رئيس مجلس الإدارة : ياســـر رزق       رئيس التحرير : طارق الطاهر
أحداث

مكتبة الإسكندرية.. رؤي جديدة لتعديل المسار


إيهاب محمود الحضري
8/5/2017 10:51:43 AM

في السادس عشر من أكتوبر لعام 2002، تم افتتاح مكتبة الإسكندرية بعد إعادة إحيائها من جديد، وسط حضور عالمي.
تولي الدكتور إسماعيل سراج الدين إدارة المكتبة التي جعلت رسالتها »استعادة روح الانفتاح والبحث التي ميزت المكتبة القديمة؛ فهي ليست مجرد مكتبة وإنما هي مجمع ثقافي»‬.
بدت الآمال تتخطي كل حد، وتفوق كل توقع، في أن تحمل المكتبة الجديدة بعضًا من روحها القديمة التي كانت قبلة للعالم كله، الذي أصابته الحسرة عندما رأي يوليوس قيصر يحرق ما يزيد علي المائة سفينة علي شاطئ البحر المتوسط، وقد امتدت النيران إلي المكتبة لتلتهمها. كان ذلك قبل 48 عامًا من ميلاد المسيح، فيما يعتقد المؤرخون.
غير أن الآمال خابت، ولم تلعب المكتبة الدور العظيم الذي كان منتظرًا منها. بالطبع أنجزت وقدمت إضافات مهمة خاصة في المجال البحثي، ولكن من المؤسف مثلًا أن تجد غالبية الكتاب والأدباء لا يعرفون عنها شيئًا، لا أقول شيئًا كثيرًا ولكن لا يعرفون شيئًا بالكلية!
هذا ما أصابني بدهشة كبيرة، وأنا أقوم بالإعداد لهذا الملف، وأبحث عن شهادات مختلفة تخص المكتبة ودورها المطلوب منها أن تؤديه خلال الفترة القادمة التي تولي فيها الدكتور مصطفي الفقي إدارتها.
الكتاب والنقاد الكبار يعرفون المكتبة وزاروها مرة أو أكثر ، ولكن الشباب الذين لا يزالون في العقد الثالث أو الرابع لا يعرفون شيئًا عنها: »‬كيف أكتب شهادة يا صديقي وأنا لا أعرف شيئًا عن المكتبة ولا عن أنشطتها؟» هذه أشهر إجابة كنت أسمعها خلال الإعداد للملف، وبدا أن عليَّ التوجه للإسكندرية نفسها، التي من الضروري أن يكون لدي كتابها الكثير مما يمكن أن يقال، سواء من حيث رؤاهم للتطوير، أو المشكلات التي وضعوا أيديهم عليها، وكذلك الأمور الجيدة التي رأوها بأعينهم، إن كان ثمة جيد يحدث في مصر.
في هذا الملف، الذي يهدف لتقديم رؤي مختلفة حول تطوير العمل داخل مكتبة الإسكندرية في إدارتها الجديدة مع الدكتور مصطفي الفقي، نقدم بعض الشهادات لكتاب ونقاد، من فئات عمرية مختلفة، وبتكوينات ثقافية وأيدلوجية مختلفة أيضًا ليقدموا مقترحاتهم حتي تستعيد مكتبة الإسكندرية بعضًا من روحها القديمة.

د.جابر عصفور: يجب أن تكون مكتبة الإسكندرية نافذة
علي ثقافة أمريكا اللاتينية وإفريقيا


