم هذه الممارســات، »‬فإســرائـيل دولـة فصــل عنصـــري. دولـة 

قامت علي اغتصاب أراضي الغير. دولة لا تحب السلام، ولا تريده، وإلا لماذا قررت أن تبدأ وجودها بالاحتلال، وأن تنكر حقوق الشعب الفلسطيني؟ كما أنها أيضاً قوة عسكرية مجنونة جبّارة، لكن هذه القوة لن تدوم، حتي لو ظلت محمية من قبل أمريكا، فإسرائيل لم تستطع علي مدار مائة عام أن تقنع من يهود العالم الذين يصل عددهم إلي 18 مليوناً بالذهاب إلي فلسطين سوي 6 ملايين ونصف يهودي، وهذا يعني أن غالبية اليهود يرفضونها، ويرفضون أن ينضموا إلي هذا الكيان الغاشم» .
يضيف يحيي يخلف: »‬كما أن إسرائيل لم تستطع أيضاً أن تمحو الهوية الفلسطينية، ولم تنجح في القضاء علينا، صحيح أنها تحاول سرقة تاريخنا وتراثنا وطعامنا، وتسعي إلي تهويد القدس، إلا أن الحقائق معروفة منذ ألف وأربعمائة سنة، أن القدس مدينة عربية خالصة، وهذا ما يغيظها، لأنها تعلم جيداً أن ما تفعله لن يجعل منها دولة ذات أصل، وتاريخ، وحضارة. معركتنا إذن شاملة، ومتعددة الأوجه. فنحن أمام احتلال حقير، وبشع. إذ نقاومهم علي مستوي كل الجبهات؛ الجبهة التراثية، والجبهة الثقافية، والجبهة الشعبية، حيث يشارك كل من يستطع في العمل المسلح» .
لذا هو يراهن علي صمود الإنسان الفلسطيني، فبقاؤه في أرضه، وتحمله لسخافات وجرائم العدو، التي تتخذ أشكالاً متعددة، من تضييق واعتقال وقتل ونهب وتهجير وابتزاز مستمر لمشاعرهم، هو بحد ذاته شكل من أشكال المقاومة، بل يكاد يكون المقاومة الحقيقية، إذ يحكيعن واقعة تعرض لها مواطن فلسطيني يسكن في نطاق إحدي المستوطنات، حيث  حاول أحد الإسرائيليين أن يشتري بيته، لكن الرجل رفض، فصاروا يرهبونه بإطلاق الرصاص عليه وعلي بيته، لكنه لم يخضع و قال لهم إنه مزروع في أرضه، ولن يرحل أبداً مهما فعلوا. هذه المقاومة الفردية هي من جعلت فلسطين باقية حتي الآن. فهم لا يتنازلون، عكس ما يُشاع عن حقوقهم. يريدون أراضيهم. يريدون دولة ذات سيادة. يريدون أن يعود اللاجئون إلي وطنهم. وطالما لم تتحقق هذه المطالب، ستبقي شعلة المقاومة متوهجة.
لكن ماذا عن أدب المقاومة »‬ وهو المصطلح الذي أطلقه غسان كنفاني علي الأدب الفلسطيني الذي يتبني الصراع مع العدو الصهيوني، ومقاومة التخلف والقهر والاحتلال والاستعمار والاستغلال»  هل تراجع وتغير مفهومه؟ يقول يحيي يخلف »‬في بداياتنا، كان أدبنا مليئاً بالشعارات والمباشرة والضجيج والسياسية، لكن عندما نضجت التجربة ونجح الكفاح المسلح، حيث كان العمل الفدائي يزرع والسياسة تحصد، أدركنا أن الأدب الجيد يخدم القضية الفلسطينية والأدب الرديء يسيء لها، فصار كل منّا حريصاً علي أن يعتمد عمله  علي عناصر فنية عالية، حتي يستطيع أن يقدم القضية بشكل لائق، وأن يعبر عن حنين الشعب وأنينه» .
يواصل: »‬أنا من جيل منتم للثورة الفلسطينية، حين كانت هناك قناعة سائدة لدي الإسرائيليين في الماضي أن الكبار يموتون والصغار ينسون. لكن حين كنا صغاراً تعلمنا الوطنية في مدرسة الأهل، قبل أن نتعلم في المدارس العامة. وكانت ثقافة الأهل، هي الثقافة السردية الأولي التي وعينا عليها، حيث الحكايات عن فلسطين، والمدن والقري، حيث الحكايات عن البشر والمواسم والعادات، حيث حكايات الكفاح والمقاومة، كل ذلك تعلمناه في بيت العائلة، الذي كان يسميه الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار البيت الدافئ، وحين كبرنا، أدركت حرفة الأدب بعضنا، فصرنا نغرف من ذاكرة الطفولة، لنصنع أعمالاً أدبية، ومن ذاكرتي كتبتُ رواية تفاح المجانين، رواية المخيم بعد النكبة، وتفاح المجانين هو نبات بري ينمو في أرضنا، دون أن يزرعه أحد، ويتكاثر تلقائياً بإغراء يغوي الكثيرين لقطف ثماره، وكان الكبار يحذرون الصغار منه اعتقاداً أن من يأكله يقدم علي أفعال خارقة كأن به مساً شيطانياً» .