لم تنشأ مكتبة الإسكندرية إلا لسبب واحد: أن تكون نافذة مصر علي العالم، ونافذة العالم علي مصر، بمعني أن تلعب دورًا في التنوع الثقافي الخلَّاق بين الشعوب، وتقوم هذه الثقافة علي احترام التنوع والتعدد.
وفي رأيي، فإن عودة المكتبة إلي دورها الأساسي ستكون لها دور فعال في تنشيط الوعي الثقافي ضد فيروسات الإرهاب، الذي سينهزم أمام أي تنوع ثقافي وحوار جاد قائم علي احترام حق الآخر في الاختلاف.نحن في حاجة ماسة لذلك لأن مشكلتنا بالأساس مشكلة ثقافية. إن المكتبة تحتاج إلي أن تنفتح علي ثقافات جديدة، هي مفتوحة بالضرورة علي العالم الغربي وهذا أمر طبيعي لأن مديرها السابق إسماعيل سراج الدين خريج الولايات المتحدة وله صلات وثيقة بأوروبا، ولكن ما العلاقة بين مكتبة الإسكندرية وثقافة أمريكا اللاتينية؟ لن تجد علاقة قوية بينهما، بل ربما كانت الصلة ضعيفة وتكاد تكون معدومة، كما أن دور المكتبة في تقديم الثقافات الإفريقية ضعيف جدًا، وفي ظني أن تقديم هاتين الثقافتين، ثقافة أمريكا اللاتينية، وثقافة إفريقيا، سيلعب دورًا كبيرًا في تعميق الوعي العام بثقافات منتشرة حولنا ولا نعرف عنها شيئًا كثيرًا.
أود أن أضيف بعدًا ثالثًا لما يجب أن تقوم به المكتبة، وهو دور غائب عنها رغم أهميته، حيث إن عليها أن تهتم بأدوات الشباب في التواصل، هذه الأدوات التي حققت ثورة في الوعي المصري سواء بقصد أو دون قصد، لماذا لا يكون للمكتبة موقع علي الإنترنت وصفحة علي السوشيال ميديا يديرها شباب فقط، ولا تكون مهتمة بعرض فعالياتها بقدر ما تهتم بالحوار مع الشباب، الذين سيكون التواصل معهم أسهل عندما تتم مخاطبتهم من جانب شباب في مثل عمرهم.



ماهر شريف  إدارة جديدة وإحباط مستمر
ما الذي تعنيه مكتبة الإسكندرية بالنسبة لمثقف سكندري؟ في الواقع هذا سؤال شديد الوعورة، لندع التعميم جانبًا ولأتحدث فقط عما تعنيه مكتبة الإسكندرية بالنسبة لي، المسألة هكذا تصير أوضح، والإجابة قد تبدو سهلة؛ فعندما تُذكر مكتبة الإسكندرية أمامي فهذا يعني إحباطًا مقيما.
لسنوات طوال كانت المكتبة بالنسبة لي حلمًا جميلا، حلمًا بمدينتي الإسكندرية وهي تعود لريادة العمل الثقافي في مصر والعالم، الريادة التي يمكن أن نساهم فيها ولو بجزء بسيط، لكنه يظل حلما نصنعه معا. وقبل الافتتاح الرسمي للمكتبة عام 2002 وكنا غارقين في ذلك الحلم، وجهت إدارة مركز الفنون بالمكتبة دعوات للعديد من مثقفي الإسكندرية لمناقشة (مستقبل المكتبة) ودورها في العمل الثقافي، وهي المناقشات التي لم تسفر عن شيء، ويتذكر المشاركون بها مدي الإحباط الذي أصابهم جراء ذلك. هذا الإحباط الذي تطور واستمر عندي خلال سنوات عملي بالمكتبة والتي امتدت منذ افتتاحها الرسمي عام 2002 وحتي العام 2005، وقد لمست خلال تلك السنوات مدي البون الشاسع بين ما نريده من المكتبة وما تسعي إليه إدارة المكتبة، وأتذكر النظرة المستعلية التي كانت إدارة مركز الفنون وقتها تنظر بها إلي مثقفي الإسكندرية، وهي النظرة التي كانت سببا في فشل مشروعات بدت واعدة مثل مشروع (فرقة اسكندرية المسرحية) التي لم تستمر إلا لأشهر معدودة، وبدت المكتبة بعيدة تمامًا عن مدينتها ومثقفيها.
وعندما قامت ثورة يناير 2011 توجهت آمالنا نحو إدارة جديدة للمكتبة، إدارة تحمل آمال وأحلام ليس مثقفي الإسكندرية وحدها؛ بل مثقفي مصر جميعا، أن تتحول المكتبة من دار مناسبات رئاسية فخمة إلي كيان ثقافي حقيقي، تلك الأحلام التي تحولت إلي زخم حقيقي من الضغوط الثقافية علي إدارة المكتبة. ولأول مرة انضم إلي الراغبين في مستقبل مغاير للمكتبة أشخاص من داخل المكتبة: موظفون أكسبتهم الثورة وعيا جديدا وجرأة فذة لمواجهة إدارة المكتبة بمثالبها وعيوبها، تلك العيوب والمثالب وأوجه الفساد التي ظهرت للعلن بعد ما كانت متوارية خلف ستار الحماية الرئاسية لإدارة المكتبة، ولم تكن تلك العيوب في السياسة الثقافية لإدارة المكتبة فقط، بل أيضا في سياستها الإدارية التي كانت إدارة المكتبة تفخر بكونها أحدثت طفرة إدارية في العمل الحكومي المصري، وهو ما ثبت كذبه.
ومثلما فعلت الدولة العميقة لمصر بعد الثورة، أحنت إدارة المكتبة رأسها، بخفة غريبة، لتلك الرياح وتجاوزتها، مخلفة مزيدا من الإحباط لأمثالي ممن كانوا يأملون في تغيير حقيقي ليس في الأشخاص فقط ولكن في الفكر والإدارة أيضا.