لم ينتم أغلب جيل الستينيات في فلسطين إلي الأحزاب السياسية، لكن حين انطلق الكفاح المسلح، وأنشئت منظمة التحرير الفلسطينية، انتموا إليها، من بينهم يحيي يخلف الذي كان أميناً عاماً لدائرة الثقافة في المنظمة، حيث لعب دوراً مهماً في تجميع المثقفين والأدباء والصحفيين من أجل القضية الفلسطينية، كما أنه التحق بالفدائيين في بيروت مقاوماً، وعندما أنشأت الدولة الفلسطينية علي قواعد أوسلو انتقدها بشدة، فهو لديه وجهة نظر مفاداها أن »‬كل مثقف سياسي، لكن ليس كل سياسي مثقفاً» ، لذا يمكن القول إنه استطاع أن يمارس السياسة بشرطها الأدبي، حتي إنه حين تولي منصباً رفيعاً في فلسطين، صار وزيراً للثقافة من عام 2003 إلي عام 2006.
يقول يحيي يخلف: »‬كان أدب المقاومة المباشر ضرورياً في مرحلة من المراحل، نظراً لأنه كان يلعب دوراً سياسياً مهماً، فخرج شاعرنا الكبير محمود درويش مثلاً ليقول في وسط الميادين: »‬ سجل أنا عربي/ صبور/ في بلاد كل ما فيها/ يعيش بفورة الغضب» ، هذا الأدب فيما بعد تطور، لم يعد أدبا مباشرا، إنما أدب محرض علي البحث والتجديد، خصوصاً حين وصل إلي مرحلة لم يعد يقدم فيها إضافة نوعية للقضية، إذ قرر الكُتّاب بمن فيهم الكبار أن يعملوا علي نصوصهم، فأخذوا يطورون من أدواتهم، ويبحثون عن أساليب جديدة. لكن في نفس الوقت، ظل أدبنا أدب مقاومة. ورغم ذلك، نجد البعض يأخذ موقفاً سلبياً وربما عدائياً إذا وجد كاتباً فلسطينياً لديه نصوص مشحونة بالغزل والحب، طيب، ماذا نفعل إذن؟ إذا كان الحب هو إحدي ركائز الحياة، قولوا لنا كيف نتجاهله؟
ما لا يعرفه هؤلاء، أننا حين نقاوم، نحب أيضا. ففي يوم يكون لدينا شهيد، وفي يوم ثان يكون لدينا عرس. هكذا حالنا. علي العكس، نحنُ حريصون جداً علي الحياة، ونتمسك بها، كما أننا ننحاز دوماً للأمل في مواجهة اليأس، وللتفاؤل في مواجهة الإحباط. ولولا أن الشعب الفلسطيني حالما، لكان انقرض منذ زمن.. ما دمنا نحب الحياة فنحنُ نقاوم، مادمنا صامدين علي الأرض فنحنُ نقاوم. محمود درويش قال »‬ سننشئ دولة العشاق» ، ولم يقل سننشئ دولة وطنية، أو مدنية، لذا حين يكتب الكاتب الفلسطيني عن الحب، فهو لا يبتعد عن المقاومة. شاعرنا إبراهيم طوقان مثلاً، أيقونة ثورة 1936 في فلسطين، الذي كتب نشيد موطني، الذي تعتبره بعض الدولة العربية نشيدها الوطني، كان شاعراً عاطفياً أيضاً، يكتب عن الحب والحياة..
ليس المطلوب منّا، ككتاب فلسطينيين أن نكرس أنفسنا فقط للمقاومة، بل علينا أن نعبر عن ذواتنا، عن الضجيج الذي بداخلنا، عن الموت الذي يتسرب إلينا، عن رغبتنا في ممارسة الحياة كما هي، بلا زيادة أو نقصان، عن حبنا للعزلة أو للوحدة، عن حزننا، عن فرحنا، عن كل شيء نمر به، ويبعثرنا من الداخل. فكما فُرضت علينا المقاومة، علينا أن نفرض علي أنفسنا الحياة» .