اليوم وبعد خمسة عشر عاما طويلة من الثبات والجمود، يأتي التغيير.. اليوم تحمل إلينا الأخبار أنباء عن تغير في إدارة المكتبة، عن انتهاء عهد استمر طويلا حتي حسبناه من مسلمات الأقدار التي تعودنا في مصر علي احتمالها، هذا التغيير الذي يدفع السؤال القديم للظهور مجددا: ماذا عن مستقبل مكتبة الإسكندرية؟
والإجابة عندي واضحة لا تحتاج لتبيان، فعندما نجد رغبة حقيقية، ليس في مكتبة الإسكندرية فقط بل في مصر كلها،في مكافحة حقيقية للفساد الإداري والثقافي، عندما نشرع في وضع سياسة ثقافية ناتجة عن مشروع ثقافي قومي، وقتها يمكن أن نأمل في مستقبل أفضل. وحتي يحدث ذلك،، دعونا نفرح بتغيير الأسماء، ونستبشر بمجيء قيادات جديدة تري أن أهم ما يمكن أن تفعله في المكتبة هو تقليص عدد العاملين بها!


هند جعفر: أن تنظر للداخل المصري وتنشغل به

لا شك أن مكتبة الإسكندرية مشروع مهم للغاية وشهادتي فيه مجروحة، فأنا أحد العاملين في المكتبة، وبحكم عملي أتماس كثيرا مع الباحثين من مختلف البلدان، يأتون للمكتبة للتعامل مع بعض المراكز فيها خاصة البحثية منها. أعمل مثلا في مركز المخطوطات، وأقابل باحثين من اليابان وألمانيا والهند وغيرهم يأتون للبحث عن نسخة من مخطوط يفيدهم في بحث أو كتاب. وما أقوله ينسحب علي بقية أقسام المكتبة.
هناك جهد كبير مبذول في المكتبة يحتاج تغطية إعلامية قوية تتعامل بطريقة غير نمطية. ولكن الجانب الآخر من عملي ككاتبة يجعلني أقول إن المكتبة تحتاج للتواصل مع مثقفي هذا البلد. سوف أضرب لك مثلا، لا ضير أن يكون جزء من عمل المؤسسة يتماس مع عمل النوادي الثقافية ففي النهاية الأدب والفن ليسا مجالات بحث علمي، ولا يجب التعامل معهما بفوقية بعض الأكاديميين ومنظري الحالة الثقافية المصرية. تحتاج المكتبة أن تنظر أمامها لا فوقها، وأن تنظر وتتعامل مع الحراك الثقافي بدون أن تحسب علي تيار سياسي أو أيديولوجي ما. عندما أصدرت مجموعتي التي نالت جائزة ساويرس هذا العام، ذهبت بنفسي لمختبر السرديات في المكتبة وطلبت منهم عمل ندوة للمجموعة التي لم تكن قد حصلت علي الجائزة بعد، وتفضلوا مشكورين بإقامتها ولكن بعد عام كامل كنت أتواصل فيه بشكل شهري مع المشرفين علي المختبر. عندما تساءلت عن الأمر أخبرني المسئولون أن عدد المتقدمين كبير وإنهم يجاهدوا لترتيب الندوات.. فلنتحدث بصراحة هل يُعقل أن مكتبة الإسكندرية ليس لديها سوي برنامج واحد لمناقشة الأعمال الإبداعية؟ هذه مشكلة يجب حلها.  يجب عمل سلسلة برامج لمناقشة الأعمال الأدبية والفكرية، ولا ضير أن تتكون حلقات فلسفية وحلقات قصصية وحلقة روائية. إن وظيفة المكتبة أن تنظر للداخل المصري وتهتم به.  غير ذلك أنا أثمن دور المكتبة كثيرًا في المجال البحثي.



علاء خالد »‬ الشخصنة»

بعد هذه السنوات التي مرت علي افتتاح مكتبة الإسكندرية مازال التساؤل قائمًا عن مشروعيتها أو دورها في الحياة الثقافية سواء في الإسكندرية أو في مصر عامة، وهل أدت هذا الدور المنوط بها أن تقوم به. وهو السؤال المعاد طوال هذه الفترة من عمرها التي تمتد إلي خمسة عشر عاما. لم ينتقل السؤال إلي القضايا التي ناقشتها، أو طرحتها، أو فجرتها، أو التي ساهمت في إدارتها مجتمعيا، أو الحساسية المختلفة في طرحها للقضايا. لم يحدث هذا، فما زلنا في المستوي الأول من التقييم. بالتأكيد هناك جسم نما خلال هذه السنوات، ولكن له عقل أناني فارغ من المسئولية.
ربما كانت فكرة »‬الإحياء» نفسها فكرة وهمية تحتاج تدقيقا، كونها وجدت في عصر قليل البحث والجهد والرغبة في التغيير، وكثير الفساد والتربح وتحويل أي مصلحة عامة إلي مصلحة شخصية »‬سبوبة». اُستغلت المكتبة سياسيًا ولم تستغل بحثيًا، بكل ما في السياسة من مناورة ومداراة وتحزب، وبُعد عن الحقيقة والموضوعية. إننا لسنا في عصر نهضة، لذا ربط الاسمين القديم والجديد لمكتبة الإسكندرية، هو مامنحنا الأمل أن هناك شيئا يحدث، علي الأقل انتظرنا شيئا يحدث. بأن تكون مكتبة الإسكندرية القديمة، بكل تعددها ودورها في لحظتها التي تحدث عنها من قبل الأديب الإيطالي الكبير امبرتو   أيكو، هي المرجع الروحي للمكتبة الحديثة.   
لازال دور المكتبة غامضا علي أقرب الناس إليها، وهم أهل المدينة، وربما هذا الانفصال عن المحيط والغموض في الدور هو ميراث من المرحلة السابقة التي التحقت فيها المكتبة سياسيا بفكر الدولة في عهد مبارك، فدخلت في دهاليزها وتبنت مصطلحات ساذجة كأي جمعية أهلية صغيرة. حتي الآن الدور غامض ويحتاج تطويرا في الأداء، وشفافية ووضوحا في الهدف. ربما الجزء الذي استقر وله وضوح في هدفه هو حضور المكتبة كمتحف مفتوح أو كمعرض دائم، هذا الجزء الذي يختص بالمشاهدة هو الذي حدث به تقدم وتطوير دائمان. بالإضافة للأقسام التي تهتم بخدمة القراءة والاستعارة وغيرها.
تحولت المكتبة في عمرها القصير نسبيًا إلي مؤسسة بيروقراطية ولكن لها واجهة زجاجية براقة. بكل ما في تراث البيروقراطية المصرية ولكن هذه البيروقراطية الجديدة لايحكمها صغار الموظفين، بل يحكمها كبار الموظفين الذين يتكلمون لغات أجنبية، كونها مؤسسة دولية، ولهم مناصب جامعية أو انتماءات سياسية لينة، وأيضا يرتبطون بعلاقات ثقافية واهية بنظرائهم الأوربيين اغلبها استشراقي النزعة. وأصبح لهؤلاء شركاء دوليون في هذه القسمة، وتحولت المكتبة بالنسبة للبعض إلي مكتب خاص لإدارة أعمالهم. ومن ثم »‬شخصنة» دورها، عبر هؤلاء، ومنهم من قضي نحبه وخرج منها، ثم عاد مستشارا، ومنهم من ينتظر.
من يراجع علي المكتبة، هل هي تلك الهيئة الدولية الشبحية؟
أي رغبة في تطوير المكتبة يجب أن تتم من خلال نقد النظام الذي سمح بتوليد وتقسيم هذه الإقطاعيات، علي نقد »‬الشخصنة» أكثر من نقد الخطة أو الطموح أو غيره، لأن الفكرة لازالت نيئة ترتبط بأشخاص وليست بأفكار. أعتقد أن غاية أي قسم/ قطاع في المكتبة أن يحصل علي أي fund مع أي مؤسسة أوربية، ومن هنا بدأ البيزنس، والتعاملات  والنفوذ والعراك، وتحولت المكتبة إلي مؤسسة مدنية من النوع الرديء.                                   
بوصفي مواطنًا وكاتبًا أعيش بالإسكندرية وأصدر مجلة »‬أمكنة» بالجهود الذاتية منذ عام 1999 في واقع لايشجع أي جهود ذاتية. وللأسف تم تجاهل المجلة، وربما لأسباب شخصية غير معروفة بالنسبة لي، وهذه الأسباب الشخصية هي نوع من المنافسة غير الشريفة وغير المتكافئة.
بالرغم من اهتمامي الشخصي، واهتمام المجلة بالثقافة السكندرية، وثقافة المكان، وطرحها لعدد من الأعداد والموضوعات وثيقة الصلة باللحظة الحاضرة وتحولاتها. بالتأكيد هناك عدد من نقاط التقاطع مع المكتبة وندواتها واهتماماتها، في عدة قطاعات، ولكن لم يتم أي مرة توجيه الدعوة للمجلة أو لي، باستثناء استضافة المكتبة ليوم من احتفال المجلة بسنتها العاشرة، أو تقديم العون للمجلة وسط هذه الظروف الصعبة، أو توسيع رقعة قرائها. أليس هذا غريبا؟ هل هذا طبيعي؟ أأسف لأني أتكلم بهذا الصوت الشخصي، ولكن يبدو أنه ظرف غير موضوعي بالمرة.
لاأفسر هذا سوي بالسلوك الشخصي المنافي لأي موضوعية من القائمين علي هذه القطاعات أو الأقسام، وخاصة »‬مركز دراسات الإسكندرية والبحر المتوسط». الذين يقومون بطباعة كتب من تأليفهم داخل القسم، وعلي حساب ميزانيته أو ميزانية المكتبة، وهذا ليس المشكلة، ولكن أن تكون هناك نظرة أوسع في الاختيار وإدخال شركاء مصريين داخل أبحاث القسم ومنشوراته. بالإضافة لاهتمامهم بدعوة شخصيات أجنبية ثابتة ومكررة، أهم بكثير بالنسبة لهم وبالنسبة لعلاقاتهم الشخصية.




د.محمد عفيفي: نريد أن نتعرف من خلالها علي ثقافة البحر المتوسط

أتصور أن مكتبة الإسكندرية يجب أن تكون همزة الوصل بين ثقافة مصر وثقافة البحر المتوسط، حيث إن هذا هو دورها التاريخي ومبرر وجودها الآن، ولكني أخشي أن تكرر نشاطات مؤسسات ثقافية موجودة داخل مصر الآن، لأن ما يميزها هو هذا الانفتاح علي ثقافات المتوسط، بأن تقدم للإنسان المصري تلك الثقافات، وتقدم أيضًا ثقافتنا هناك. يمكن للمكتبة أن تعقد الندوات، ولكن هذا لن يميزها، لأنه ليس طريقها، ودورها أبعد من أن تنجر في الفعاليات المحلية.
يمكن للمكتبة أن تلعب دورًا في تقديم العلاقات المصرية الفرنسية، أو تأثير السينما الإيطالية علي المصرية مثلًا، فتكون حلقة الوصل بين مصر وعالم البحر المتوسط. هذا ليس معناه أن تخرج المكتبة لتلعب دورًا خارجيًا ولكن ما أقصده هو تنمية الداخل بالانفتاح علي الخارج، لأنها المؤسسة الثقافية الوحيدة التي بإمكانها تحقيق ذلك.
أوضح أيضًا أن تصوري لا يمنع المكتبة من عقد الندوات والمؤتمرات، ولكن لا أريد لها أن تنجرف وراء هذه الفعاليات والنشاطات التي يمكن للمجلس الأعلي للثقافة مثلًا أن يقوم بها، وهي تدخل ضمن اختصاصاته أيضًا.
لابد أن ينعكس هذا الاهتمام من جانب المكتبة فيما يخص ثقافات البحر المتوسط علي المطبوعات التي تصدرها أيضًا، كي تتم معالجة الأمر علي نحو شامل، حيث تتم طباعة ونشر الكتابات التي تلقي الضوء وتوضح جيدًا هذه الثقافات التي من المهم أن نتعرف عليها ونغوص فيها أعمق من ذلك.


أحمد الخميسي:علي مكتبة الإسكندرية
 أن تكون عقلًا للثقافة المصرية

أتصور أن الدور الأول الذي يجب علي مكتبة الإسكندرية أن تلعبه هو أرشفة تاريخنا الثقافي، والحديث هنا ليس عن أرشفة بمعناها التقليدي، أي الجمع والتصنيف فقط، ولكنها إعادة تكوين للثقافة المصرية علي مدار سنوات تاريخها، بمعني أن تكون المكتبة عقل الثقافة المصرية.
لدينا الكثير من الأعمال المهمة التي لم تخضع للأرشفة. مثلًا المسرحيات الأولي ليعقوب صنوع لا يعرف عنها أحد شيئًا، وأعتقد أن المكتبة بإمكانها أن تؤدي تلك المهمة الجليلة للثقافة المصرية، لأن هذه المكتبة لا ينحصر دورها في أن تكون مكتبة لجمع الكتب فقط، مثل دار الكتب القومية، هذا أحد أدوارها، ولكن هناك مهام أخري عليها أن تؤديها.
علي المكتبة أن تقوم بما يمكن أن نسميه »‬تقليب» الثروة التراثية التاريخية لدينا، وإفرازها من جديد، ومعرفة التراث الضائع والتراث الموجود.
ولم تعد الأرشفة الورقية تنفع في وقتنا الحالي، بمعني أن التطور التكنولوجي أصبح سمة دالة علي العصر الذي نعيش فيه، ولذلك لابد من أرشفة ثقافتنا العربية إلكترونيًا، ولا أظن أن المكتبة تقوم بهذا النوع من الأرشفة.
لو كنت مديرًا للمكتبة، لقمت بجمع تلك المقالات التي دارت بين طه حسين وعبد الرحمن الشرقاوي بخصوص كلمة استخدمها طه حسين في إحدي رواياته ووجد الشرقاوي أن العميد أخطأ في استخدامها علي هذا النحو، وبعد مقالات متبادلة علي صفحات جريدة الجمهورية اعترف طه حسين بخطأ ما فعل وبانتصار الشرقاوي عليه. هذا تراث يجب أرشفته والاحتفاظ به في الذاكرة الثقافية لمصر.



 عبدالرحيم يوسف:هل ترغب الإدارة الجديدة في التغيير؟
في بداية تسعينيات القرن الماضي، كان الكلام عن الحلم القديم بعودة مكتبة الإسكندرية بتاريخها الأسطوري المليء بالأمجاد والتراجيديا قد بدأ يتخذ شكلا آخر، إذ بدأت تظهر علي مساحة الأرض التي تم تحديدها لها معالم بناء ما، وارتفع مبني قاعة المؤتمرات وبدأ استخدامه بالفعل، في ذلك الوقت كنت قد التحقت بكلية التربية في جامعة الإسكندرية والتي تقع داخل المجمع النظري غير بعيد عن المكتبة الحلم. وفي ذلك الوقت أيضا كنت أتردد منذ أعوام علي مكتبة أخري هي مكتبة البلدية؛ المكتبة العامة الوحيدة تقريبًا في ذلك الوقت بالإسكندرية، والتي أدين لها بفضل عشرات الكتب التي قرأتها منها في ما يمكن تسميته بفترة التكوين. لكن حلم التردد والقراءة والاستعارة من مكتبة الإسكندرية كان يراودني بوعود أكبر وآمال عظمي تليق باسمها المهيب!
ومع بداية الألفية كان الحلم قد اقترب، وغدا للمكتبة مدير اختارته الدولة بعد تاريخ حافل وصل فيه إلي منصب نائب رئيس البنك الدولي وترشح لمنصب مدير اليونيسكو وحصل علي أكثر من 34 دكتوراه فخرية وكتب وحرر أكثر من 50 كتابا في مجالات عديدة من العلم والأدب والثقافة والتنمية والعمارة.. رجل موسوعي بحق في زمن التخصص المقيت!
وقبل الافتتاح الرسمي في أكتوبر 2002، كان الهيكل الإداري للمكتبة قد استقر أو بدأ في الاستقرار منذ سنوات، وكنت أنا قد بدأت التردد علي ورشة الشعر في أتيليه الإسكندرية منذ عام 1999. وفي أواخر عام 2000 تقريبا فوجئنا في الورشة التي كانت تُعقد أسبوعيا بزيارة من المايسترو شريف محيي الدين مدير مركز الفنون بالمكتبة وقتها، كانت كما يبدو زيارة استطلاعية ضمن جولات لمحاولة التعرف علي الواقع الثقافي للمدينة التي ستحتضن المكتبة، والتي علي ما يبدو لم تكن تملك أشخاصا مؤهلين لشغل منصب مدير المكتبة أو مدير مركز الفنون، خاصة أن المكتبة في الأخير ليست قصر ثقافة آخر، بل هي مركز ثقافي دولي يضع في أولوية أهدافه أن يكون "نافذة مصر علي العالم ونافذة العالم علي مصر". كنا في ورشتنا نناقش في سلسلة من الجلسات موضوع الحداثة وما بعد الحداثة وقصيدة النثر في مقابل التفعيلة، في ظل صراع مستمر بين التيار الكلاسيكي والتيار الحداثي لو أمكننا وصفهما بذلك داخل الورشة. كان وجود المايسترو لطيفا بقميصه الهاواي وبنطاله الأبيض، استمع الرجل لفترة ثم طلب التعليق، أبدي الرجل اندهاشه من انشغالنا بهذه القضية "والكلام الكبير" وأن الشعر في رأيه "انتهي بوفاة صلاح عبد الصبور"! وكان هذا التعليق الساخر المستخف بالنسبة لي أول غيمة عتمت سماء الحلم الفيروزي بمكتبة الإسكندرية الغراء.
بعدها بفترة قصيرة وفي إطار ما كان يُسمي بالافتتاح التجريبي حضرنا حفلا بعنوان قصيدة وثلاثة ملحنين، تم فيه اختيار قصيدة الراحل أمل دنقل أيدوم النهر؟ ليتم تقديمها في ثلاثة أشكال لحنية علي يد الملحنين: الراحل حمدي رؤوف وشربيني وفرقته نغم مصري، والمايسترو والأوركسترا بغناء نيفين علوبة. وكان بودي لو أسأل المايسترو إن كان يقصد في تعليقه في الأتيليه صلاح عبد الصبور أم أمل دنقل؟ وفي الندوة التي أعقبت الحفل والتي أدارها المايسترو مع الفنان هاني شنوده طلب زميلي في الورشة الشاعر سامي إسماعيل التعليق، وسمح له المايسترو الذي يبدو أنه تذكرة من ندوة الأتيليه وعلق بأسلوبه الساخر أنه يقلق من الشعراء وأنه تقريبا يتحسس مسدسه كلما طلبوا الكلمة!! كان هذا الأداء مدهشا ومنذرا بالنسبة لي.
وفي يوم حفل الافتتاح الشهير الذي نقلته الشاشات وحضره رؤساء حاضرون وسابقون وملوك وملكات، بدت الشخصية التي يراد للمكتبة أن تكون عليها واضحة جلية: مكان احتفالي أنيق، نافذة عالمية تتشرف برئاسة السيدة الأولي لجمعية أصدقائها الدولية التي تهديها تمثالها، وتزهو بوجود كل هؤلاء الرؤساء في مجلس الأمناء.
أذكر منذ سنوات كتب الراحل الكبير جمال الغيطاني في افتتاحية جريدة أخبار الأدب متعجبا ومتسائلا لمن تتوجه المكتبة ومن هو جمهورها؟ كان الراحل يحضر مؤتمرا عن الرواية في المكتبة وفوجئ أن أصدقاءه من كُتاب الإسكندرية غير مدعوين ولا يعرفون بأمر المؤتمر أصلا، المفارقة الأكبر أنه التقي في أحد دهاليز المكتبة الكثيرة صديقا كاتبا عربيا كبيرا يحضر مؤتمرا آخر يقام في المكتبة في نفس الوقت دون أن يعرف هو بأمره أو يسمع صديقه عن مؤتمره!
هكذا ونتيجة لعلاقتي ببعض الأصدقاء العاملين في المكتبة عرفت عام 2005 بأمر الأمسية الشعرية (السرية) للشاعر الكبير محمود درويش والتي صاحبه فيها بالغناء المطرب الكبير علي الحجار وذهبنا أنا وأصدقائي لنحضر الأمسية في المسرح الكبير وسط حضور ضعيف للغاية ممن عرفوا بأمر هذه الأمسية. وعرفنا من الجرائد بمحاضرة إمبرتو إيكو أو نصر حامد أبو زيد التي جرت بدعوات وفي سرية تامة.
وحين قامت الثورة تكشفت الكثير من القصص المخفية: حساب باسم السيدة الأولي تصل إليه تبرعات المكتبة وينكر مديرها السابق معرفته به، جمعية باسم السيدة الأولي في سويسرا تهدف لتلميع اسمها علي أمل الحصول علي جائزة نوبل للسلام أو أي جائزة كبري وخمن من يكون سكرتير الجمعية؟ السيد مدير المكتبة طبعا! امتدت الثورة إلي المكتبة وتفجرت الخلافات والفضائح علي صفحات الجرائد واختلف السيد المدير مع السيد مدير مركز المخطوطات الذي كان يسبح بحمده قبل سنوات قليلة، وبدا المكان الأنيق لا يختلف كثيرا عن بقية الأماكن الفاسدة في مصر.
لكن الثورة عبرت، وهدأت العاصفة، وبدأت المكتبة في محاولة استنساخ نموذجها الإداري في أماكن أخري في مصر، وبدا الأمر وكأن التغيير غير مطروح، حتي خرج السيد المدير مؤخرا مع الشكر.
إن من يطالع التقرير السنوي الأخير لعام 2015  2016 يشعر أن المكتبة تؤدي ما عليها وأكثر، وأنها لا تقود الحياة الثقافية في مصر فقط، بل في العالم كله، وأن أي انتقادات أو تحفظات ما هي إلا تخرصات حاقدين وتقولات حاسدين، لا يرون الإشعاع الدائم الذي يخرج من مبني المكتبة الرئيسي المشيد علي شكل قرص الشمس. لكن بقليل من التأمل والبحث، ربما يبدو جليا ذلك الوجه المعتم للحقيقة. والذي يبدو الأمل في تغييره مرتبطا برغبة الإدارة نفسها في مراجعة رؤية المكتبة ورسالتها ورضاها ورضا القائمين عليها الأبدي عن أنفسهم.